الفصل الخامس

بعض نواحي علم النفس الجنائي من الوجهة التكاملية

لم يشرع العلماء في تطبيق الحقائق السيكولوجية بطريقة منظمة إلا خلال الحرب العالمية الأولى، أي حوالي أربعين سنة بعد أن أنشأ فوندت Wundt أول معمل لعلم النفس في ليبزج، ثم اطرد هذا التقدم بفضل المجهودات التي بُذِلت في ميدان الاختبارات وتحليل قدرات الإنسان العقلية والعملية، ومن أبرز العوامل التي وجهت علماء النفس إلى تطبيق معلوماتهم في مختلف ميادين النشاط الإنساني:
  • (١)

    الاهتمام بدراسة الطفولة والمراهقة وتطبيق المنهج التكاملي في دراسة مراحل تكوين الشخصية.

  • (٢)

    الاهتمام بدراسة دوافع السلوك وخاصة العوامل النزوعية اللاشعورية، وذلك بتأثير الدراسات التي قام بها فرويد وعلماء مدرسة التحليل النفسي.

  • (٣)

    الاهتمام بتحليل قدرات الإنسان العقلية والميكانيكية ووضع شتى الاختبارات لقياسها ولتقدير سمات الشخصية والاتجاهات الاجتماعية.

وقد أدَّت هذه التيارات الحديثة في علم النفس إلى إنشاء ثلاثة فروع هامة في علم النفس التطبيقي، هي: علم النفس التربوي، وعلم النفس الطبي، وعلم النفس الصناعي، بيد أن هذه الفروع الثلاثة أفادت جميعًا من التيارات الحديثة التي سبق ذكرها، فدراسة الطفولة والمراهقة هي الحافز الأول الذي حمل علماء النفس على العناية بدراسة السلوك الإنساني في جميع مظاهره السوية والمرضية، وعلى توطيد أسباب التعاون بين الطبيب والسيكولوجي وعالم الاجتماع، وفي هذه الفروع الثلاثة أيضًا تُستَخدم الاختبارات على نطاق واسع بصورة علمية منظمة مدعمة بالحقائق الإحصائية، ويلاحظ أخيرًا أن الدراسات التي تتناول وصف السلوك الإنساني وتفسيره تمتاز بالاتجاه الديناميكي الذي ينظر إلى الشخصية كميدان لصراع الدوافع والميول والرغبات، وعندما نستعرض معظم البحوث التي تُنْشَر في مجلات علم النفس بمختلف فروعه يحق لنا أن نقرر أن علم النفس أصبح في الواقع علم الإنسان الذي يُعْنَى خاصة بدراسة العوامل المؤدية إلى تكامل الشخصية الإنسانية، أو إلى منع هذا التكامل أو اختلاله أو تفكُّكه.

والاتجاه التكاملي في الدراسات السيكولوجية حديث جدًّا، ولم يسيطر على تفكير العلماء إلا ببطء وبعد تكرار المحاولات الخائبة التي كانت تقتصر في تفسيرها على عامل واحد، إما العامل الفسيولوجي أو العامل النفسي أو العامل الاجتماعي، ومن جراء هذا الاقتصار باءت جميع المحاولات الإصلاحية بالفشل، مما يقيم الدليل على خطأ التفسير بالعامل الواحد وضرورة دراسة مختلف العوامل التي بتداخلها وتفاعلها تعيِّن المظاهر السلوكية في تعقُّدها وتشعُّب نواحيها، وفشل المحاولات الإصلاحية قبل الأخذ بوجهة النظر التكاملية واضح جدًّا في ميدان معاملة القُصَّر الخارجين على القانون ومعاملة المجرمين بوجه عام، كما سنبيِّنه بإيجاز فيما بعد.

السلوك الإجرامي ظاهرة عادية في المجتمعات الإنسانية، خاصة في المجتمعات المتحضرة التي تتميَّز بازدحام السكان في مدن كبيرة، ومعاملة المجرمين — سواء من وجهة العقاب أو وجهة الإصلاح والوقاية — أثارت مشاكل عدة، ومما استرعى النظر إلى هذه المشاكل وأبرز خطورتها ثلاثة عوامل رئيسية: طبع الدراسات السيكولوجية بالطابع الاجتماعي، إدراك المصلح الاجتماعي أن الوقاية في ميدان الإجرام خير من العلاج، تطور فلسفة العقاب.

