الفصل السادس

علم النفس الصناعي

تشجيع الصناعة في مصر وتنظيمها من الأسس الجوهرية لنهضتنا القومية، ويجب أن يكون هذا التنظيم عمليًّا واجتماعيًّا معًا بحيث يشمل جميع نواحي النشاط الصناعي: تهيئة أحسن الظروف الطبيعية من ضوء وحرارة وهواء، مراقبة الضوضاء وعلاجها، اختيار أكفأ العمال لكل نوع من الأعمال بحيث يؤدي تكييف العامل للمهنة والمهنة للعامل إلى زيادة الإنتاج مع الاقتصاد في المجهود، وذلك عندما يزداد العامل شعورًا بكفاءته وملاءمته للعمل، وما يتبع ذلك من الشعور بالاطمئنان والرضا والتقدير، تحليل أنواع الأعمال المختلفة وما تتطلَّبه من حركات لتنظيم هذه الحركات وإزالة الحركات الضارة أو العائقة أو الضائعة مما يؤدي إلى الاقتصاد في المجهود وزيادة الإنتاج وتحسينه، تحسين العلاقة بين العمال والمشرفين عليهم على أساس من العناية والتفاهم لا مجرد إصدار الأوامر، معالجة الحوادث ونظام التأمين الاجتماعي والمكافآت، تنظيم أوقات الفراغ وإيجاد ميادين جديدة للنشاط الاجتماعي والثقافي، إعادة توجيه الذين أصيبوا بعاهات لا تحول دون قيامهم بعمل جديد ملائم لهم … إلخ.

إن كل هذه الأمور يقوم بمعالجتها وتنظيمها جماعة من الأخصائيين في علم النفس، ويُطلق على هذا الفرع من علم النفس: علم النفس الصناعي Industrial Psychology، وبالإضافة إلى العمليات التي سبق ذكرها يهتم هذا الفرع الهام من علم النفس التطبيقي بدراسة أهم وسائل الإعلان والدعاية، كما أنه يقوم بتحليل الأسواق المختلفة تمهيدًا للإعلان عن بعض السلع وترويجها.

ولا بد من أن يستعين السيكولوجي الصناعي بمَنْ لهم خبرة بالهندسة والاقتصاد، كما أنه يستعين بالطبيب وبالسيكولوجي الإكلينيكي لدراسة المشكلات السلوكية وما يتصل بها من ظروف ناشئة في المعمل.

ومما هو شبيه بالعمل الذي يقوم به السيكولوجي في المصنع عملية التوجيه المهني في المدارس لمعرفة مَنْ هو صالح لمواصلة دراسته الثانوية المؤدية إلى الدراسات العليا؟ ومَنْ هو كفء للدراسات العملية مثل التي تقدِّمها مدارس الصناعات التطبيقية.

هذا فضلًا عن طرق اختبار ذكاء التلاميذ لتكوين فصول متجانسة وتحقيق الوفاق بين مستوى الفصل ومواد المنهج وطرق تدريسه، وكذلك اختبارات الشخصية وما يترتب عليها من إجراءات إرشادية وعلاجية يقوم بها المختصون في العيادات السيكولوجية الملحقة بالمدارس.

وأخيرًا يجدر بنا أن نشير إلى ناحية هامة من نشاط الأمة وهي تنظيم الجيش بأحدث الوسائل العلمية، فأنظمة الجيوش الحديثة تتولَّاها هيئة من الأخصائيين، وخاصة في بعض الأسلحة مثل الطيران والمدفعية ومختلف وسائل النقل الميكانيكي، فمن البديهي أن هذه الأعمال المختلفة من قيادة طيارة أو سيارة أو دبابة أو استخدام المدافع على اختلاف أنواعها تتطلب من القائمين بها قدرات ميكانيكية خاصة يمتاز بها بعضهم دون بعض، وقد لجأت الجيوش الحديثة في تنظيم مختلف الأسلحة والفرق إلى سيكولوجيين لاختبار الجنود واختيار أصلح الأشخاص لكل عمل معين، والدوائر العسكرية العليا في مصر تفكر جديًّا في استخدام هذه الوسائل العلمية الحديثة لتحقيق أكبر قسط من الكمال والتوفيق في تنظيم مختلف الأسلحة، خاصة بعد أن تقرر تقوية الجيش وتعزيز وسائله الهجومية والدفاعية.

