اضطهاد الفلاسفة

قال ابن سعيد — فيما رواه عن المقري — يصف مكان العالم في الأندلس: «وكل العلوم لها عندهم حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم، فإن لهما حظًّا عظيمًا عند خواصهم، ولا يتظاهر بها خوف العامة؛ فإنه كلما قيل: «فلان يقرأ الفلسفة أو يشتغل بالتنجيم» أطلقت عليه العامة اسم زنديق، وقيَّدت عليه أنفاسه، فإن زلَّ في شبهة رجموه بالحجارة، أو أحرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان؛ تقرُّبًا للعامة.

وكثيرًا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن إذا وجدت، وبذلك تقرَّب المنصور بن أبي عامر لقلوبهم أول نهوضه، وإن كان غير خال من الاشتغال بذلك في الباطن.»

وإحراق الكتب بالنار كان من الأُمور الفاشية المبتذلة في الأندلس، حتى كُتُب الغزالي نفسها لم تنجُ من الإحراق عندما بلغت الأندلس؛ لأنها لم تكن توافق المذاهب الشائعة في تلك البلاد، وكان ابن حزم أحد علماء الأندلس وأكثرهم تأليفًا، أخذ عليه الفقهاء بعض المآخذ، وأبلغوا المعتضد بن عباد أمير إشبيلية ما ينقمونه عليه فجمع كتبه وأحرقها، وفي ذلك يقول ابن حزم:

دعوني من إحراق رق وكاغد
وقولوا بعلم كي يرى الناس من يدري
فإن تحرقوا القرطاس لم تحرقوا الذي
تضمنه القرطاس إذ هو في صدري
يسير معي حيث استقلت ركائبي
ويَنزل إنْ أنزلْ ويُدفن في قبري

ومات ابن حزم سنة ٤٥٦ﻫ، ويقال: إنه ألَّف نحو ٤٠٠ مجلد، لا نعرف الآن منها سوى واحد أو اثنين، وذهب الباقي طُعمة للنار.

وليس يتسع المقام لسرد أخبار العلماء الذين اضطُهدوا؛ لحريتهم الفكرية، وإنما نقنع باثنين أحدهما ابن رشد في الأندلس بقرطبة، والثاني السهروردي في سوريا بحلب.

كان ابن رشد فيلسوفًا، جدَّد فلسفة أرسطوطاليس، وقال بأزلية المادة، وأنكر خلود النفس، وألَّف كتاب «تهافُت التهافت» يردُّ فيه على كتاب الغزالي «تهافُت الفلاسفة» ويرفع شأن الفلسفة، ويبين مزاياها بعد أن قضى عليها الغزالي في الشرق قضاء لم تبعث منه للآن.

فكان لا بد من أن ينتبه الفقهاء إليه، وأبلغوا أمره للمنصور «ثم إن المنصور … نقم على أبي الوليد بن رشد، وأمره بأن يقيم في اليسانة — وهي بلدةٌ قريبة من قرطبة، وكانت أولًا لليهود — وألا يخرج منها.

ونقم أيضًا على جماعة أخرى من الفضلاء الأعيان، وأمر بأن يكونوا في مواضع أُخَرَ، وأظهر أنه فعل ذلك بسبب ما يدعى عليهم أنهم مشتغلون بالحكمة وعلوم الأوائل، وهؤلاء الجماعة هم أبو الوليد ابن رشد وأبو جعفر الذهبي … وبقوا مدة، ثم إن جماعة من الأعيان بإشبيلية شهدوا لابن رشد أنه على غير ما نسب إليه، فرضي المنصور عنه وعن سائر الجماعة.»

وماذا قال ابن رشد لكي ينجو من الفقهاء؟ قال: إن الحقيقة مزدوجة؛ فإننا يمكننا أن ننظر نظرًا دينيًّا فنؤمن بالبعث والخلق وخلود النفس، وسائر ما يقوله الدين، ونصدق كل ذلك، وترتاح إليه ضمائرنا، ويُمكننا أيضًا أن ننظر نظرًا علميًّا فلا نصدق إلا ما يثبت أمام حواسنا وعقلنا.