وإن كان الإجرام ظاهرة عادية فليس معنى هذا أنها ظاهرة سويَّة لا يمكن مبدئيًّا أن يقوم مجتمع بدونها، فعلماء النفس الاجتماعيون يعدُّون السلوك الإجرامي في معظم مظاهره الخفيفة أو الخطرة مظهرًا سلوكيًّا شاذًّا، وأحد أعراض عدم توافق الشخصية، ولم يلبثوا طويلًا حتى أدركوا أن ما ينطبق على تفسير السلوك بوجه عام ينطبق أيضًا على تفسير السلوك الإجرامي، حتى أن الأستاذ كمبل يونج يقرر في أحد كتبه١ (ص٦٢٦) أنه لا يوجد علم نفس خاص بالجانحين والمجرمين: There is no special psychology of delinquents and criminals.
ويقول بول شلدر:٢ «ليست مشكلة علم الإجرام أن يفسر لنا لمَ يصبح بعض الناس مجرمين بقدر ما يجب أن يبيِّن لنا الأسباب التي من أجلها تُحجم الأغلبية عن ارتكاب الجريمة.» ويُقصَد بهذا القول أن كل إنسان يعاني النزعات الإجرامية والنزعات العدوانية والجنسية المضادة للأخلاق والقانون؛ وعلى ذلك تصبح دراسة الشخصية في تكوينها وتكاملها، أي بحث العوامل التي تحول الحيوان البشري إلى شخص اجتماعي، هي الوسيلة المُثْلى لإبراز العوامل المؤدية إلى عدم التوافق وإلى اضطراب السلوك الاجتماعي وانحرافه، فالسلوك الإجرامي المضاد للمجتمع، وإن كان شاذًّا من الوجهة الاجتماعية، لا يزال يخضع للتفسير السيكولوجي العام،٣ غير أنه يمكن حصر البحوث الخاصة التي تتناول السلوك الإجرامي في علم واحد هو علم النفس الجنائي الذي يُعَد فرعًا من علم النفس الاجتماعي، الذي يستند بدوره إلى علم النفس العام.

•••

يميز علم النفس الجنائي بين درجتين من السلوك المخالف للقانون: سلوك الأحداث القُصَّر، وسلوك الكبار الراشدين، ويُطلق على الأول لفظ delinquency٤ وعلى الثاني criminality، ويمكن من الوجهة القانونية البحتة ترجمة اللفظين بكلمة إجرام، غير أننا نؤثر أن نفرِّق بينهما لفظًا، للإشارة إلى التفرقة القائمة الآن في معاملة كلا الفريقين فتترجم delinquency بجناح، ونقصر لفظ إجرام على criminality، ولفظ جُناح (بالضم) يفيد معنى الإثم كما ورد في قواميس اللغة (ص١٧٤ من كتاب المصباح المنير)؛ وعلى ذلك يكون مرتكب الإثم delinquent هو الجانح في مقابل المجرم criminal.

•••

يقسَّم السلوك الجانح والإجرامي من حيث أوجه دراسته السيكولوجية إلى المراحل الآتية: (١) الدوافع إلى ارتكاب الفعل المخالف للأخلاق والقانون وتفاعل هذه الدوافع مع البواعث الاجتماعية. (٢) إثبات إدانة المتهم، ويتناول هذا الموضوع نقد الشهادة وأثر تطور الذكريات والنسيان وعوامل خداع الحواس وتشويه الإدراك، ثم استخدام بعض الوسائل العملية في التحقيق الجنائي.٥ (٣) تقدير المسئولية الجنائية، وبالتالي تحديد نوع العقاب ودرجة شدته، أو بعبارة أعم: تحديد نوع المعاملة سواء قُصِد منها العقاب أو الوقاية أو الإصلاح، وسنكتفي فيما يلي بالإشارة إلى أهمية المنهج التكاملي في دراسة أسباب الجريمة ووسائل المعاملة.

أسباب الجريمة: الرأي الأخير الذي انتهى إليه العلم في تعليل الإجرام هو أنه لا يمكن تفسير السلوك الاجتماعي الإجرامي بإرجاعه إلى عامل واحد أساسي، بل إنه يجب اعتبار عدة عوامل متفاعلة تفاعلًا ديناميكيًّا، شأنه في ذلك شأن أي ضرب من ضروب السلوك، ثم إنه لا يوجد نموذج واحد ثابت للمجرم، وأنه يتعذَّر — إن لم يكن من المحال — وصف شخصية المجرم بطريقة مطلقة، بل ما يجب عمله هو التمييز بين أنواع الجرائم المختلفة وربط هذه الأنواع بملابساتها الاجتماعية والثقافية، وعلى مثل هذا الأساس قد يوفَّق العالم في التفرقة بين نماذج متعددة من المجرمين، غير أن المحاولات لتصنيف الجرائم والمجرمين لا تزال في طورها الأول ولم تُسْفر بعد الدراسات التصنيفية عن نتائج حاسمة.