فالمصنع والمدرسة والجيش، تلك هي الأركان الثلاثة التي يجب تدعيم أنظمتها بصفة علمية، بحيث تؤدي ما هو مرجو منها من فائدة في سبيل نهضة قومية شاملة مطَّردة؛ ولهذا يصبح من واجب الجهات العلمية التي تقوم بالدراسات السيكولوجية أن تستعدَّ منذ الآن — وبطريقة منظمة شاملة — لمواجهة هذه الطلبات الحيوية، ويجب تنسيق الجهود بين الهيئات العلمية في الجامعات وفي معاهد التربية العليا للمعلمين والمعلمات.

ولكن مما يؤسَف له حقًّا أن المشرفين على مستقبل البلاد — سواء في الدوائر الحكومية الإدارية أو في معاهد العلم التي تهتم بتدريس علم النفس والتربية — لم يعملوا شيئًا يُذكَر لتطبيق علم النفس لتحسين حالة الطوائف المختلفة التي يتكون منها الشعب.

فإذا نظرنا إلى المدارس وتساءلنا عما عُمِل فعلًا في ميدان تطبيق الاختبارات لتوجيه التلاميذ حسب قدراتهم واستعداداتهم وإنشاء فصول خاصة لضعاف العقول أو للموهوبين من أبناء الأمة لا نجد شيئًا جديرًا بالذكر.

وإذا تحوَّلنا شطر المصانع والحياة العمالية للوقوف على ما تمَّ بصدد تنظيم العمل الصناعي على أسس علمية سيكولوجية لمحاربة الإهمال والتبذير، وإذا بحثنا مدى «العناية» بالعامل لا مجرد إدارته وإصدار الأوامر إليه؛ لألفينا النتيجة محصورة في نطاق ضيق جدًّا لا يتجاوز إنشاء عيادة طبية ومطعم في عدد قليل من المصانع، وإذا تساءلنا: هل يبحث أولو الأمر في منشأ الحوادث التي تعالَج في العيادة، وما إذا كانت ترجع إلى عوامل فنية أو إلى المشكلات النفسية التي يعانيها العمال وجدناهم لا يدركون لمثل هذه الأسئلة معنى، معتقدين أنهم أدوا واجبهم لأنهم أمدُّوا العامل بالإسعافات الأولية.

وإذا حاول أحد أن يسترعي نظر أصحاب المصانع إلى التبذير الهائل الذي يصيب الإنتاج لعدم اختيار العامل وفقًا لاستعداداته وما يتطلبه كل عمل من مهارة أو قدرة خاصة، أو لعدم العناية بالمشكلات السلوكية والأزمات النفسية التي يشكو منها بعضهم، سواء كانوا من العمال أو من الرؤساء، فإنه لا شك فاشل في محاولته؛ لأن الأرباح الكبيرة التي قد يجنيها بعض أصحاب العمل تجعلهم عاجزين عن إدراك نواحي النقص المؤدية إلى التبذير في المواد الأولية وفي الوقت والمجهود، وكثيرًا ما سمعنا بعض المهندسين الصناعيين يصرِّحون بأن تنظيم العمل في ضوء ما يقدمه علم النفس الصناعي من اقتراحات ووسائل كفيل بخفض تكاليف الإنتاج والأسعار وزيادة الإنتاج وتحسينه، مما يؤدي إلى تحسين حال العمال من جميع الوجوه الصحية والفنية والاجتماعية دون خفض نسبة الأرباح.

