الفصل الخامس

احتواء الانحراف السلوكي وتحرير العمل

منذ سقوط سجن الباستيل عام ١٧٨٩ — الذي حرر في الواقع سبعة مساجين فقط — ووصولًا إلى موت ستالين عام ١٩٥٣ — الذي حرر الملايين تدريجيًّا — قدم اللاسلطويون من خلال تجربتهم الخاصة دراسات مثيرة للإعجاب عن عيوب منظومة السجن. وقد كان كتاب كروبوتكين الأول عرضًا لتجاربه «في السجون الروسية والفرنسية» (١٨٨٧)، والأمر نفسه ينطبق على كتاب ألكسندر بيركمان «مذكرات لاسلطوي في السجن» (١٩١٢).

كان كروبوتكين أول من استخدم عبارة «السجون هي جامعات الجريمة»، وتبقى ملاحظته صحيحة من حيث إن الحبس الأول لأي جانٍ يصبح ضمانًا أنه — مثل المساجين الذين يشاركهم زنزانتهم — سيتعلم في السجن مجموعة هائلة من التقنيات الإجرامية الأكثر تعقيدًا مقارنةً بعملية الاختلاس التافهة التي كانت سبب دخوله السجن. ادَّعى كروبوتكين في عام ١٨٨٦ أن المجتمع المبني على التعاون لا المنافسة سوف يعاني، لهذا السبب تحديدًا، من النشاط المعادي للمجتمع بدرجة أقل. وهو يرى أن:

الناس الذين يعيشون دون تنظيم سياسي؛ ومن ثَمَّ يكونون أقل فسادًا منا، أدركوا تمامًا أن الشخص الذي يوصف بأنه «مجرم» هو ببساطة شخص سيئ الحظ، وأن الحل ليس في جَلده أو تقييده أو قتله شنقًا أو في السجن، وإنما في مساعدته بأبلغ درجات الرعاية الأخوية، وبالعلاج القائم على المساواة، وبممارسة الحياة وسط أناس صادقين.

يمكن الادعاء بأن أفضل خدمة قدمتها الحكومتان البريطانية والأمريكية لقضية الإصلاح الجنائي خلال الحربين العالميتين في القرن العشرين هي حبس مناهضي الحروب. فقد اتصف المعارضون المسجونون بعدة سمات مهمة، بخلاف الويلات المروعة التي تعرض لها بعضهم خلال الحرب العالمية الأولى. فقد كانوا أشخاصًا متعلمين وأقوياء الملاحظة للبيئة المحيطة بهم ولزملائهم المسجونين، كما تمتعوا بحس من السمو الأخلاقي المفيد على سجَّانيهم؛ إذ كانوا يرون صنوف الإذلال التي عانَوْا منها انعكاسًا، ليس لوضعهم هم أنفسهم، وإنما لوضع المواطنين الطيبين الذين اختاروا أن يودِعوهم السجن.

أدرك هؤلاء الملاحظون وأذاعوا ما أشارت إليه قلة من المصلحين في القرن التاسع عشر: أن العديد من زملائهم المسجونين الذين ينفذون حكمًا حاليًّا بالسجن بسبب مسيرتهم الطويلة في الاختلاسات الصغيرة، أو الاعتداءات البسيطة، أو الاتجار في المخدرات، أو حماقات السُّكْر؛ نشئوا في بيئة جعلت ارتكابهم للجرائم ثم حبسهم أمرًا حتميًّا تقريبًا. والعديد منا، عندما يعرف التكلفة التي يتكبدها المواطن جراء حبسه أي فرد داخل السجن، وعندما يدرك أن التكلفة أكثر من مجرد دخلنا المادي، يتمنى من صميم قلبه لو انتبه لتحذيرات المصلحين الجنائيين الذين سعَوْا إلى لفت انتباهنا إلى العوامل المشتركة في حياة الأشخاص الذين نحبسهم. فعلى سبيل المثال، كثيرًا ما يكون السجناء قد قضَوْا طفولتهم في مؤسسات لرعاية الأحداث، أو يعانون من اضطراب عقلي أو فشل دراسي. كما أنهم أيضًا ذكور في غالبيتهم.