وهذا الكلام واضحُ الخلل؛ لأنه لا يقل عن قولنا بأن خمسةً وخمسةً عشرةٌ في الصباح فإذا كان الظهر كانت عشرين، والغريب أن هذا التمحل الذي أراد منه ابن رشد أن يحقن دمه عبر إسبانيا إلى فرنسا، فصار القول بازدواج الحقيقة فلسفة تدرس لطلبة الدين في باريس، إلى أن جحدها البابا يوحنا الحادي والعشرون.

ومات ابن رشد بمراكش كما اشتهى — حتف أنفه — سنة ١١٩٨، وهو شيخ في نحو السبعين.

أما السهروردي فحياته مأساة مختصرة، قُتل في السادسة والثلاثين، ومع ذلك نجهل الجريمة التي قُتل من أجلها، وكل ما نعرفه أن الفقهاء في حلب شكوه إلى صلاح الدين، واتهموه بالزندقة، فأمر صلاح الدين بقتله.

وإليك ما يقوله عنه ابن أبي أصيبعة: «كان أوحد في العلوم الحكمية، بارعًا في الأصول الفقهية، مفرط الذكاء، جيد الفطرة، فصيح العبارة، لم يناظر أحدًا إلا بَذَّه، ولم يباحث محصلًا إلا أربى عليه، وكان علمه أكثر من عقله.»

وكان الشيخ فخر الدين يقول: «ما أذكى هذا الشاب وأفصحه! ولم أجد أحدًا مثله في زماني، إلا أني أخشى عليه؛ لكثرة تهوره واستهتاره وقلة تحفظه أن يكون ذلك سببًا لتلفه.»

قال: فلما فارقنا شهاب الدين السهروردي من الشرق، وتوجه إلى الشام — أتى إلى حلب، وناظر بها الفقهاء ولم يجارِهِ أحد، فكثر تشنيعهم عليه، فاستحضره السلطان الملك الظاهر غازي بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب، واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين؛ ليسمع ما يجري بينه وبينهم من المباحث والكلام، فتكلم معهم بكلام كثير، وبان له فضل عظيم وعلم باهر، وحسُن موقعه عند الملك الظاهر، وقرَّبه، وصار مكينًا عنده مختصًّا به، فازداد تشنيع أولئك عليه، وعملوا محاضر بكفره، وسيَّروها إلى دمشق إلى الملك الناصر صلاح الدين.

وقالوا: إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر، وكذلك إن أُطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد، وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك، فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابًا في حقه بخط القاضي الفاضل، وهو يقول فيه: إن هذا الشهاب السهروردي لا بد من قتله، ولا سبيل أن يطلق، ولا يبقى بوجه من الوجوه، ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك، وأيقن أنه يقتل، وليس جهة إلى الإفراج عنه؛ اختار أن يترك في مكان مفرد، ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى، ففعل به ذلك، وكان في أواخر سنة ٥٨٦ﻫ بقلعة حلب، وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة.

•••

لما نُفي ابن رشد إلى اليسانة أذاع المنصور — خليفة الأندلس في ذلك الوقت — هذا المنشور التالي بين سكان الأندلس، ينهاهم فيه عن الاشتغال بالفلسفة، وهذا نص المنشور بحروفه:

قد كان في سالف الدهر قوم خاضوا في بحور الأوهام، وأقر لهم عوامُّهم بشفوف عليهم في الأفهام، حيث لا داعي يدعو إلى الحي القيوم، ولا حاكم يفصل بين المشكوك فيه والمعلوم، فخلدوا في العالم صحفًا ما لها من خلاق، مسودة المعاني والأوراق، بُعدها من الشريعة بُعد المشرقين، وتبايُنها تبايُن الثقلين، يؤمنون أن العقل ميزانها والحق برهانها، وهم يتشعبون في القضية الواحدة فرقًا، ويسيرون فيها شواكل وطرقًا، ذلكم بأن الله خلقهم للنار، وبعمل أهل النار يعملون، ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون.

