الفصل الأربعون

يوم الانقلاب

في الأسبوع الذي تلا وقعة الهدى وتقدم اليوم الأخير — يوم الانقلاب — كان جلالة الحسين لا يزال يُضرِم في ديوانه، وفي حكومته، وفي حاشية قصره، وفي بقية جيشه، نارَ الشجاعة والأمل، وكان لا يزال يظنُّ أنه يستطيع أن يُخرِج المتدينة وابن سعود من الطائف، بل من الحجاز. وقد طالما قال: إن ابن سعود من الدرجة الخامسة بين أمراء العرب. غير أن أحد رجال الديوان الهاشمي — وقد غشيَتْه الشجاعة في الساعة الأخيرة — قال مخاطِبًا مولاه: «ومعنى الدرجة الخامسة يا مولانا هو أن ابن سعود صاعد إلينا، ولم يبقَ بينه وبيننا غير خمس درجات.»

خمس درجات، أو خمس ساعات، أو خمسة أيام، إنما النتيجة واحدة. فقد جاء يوم الحجاز، وهو المقدمة ليوم ابن سعود، جاء بعد أسبوع من وقعة الهدى وباسم الأمة، إذ اجتمع أعيانها في جدة، ومنهم مَن فرُّوا من الطائف ومكة من تجارٍ وعلماء وأشراف، فأرسلوا إلى الحسين في اليوم الرابع من ربيع الأول (٣ أكتوبر) البرقية الآتية:

بسم الله الرحمن الرحيم
صاحب الجلالة الملك المعظم بمكة

بما أن الشعب الحجازي بأجمعه الواقع الآن في الفوضى العامَّة، بعد فناء الجيش المدافع وعجْزِ الحكومة عن صوْنِ الأرواح والأموال، وبما أن الحرمين الشريفين خاصَّة وعموم البلاد مستهدفة لكارثة قريبة ساحقة، وبما أن الحجاز بلدٌ مقدَّس يعني أمره جميع المسمين؛ لذلك قرَّرت الأمة نهائيًّا طلبَ تنازُل الشريف حسين وتنصيب ابنه الأمير علي١ ملكًا على الحجاز فقط، مقيَّدًا بدستور وبمجلسَين وطنيَّين … إلخ، والله الموفِّق لما فيه الصلاح.
قد وقَّع هذه البرقية التي أُرسِلت بعد الظهر مائة وأربعون من الأعيان والعلماء والتجَّار الحجازيين، فجاءهم الجواب التالي:

إدارة برقيات الحكومة الهاشمية
في ٤ ربيع الأول سنة ١٣٤٣ بواسطة قائمقام جدة
إلى الهيئة الموقرة

مع الممنونية والشكر، وهذا أساس رغبتنا التي أُصرِّح بها منذ النهضة وإلى تاريخه. وقد صرحت قبله ببضع دقائق أني مستعدٌّ لذلك بكلِّ ارتياح إذا عيَّنتم غير علي. وإني منتظر هذا بكلِّ سرعة وارتياح.

الإمضاء: حسين

لم يرضَ المجلس بهذا الجواب، فعمد إلى الهاتف وأناب أحد أعضائه ليكلِّم الملك، فرفض جلالته الكلام: «أنت من رجال حكومتي فليُكلِّمْني غيرُك.» ورفض كذلك أن يكلم الثاني، ثم تناول الشيخ طاهر الدباغ الهاتف فكان مسموعًا.

