مهنته

وفي شارع مختبئ خلف السوق كانوا يقتعدون الحجارةَ وقوالب الطوب في صفٍّ ينتظم الطريق كلها، وعندما توقَّفت العربة الفارهة انزلقت منها امرأة حسناء ملساء نقية البشرة رشيقة كَجِنِّيَّةٍ، ترتدي بنطلون جينز وفانلة قصيرة الأكمام، في نهاية العقد الثالث من عمرها، جميلة، تصايحوا كالعادة: بياض … مباني … بياض … سباكة … بلاط … حفر … مسلح … جناين … عتالة … حدادة … بياض … بلاط … بلاط … حفر …

يشبه بعضهم بعضًا؛ البشرة الجافة، الأوجه الباهتة، الأيدي الخشنة الغليظة، رائحة العرق الجاف التي أصَّلتها الشمس بأجسادهم.

ملابسهم ذات الألوان الداكنة المليئة ببقع الطلاء، الأسمنت والزيت، لغتهم اليومية المستهلكة. صدحَتْ: حفر جدول.

السائق الوسيم وضع الجاروف والفأس داخل صندوق الخلفية ثم انتهره: اركب!

ثارت موجةٌ من الأغبرة عندما ضرب جبارة قدميه بشدة على الأسفلت، تخلَّصَ من بعض ما علق بحذائه من أتربة، امتعَضَ السائق، فتح هو باب العربة وركب، ولكنه فجأةً صاح مذهولًا: الكلب!

قالت وعلى فمها ابتسامة باهتة: لايكة مخلوقة مسالمة وطيبة جدًّا.

اندهش قليلًا لكلمة طيبة، ولكنه أخفى دهشته بِظِلِّ ابتسامةٍ أحسَّ في ذاته أنها مبتذلة، جلس ملاصقًا للباب مبتعدًا عنها بقدر الإمكان، تهزُّ ذيلها القصير بتودُّد وتقترب منه، لم يذكر أنه رأى كلبةً بهذا القدرِ من النظافة والنعومة، أحسَّ أنها أنظف منه بكثيرٍ وأسعد، كان فراؤها أرقَّ ملمسًا من القطيفة وأكثر بهاءً، معبق هذا الفراء بعطر أنثوي مثير، ضخمة، تقاسيم وجهها مخبَّأة تحت شلال من الصوف الأبيض الناعم، إلا أن عينَيْها الحمراوين تطلان من وقت لآخَر حينما تهز رأسها أو تهتز العربة … كانت ترقبه بواسطة مرآة العربة الداخلية.

إنها من أب بريطاني أصيل وأم ألمانية!

يرى وجهَ السائق منعكسًا على المرآة، نظيفًا عليه شاربٌ حُفَّ بإتقان وصبر خاص، ذقن أملس «لعقه الكلب»، كان ينطلق عبر الشوارع الفسيحة الفارغة في جنون وهو يهذي بأغنية رخيصة.

– ألم تسمعني؟

– آه … أنا؟

وعند بوابة الفيلا العتيقة وضع جاروفه وفأسه أمامه، اقتعد قالبًا من «الطوب الحراري»، حفر في نفس الحي ورفاقُه حديقتين وما يقارب المائة بئر، يعرف هذا المكان جيدًا، في نهاية الشارع وقُرْب المتنزه امرأة تبيع الطعام للعمَّال في ظلِّ عمارة تحت التشييد، فإذا أخبرته بموضع عمله وأعطته «العربون» فسيتناول إفطاره عندها قبل أن يبدأ «عمله»، وبعد ربع ساعة سمع صوتها يطالبه بالدخول.

تمامًا كما تخيَّله، كان منزلًا فخمًا تتقدمه حديقة خضراء مزهرة، وفي حجرة جانبية متسعة قدَّمت له الخادمة إفطارًا وبعضَ الفاكهة، لم يندهش لذلك، فغالبًا ما يقدِّمون إليه إفطارًا عندما يعمل في المنازل، سواسيةٌ في ذلك الأغنياء والفقراء من الناس، ولكنها أخذت تسأله: مِن أين أنت؟ أين تقيم حاليًّا؟ أَلَا يزال أهلك هناك؟ كيف تُقِيم في مثل تلك الأماكن؟ فلقد قرأت عنها كثيرًا في الجرائد، ولماذا لم تكمل تعليمك الثانوي؟ أتخجل مني؟ لا أصدِّق.