وبالاطلاع على تطور النظريات في علم الإجرام يتبين لنا أن العلماء لم يكتشفوا قيمة المنهج التكاملي في الدراسات الاجتماعية إلا بعد محاولات عدة بدأت منذ قرن ونصف، وتتخلَّل هذه المرحلة الطويلة فترات من التقدم والتقهقر حتى إن كثيرًا من الحقائق الجزئية الثابتة اليوم قد سبق الكشف عنها ثم أُهمِلَت ثم أعيد كشفها، ولم تستقر علميًّا إلا بعد إدماجها في نظرية شاملة تراعي مختلف جوانب الشخصية الإنسانية في مختلف الأوساط التي أحاطت بها أثناء تكوينها وتطورها.

بدأت المحاولات العلمية الأولى لإنشاء علم الإجرام في أوائل القرن التاسع عشر، وكان العلماء ينظرون إلى الجريمة كأنها نتيجة ضرورية للظروف الاجتماعية، واتجه الاهتمام في بادئ الأمر إلى دراسة توزيع الجرائم حسب المناطق والبيئات، وأدت هذه البحوث إلى تكوين المدرسة المعروفة بالمدرسة الجغرافية، ولم يقتصر أصحاب هذا المنهج على دراسة توزيع الجرائم وتغيُّر نسبها، بل قاموا أيضًا بتحليل جناح الأحداث وإجرام محترفي الجريمة، وقامت مدرسة ثانية تؤمن بالحتمية الاقتصادية قصرت اهتمامها على دراسة الصلة بين الجريمة والظروف الاقتصادية، وكان اتجاه المدرستين، الجغرافية والاقتصادية، اتجاهًا علميًّا سليمًا وإن كان جزئيًّا، وقد أسفرت بحوثهما عن حقائق جزئية كان في استطاعة علم الإجرام الناشئ الاستناد إليها لمواصلة تقدمه، غير أنه حدث في الربع الأخير من القرن التاسع عشر أنْ تحولت النظرة الاجتماعية إلى الجريمة إلى نظرة فردية بيولوجية، وذلك عندما نشر لمبروزو Lombroso عام ١٨٧٦م كتابه الشهير عن الإنسان المجرم. يُعد لمبروزو الجريمة ظاهرة فردية؛ وعلى ذلك يُعنَى بدراسة المجرم٦ وقياس سماته الحسمية للكشف عن الصلة بين هذه السمات والجريمة، ويتلخص رأي لمبروزو في الجريمة في أن المجرم مجرم بفطرته أو بحكم وراثته، وأنه يتميز جسميًّا بما يُعْرَف بوصمات الانحلال والفساد stigmata of degeneracy مثل عدم تماثل شطرَي الجمجمة، ضخامة الفك الأسفل، فطس الأنفس وانفراج فتحتيه، قلة شعر الذقن، قلة الحساسية للألم، تشويه شكل الأذن، غلظ حاجب العين … إلخ، وإذا توافرت في شخص واحد خمس أو أكثر من هذه الوصمات فمن المحقَّق أن يكون من الطراز الإجرامي، ومن ثلاث إلى خمس يكون من الطراز الإجرامي الناقص، أما وجود أقل من ثلاث وصمات في شخص ما فيخرجه من دائرة المجرمين.
وليست هذه الوصمات سبب النزعة الإجرامية، بل هي مجرد دليل إما على ارتداد صاحبها إلى طور الهمجية أو فساده وانحلاله، وعلى أنه من الطراز الشبيه بالصرعي epileptoid، ويعجز المجرم — بحكم طبيعته الفاسدة — عن قمع نزعته الإجرامية إلا إذا كانت ظروف حياته جيدة بصفة استثنائية، بحيث تحول دون نمو النزعة الإجرامية وتنشيطها، وإن كان لمبروزو يعتبر الانحلال الوراثي والارتداد إلى طور الهمجية من العوامل الأساسية للإجرام، غير أنه يجب أن نثبت إنصافًا له أنه أعاد في بحوثه المتأخرة إلى القول بأن تأثير الوراثة قد يكون يسيرًا لدى بعض المجرمين، في حين يكون للعوامل الاجتماعية والاقتصادية الأثر الأكبر في تعيين الإجرام، كما أن لمبروزو لم يقتصر على الناحية الجسمية في دراسته للمجرم، بل أشار في الجزء الثالث من كتابه إلى نفسية المجرم، غير أن علاجه لهذا الموضوع كان سريعًا عابرًا لا يخلو من كثير من الخلط والتناقض، فيقرر مرة أن المجرم شجاع مقدام، ومرة أخرى أنه جبان هيَّاب، ويصف المجرم بوجه عام بأنه عديم الشعور متقلِّب الأطوار مغرور بنفسه قاسي القلب مُنْحَل الأخلاق، مقدم بإسراف على شرب الخمر وعلى القمار وارتكاب الفحائش.
إن النقص الجوهري الذي يشوه آراء لمبروزو ويقضي على قيمتها العلمية أنه لم يقم بدراسة مقارنة بين المجرمين وغير المجرمين في تحديد السمات الجسمية المميزة للمجرم، وقبل ذكر البحوث التجريبية التي قوَّضت أسس النظرية اللمبروزية يجدر بنا أن نشير إلى المحاولة التي قام بها الطبيب الفرنسي بروسبير دسبين Prosper Despine في وضع أساس علم النفس الجنائي في الجزأين الثاني والثالث من كتابه «علم النفس الطبيعي» سنة ١٨٦٨م، وفي دراسته الخاصة لعقلية المجرمين سنة ١٨٧٢م، وينتهي دسبين إلى أن المجرم ليس مريضًا جسميًّا أو عقليًّا مع استثناء حالات قليلة، حقًّا إن المجرم يبدو عليه شيء من الشذوذ النفسي، غير أن هذا الشذوذ لا يصيب الناحية العقلية والفكرية، بل الناحية النزوعية والوجدانية وخاصة الميول الأخلاقية، بيد أن هذه الانحرافات لا تكوِّن في نظر دسبين شذوذًا عقليًّا بالذات، إذ إنها تصادف أيضًا لدى أشخاص حَسَني السير والسلوك، غير أن هؤلاء الأشخاص يتمتعون بالقدرة على ضبط النفس وقمعها.