كان إدراك هذه العوامل أحد المؤثرات التي أدت في نهاية القرن التاسع عشر إلى وضع خدمة المراقبة في كلٍّ من بريطانيا وأمريكا كبديل للسجن، حيث يُكلَّف ضابط المراقبة بتولي مهمة صديق المتهم وناصحه، ويساعده على أن يحيا حياة عائلية وعملية طبيعية. وخلال السواد الأعظم من القرن العشرين، شهدت المؤسسات العقابية مراعاة تدريجية للجوانب الإنسانية، على قدر المستطاع، وذلك بوحي من المصلحين الذين كانوا ملاحظين ومسجونين خلال سنوات الحرب، رغم المعارضة المتكررة من جانب موظفي المؤسسات العقابية.

بدأ ممارسون لأساليب علاجية متنوعة في دخول المؤسسات العقابية، بشكل غير منتظم، وبمساعدة بعض مأموري السجن، وكانت النتائج مبهرة. وقد حثوا موظفي السجن على أن مركزهم ورضاءهم الوظيفي سيتحسن لو اعتبروا أن الهدف من عملهم هو العلاج لا الاحتجاز. شكك العديد من اللاسلطويين في هذه المجهودات الهادفة إلى تهذيب السجن، وكذلك — بالطبع — وسائل الإعلام التي وصفت بانتظام السجون المفتوحة بأنها معسكرات لقضاء الإجازات (مما يعكس جهل الصحفيين بكليهما). وخلال العقود التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، شهدت دول عديدة انخفاضًا ثابتًا في عدد المساجين. (الاستثناءات الجديرة بالذكر هي الاتحاد السوفييتي والدول المتأثرة حكوماتها به.) وأوضح ديفيد كايلي أن:

هولندا كانت النموذج المُحتذى؛ حيث قللت المعدل البالغ ٩٠ مسجونًا لكل ١٠٠ ألف نسمة بعد الحرب ليصل بشكل مبهر إلى ١٧ لكل ١٠٠ ألفٍ عام ١٩٧٥ … نتج تقليص المساجين بفضل ما سماه الباحث الجنائي الهولندي فيليم دي هان ذات مرة ﺑ «سياسات الضمير الفاسد».

ولكن بدءًا من نهاية سبعينيات القرن العشرين وما بعدها، حل مكان سياسات الضمير الفاسد الاتجاه المعارض الذي يصفه الباحث الجنائي آندرو رذرفورد ﺑ «سياسات الضمير الصالح عن السجن». تتسم الإحصائيات الجنائية بصعوبة تفسيرها، لأنها لا تعكس إلا أعداد المقبوض عليهم بسبب مختلِف التهم التي من المتوقع من أية قوة شُرطية تسجيلها. ولكن إحصائيات السجن متوفرة بسهولة وتحكي واقعًا مرعبًا. فقد روى ديفيد كايلي عام ١٩٩٨ أنه:

للمساعدة في إيواء ١٫٥ مليون أمريكي موجود حاليًّا في السجن، أنشئ ١٦٨ سجنًا حكوميًّا جديدًا و٤٥ سجنًا فيدراليًّا جديدًا بين عامَي ١٩٩٠ و١٩٩٥ فقط، ولكنها مع هذا لم تكن كافية لاحتواء أعداد المساجين الجدد … لقد عرَّضت الولايات المتحدة الآن الكثير من مواطنيها — خصوصًا مواطنيها السود والهيسبانيين — للآثار الوحشية الناجمة عن سجونها لدرجة أن ما كانت تخشى منه قد تحقق بالفعل؛ فكلما زاد عدد الأمريكيين الذين يُعامَلون بخشونة من جانب منظومة العدالة الجنائية، زاد عدد من يَبدون وكأن سلوكهم يبرر ويتطلب هذه المعاملة.

بحلول عام ٢٠٠٠، استقبلت سجون الولايات المتحدة مليونَي سجين. وقد علق الباحث الاجتماعي ديفيد داونز في مؤتمر عن الجريمة في جامعة نيويورك أنه ما من أمة أخرى على مدار التاريخ وضعت عددًا كبيرًا كهذا من مواطنيها في السجن. كما تؤكد المنظومة القضائية أن فرصة دخول المواطنين الأمريكيين ذوي الأصول الأفريقية السجن خلال حياتهم هي ١ من بين كل ٤، في حين تصل النسبة إلى ١ من بين كل ٢٣ بالنسبة إلى المواطنين البيض. سُئل البروفيسور داونز ما إن كانت أوروبا ستتأثر بالنموذج الأمريكي، فأجاب بأن «مقومات الزيادة الحادة في السجون الأوروبية قد تشكلت بالفعل.» وقد كان محقًّا في رده، كما أن بريطانيا تتقدم على أوروبا من حيث عدد مواطنيها المسجونين. لقد اعترض السياسيون وجماهيرهم على التوجهات البديلة التي تبناها اللاسلطويون مع غيرهم من المصلحين الجنائيين. وهذا لا يقنع المصلحين بتغيير آرائهم، ولكنهم ينتظرون وحسب تحولًا حاسمًا في توجهات الجماهير.