figure
جيش الحجاز النظامي.
الدباغ : «مولاي، بناءً على المركز الحرج الذي وصلت إليه البلاد، قرَّرت الأمة طلبَ تنازُل جلالتكم لسموِّ الأمير علي.»
الملك (مقاطعًا) : «أنا وابني واحد، وإذا كنت أنا قد صرت عندكم «بطَّال» فلا بأس، ولكني لا أفهم ما القصد من هذا. لا يهمني أمر الملك في أيِّ شخص كان، ولكني لا أتنازل لولدي علي أبدًا؛ لأني إذا كنت أنا «بطَّال» فولدي «بطَّال».»
الدباغ : «كلا يا مولاي، لا ننسب لجلالتكم شيئًا من ذلك، وإنما نريد أن نسلك سياسة غير السياسة التي سِرْتُم عليها، عسى أن نتمكَّن من تخليص البلاد من مأزقها الحَرِج. والأمة قد أجمعت على طلب ذلك من جلالتكم، ونرجو إجابةَ رغبتها.»
الملك : «يا ابني، لكم أن تفعلوا ما تشاءون، أما أنا فلا أتنازل لولدي علي أبدًا، عندكم الشريف علي أمير مكة السابق، وأخي ناصر، وعندكم خديوي مصر عباس حلمي، وعندكم الأشراف كثيرون. اختاروا أيَّ واحد تشاءون، وأنا مستعدٌّ للتنازُل له، أما ولدي فلا يمكن؛ لأني أنا وهو شيء واحد. خيْرُه وشرُّه عائدان لي.»
الدباغ : «قد أجمعت الأمة يا مولاي على اختيار الأمير علي، ولا ترغب؟»
الملك : «لا يمكن أن أتنازل لولدي، أقول لا يمكن قطعيًّا.»
الدباغ : «سأخبر الهيئة ثم نُعلِم جلالتكم.»

مما هو جدير بالذكر أن هذه الهيئة الشرقية التي التأمت طيلةَ ذاك النهار والليل، كانت في مناقشاتها وأعمالها — وإجماع رأيها — غير شرقية، بل كانت في سرعة تقاريرها، ومضاء عَزْمها من أعجب ما دُوِّنَ في تاريخ الشرق والشرقيين. حتى إنها أقفلت أبواب المدينة أثناء هذه المفاوضات ليبقى الأمير علي في جدة ويقبل البيعة.

بعد المحادثة بالهاتف أرسلت البرقية التالية وفيها البلاغ النهائي، وفيها التهديد:

صاحب الجلالة الملك المعظم بمكة

الحالة حرجة جدًّا، وليس الوقت وقت مفاوضات، فإذا كنتم لا تتنازلون للأمير علي فنسترحِم بلسان الإنسانية أن تتنازلوا جلالتكم لتتمكَّن الأمة من تشكيل حكومة مؤقتة. وإذا تأخَّرتم عن إجابة الطلب فدماء المسلمين مُلقاة على عاتقكم.

أعاد صاحب الجلالة النظر في الأمر فتحوَّل بعد حديث الهاتف، أو بعد وصول هذه البرقية، عن فكرته الأولى.

مكة في ٤ ربيع الأول الساعة الرابعة (١٠ ليلًا)

لا بأس، قد قبلنا التنازُل بكلِّ ارتياح؛ إذ ليس لنا رغبة إلَّا في سكينة البلاد وراحتها وسعادتها، فالآن عيِّنوا لنا مأمورين هنا يستلمون البلاد بكلِّ سرعة، ونحن نتوجه في الحال. إذا تأخرتم ووقع حادث فأنتم المسئولون.

والأشراف عندكم كثيرون٢ أرسلوا واحدًا منهم أو من سواهم. وعلاوة على هذا إذا قَبِلَ منكم علي الأمرَ عيِّنُوه رأسًا.
الإمضاء: حسين

وفي اليوم التالي أرسل برقية أخرى إلى «الهيئة الموقرة» بواسطة قائمقام جدة، أشد لهجة من الأخيرة، فيها يكرِّر أنه مصمم على الاعتزال، ويطلب تعيين مَن يستلم البلاد بكلِّ سرعة: «فإن الفوضى التي ذكرتموها وقعتْ بداعي إشهاركم رغبة تنازُلي. وإني لا أقبل أيَّة مسئولية تقع إذا لم تُسرعوا اليوم في تعيين مَن يتولَّى الأمر؛ لأتوجه في الحال إلى الجهة التي يختارها الباري عن طريق جدة. وهذا ليس هربًا من أيِّ شيء تتصوَّرونه بل دفعًا للظنون والشبهات.»

أما الهيئة فقد أسرعت في العمل كما يظهر من تاريخ الجواب وعنوانه.

في ٥ ربيع الأول
صاحب الشرف الأسمى الشريف حسين المُعظَّم

جواب برقيتكم رقم ١٧، بحمد الله ومساعي مولاي قد تمَّت البيعة لجلالة نَجْلِكم المعظَّم، وقد فاوض جلالته مَن يلزم في استلام البلاد وإدارة شئونها. فالمنتظر من مولاي مبارحتها بكلِّ احترام تهدئةً للأحوال.