أما الناحية الشاذة الحقيقية التي تميز المجرم فهي في تكوينه الخُلُقي، فهو عاجز عن إدراك مصلحته الحقة، عاجز عن التعاطف مع الآخرين وعن إدراك معنى الواجب والمسئولية، هو عديم التبصر، فاقد الشعور بالندم وعاجز عن الإفادة بتجاربه السابقة، يذكِّرنا هذا الوصف بما جاء في مقال الدكتور صبري جرجس عن الجريمة السيكوباتية المنشور في مجلة علم النفس (أكتوبر ١٩٤٨م)، غير أن دسبين يذهب إلى ضرورة إصلاح المجرم وتقويمه وإعادة تربيته، أما إذا لم تُجْدِ التربية فلا بد من عزله اتقاءً لشره دون معاقبته، إذ إن أثر العقاب ضئيل جدًّا من الوجهة الإصلاحية.

لم يقدم دسبين هذه النتائج بصورة قاطعة، فهو يشعر بنقص بحوثه داعيًا غيره إلى مواصلة البحث في الاتجاه الذي رسمه، لكن للأسف لم يحاول أحد حتى بدء هذا القرن الأخذ بآرائه وإعادة النظر فيها، فقد رأينا كيف تحوَّل الاهتمام مع لمبروزو وتلاميذه إلى دراسة الناحية الجسمية خاصة، واعتبار المجرم شخصًا فاسدًا ومنحلًّا بطبعه.

ولكن آراء لمبروزو لم تصمد طويلًا في وجه النتائج التي أسفرت عنها الملاحظات الإحصائية التي قام بها الدكتور جورنج على ثلاثة آلاف من نزلاء السجون في إنجلترا،٧ ويقرر جورنج أنه لا يوجد مطلقًا ما يمكن عدُّه نموذجًا جسميًّا للمجرم، وأن النتائج الإحصائية للأقيسة التي أُجريَت على المجرمين لا تختلف عنها في غير المجرمين، وأن الفرق في الأقيسة الجمجمية بين طلبة كمبردج وطلبة أكسفورد لا يختلف عن الفرق الموجود بين المجرمين وغير المجرمين.
وهناك محاولات أخرى لإرجاع الإجرام إلى عامل أساسي واحد، فبعضهم يؤكد أهمية ما يعتري جهاز الغدد الصم — أي الجهاز الهرموني — من اختلال، وأصحاب هذا الرأي هم الذين يقررون أن نظام الهرمونات في الجسيم هو الذي يعين سمات الشخصية وما سيتخذه المرء فيما بعد من اتجاهات في المواقف الاجتماعية المختلفة، ويعد غيرهم الضعف العقلي السبب الرئيسي في الإجرام،٨ وأن القدرة على تقدير عواقب الأفعال كفيلة وحدها بقمع النزعة الإجرامية، ويجهل أنصار هذا الرأي ما للعوامل النفسية الانفعالية من أثر في توجيه التفكير في تشويهه، كما وضحت ذلك مدرسة التحليل النفسي، ومن جهة أخرى نرى بعض العلماء يُهملون العوامل الوراثية والعوامل الجبلِّيَّة إهمالًا يكاد يكون تامًّا، ويُلقون تبعة الإجرام على اضطراب الصلات العائلية أو تأثير الجيرة والمخالطة وما يقوم عليه هذا التأثير من محاكاة وتعاطف، أو تأثير العوامل الاقتصادية وخاصة الفقر، أو إلى ضعف العقيدة الدينية … إلخ.
وقد قام ميكايل وأدلر في كتابهما عن الجريمة والقانون وعلم الاجتماع٩ في الفصل الخامس الخاص بأسباب الجريمة (ص٨٨–١٦٩) باستعراض ما يزيد عن مائة بحث قام به علماء منفردون أو مشتركون في لجان ومؤسسات علمية اجتماعية للوقف على العوامل المؤدية إلى الإجرام، وقد انتهيا إلى أن هذه البحوث لا تسمح بالإجابة الصريحة الواضحة الوافية عن أي سؤال من الأسئلة الآتية:

