جنازته

في ذلك الحين كنتَ ترغب بشدة في الموت، بعد تردُّدٍ دام شهرًا كاملًا، لياليَ قضيتَها حزينًا مؤرقًا غارقًا في وسواسكَ، خطاياك وأحزانك، قلتَ له بصدق تام: اقتلني، دعني أسكر ثم اقتلني.

قال وهو لا يزال يعالج ثقبًا بجلبابه القديم بصبر وصمت، ورفع نظره إليك في برود الموتى: سأقتلك.

قالها بشكل عادل خالٍ من أي انفعال، وكأنه اعتاد على قولها آلاف المرات في اليوم، ربما لم يسمعك، يشغله جلبابه المهترئ، قد يكون شارد الذهن في حينها، كررتَ لدهشتكَ قولك: أقصد تقتلني، تقتلني.

قال: سأقتلك.

ثم غرق في هدوئه ليَحِيك جلبابَه، لم يسألك لماذا، أو قُلْ يراجعك ولو مجامِلًا، يا لهذا الرجل الغريب! لا بدَّ أنه ينتظر منك ذلك، وماذا يمنع؟ إنه يضمر لك حقدًا وكراهية، قد يتآمَر على قتلك، مَن أدراك؟ لكن لماذا يريد قتلك؟

عندما عدنا من المعهد على الباص العام، فقط رأيته لأول مرة، كأنه كان مختبئًا في قمقم وأطلَّ فجأةً، بَدَويٌّ كث الشعر، عيناه ذكيتان ضيقتان ثاقبتا النظر، هادئ، لا تنسَ أنه هو الذي بادأكَ الكلامَ، فكرة البحث عن «قطية» للسكن بالمدينة، لم تَشُكَّ في نواياه في تلك اللحظة، كان يحب أن ينام ملاصقًا لسياج «القطية»؛ ليخطِّط بقلمه على شعاب الطلح البيضاء بعد أن يتخلَّص من قشورها الخشنة. للطلح رائحة زكية، لديه خوف فطري من القطط.

هل كنتَ تقرأ ما يكتبه؟ قد تجد مفتاحًا لأسراره وخبائثه، عندما طلبتَ منه أن يبادلك مضجَعَهُ ارتبك، رفض بشدة، حينما لاحَظَ تحايلك لقراءة ما خطَّه على سيقان الطلح أخذ يمحو كتابته، رغم ذلك استطعت أن تقرأ كلمةً هامةً: «الموت»، اسم زينب يتكرَّر باستمرار — زينب الخائنة — لاحظتَ أن ضوء المصباح الزيتي بدأ يتضاءل ويبهت، لم تشكَّ في أنه وراء ذلك، لم تستطع أن تفسِّر انهماكه في الأيام الأخيرة في قراءة الروايات البوليسية، لم تلاحظ أنه أخذ يفتعل الخصام معك، كم أنت مسكين! بينما يتآمَر أحدهم على قتلك، لكن أَلَمْ تختَرِ الموتَ بكامل حريتك ووعيك؟ لكن لماذا لم يتأكَّد من رغبتك في ذلك؟ ربما كنتَ أهزل، ثملًا، أو جننتَ، أو … لم تستيقظ من نومك إلا عندما اكتشفتَ زجاجةَ الخمر المخبَّأة تحت السرير، عرفتَ في حينها سرَّ شراء سكين المطبخ الجديدة والجوال، كل شيء حتى نظراته المريبة، كنتَ متيقنًا أنه لا يسكر إطلاقًا، فها هو يَنصب لك الشِّراك في صمت، صبر وخبث.

ينام في هدوء، لكن في هذه الليلة كان يهذي كالمجنون — بزينب — خائنةً يقول عنها. في الأيام الخوالي حدَّثكَ عنها كثيرًا، كان اسمها منحوتًا عميقًا على ساق الطلح، تذوقه، خمرًا بلا شك، كانت جرعة هائلة، أحسستَ بلذة ثم تورَّطتَ في الحاجة إلى كأس أخرى، لن تسكرك، تسللتَ إلى قطية المطبخ، جمعتَ كلَّ الآلات الحادة … الكبريت، الإزميل، حبل الغسيل، جالون الغاز … كان الليل أهدأ من ابتسامة بوذا، يريد قتلك هذا المجرم، أَلَا يحتفظ بخنجر مسموم في مكان ما؟! أضأتَ الفانوس واستلقيتَ على الفراش لا لكي تنام، لكن لتبقى متيقظًا مراقبًا تحرُّكاته.

كن حَذِرًا، هبَّتِ الريح خريفية، أطفأتِ السراجَ، تستطيع أن تبقى صاحيًا لن يُنِيمك الظلام، كَحَّ، انقلبَ في بطء، نهضَ فجأةً، ها هو يصحو.

يحسبك نائمًا، وقف وسط الحجرة ثم مشى نحو الباب، ماذا يفعل؟!

خرج، عندما تأخَّر هاجمتْكَ الظنون، هل كان يبحث عن سكين، إزميل، أو حبل ليشنقك؟ أنتَ في كامل وعيك، لم تأتِ على نصف الزجاجة، ولو أتيت عليها كلها فإنها لن تُسكِرك، تموء القطط في الخارج، لن يقتلني هذا الوغد، حينما اندفق داخلًا القطية صرختَ في وجهه هائجًا كالثور، مفزوعًا: أنا لستُ سكرانَ، لن تستطيع قتلي أيها المجرم!

لم تمهله، عاجلتَه بطعنة نافذة على صدره بسكين المطبخ، وأخذتَ تصرخ تهذي كالمجنون: أنا لستُ مجرمًا، لقد دافعتُ عن نفسي دفاعًا مشروعًا.

ثم احتضنتَ جنازتَكَ ونمتَ.

١٦ / ٨ / ١٩٩١م

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١