•••

يجب أن ندرك تمامًا أن المشاكل الاقتصادية والتربوية والمهنية والاجتماعية التي نواجهها الآن في مصر ستزداد تعقُّدًا وخطرًا إذا نحن لم نتدبَّر الأمر منذ الآن ونفكر جديًّا في جميع الوسائل الصالحة لمعالجة هذه الحالة، ومما لا شك فيه أن من أهم وسائل الإصلاح الاعتماد على العلم لتنظيم النشاط، وعلم النفس الصناعي الذي يمتاز بصفات علمية وفنية واضحة — فضلًا عن نزعته الاجتماعية الصريحة — من أهم وسائل التنظيم والإصلاح، ويمكن حصر مسائل علم النفس الصناعي في النقط الثلاث الآتية:
  • (١)

    يجب إنشاء علم نفس صناعي في مصر جدير بأن يسمَّى علمًا؛ ولذلك يجب أن يقوم على الدراسة التجريبية المنظمة.

  • (٢)

    تطبيق علم النفس الصناعي بطريقة منظمة بحيث يخدم الأفراد دون المساس بكرامتهم وحقوقهم الإنسانية.

  • (٣)

    اشتراك الهيئات الحكومية والقومية المختلفة في تنظيم علم النفس الصناعي وتطبيقه وتحمُّل تبعة هذا التنظيم.

إن منشأ علم النفس الصناعي يرجع إلى ضرورة تحقيق التوافق والملاءمة بين العامل وعمله، أي اختيار أصلح عامل لعمل معين، ثم أدى هذا الاهتمام إلى اهتمام آخر، وهو تحقيق التوافق بين العمل والعامل، أي تنظيم العمل وتحديد مراحله وتحليل حركاته بحيث يؤدي القيام به إلى أكبر إنتاج بأقل مجهود.

وغرض علم النفس الصناعي — بوجه عام — غرض مزدوج، أولًا: تعيين مقومات السلوك الإنساني بإزاء موقف معين، وذلك بطرق كمية وباستخدام المقاييس الموضوعية المقننة، وتجنُّب كل تقدير ذاتي قائم على التخمين والحدس، ثانيًا: بالاعتماد على النتائج التي تسفر عنها الخطوة الأولى التنبؤ بما يكون عليه سلوك الأفراد بإزاء موقف يُحْتَمل حدوثه ويكون ذلك أيضًا باستخدام الوسائل العلمية والمقاييس المختلفة.

ويُعْنَى علم النفس الصناعي بظروف الإنتاج وتقدير مداه في ميادين أربعة: الإنتاج المدرسي – الإنتاج المهني – الإنتاج العسكري – الإنتاج في ميدان الرياضة البدنية.

والمشكلات التي يمكن إثارتها بصدد التوجيه والاختيار كثيرة متعددة، فمنها ما يتعلق مثلًا باختيار نوع الدراسة التي تصلح لطفل معين: هل في استطاعته أن يواصل دراسته الثانوية بنجاح أو هو معرَّض للفشل والخيبة في الامتحانات نظرًا لوجود نقص في بعض القدرات التي يتطلبها هذا النوع من الدراسة؟ ومنها ما يتعلق باختيار المهنة: هل يستطيع هذا الشاب الذي يتدرب على مهنة معينة أن يصبح في المستقبل عاملًا ماهرًا؟ ألا توجد مهنة أخرى تسمح له استعداداته بأن يتفوق في مزاولتها أكثر من تفوقه في المهنة الأولى؟ وإذا فرضنا أن أحد المصانع استقدم آلات جديدة وأراد أن يكلف بعض عماله بإدارتها فأيهم أقدر من غيرهم على القيام بالعمليات الجديدة التي تتطلب قدرات عقلية وميكانيكية خاصة؟ وفي ميادين القتال: أيهم أقدر من غيرهم على تكوين فرقة قادرة على صد هجوم الأعداء في ظروف معينة؟ وإذا كنا بصدد وسائل النقل الميكانيكي إلى مَنْ نعهد بقيادة القطارات والسيارات والطيارات بحيث نضمن سلامة الركاب وتجنب الأخطاء التي تعرض حياة الركاب للحوادث والموت؟