هل يمكن تمييز المجرمين عن غير المجرمين بواسطة مجموعة ما من العوامل؟ وفي حالة الإيجاب: ما هي هذه العوامل؟ هل يمكن التمييز بين طرازين مختلفين من المجرمين؟ وما هي عوامل التمييز؟ هل يمكن عزل طراز من المجرمين يختلف عن غير المجرمين؟

ويذهب المؤلفان إلى أبعد من ذلك، ويقرران أن هذه البحوث — فضلًا عن عجزها عن تحديد أسباب الجريمة تحديدًا شاملًا دقيقًا — فشلت أيضًا في أن تقدِّم لنا نتائج علمية صحيحة في الدائرة الخاصة التي يتناولها كل بحث على حدة؛ وذلك للأخطاء المنهجية والإحصائية التي لم ينتبه إليها معظم هؤلاء العلماء، إذ إن دقة العمليات الإحصائية لا تغني عن قيمة المنهج الذي يجب اتباعه في الملاحظة والتجريب، كما أنها لا تغني عن صحة البيانات التي يراد معالجتها بالطرق الرياضية الإحصائية.

والواقع أنه لا توجد حتى الآن نظرية واحدة شاملة لتفسير الإجرام، وأنه لا بد من أن يلتزم الباحث منهجًا ملائمًا لتعقُّد ظاهرة الإجرام، وهي لا تقل في تعقُّدها عن أي ظاهرة أخرى من ظواهر السلوك السوي أو الشاذ، ومما هو جدير بالملاحظة أن العلماء الذين يحاولون تفسير الإجرام بتفاعل عدة عوامل يرون أنفسهم مضطرين إلى انتهاج المنهج التكاملي الذي يعتبر كل مظهر سلوكي نتيجة حتمية لتفاعل العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية بطريقة ديناميكية مطَّردة.١٠
فهؤلاء العلماء ينظرون إلى الشخصية كميدان لصراع عدة عوامل داخلية من ميول ورغبات وانفعالات، وأن هذا الميدان مرتبط ارتباطًا وثيقًا بميدان البيئة الاجتماعية والثقافية الذي هو بدوره ميدان لصراع عدة قوى متباينة في مضمونها وفي اتجاهها، وكل عامل من هذه العوامل الفردية والاجتماعية يشترك في تحديد السلوك في هذه اللحظة أو تلك، في هذا الموقف أو في غيره من المواقف، ولكل عامل أثر ترجيحي أو احتمالي في تعيين السلوك، سواء كان سلوكًا متفقًا مع المُثُل الأخلاقية والاجتماعية أو سلوكًا مخالفًا لهذه المُثُل، فوفقًا لكل موقف خاص وتبعًا لتاريخ كل شخص وملابسات تكوينه وتربيته١١ يزداد الأثر الترجيحي لهذا العامل دون غيره، أو لمجموعة بعض العوامل دون غيرها، مع العلم بأن النتيجة المحصلة من ترجيح مجموعة ما من العوامل على غيرها في تعيين المظهر السلوكي مرتبطة ارتباطًا وظيفيًّا وديناميكيًّا بما أصاب العوامل الأخرى من ضعف في تأثيرها الترجيحي في تعيين هذا المظهر السلوكي بالذات، وبناءً على هذا الاتجاه التكاملي في البحث — وهو الاتجاه الوحيد الذي يراعي تعقُّد الظاهرة السلوكية الإنسانية — يتضح لنا ما سبق أن قررنا أن تفسير السلوك الإجرامي لا يختلف في منهجه ولا في تحديد عوامله عن تفسير أي ظاهرة سلوكية، سواء حكمنا عليها من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية بالخير أو الشر.

