الفصل الخامس والعشرون

اقتنع إيفانهو بهذا المنطق، وأطاع تعليمات ريبيكا. وفي الصباح، وجدَته طبيبته الطيبة وقد شُفي تمامًا من أعراض الحمَّى، وأصبح قادرًا على تحمُّل مشقَّة الرحلة.

وُضِع في محفَّة الخيول التي كانت قد أتت به من ساحة النزال، واتُّخذت جميع الاحتياطات لكي يكون سفره مُريحًا، ولكن إيزاك وضع الخوف من السرقة نُصْب عينَيه؛ ومن ثَم سافر مُسرعًا في مسيره، وكان يتوقف وقفاتٍ قصيرة، ويجعل وقت تناول وجبات الطعام أقصر، حتى إنه مرَّ بسيدريك وأثيلستان اللذين كانا قد سبقاه في سفرهم بساعاتٍ عِدة. وكانت السرعة التي أصرَّ عليها في سفره قد أدَّت إلى مشاحناتٍ عديدة بينه وبين أولئك الذين كان قد استأجرهم لحراسته. وكانت النتيجة أنه عندما أصبح الخطر وشيكًا تخلَّى عنه المرتزَقة الساخطون الذين كان قد اعتمد على حمايتهم.

في هذه الحالة البائسة وجد سيدريك اليهوديَّ ومعه ابنته ومريضها الجريح، كما سبق أن ذكرنا، وسرعان ما وقعوا بعد ذلك في قبضة دي براسي وأعوانه. كانت دهشة دي براسي كبيرة عندما اكتشف أن المحفَّة تضمُّ رجلًا جريحًا تصوَّر أنه وقع في قبضة الخارجين عن القانون الساكسونيين، واعتقد أن اسمه قد يُمثل حماية له ولأصدقائه لديهم، فجهر لهم بأنه ويلفريد أوف إيفانهو.

عندما وصلوا إلى توركويلستون، وبينما كان فارس الهيكل وسيد تلك القلعة عازمَين كلٌّ منهما على تنفيذ خططه الخاصة، فأحدهما كان يطمع في كنز اليهودي والآخر في ابنته، نقل مساعدو دي براسي إيفانهو، تحت اسم الرفيق الجريح، إلى غرفةٍ بعيدة. وهنا انتقلت مسئوليته إلى أورفريد، أو أولريكا، كما كانت تُدعى حقًّا، ولكن إذ كان عقلها يستعر بذكرى ما قاسته من إيذاء وبالآمال في الانتقام، اقتنعت بسهولة بأن تتولى ريبيكا أمر الاعتناء بمريضها.

عندما وجدت ريبيكا نفسها مرةً أخرى إلى جوار إيفانهو، شعرت بالدهشة من إحساسها بالسعادة الشديدة. وعندما كانت تتحسَّس نبضه وتسأله عن صحته، كانت ثَمة نعومة في لمستها ونبرات صوتها، ينمَّان عن اهتمامٍ أكثرَ حنوًّا مما قد يسرُّها التعبير عنه طواعيةً، ولكن جاء السؤال الذي كان يتسم بالبرود من إيفانهو حين قال «أهذه أنت أيتها الفتاة الكريمة؟» ليجعلها تتمالك نفسها. وكانت الأسئلة التي سألتها للفارس حول حالته الصحية بنبرةٍ تنمُّ عن صداقةٍ هادئة. أجابها إيفانهو بأنه أصبح بصحةٍ جيدة كما توقَّع، بل أفضل مما توقَّع، قائلًا: «شكرًا يا عزيزتي ريبيكا على مهارتك النافعة.»

قالت الفتاة لنفسها: «إنه يدعوني عزيزتي ريبيكا، ولكن بنبرةٍ فاترة ولا مُبالية لا تتناسب مع الكلمة. إن جواد حربه وكلب صيده أعزُّ عليه من اليهودية المحتقَرة!»