كيف أنك لا تدري كم عمرك، أليس لديك شهادة ميلاد؟

ما رأيك لو وجدنا لك عملًا معنا هنا. نعم، وكل شئونك علينا؛ طعامك، سكنك، وشرابك؟ هل يكفيك هذا الأجر؟

هكذا، ثم قالت: نحن نحتاج لخفير، أنا وزوجي ولايكة نقيم هنا وحدنا، وقد يتغيَّب زوجي كثيرًا عن المنزل، كما أننا في حاجةٍ لمَن يهتم «بِلايكة»؛ فقد توفي مربيها قبل أسبوع في حادث «سير»، ومن يومها حزنت «لايكة» المسكينة على موته حزنًا عميقًا، كاد أن يودي بحياتها لولا أن طبيبها الخاص استمات في علاجها، وقال: لكي لا تموت لايكة لا بدَّ ممَّن يهتم بها ويرعاها.

قضَتْ ساعتين بالتمام لتشرح له كيفية إعداد أطعمة لايكة والتعامل معها، ثم اختتمَتْ محاضرتها بأنه سيكتشف بنفسه أشياء أخرى طيبة، وأنها واثقة في قدرته على استيعابها والتعامل معها.

في الأيام الأولى قامت «سابا» برعاية لايكة بنفسها لافتةً نظره بأن يتعلم: أتعلم، إن لايكة من أجمل ما خلق الله من حيوان؛ فهي خليط من فصيلتين، فالأم «جرمان بريد» GERMAN BREED، وفصيلة «أسبانيل» من جهة الأب، «أسبانيل» مشهورة بفرائها الجميل وآذانها اللينة المنبسطة مثل آذان الفيلة، أَلَمْ تلحظ أُذُنَيْ لايكة الجميلتين؟ وعندما اشتراها بابا لي من ذا جود برادايس THE GOD PARADISE بِلَندن، أُعطِي معها شهادةَ ميلادها مسجَّلًا عليها شجرةُ نسبها، تركيبتها الوراثية، فصيلة دمها، نوع الأجسام المضادة التي بدمها، انتهاءً بالأشياء البسيطة مثل: تاريخ ميلادها، اسم والدَيْها، المستشفى الذي وُلِدت به، مسقط رأسها … إلى آخِره.

ما معنى تركيبتها الوراثية؟‍

حجرة لايكة هي حجرته، سريره من النيكل، ناصع البياض، عليه مساند بها رسومات بألوان زاهية وكتابةٌ بلغة لا يعرفها، وبعض ملاءات التيل الغالية الثمن. أما مضجع لايكة فعبارة عن حوض متسع من الخشب المضغوط مفترش بمساند من الصوف عليها ملاءات من الحرير الناعم المختلط بالقطن.

«نريدك أن تصبح جزءًا من الأسرة»، سابا فتاة طيبة القلب، قالت إنها تعز لايكة، تحبها، وإذا أراد أن يكتسب ودَّها فعليه بحب لايكة ومعزَّتها. وعندما جاءته في تلك الأمسية ومعها لايكة أوصَتْه خيرًا بها، ثم أضافت: لايكة — كما قلتُ لك — حزينةٌ جدًّا في هذه الأيام، ولقد سمعتَ بأذنَيْك بالأمس ما قاله طبيبها البيطري … آه لو رأيتَها وهي في كامل سعادتها، فقد كانت تملأ البيت حركةً، نشاطًا وشغبًا لا حدود لهما، إن مخلوقًا رقيقًا مثلها حزنه أليم على أصدقائه وأحبائه.

وإذا استمر المرتب على هذا المنوال فبإمكانك يا جبارة ود جبر الدين أن تتزوَّج بعد ثلاثة أعوام فقط، لا بأس أن تقيم زوجتك مع أمك وأبيك هناك، ويكفي أن تعودها مرة واحدة في الأسبوع، والمصروف الذي يُطعِم أمك وإخوتك الصغار لا شكَّ أنه سيسع زوجتك كذلك. آه إنه مبلغ كبير كبير، لا أكاد أصدِّق. هه، نحن نكره هؤلاء الأغنياء بغير سبب يُذكَر، فقط لأننا لم نَرَهُم من الداخل، وفي ركن الحجرة المواجهة لسريره يقبع سرير لايكة وحوض استحمامها، وبالقرب منهما مقعد صغير صُنِع من الرخام لقضاء حاجتها، صنع خصوصًا لهذا الغرض. «بابا جاء به من لندن.»