نعم، إن تطبيق المنهج التكاملي يقتضي أن يسبقه الوصف والتحليل والتصنيف للوقوف على جميع العوامل التي يجب إدخالها في تفسيرنا الشامل، ولكن يجب أن تكون الروح التكاملية هي المسيطرة، بحيث لا يقف البحث عند مرحلة الوصف والتحليل والتصنيف، بل يتجاوزها إلى إعادة بناء الظاهرة — التي هي موضوع البحث — بناءً علميًّا تفسيريًّا، فبينما كانت البحوث القديمة تُعْنَى بالإجرام على الإطلاق أصبحت تنظر إلى المجرمين والجانحين كحقائق واقعية تعيش في بيئة واقعية لها صفاتها الخاصة، وقد أدى هذا الاتجاه الجديد إلى محاولة تصنيف المجرمين لا تصنيف الجرائم؛ لأن الجريمة لا تكتسب كل دلالتها السيكولوجية والاجتماعية إلا إذا رُبِطَت ارتباطًا وظيفيًّا بنفسية المجرم، والتصنيف الشامل للمجرمين يمهد لنا السبيل إلى التعليل العلمي؛ وذلك لأن التصنيف هو في آن واحد نتيجة محاولات تفسيرية سابقة وموجِّهًا لتفسيرات لاحقة أكثر شمولًا وعمقًا من التفسيرات الأولى.

العقوبة والإصلاح: وإذا كان الأمر في تفسير الجريمة كما رأينا فيترتب عليه أن وسائل العلاج الفرعية أو الجزئية غير مُجْدِية، وأنه لا بد من وضع برنامج إصلاحي شامل متكامل النواحي، وفي ميدان العلاج أيضًا لم تُدْرَك أهمية المنهج التكاملي إلا بعد محاولات عديدة بدأت منذ أوائل القرن التاسع عشر، غير أن النظرة التكاملية في الوقاية والعلاج لم تظفر بعد بما ظفرت به دراسة أسباب الجريمة من تأييد وتعضيد، فيذهب بعض علماء الاقتصاد إلى أن نفقات الإصلاح — إذا أريد فعلًا تحقيق إصلاح شامل — ستفوق بكثير ما تتحمَّله الدولة من نفقات في قمع الجريمة ووقاية المجتمع وما يصيب المجتمع من خسارة وتبديد للثروات المادية والمعنوية من جراء الاعتداءات الإجرامية، كأن شر الجريمة أخف وطأة من شر الإصلاح في نظر علماء الاقتصاد! إننا لا نذهب إلى أن الجريمة يمكن استئصالها من جذورها، فالجريمة دليل على نقص المجتمع البشري، كما أنه دليل على نقص الإنسان من حيث هو عامل اجتماعي، إذ إنه لا يمكن تحقيق التوفيق التام بين مجموعة الدوافع الإنسانية وما يقتضيه النظام الاجتماعي الأمثل، فليس الكمال من نصيب الإنسان، كما أنه لا يمكن تحقيق الكمال في المجتمع الإنساني، ولكن الحكمة تقضي بأن ننشد الكمال ما استطعنا إليه سبيلًا، وأن نعترف في الآن ذاته بحدود القوى البشرية.١٢

•••

كل فعل مخالف للقانون أو مُضِر بصالح الجماعة يستتبع رد فعل من السلطة أو من الجماعة، ورد الفعل الأول هو الدفاع عن قدسية القانون وعن مصلحة الجماعة بتعجيز الآثم عن العودة إلى إثمه، ولكن لا يقتصر موقف المجني عليه على مثل هذا الموقف السلبي — أي موقف الدفاع — بل يتعدَّاه إلى موقف إيجابي، هو إرضاء الرغبة في الانتقام والتشفِّي؛ ولهذا السبب تنطوي دائمًا فكرة العقوبة في ذهن المجني عليه على عنصر تعذيب الجاني وإيذائه لا مجرد اتقاء شره بحبسه وعزله عن المجتمع، ثم إن العقوبة المذلة المؤلمة لا يُقْصَد منها فقط عقاب الجاني بل ردع الآخرين، والأوضاع القانونية الحالية تؤيد هذا الاتجاه في التفكير إلى حدٍّ كبير، كما أنها تؤيد الرأي القائل بأن الوسيلة المُثْلى لخفض نسبة الجرائم هي التشديد في العقوبة والإسراع في تنفيذها والعمل على ألا يفلت مجرم من يد العدالة.