ربما يقول قائل: إن أحسن وسيلة إلحاق الطفل بالمدرسة أو تدريب الصانع المبتدئ على آلته والطيار على طيارته وقائد السيارة على سيارته؛ للوقوف على صلاحية كل منهم للعمل المكلَّف به، ولكن سني الدراسة طويلة تستغرق عددًا من السنوات يكون الطفل فيها قابلًا للتحصيل والتعلم، ثم ليس من السهل تغيير المهنة التي اقتضى تعلمها مجهودات متواصلة، هذا فضلًا عن الأثر النفسي السيئ الذي يتركه الانتقال من مهنة إلى أخرى بطريقة عشوائية مرهونة بظروف طارئة، وفيما يختص بقيادة وسائل النقل السريعة الجوية والبرية فأي خطأ كبير قد تكون له عواقب وخيمة جدًّا، وقد يؤدي أدنى سهو إلى إحداث الكوارث نظرًا لعجز الشخص عن تركيز الانتباه أو ضبط مزاجه الانفعالي، فلا بد من ضمان حسن النتيجة إلى أقصى حد ممكن قبل تعريض الشخص لبذل مجهودات لا تحقق في المستقبل كامل التوافق بينه وبين نوع العمل الذي يعد نفسه له؛ ولذلك يجب أولًا اختيار أصلح الأشخاص لعمل من الأعمال قبل الشروع في التعليم والتدريب.

وعلى ذلك تكون المهمة الأولى الملقاة على عاتق علماء النفس الصناعيين توجيه الأفراد لأنواع النشاط التي في استطاعتهم أن يأتوا فيها بأحسن النتائج، وذلك بواسطة اختبارات مختصرة يمكن تطبيقها في زمن قصير وموضوعة بحيث تسمح بالتنبؤ بما قد تكون عليه نتائج نشاطهم في أعمال أكثر تعقيدًا من تلك التي كُلِّفوا بها أثناء إجراء الاختبارات.

أما المهمة الثانية فهي اختيار أكفأ الأشخاص من بين المدربين للقيام بعمل ما أحسن من غيرهم.

لنفرض مثلًا العمل على المخرطة في ورشة ميكانيكية، ففي حالة التوجيه Orientation نختار من بين مجموعة من الأحداث مَنْ يمتازون باستعداد خاص Special Aptitude للقيام بهذه الدراسة بنجاح، أما في حالة الاختيار selection فعلينا أن نختار من بين مجموعة من العمال الذين قضوا فترة التدريب Training واكتسبوا خبرة في هذا النوع من الأعمال مَنْ هم أصلح من غيرهم للقيام بهذا العمل في حالة ما يكون عدد المتقدمين لهذا العمل يفوق عدد العمال الذين يراد تشغيلهم، وذلك باختبار قدرتهم الفعلية Actual ability بوساطة اختبارات التحصيل أو الإنجاز Achievement tests، وإذا كانت هناك درجات في صعوبة عمل واحد فيمكن توزيع العمال حسب هذه الدرجات ومستويات قدرتهم Ability في تأدية العمل نفسه.١

ولكن من جهة أخرى يهتم علم النفس الصناعي بتكييف العمل بحيث يلائم مستوًى معينًا من القدرة، كأن يُعْنَى بإزالة العوامل المؤدية إلى الحوادث الخطرة كالصدمات أو التسمم أو الإصابات الجسمية أو التشويهات والأمراض، كما أنه يُعْنَى بتبسيط الحركات وإيجاد الإيقاع الذي يتفق مع القدرة الحركية العامة مع مراعاة قابلية العامل للتعب، كما يُعْنَى بتحسين الأجهزة والآلات لا لزيادة الإنتاج فقط، بل لتسهيل إدارتها واستعمالها.

ومن مهمة علم النفس الصناعي أيضًا أن يكشف عن أنجع الوسائل للتكوين المهني وأصلح المناهج بحيث يصل العامل إلى إتقان مهنته في أقصر مدة ممكنة بتجنب بعض الأخطاء، وبمقاومة بعض العادات والحركات السيئة التي قد يكتسبها دون أن يشعر بها، وذلك بتحليل العمل  Job analysis وتعيين مراحل تعلمه سواء من الوجهة النفسية أو من الوجهة الحركية، كما في تعليم الآلة الكاتبة٢ أو أجهزة التلغراف أو مختلف الأجهزة المستخدمة في الصناعة.