يوجد مجال واحد فقط في خرق القوانين وإنفاذ القوانين تكسب فيه «سياسة عدم التجريم» مؤيدين — ومن شأنه أن يقلل كثيرًا عدد المسجونين — وهو يتعلق بحبس متعاطي المخدرات وتجار المخدرات. الجميع متفق على أن هذه السياسة تمثل فشلًا مكلفًا لأنها، حسبما لاحظ ديفيد كايلي «قد استولدت آثامًا أسوأ بكثير مما كان ينبغي أن تقضيَ عليها.» كما أنها تتسم بمفارقة أخرى، وهي أن العديد من المتعاطين يجدون نوعهم المفضل من المخدرات متوفرًا بصورة أسهل داخل السجن عن خارجه. تجدر الإشارة هنا إلى آراء اللاسلطوي إيريكو مالاتيستا، التي ترجع إلى عام ١٩٢٢، قبل أن يتخيل آباؤنا أو أجدادنا أننا سنعاني من مشكلة مخدرات.

إنه الخطأ القديم الذي وقع فيه المُشرِّعون، على الرغم من أن التجربة قد أثبتت دائمًا أن القوانين — مهما كانت وحشية — لم تستطع قط قمع الخطيئة أو إيقاف التقصير. فكلما كانت العقوبات المفروضة على مستهلكي ومروجي الكوكايين قاسية، زاد الانجذاب إلى الثمرة المحرمة والانبهار بالمخاطر التي يتكبدها المستهلك، وزادت الأرباح التي يجنيها الوسطاء الشرهون للمال.

لهذا، ليس مجديًا انتظار أي شيء من القانون. يجب أن نقترح حلًّا آخر. اجعل استهلاك وبيع الكوكايين بلا قيود، وافتح أكشاكًا يمكن بيعه فيها بسعر التكلفة أو حتى أقل من سعر التكلفة. و«بعد ذلك» شن حملة دعائية هائلة تشرح للمواطنين، وتجعلهم يرون بأنفسهم، مخاطر الكوكايين. لن تجد أحدًا يشن دعاية مضادة؛ لأنه ما من أحد يستطيع استغلال محنة المدمنين.

بالتأكيد لن يختفيَ الاستخدام الضار للكوكايين كليةً؛ لأن الأسباب الاجتماعية التي تُنتِج هؤلاء الفاسدين المساكين وتدفع بهم إلى تعاطي المخدرات لا تزال موجودة. ولكن في جميع الأحوال سيقل الضرر؛ لأنه ما من أحد سيجني ربحًا من بيعه، وما من أحد سيبحث عن وسطاء؛ ولهذا السبب فإن مقترحنا إما أنه لن يؤخذ في الاعتبار، أو سيُنظر إليه باعتباره غير عملي ومجنونًا. ومع هذا، قد يقول الأشخاص الأذكياء والموضوعيون لأنفسهم: بما أن قوانين العقوبات قد أثبتت فشلها، ألن يكون مناسبًا — كنوع من التجربة — أن نجرب الطريقة اللاسلطوية؟

إيريكو مالاتيستا في صحيفة «الإنسانية الجديدة»، ٢ سبتمبر ١٩٢٠، أعيد طبعها في نسخة في كتاب «في ريتشاردز»، «إيريكو مالاتيستا: حياته وأفكاره».
(لندن: فريدم بريس، ١٩٦٥)

في مدينتين أوروبيتين، وهما زيورخ وأمستردام، سعت السلطات المحلية بكل جرأة إلى تطبيق هذه السياسة، وفي بريطانيا، مع مطلع القرن الحادي والعشرين، عبَّر اثنان على الأقل من رؤساء الشرطة عن وجهة نظر مماثلة، فحازوا على اهتمام الصحف ولكن على مساندة عملية محدودة.