استطرد إيفانهو قائلًا: «إن أثر الكدر الذي يعتري ذهني بفعل القلق يفوق، أيتها الفتاة الكريمة، أثر الألم الذي يعتري جسدي. ومن أحاديث هؤلاء الرجال الذين كانوا يحرسونني قبل قليل، أعرف أنني سجين في قلعة فرونت دي بوف. وإن كان ذلك صحيحًا، فكيف سينتهي ذلك الأمر، أو كيف يُمكنني حماية روينا وأبي؟»

قالت ريبيكا بينها وبين نفسها: «إنه لا يذكر اليهودي أو اليهودية، ولكن أي نصيب لنا فيه، وكم كان عقاب السماء عادلًا على تركي لأفكاري تسترسل بشأنه!» ثم أسرعت في إعطاء إيفانهو المعلومات التي كان بإمكانها أن تُخبره بها، ولكنها لم تزِد على أن فارس الهيكل بوا جيلبرت والبارون فرونت دي بوف كانا هما القائدين داخل القلعة، التي كان يُحاصرها من الخارج أناسٌ لا تعرفهم.

تزايدَت داخل القلعة الضوضاء التي كانت ناجمة عن التجهيزات الدفاعية التي كانت شديدة لبعض الوقت، لتُصبح عشرة أمثالها في الصخب والجلبة. وسُمِعت أصوات الفُرسان وهم يستحثُّون أتباعهم أو يُوجهون وسائل دفاعهم، لكن أصوات اصطدام الدروع أو الصيحات الصاخبة لمن يُخاطبونهم كانت كثيرًا ما تطغى على أوامرهم. توقَّدت عينا ريبيكا عندما ردَّدت، فيما يُشبِه الهمس لنفسها، النص المقدَّس: «عليه تصل السهام … سنان الرمح والمزراق … صياح القواد والهتاف!»

كانت نفس إيفانهو تستعر بنفاد صبر ضيقًا من خموله، وبرغبته المحتدِمة في الاشتراك في القتال.

قال: «ليت بوسعي أن أجرَّ نفسي إلى تلك النافذة هناك، فأتمكَّن من رؤية كيف تسير هذه المباراة الشجاعة. لا جدوى، لا جدوى؛ فأنا خائر القوى وأعزَل!»

أجابت ريبيكا: «لا تقلق أيها الفارس النبيل؛ فقد توقَّفت الأصوات فجأةً. من المحتمل ألا يكونوا قد انخرطوا في القتال.»

قال ويلفريد: «إنكِ لا تعرفين شيئًا عن الأمر. إن هذا السكون المطبِق لا يدل إلا على أن الرجال في مواقعهم على الأسوار في انتظار هجوم عاجل؛ ما سمعناه لم يكن سوى دمدمةٍ لحظية للعاصفة، وستندلع قريبًا بكامل ضراوتها. ليتني أستطيع الوصول إلى تلك النافذة!»

أجابت مرافقته: «لن يُصيبك إلا الأذى إن حاولت ذلك، أيها الفارس النبيل. سأقف أنا بنفسي عند النافذة وأصف لك ما يحدث بالخارج قدر استطاعتي.»

صاح إيفانهو: «يجب ألا تفعلي ذلك، لا تفعلي ذلك! فكل نافذة وكل ثقب سيغدو قريبًا مرمًى للرُّماة. إن سهمًا طائشًا …»

تمتمت ريبيكا وهي تخطو بخُطًى ثابتة صاعدةً درجتَين أو ثلاثَ درجات، كانت تؤدي إلى النافذة التي تحدَّثا عنها: «سأتلقَّاه على الرحب!»

صاح إيفانهو: «ريبيكا، عزيزتي ريبيكا! لا تعرِّضي نفسكِ للجِراح والموت. على الأقل اتخذي ساترًا بهذا التُّرس القديم هناك، ولا تُظهري من جسدك عبر النافذة سوى القليل قدر المُستطاع.»