وأخيرًا يهتم علم النفس الصناعي بإيجاد الظروف الملائمة التي تسمح للمصابين في أثناء العمل بأن يستمروا في العمل بعد شفائهم، وذلك بتوجيههم نحو عمل جديد أيسر من العمل الأول، ولكنه مرتبط به ومتجانس معه إلى حد كبير.

توجيه – اختيار – إنقاذ المصابين بعاهات مستديمة وإعادة تشغيلهم – تنظيم المهن – تنظيم الإعداد المهني، تلك هي الوظائف الأساسية التي يؤديها علم النفس الصناعي.

•••

ليس من شك في أن علم النفس الصناعي يرمي إلى خدمة العمل بوجه عام، وإلى تحقيق رفاهية العامل وضمان سير المؤسسة الصناعية وتنميتها، غير أن كثيرًا ما ينظر العامل إلى السيكولوجي الصناعي نظرة ارتياب وحذر، معتقدًا أن مهمة السيكولوجي هو حمله على بذل أقصى المجهودات خدمة لصاحب العمل وخفض أجور مَنْ أصبح أقل صلاحية في تأديته العمل نتيجة للسن أو المرض؛ ولهذا الحذر أساس يرجع إلى الوسائل التي طبقها منذ نصف قرن الأمريكي تيلور Taylor، فكان يبدأ بتعيين أقصى إنتاج يستطيع أن يصل إليه أكفأ عامل، ثم كان يطالب جميع العمال بأن يصلوا إلى الإنتاج النموذجي وإلا هددهم بالرفت، ومما شجعه في هذه المعاملة الظالمة أن عدد المهاجرين المتعطلين كان كبيرًا وقتئذٍ بحيث كان العرض يفوق الطلب بكثير، ثم كان تيلور يعيد عملية الاختيار كل عدة سنين لرفت العمال الذين قلَّ إنتاجهم على أثر الإنهاك الذي أصابهم بعد المجهود المُضني الذي كانوا يبذلونه للمحافظة على مستوى الإنتاج المطلوب منهم.

ولكن مثل هذا النظام لم يلبث طويلًا حتى ظهرت نقائصه العلمية والخُلُقية، فلجأ بعض أصحاب المصانع إلى وسيلة أخرى لزيادة الإنتاج، وذلك بإثارة المنافسة بين العمال بمنح أنشطهم مكافآت قد تصل أحيانًا إلى ٥٠٪ من الأجر الأساسي، غير أنه اتضح أن الدافع إلى الكسب الأكبر يضعف ويتضاءل إذا لم يراعِ صاحب العمل إرضاء الدوافع الأخرى التي لا بد من إرضاء بعضها لضمان الإنتاج المتواصل، وقد أسفرت بعض التجارب عن النتائج الآتية فيما يختص بترتيب دوافع العمل حسب أهميتها:

فالدافع الذي يأتي في المرتبة الأولى هو الاطمئنان إلى الاستمرار في العمل، فالشعور بالأمان وبضمان المستقبل أصبح اليوم في الظروف المضطربة التي تجتازها الإنسانية العامل الأول في تحقيق سعادة الإنسان وتوازنه، فالخوف المعنوي كالخوف المادي من شأنه أن يُضعف العزيمة ويشلَّ الحركة.

ثم يأتي في المرتبة الثانية توافر الشروط اللازمة للعمل المريح بإزالة عوامل الضجر والملل والتعب السريع.

ويأتي في المرتبة الثالثة والرابعة عاملان اجتماعيان هما: الوئام مع رفاق العمل، ثم حسن اختيار رئيس العمل أو المشرف على العمل، فلا شك في أن لنوع العلاقة الإنسانية القائمة بين العمال بعضهم مع بعض وبينهم والمشرفين عليهم أثرًا كبيرًا في تحقيق رضا العمال وتقوية روحهم المعنوية.