ونشأ منهم في هذه السمحة البيضاء شياطينُ إنس يخادعون الله والذين آمنُوا وما يخدعون إلا أَنفسهم وما يشعرون. يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القوْلِ غُرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهمْ وما يفترون، فكانوا عليها أضر من أهل الكتاب، وأبعد عن الرجعة إلى الله والمآب؛ لأن الكتابي يجتهد في ظلال، ويجد في كلال، وهؤلاء جهدهم التعطيل، وقصاراهم التمويه والتخييل، دبَّت عقاربُهم في الآفاق برهة من الزمان إلى أن أطلعنا الله — سبحانه — منهم على رجال كأن الدهر قد عنا لهم على شدة حروبهم، وعفا عنهم سنين على كثرة ذنوبهم، وما أملى لهم إلا لِيزدادوا إثمًا، وما أُمهلوا إلا ليأخذهم الله الذي لا إله هو وسع كل شيءٍ علمًا.

وما زلنا — وصل الله كرامتكم — نذكرهم على مقدار ظننا فيهم، وندعوهم على بصيرة إلى ما يقربهم إلى الله — سبحانه — ويدنيهم، فلما أراد الله فضيحة عمايتهم، وكشف غوايتهم؛ وقف لبعضهم على كتب مسطورة في الضلال، موجبة أخذ كتاب صاحبها بالشمال، ظاهرها موشح بكتاب الله، وباطنها مصرح بالإعراض عن الله، ليس منها الإيمان بالظلم، وجيء منها بالحرب الزبون في صورة السلم، مزلة للأقدام، وهم يدب في باطن الإسلام. أسياف أهل الصليب دونها مفلولة، وأيديهم عما يناله هؤلاء مغلولة، فإنهم يوافقون الأمة في ظاهرهم وزيهم ولسانهم، ويخالفونها بباطنهم وغيهم وبهتانهم.

فلما وقفنا منهم على ما هم قذًى في جفن الدين، ونقطة سوداء في صفحة النور المبين؛ نبذناهم في الله نبذ النواة، وأقصيناهم حيث يُقصى السفهاء من الغواة، وأبغضناهم في الله كما أنا نحب المؤمنين في الله، وقلنا: اللهم إن دينك هو الحق اليقين، وعبادك هم الموصوفون بالمتقين، وهؤلاء صدفوا عن آياتك، وعميت أبصارهم وبصائرهم عن بيناتك، فباعدْ أسفارهم، وألحق بهم أشياعهم حيث كانوا وأنصارهم، ولم يكن بينهم إلا قليلٌ وبين الإلجام بالسيف في مجال ألسنتهم، والإيقاظ بحده من غفلتهم وسنتهم، ولكنهم وقفوا بموقف الخزي والهون، ثم طردوا عن رحمة الله ولو رُدُّوا لَعادوا لِما نُهُوا عنْهُ وإنهم لكاذبون.

فاحذروا — وفقكم الله — هذه الشرذمة على الإيمان حذركم من السموم السارية في الأبدان، ومن عثر له على كتاب من كتبهم فجزاؤه النار التي بها يعذب أربابه، وإليها يكون مآل مؤلفه وقارئه وما به، ومتى عثر منهم على مجد في غلوائه، غم عن سبيل استقامته واهتدائه؛ فليعاجل فيه بالتثقيف والتعريف وَلَا ترْكنُوا إِلى الذِينَ ظلموا فتمسكم النَّار وما لكم من دون الله مِن أَولياء ثم لا تُنْصَرُون. أُولَئِكَ الَّذِينَ حبطت أَعمالهم. أُولئكَ الذين ليسَ لَهمْ فِي الْآخرة إِلَّا النَّار وحبِط ما صَنعُوا فِيها وَباطِل ما كانوا يعملون.

والله تعالى يطهر من دنس الملحدين أصقاعكم، ويكتب في صحائف الأبرار تضافركم على الحق واجتماعكم؛ إنه لمنعم كريم. ا.ﻫ.

وقضت الأقدار أن ينهزم ابن رشد، وأن تنهزم معه الفلسفة في الأندلس، ولكن لنا أن نتساءل: هل كان ينقرض المسلمون من الأندلس لو أن الناس كانوا أحرارًا في تفكيرهم يتطورون ولا يجمدون؟

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