اتبعت ريبيكا بحماسةٍ مُذهلةٍ تعليمات إيفانهو، ومستفيدةً بحماية الدرع القديم الكبير الذي وضعَته أمام الجزء الأدنى من النافذة، استطاعت، آمنةً نوعًا ما، أن تشهد جزءًا مما يحدث خارج القلعة، وأخبرت إيفانهو بالتجهيزات التي يتَّخذها المُهاجمون استعدادًا للعاصفة. ونظرًا لأنها كانت تقف في إحدى زوايا المبنى الرئيس، فلم تتمكن من رؤية ما يحدث خارج حدود القلعة فحسب، بل أطلَّت أيضًا على التحصينات الخارجية التي كان من المحتمل أن تكون الهدفَ الأول للهجوم المأمول. ضِمن التحصينات الخارجية كان ثَمة بابٌ صغير مُشابِه للباب الخلفي للقلعة، وكان كل شيء مُحاطًا بسياجٍ قوي من الأوتاد الخشبية. تمكَّنت ريبيكا من أن تُلاحظ من عدد الرجال المُتمركزين للدفاع عن هذا الموقع أن المُحاصَرين كانوا يخشون على سلامته.

وصفَت تلك المظاهر بسرعة لإيفانهو، وأضافت قائلةً: «يبدو أن الرماة قد اصطفُّوا على أطراف الغابة، مع أنه لم يتقدم من ظلالها الداكنة إلا قلةٌ منهم.»

سأل إيفانهو: «تحت أي لواء؟»

أجابت ريبيكا: «ليسوا تحت أي راية من رايات الحرب التي يُمكنني أن أُميزها.»

figure
إيفانهو وريبيكا تُطببه، بريشة أدولف لالوز.

غمغم الفارس قائلًا: «إنها لبدعةٌ فريدةٌ أن يتقدم أحدٌ لمهاجمة قلعة كهذه دون رفع علَم أو راية! هل ترين من يقودونهم؟»

قالت اليهودية: «فارسٌ متَّشح بدرعٍ أسود. هذا هو أكثرهم وضوحًا. وهو وحده الذي يلبس الدروع من رأسه حتى أخمص قدمَيه، ويبدو مُتوليًا لأمر توجيه جميع من حوله.»

رد إيفانهو: «ما الشعار الذي يضعه على درعه؟»

«شيء يُشبِه قضيبًا من الحديد وقفلًا مطليَّين باللون الأزرق على الدرع الأزرق.»

قال إيفانهو: «قيد وقفل باللون الأزرق؛ لا أعرف أحدًا يحمل هذا الشعار، ولكني أظن أنه قد يكون شعاري الحاليَّ. ألا يُمكنك رؤية نص الشعار؟»

أجابت ريبيكا: «تصعب رؤية الشعار نفسه من هذه المسافة، ولكن عندما تنعكس أشعة الشمس جيدًا على درعه تُظهِر ما أخبرتُك به. يبدو أنهم يستعدُّون الآن للتقدم. يا إله صِهيَون، احمِنا! يا له من منظرٍ مروِّع! أولئك الذين يتقدَّمون أولًا يحملون دروعًا ضخمة وواقياتٍ مصنوعةً من ألواحٍ خشبية، يتبعهم الآخرون وهم يشدُّون أقواسهم وهم يتقدَّمون. إنهم يرفعون أقواسهم! يا إله موسى، اغفر لخلقك الذين خلقت!»

فجأةً قاطعَت عندئذٍ وصْفَها إشارةٌ بالهجوم أُعطيت بنفخة نفير حادَّة، أجابتها على الفور أصوات أبواق فُرسان الهيكل النورمانديين من فوق الأسوار. وزاد صياح كلا الطرفين من الضجيج المروِّع؛ إذ كان المهاجمون يصيحون قائلين: «القديس جورج مع إنجلترا البهيجة!» ويرد عليهم النورمانديون بصيحاتٍ عالية قائلين: «إلى الأمام يا دي براسي! حيَّ على الجهاد! حيَّ على الجهاد! فرونت دي بوف آتٍ للنجدة!» بحسب صيحات الحرب لقادتهم المختلفين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