ثم تأتي في المرتبة الخامسة والسادسة الاعتبارات المالية — بشرط أن يكفي الحد الأدنى للأجر لسد حاجات العامل الأساسية ويضمن له حياة كريمة — وهذان العاملان هما: أولًا فرصة التقدم والترقية، وثانيًا الأجر المرتفع.

وأخيرًا هناك دوافع أخرى مثل الفرصة لتعلم مهنة جديدة أو القيام بعمل سهل في ظروف لا تتطلب عناءً كبيرًا، ولكن هذه الدوافع أقل أهمية من غيرها.

ويمكن أن نستخلص مما سبق ضرورة التوفيق بين حاجات العامل المادية وحاجاته النفسية والاجتماعية، فمن الخطأ أن ننظر إلى العامل كأنه مجرد آلة تستهلك كذا من الطاقة وتأتي بكذا من العمل، بل يجب أن ننظر إليه كإنسان من حقه أن يحيا حياةً كاملةً تضمن له الطمأنينة والرضا بإرضاء دوافعه المادية والمعنوية والاجتماعية على حد سواء.

فالغرض الذي يحق لعلم النفس الصناعي أن يرمي إليه هو ليس زيادة الإنتاج فحسب، بل التوفيق بين الإنتاج الأكبر ومصلحة أكبر عدد ممكن من العمال وكرامتهم؛ ولذلك يجب أن يُعتَبر الإنتاج المتوسط نموذجًا أو معيارًا للإنتاج العام، لا الإنتاج الأعلى لأكفأ عامل كما كان يصنع تيلور، وبهذه الكيفية يساهم علم النفس الصناعي في تحقيق أحد وجوه العدالة الاجتماعية بين العمال بالدفاع عن أقلهم كفاءة.

•••

عندما يتجه علم النفس الصناعي اتجاهًا تكامليًّا بمراعاة جميع العوامل البيولوجية والنفسية والاجتماعية يصبح في استطاعته أن يؤدِّي أجلَّ الخدمات للعامل ولأصحاب العمل، والمجهودات التي بذلها العلماء في ميدان هذا العلم جديرة بالإعجاب حقًّا، فبصدد ضرورة وضع أصلح الاختبارات للتوجيه والاختيار اضطر العلماء إلى القيام بتحليل المهن المختلفة والوقوف على سلسلة الحركات التي يجب القيام بها لتأدية كل نوع من الأعمال على أحسن وجه من حيث المجهود والزمن والإنتاج، وقد بُدِئَ فعلًا منذ حوالي خمسين عامًا بتحليل أهم المهن، ولكن لا يزال المجال واسعًا شاسعًا، إذ إن عدد المهن بفروع كل مهنة يقرب حسب أحدث إحصاء أمريكي إلى عشرين ألف مهنة مختلفة.

وقد اتضح بعد المحاولات الأولى أنه يجب تحليل المهنة أولًا من حيث حركاتها العنصرية لا من حيث الوظائف الفعلية التي تتطلبها تأديتها، ومن أشهر العلماء الذين قاموا بدراسة الحركة وصلتها بالزمن فرانك جلبرث F. Gilberth،٣ فقد لاحظ في أول الأمر أنه من المحال الاكتفاء بمشاهدة العامل أثناء قيامه بالعمل، ومحاولة وصف حركاته بألفاظ اللغة العادية، فإذا تأملنا في حركات العامل الذي يقوم بعملية تعبئة مظاريف أو علب فإن حركاته ستكون من السرعة والتعقيد بحيث يستحيل على الملاحظ أن يتتبعها ويصفها في آن واحد ويسجل ما يشاهده، ولتيسير عملية الملاحظة والوصف قام جلبرث بإرجاع جميع الحركات الممكنة التي يقوم بها أي عامل يزاول أي مهنة على مجموعة محددة من الحركات العنصرية، وقد أطلق على العنصر الحركي لفظ ثربلج therblig وهو اسم هذا العالم بعد قَلْب حروفه، وقد حصر جميع الحركات العنصرية في سبع عشرة حركة: بحث – وجد – اختار – قبض – وضع – ضم – استخدم – فصل – راقب – نقل الفارغ – نقل المحمل – أطلق الحمل – استعد للعملية القادمة – وضع الخطة – إرجاء لا بد منه – إرجاء يمكن تفاديه – استراح.