اكتسب السياسيون المنتمون إلى الأحزاب الرئيسية في بريطانيا تأييدًا جماهيريًّا بحديثهم عن إعطاء المذنبين «صدمة قوية قصيرة» أو إرسالهم إلى «معسكرات تدريبية»، وبتحديد جهود خدمة المراقبة لإبقاء المذنبين المفرج عنهم خارج السجن. حتى النهج المتقطع المحدود لهذه البرامج يشير إلى أن النية لم تكن التأقلم مع مشكلة الجريمة وإنما إرضاء كُتَّاب عناوين الصحف؛ وهم المحددون الحقيقيون لسياسة العقوبات. وفي الولايات المتحدة، ارتبط نجاح الحزب الجمهوري في الانتخابات بقدرته على تصوير معارضيه بأنهم «متهاونون مع الجريمة».

في نفس الوقت، زادت نسب الانتحار بين المسجونين الشبان الذين حُكم عليهم لتهم كانت تمثل إزعاجًا أكثر منها تهديدًا للمجتمع. علاوةً على ذلك، كان من الواضح تمامًا أن السجن لم ينجح في تقليل معدل الجريمة. فحسبما يقول لورد وادينجتون، وزير الداخلية البريطاني في حكومة مارجريت تاتشر: «السجن طريقة باهظة للغاية لتحويل الرجال السيئين إلى أسوأ.» حتى السياسيون لم يعودوا يؤمنون بالسياسات التي يطبقونها. لا يعتبر هذا مفاجئًا إذا نظرت إلى الإحصائيات؛ ففي عام ٢٠٠٣ سُجِّل أن ٨٤٪ من الشباب المُفرج عنهم بعد قضاء أحكام بالسجن في بريطانيا سرعان ما يعاودون ارتكاب الجريمة. وتتخطى الأرقام في الولايات المتحدة هذه الإحصائية.

لكن الموضوعات التي أثارها اللاسلطويون بين صفوف المصلحين الجنائيين لن تختفيَ، وهي تبقى بشكل أكثر عنادًا بسبب افتراضات المجتمع الذي يتلاعب به الإعلام.

أمر آخر مهم نشأ في باكر تاريخ اللاسلطوية ويتعلق بتطبيقها في نطاق العمل، خصوصًا وأن اللاسلطويين الرواد مالوا إلى الارتباط بحركة الاتحاد العمالي الناشئة. لقد كانوا متفقين مع الهدف الجوهري لأفكار الاتحاد، ونادَوْا بالنقابية اللاسلطوية التي تعتبر كل صراع صناعي محلي خطوة على طريق الإضراب الجماعي، عندما يؤدي انهيار الرأسمالية إلى سيطرة العمال.

كان الاتحاد العام للعمال في فرنسا والاتحاد الوطني للعمل في إسبانيا قد أصبحا حركتين جماهيريتين كبيرتي النطاق مثلما كانت — في وقت من الأوقات — منظمة العمال الصناعيين في العالم بالولايات المتحدة. كانت هناك، بالطبع، خلافات متأصلة داخل الاتحادات النقابية، بين أولئك الأعضاء الذين كانوا على استعداد للمحاربة وأحيانًا كسب بعض المعارك المحلية حول أمور صغيرة، وبين المناضلين الذين كانوا يأملون في تحويل كل جدال صغير إلى نزاع نهائي للسيطرة على وسائل الإنتاج؛ وبالتالي «مصادرة المصادرين»، ثم مواصلة الإنتاج تحت سيطرة العمال.

لكن ذبول هدف تحرير العمل لم يحدث بسبب الفجوة بين المصلحين والثائرين في المؤسسات العمالية، ولكنه كان مرتبطًا أكثر بسلاح جديد أخير في يد أصحاب الأعمال ضد مطالبات العمال: «إما أن تقبلوا بأوضاعنا أو سننقل أنشطتنا ووظائفكم إلى جنوب شرق آسيا أو أمريكا اللاتينية، حيث ستسعد القوى العاملة هناك بالعمل بشروطنا.» يظل أصحاب رءوس الأموال في العالم الثري، بينما يوجد العاملون الآن في العالم النامي، ولو طالبوا بحصة أكبر من نواتج عملهم، فسينتقل أصحاب الأعمال بكل بساطة إلى قوى عاملة أرخص في دولة أخرى.

