الوجودية

إن الوجودية في أساسها مذهب محترم مقبول أو مذاهب محترمة مقبولة لا يستدعيها قيام المذاهب الهدامة التي تلغي وجود الفرد واستقلاله في غمار الجماعات التي ينتمي إليها. وإنما قامت الوجودية كأنها رد فعل لتلك المذاهب يحفظ للفرد كيانه واستقلاله ويعرفه بحقوقه وواجباته بين قومه وبين إخوته من بني الإنسان في جميع الأمم وجميع الحقب، ولكن هذه الوجودية قد تنحدر مع المنحدرين بطبائعهم حتى تصبح ضربًا من العدمية أو ضربًا من الإباحية التي لا تعترف بشيء غير شهوات الفرد ودوافع الأثرة والأنانية.

ومن الوجودية التي تستحق اسم العدمية تلك العقائد التي تنكر معنى الوجود وتقطع الوشائج العميقة بين وجود الإنسان ووجود هذه الأكوان في آزالها وآبادها التي لا حقيقة وراءها ولا معنى لكلمة العبث إن نسبت إليها.

وهذه العدمية هي التي يسخر منها فيلسوف العصر برتراند رسل في كتابه عن الكوابيس فيضع على لسانها هذا النشيد باللغة الفرنسية:

في صحراء شاسعة الأطراف
فراغ واسع من الرمال
ذهبت فيه أبحث وأنقب
ذهبت أبحث عن الطريق المفقود
الطريق الذي أبحث عنه ولا أصل إليه
تتيه روحي هنا وتتيه هناك
في كل جهة من الجهات الأربع
وكلما بحثت لم أجد شيئًا
في ذلك الفراغ الذي ليس له آخر
ذلك الفراغ الذي لا ينقطع
رمال … رمال … رمال
تلك الرمال الخادعة الخانقة
تلك الرمال الرتيبة المحزنة
تمتد إلى نهاية الأفق
وأسمع صوتًا في النهاية
صوتًا صاعقًا يحلو أو حلوًا يصعق
ثم يقول لي ذلك الصوت
أتحسب أنك روح ضائع؟
أتحسب أنك روح؟
أنت غلطان!
أنت لست بروح
أنت لست بضائع
أنت عدم
أنت غير موجود …

والكابوس في هذا النشيد راكب على أنفاس «وجودي» يريد أن يثبت مذهبه.

ومذهبه أن الألم والخجل يخلقان الشعور في الضمير. فالضمير موجود وصاحبه غير معدوم، ومن تجارب الكابوس أن يبتلى هذا «الوجودي» بالتعذيب في معسكرات النازية، وأن يجيعه في روسيا، وأن يدخله في الشيوعية الصينية ليتهم فتاة بريئة مخلصة بتهمة الخيانة والجاسوسية لعله يشعر بالخجل وتبكيت الضمير فينسب نفسه إلى الوجود.

ثم يعود إلى باريس فتنعقد المجامع ترحيبًا بالمجاهد العائد من ميادينه، ويدعى إلى مجمع من هذه المجامع فيقبل وهو ينظر إلى مكان ضيف الشرف فإذا فيه غراب وإذا الغراب ينعب له بصوت يسمعه المجتمع كله:

فلسفتك يا هذا ليس لها وجود
فلسفتك يا هذا عدم
إنها ليست بشيء

وينهض أخيرًا على صدى هذا النعيب فيسمع نفسه يصيح:

ها أنت أخيرًا تتعذب. ها أنت أخيرًا موجود

هذه صورة من الوجودية الممسوخة ترادفها صورة أخرى على شاكلتها في المسخ والضلالة، وقوامها أن الفرد موجود والنوع الإنساني وهم ليس له وجود، أو كما يقولون باصطلاحهم أن الوجود سابق للماهية، وأن الإنسانية التي هي «ماهية» الإنسان كلمة على اللسان، وليس لها حق عليه لأنه هو مصدر الحق كله ومرجع الواجب كله فيما يختلج فيه من شعور الأنانية والانفراد بالذات.

•••

وعلى هذا الاعتبار أوجزنا القول في الفصلين اللاحقين عن الوجودية بمذاهبها المتعددة، ليتبين منها موضع المذهب الصالح وموضع المذهب الذي انحدر بانحدار القائلين به أو الداعين إليه.

جميع الحقوق محفوظة لهنداوي فاونديشن سي آي سي © 2019

تسجيل الدخول

هذا الحساب غير مُفعَّل، يُرجى التفعيل لتسجيل الدخول‎‎

Mail Icon

إنشاء حساب

Mail Icon

لقد أرسلنا رسالة تأكيد التسجيل إلى يرجى التحقق من البريد الوارد الخاص بك وتأكيد بريدك الالكتروني لاستكمال عملية اشتراكك.

نسيت كلمة السر؟

Mail Icon

إذا كان البريد الإلكترونى الذى أدخلتة متصلا بحساب فى هنداوي فاونديشن سي آي سي، فسيتم إرسال رساله مع إرشادات لإعادة ضبط كلمة السر.