عن الرئيس
محمد طاهر الدباغ
وكانت الهيئة قد كتبت إلى الأمير علي تقول:

بناءً على طلب الأمة، قد تنازل جلالة والدكم، بموجب برقية رقم ١٩ المؤرَّخة في ٤ ربيع الأول، وقرَّرت الأمة نهائيًّا البيعة لجلالتكم ملكًا دستوريًّا على الحجاز فقط … وأن يكون للبلاد مجلسٌ نيابي وطني، وقانون أساسي تضعه جمعية تأسيسية كما هو جارٍ في الأمم المتمدِّنة، وبما أن الوقت يضيق الآن دون تأسيس المجلس الوطني النيابي، قد قرَّرت الأمة أن تُشكِّل هيئةً مؤقتة لمراقبة أعمال الحكومة … وإنا نبايعكم على ذلك وعلى كتاب الله وسنة رسوله.

في اليوم التالي للبيعة رجع الملك علي إلى مكة، وبعد أربعة أيام، في ليلة اليوم العاشر من هذا الشهر (٩ أكتوبر) وصلت إلى جدة القافلة الحاملة أمتعة الحسين، وفيها عشرون جملًا تحمل أربعين صفحة من صفائح البترول مملوءة ذهبًا، وقد قَدَّر هذه الأحمالَ أحدُ العالمين بالتخزين بمائة وستين ألف ليرة.

أقام الحسين ستة أيام في جدة، وكان يرفض أن يقابل أحدًا من الناس، فأثمرت هذه العزلة بلاغًا أرسله إلى «فخامة رئيس وكلاء الحكومة العربية الهاشمية»، وفيه يحتج على الحكومة الدستورية، ويعدِّد طغاوي ابن سعود ومطامع الإمام يحيى بن حميد الدين.

قال الشريف: «أما الحكومة الدستورية — سيما في الحرمين الشريفين — فالعمل فيها ينبذ أحكامَ كتاب الله وسنة رسوله. إن العمل في البلاد المقدَّسة بالقوانين البشرية لممَّا تأباه شعائر الإسلام، وفرائض الدين، والأخلاق الشريفة مادةً ومعنًى …»

وقد قال محتجًّا على حصر سلطة الحجاز بالحجاز: «لو لم يكن في هذا التحديد إلَّا تأملنا ما في مساعي الحضرة السعودية من الاستيلاء على حائل، قاعدة إمارة الرشيد، والجوف مقر الشعلان، وتثبته في ضبط الكويت، وتعرضه في عسير لإمارة آل عائض، بل تجاوزه على مكة المكرمة، ومساعي إمام صنعاء لضم بلاد حاشد، وتهامة الشوافع، وحضرة الإدريسي على الحديدة وما حولها …» ها هنا قطع جواب الشرط على عادته، ثم قال: «وعليه بلِّغوا الهيئة الموقرة احتجاجي القطعي أولًا على تحديد نفوذ الحجاز، وثانيًا على ما فيه إبدال العمل بكتاب الله؛ ولذا فإني أحفظ حقوق اعتراضي وإنكاري بالمادة والمعنى لكلِّ ما ذُكِر.»

تحرر في ١٥ ربيع الأول سنة ١٣٤٣

وفي ليلة اليوم التالي نزل وحرمَه وعبيده إلى البحر، يرافقه للوداع السيد أحمد السقاف، رئيس ديوانه السابق، وناظر الجمارك الشيخ محمد الطويل.

قال أحد الذين اشترَوا لحكومة الحجاز اليخت الذي أقلَّ الشريفَ إلى العقبة: عندما وصلنا إلى جدة نزل جلالة الملك ليفحص اليخت (الذي سمَّاه بعدئذٍ الرقمتين)، فقال معجَبًا به: «سنسافر فيه يومًا من الأيام سَفْرة بعيدة.»

سفْرةً بعيدة! إذا كان البُعْد في الأسفار يُقاس بمدة الرجوع فهذه السَّفْرة الأخيرة من الحجاز هي التي نظر إليها الشريف حسين بعين الغيب.

١  كان الأمير يومئذٍ في جدة.
٢  كانوا قد رحلوا من مكة كما رحلوا سابقًا من الطائف.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