ويذهب أنصار العقوبة إلى أن للعقوبة المؤلمة الرادعة قيمة إصلاحية، وإلى أن المجرم بعد قضاء مدة العقوبة الأولى سيُحْجِم عن معاودة الإجرام خوفًا من العقوبة وفرارًا من ألمها، وإلى أن الإقامة في الحبس تتيح له الفرصة للإقلاع عن عاداته السيئة، كما أنها تجعله يدرك عدم جدوى الجريمة في نهاية الأمر، ويقال أخيرًا في الدفاع عن قيمة العقوبة من الوجهة الاجتماعية إنها ترضي الرأي العام وتعيد الطمأنينة إلى النفوس، وتقوِّي التضامن الجمعي وتنمِّي الشعور باحترام الأخلاق والقوانين.١٣

غير أن التجربة والإحصاءات وتتبع سلوك المجرمين بعد خروجهم من السجن لم تلبث طويلًا أن أبرزت نقائص نظام العقوبة، بل ضرره في أغلبية الحالات، ويمكن القول أولًا: إن الأساس السيكولوجي الذي يقوم عليه نظام العقوبة المؤلمة المذلة أساس ناقص؛ لأن سلوك الفرد لا يخضع دائمًا — وبطريقة مباشرة — لمبدأ اللذة والألم كما يخضع له سلوك الحيوان أو الطفل الصغير، وليست نتيجة الألم دائمًا الخوف منه، ولا يؤدي دائمًا الخوف من الألم إلى تجنُّب الشر وعمل الخير، فقد تم الاتفاق نهائيًّا على أن القيمة الإصلاحية للخوف ضئيلة جدًّا وعلى أنها قيمة سلبية، في حين أن الإصلاح يجب أن يقوم على أسس إيجابية، فالخوف من الألم قد يزيد المجرم إمعانًا في إجرامه ويدفعه إلى الاحتيال للفرار بشتى الوسائل من وجه العدالة، ومن المعروف أن محترفي الإجرام وخاصة في ميادين الأعمال التجارية والسياسية — وهم من أكثر المجرمين خطرًا على النظام الاجتماعي — يُتقنون وسائل التلاعب والخداع لتجنُّب الإدانة، وأن نسبة مَنْ يُقْبَض عليهم من هؤلاء المحترفين أقل بكثير من نسبة المقبوض عليهم ممن يسلكون سبيل الإجرام لأول مرة تحت تأثير عوامل انفعالية عنيفة.

هذا فضلًا عن تأثير العقوبة في نفسية المجرم وخاصة المجرم العرضي، فالعقوبة تعزل الجاني وتجعل منه عدوًّا للمجتمع وتثبت فيه هذه الصفة التي لا تلبث أن تصبح وصمة اجتماعية تلاحقه طول حياته، وتقوم أحيانًا عقبة في سبيل اكتساب تقدير الآخرين حتى ولو بذل أقصى جهده في إصلاح نفسه وتقويم سلوكه.

وأخيرًا يجب الإشارة إلى أن توقيع العقوبة الذي يبدو أنه يُنهي المشكلة لا ينهيها في الواقع؛ لأنه عمل سلبي يحول دون التفكير في وسائل الإصلاح والوقاية، والإصلاح لا يمكن أن يتمَّ إلا بعمل إيجابي يقتضي البحث العلمي عن العوامل التي أدت إلى انتشار الإجرام، مما يمهد السبيل إلى إيجاد وسائل الوقاية عن طريق ضبط الظروف الاجتماعية وتوجيهها.

ومهما يكن من أمر المناقشة التي تدور بين أنصار العقوبة المؤلمة وبين أعدائها فإنه قد حدث فعلًا من الوجهة العملية تغير محسوس في موقف القضاة إزاء المجرم، بحيث إن فكرة العلاج والإصلاح كثيرًا ما تلطِّف من شدة العقوبة، وهذا التحول واضح جدًّا في محاكم الأحداث، فبينما كان القضاء في الماضي يقدر العقوبة تبعًا لخطورة الإثم أصبح اليوم يراعي أحوال الجناح ويستعين بخدمات الطبيب العقلي والسيكولوجي والزائر الاجتماعي في توضيح ظروف الجانح النفسية والاجتماعية وتتبع حياته منذ الطفولة، وذلك للكشف عن أحسن الوسائل لإنقاذ الجانح وتحويله إلى مواطن مفيد، وقد أدت هذه الطريقة العلمية والإنسانية معًا في معاملة الجانحين إلى نتائج مشجِّعة حقًّا كما هو الأمر مثلًا في معاهد بورستل في إنجلترا.١٤