في نفس الوقت، يضم العالم الثري قوى عاملة خفية خاصة به. فالعمل الزراعي في جمع وتعبئة الفواكه والخضراوات يتولاه زعماء العصابات بجماعاتهم من المهاجرين غير الشرعيين، والعمال الحكوميين من شرق أوروبا الذين ينتظرون الأجر في بلادهم، والطلاب، والمغتربين. وثَمَّة طبقة جديدة دنيا تتلقى الاستفسارات الهاتفية والإلكترونية، وتعمل في مراكز الاتصالات بدايةً من أقاليم بريطانيا ووصولًا إلى بنجالور في الهند.

fig11
شكل ٥-١: تحرير العمل: ورش مجتمعية، كما تخيلها كليفورد هاربر.1

منذ قرن مضى، انطلقت «المبادئ النقابية الجديدة» في بريطانيا ومنظمة العمال الصناعيين في العالم بأمريكا بغرض تنظيم وتمثيل العمال غير المهرة وغير المعدودين الموجودين على هامش الاقتصاد الرسمي، وقد نجحت في ذلك. في الوقت نفسه، كان اللاسلطوي كروبوتكين يخاطب الجمهور البريطاني الذي افترض أن بريطانيا هي ورشة العالم، وأن العالم سيعتمد للأبد على الأقمشة الآتية من لانكشاير، والفحم الآتي من نيوكاسل، والسفن الآتية من كلايد. وفي عام ١٨٩٩، عندما ألَّف كتابه «الحقول والمصانع وورش العمل»، كان أحد أهدافه هو إثبات أنه رغم اهتمام السياسيين ورجال الاقتصاد بالمصانع الضخمة، كان الجزء الأكبر من الإنتاج الصناعي يتم في الواقع في ورش صغيرة وشركات محلية صغيرة. لقد ألغت الكهرباء ووسائل النقل الحديثة مركزية الإنتاج، وشدد كروبوتكين على أن هذا لم يحرر فقط مكان العمل ولكنه حرر أيضًا اختيار الفرد لعمله. صار بالإمكان الآن الجمع بين العمل الذهني والعمل البدني، وهي فكرته الصناعية المنشودة.

نادرًا ما نجد للاسلطويين وجودًا في عالم العمالة المتناقص في الصناعة الرسمية أو البيروقراطية. فهم يجدون موطن قوتهم في الاقتصاد غير الرسمي أو صغير النطاق. هذا ليس مفاجئًا، بما أن علماء النفس الصناعيين غالبًا ما يقولون إن الرِّضَى في العمل مرتبط ارتباطًا مباشرًا ﺑ «مساحة الاستقلالية» التي يقدمها هذا العمل، وهو ما يعني ذلك الوقت من يوم أو أسبوع العمل الذي يحق للعمال فيه اتخاذ قراراتهم بأنفسهم. في عالم العمل ما بعد الصناعي هذا، فإن الدراسة الجادة الوحيدة لرجل الأعمال الصغير لا تصوره بطلًا يؤمن بمبادئ مارجريت تاتشر، وإنما ثائرًا مبدعًا ضد الإكراه على أن يكون إما صاحب عمل أو عاملًا. يقول بول تومسون:

اتضح بعد مائة عام أن أبطال صمويل سمايلز ليسوا سلالة من الرجال ذات عزم استثنائي، بل إن عديدًا من صغار رجال الأعمال كانوا أقرب إلى نوع من المنشقِّين؛ فقد كانوا يكرهون الأخلاق الرأسمالية الحديثة كلها، وبصفة خاصة توظيفهم من قِبَل الآخرين؛ وبدلًا من ذلك كانوا يفضلون الإحساس بالرِّضَى نتيجة تقديمهم «خدمة» و«إجادة العمل». غالبًا ما تكون صدفة بحتة تلك التي أتاحت لهم إيجاد عملهم الحالي. علاوةً على ذلك، لن يقدم هؤلاء أساسًا لثورتنا الصناعية القادمة؛ لأنهم لا يريدون أن يتوسعوا: فهذا يعني توظيف الأفراد وخسارة العلاقات الشخصية التي يريدون بناءها مع عدد قليل من العمال.

نتائج كهذه بعيدة عن توقعات النقابيين اللاسلطويين الذين حلموا بسيطرة العمال على المصانع بنجاح، إلا أنها تشير بوضوح إلى أن الطموحات اللاسلطوية أقرب إلى أحلام أعداد هائلة من المواطنين الذين يشعرون بأنهم مقيدون بثقافة التوظيف.

هوامش

(1) © 1974 Clifford Harper.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١