أطفأ لمبة النيون، ولأنَّ لايكة لا تحب الظلام؛ أضاءَ لها لمبة صغيرة، اعتاد قبل أن ينام أن يتنقل بمؤشِّر المذياع الصغير عبر المحطات الإذاعية باحثًا عن أغنية جميلة ينام على إيقاعها، بالتأكيد لم يصدِّق أصحابه: أن ينتقل «جبارة ود جبر الدين الحفار» في لمح البصر من ألحفة الخيش، البنايات المهجورة والسكن العشوائي، الذباب والبعوض، إلى سرير النيكل، الجبن المعلَّب، ولحم الضأن.

في لمح البصر، كما لو نزلت عليه ليلة القدر، ضحك.

لو كان يحبك الله فماذا تفعل؟ غير الإذعان لرحمة محبته.

كان المغني الأمريكي يصرخ بشدة عندما قفزت لايكة من مضجعها، تمطت، أصدرت عواءً باهتًا، هزَّت ذيلها القصير، خفض صوت المذياع وأخذ يراقب تحرُّكات هذا المخلوق الضخم. بالأمس قال له طبيب لايكة بعد أن أجرى عليه بعض الفحوصات: صحتك في تحسُّن، وتخلَّصْتَ تمامًا من فقر الدم.

برفق أغرقَتْ فراءها الناصع البياض المعطَّر في حوض الحمام، وأخذت تسبح في مرح، وَتُلاعِب قطع الفلين الملوَّنة الطافية على سطح المياه، في هذه الحالة عليه بتهيئة جهاز التجفيف الكهربائي ليجفِّف فراءها فورَ انقضاء متعتها المائية؛ لكي لا تصاب بالبرد أو داء الفطر.

سعيد وهو يؤدِّي كلَّ ذلك، إنَّ جده «جبر الله» كان يعمل سايسًا للخيل أربعين عامًا، عاصَرَ الترك والإنجليز، وكان أشهر مَن ساس الخيل في بلده، وهو الآن يسوس الكلاب، كلها حيوانات، وقد يسوس حفيدُه — غدًا — القططَ. ابتسم لنفسه وهو يعود لسريره المريح مرةً أخرى.

لا يدري ربما كانت الساعة تشير إلى الرابعة صباحًا، أو بعدها بقليل، الحجرة شبه مضاءة عندما فتح عينَيْه على عواء لايكة وخدش مخالبها، مُرهَقًا كان، أضاء لمبة النيون، ماذا أصاب لايكة؟ «كانت تتشبث محاولةً صعود السرير … آه» تذكَّرَ قولَ سابا: أحيانًا تحب لايكة صعود السرير، فلا تحرمها ذلك، فهي لا تؤذي.

ساعَدَها على التسلق، حاوَلَ أن يواصل نومه، ربما شكَّ في وفاء سابا لزوجها العجوز، ولقد سمع بما فيه الكفاية عن زوجات الأغنياء ذوي الشعر الأبيض، كانت تقول إنه يحب الترحال والمال أكثر من أي شيء آخَر، وأخذ يبحث في مخيلته عن عشيق يناسبها، حينما قفزت صورة السائق الوسيم. والحق يقال؛ لقد فكَّرَ في نفسه هو كذلك. لم يَنَمْ تمامًا حينما أحسَّ بأنها تتمطى أمامه ملاصِقةً لجسده شبه العاري، فتح عينَيْه التَّعِبتين، وعندما فردت ساقيها أصبحت في خط موازٍ لجسده. تنظر، تعوي، تلحس عضوها، تتمطى، لم يصدِّق عينَيْه، يهتزُّ الجسد الضخم المعبق بالعطر الأنثوي، يعوي، يرتجف، فهمتَ الآن يا جبارة كلَّ شيء، أطفَأَ كلَّ الأنوار، أغمض عينَيْه بشدة.

(…)

كان أذان الصبح قد بدأ نداؤه، ويستطيع أن يتسمع هدير السيارات، وَقْعَ أحذية العمَّال وهم ينشدون أعمالهم، ضحك في نفسه، خُيِّل إليه أنه نبح. كانت تنام في هدوء تام حينما خرج من الحمام وصرخ في وجه الخادمة بأن تعدَّ له الإفطار في قاعة الطعام.

لقد أصبح من أعضاء الأسرة.

٢٧ / ٨ / ١٩٩١

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١