ومع تقدم البحوث الاجتماعية وبإقناع الرأي العام بضرورة الاعتماد في ميدان مكافحة الجريمة على البحوث العلمية لا على الإجراءات التي توحي بها الانفعالات، سيشمل النظام المتبع في معاملة الأحداث الجانحين معاملة المجرمين الراشدين أنفسهم، أما الخطوة الأخيرة التي يجب تحقيقها فهي أن يتجاوز العلاج المجرمين كأفراد لكي يشمل في دائرته المواقف الثقافية والاجتماعية التي تحيط بالمجرمين، وعندئذٍ سيصبح مشروع مكافحة الجريمة بطريقة إيجابية جزءًا لا يتجزأ من مشروع الإصلاح الاجتماعي المتكامل.

١  Kimball Young: Personality and Problems of Adjustment. London, 1947.
٢  Paul Schilder: Problems of crime, in psychoanalysis Today; p. 350, International Universities Press. New York, 1944.
٣  ليس التفسير السيكولوجي هو التفسير النفسي، بل التفسير بالعوامل الثلاثة الفسيولوجية والنفسية والاجتماعية متكاملة.
٤  يقال أحيانًا زيادة للتوضيح juvenile delinquency غير أن لفظ delinquency أصبح مقصورًا على ما يقوم به الأحداث من خرق القانون. انظر: Hinsie and Shatzky: Psychiatric Dctionary.
٥  راجع بهذا الصدد ما جاء في كتابنا: «مبادئ علم النفس العام» عن التحقيق الجنائي (ص١١٦-١١٧)، وعن تطور الذكريات (ص٢١٨).
٦  يقصد لمبروزو فئة محددة من المجرمين.
٧  Charles Goring: The English Convict, London, 1913.
٨  بالاعتماد على بعض الإحصاءات يبدو أن ضعاف العقول يخالفون عادةً دستور الأخلاق الجنسية، راجع في مجلة علم النفس عدد أكتوبر ١٩٤٨م مقال الدكتور وليم الخولي عن المرض العقلي والجريمة ص٢٢٥.
٩  Jerome Michael and Mortimer J. Adler: Crime, Law and Social Science. London, 1933.
١٠  راجع بهذا الصدد كتاب كمبل يونج وكتاب ميكايل وأدلر اللذين سبق ذكرهما، ونظرية كورت ليفين في مقال الدكتور ماهر كامل المنشور في عدد يونيو ١٩٤٨م من مجلة علم النفس، وأيضًا الكتب الآتية:
  • Edwin H, Sutherland: Principles of Criminology. New York, 1939.
  • F. Tannenbaum: Crime and the Community, Cinicinnati, 1938.
  • Cyril Burt: The Young Delinquent London 1925.
  • P. Rey Herme: La Réducation de la Jeunesse Délinquente, Patis, 1945.
  • Sheldon and Eleanor Glueck: Unraveling Juvenile Delinquency.1950.
١١  يجب أن نشير هنا إلى أهمية الدراسات التي قامت بها مدرسة التحليل النفسي؛ لربط السلوك الراهن بمراحل تكوين الشخصية في سني الطفولة والمراهقة.
١٢  راجع الفصل الرابع في الأسس النفسية للتكامل الاجتماعي، حقًّا إن التقدم الروحي في الإنسانية لم يتم إلا ببطء وبفضل ما بذله آلاف من الأبطال المجهولين من جهد وتضحية، غير أنه لا يزال سطحيًّا يغمره من كل جانب التقدم الميكانيكي المادي الأعمى، والتقدم الروحي لم يتجاوز بعد حدود المعاملات الفردية أو المعاملات الجماعية المحدودة، أما في الميدان الدولي لا تزال النزعات العدوانية التعسفية هي المسيطرة حتى أنه ليخيَّل أحيانًا للمرء أن نظام الاسترقاق الذي كان معروفًا لدى الأقدمين من اليونان والرومان أخف وطأة — على الرغم من شناعته — من الاسترقاق المقنَّع الذي يعانيه الأفراد والشعوب في الوقت الحاضر.
١٣  يكشف التحليل النفسي في المجرمين العصابيين عن حاجتهم إلى العقاب تخفيفًا لما يعانونه من شعور بالإثم، ويقول علماء التحليل النفسي: إن العقوبة ليست فقط من حق المجتمع بل أيضًا من حق المجرم نفسه.
١٤  راجع في مجلة علم النفس، عدد أكتوبر ١٩٤٨م، ص١٧٩، مقال الدكتور حسن الساعاتي عن نظام هذه المعاهد ومدى نجاحها في إصلاح الشباب الخارج على القانون.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