وبما أنه يصعب في كثير من الحالات تتبع الحركات العنصرية وتحديد الزمن الذي تستغرقه كل منها لجأ جلبرث إلى تسجيل الحركات بالسينما ثم عرض الفيلم ببطء، وبالمقارنة بين عمال مختلفين من حيث المهارة والزمن كالمقارنة بين المبتدئ ومَن حذق الصنعة يمكن تحديد الحركات الضرورية والمفيدة وتمييزها عن الحركات غير المفيدة، ووضع أمثل المناهج للتعلم وأكثرها اقتصادًا للمجهود، كما أنه يصبح من اليسير وصف النشاط السيكولوجي الذي يضمن أحسن الإنتاج بأقل مجهود مستطاع، وبالتالي وضع الاختبارات للتوجيه والاختيار بحيث تكون ملائمة تمامًا لما يراد الكشف عنه من قدرات خاصة لدى الشخص الذي يجري عليه الاختبار.

وقبل أن نتحدث عن قيمة الاختبارات بوجه عام نود أن نشير بإيجاز إلى بعض النتائج العملية التي أدت إليها دراسة الحركة وصلتها بالزمن، وقد لخص بارنس٤ هذه النتائج في ثمانية مبادئ:
  • (١)

    كلما أمكن ذلك يجب أن تبدأ اليدان نشاطهما وتنجزاه في نفس الوقت.

  • (٢)

    كلما أمكن ذلك يجب ألا تتوقف اليدان عن العمل في أثناء تأديته في نفس الوقت.

  • (٣)

    كلما أمكن ذلك يجب أن تتحرك اليدان في نفس الوقت وفي اتجاهات متقابلة متناظرة.

  • (٤)

    الحركات المتصلة المنحنية أفضل من الحركات المستقيمة التي تقتضي تغيرًا فجائيًّا في اتجاه الحركة.

  • (٥)

    كلما أمكن ذلك يجب أن يُؤلَّف بين أداتين أو ثلاث بحيث تكون أداة واحدة.

  • (٦)

    يجب إعفاء اليدين من كل عمل في استطاعة القدمين أو أي عضو آخر القيام به.

  • (٧)

    يجب أن تكون أجزاء «العدة» موضوعة في وضع ييسِّر القبض عليها واستخدامها بسرعة.

  • (٨)

    يجب أن يكون للأدوات والمهمات أمكنة ثابتة توضَع فيها.

تحليل العمل جانب أساسي من علم النفس الصناعي، والجانب المتمم له هو تحليل الشخص لمعرفة قدراته العقلية والحركية وسائر مقومات شخصيته، وتوجد أنواع مختلفة من الاختبارات التي تسمح بتحديد صلاحية الشخص أو عدم صلاحيته لعمل من الأعمال.

وأقدم هذه الاختبارات هي اختبارات الذكاء أو القدرة العقلية العامة أو المستوى العقلي العام مثل اختبار بينيه وسيمون Binet & Simon، ويسمح هذا الاختبار بتحديد مدى التأخر أو التقدم بالقياس إلى مستوى متوسط لكل سن زمنية، ومثل هذه الاختبارات مكوَّنة من مسائل تتطلب لحلها معرفة اللغة والحساب، وتعتمد على المعلومات المكتسبة والعمليات المجردة من حكم ومقارنة، وهناك اختبارات للذكاء لا تعتمد على اللغة بل على معالجة الأشياء وحل مسائل عملية.

واختبارات الذكاء المقننة على عدد كبير من الأفراد تسمح بإقامة التمييزات الدقيقة بين مستويات النمو العقلي العام ونتائجها جديرة بالثقة؛ لأن مجموعة الأسئلة الخاصة بكل سن عقلية تمتاز بالتنوع، ويترتب على ذلك أن التقديرات الخاصة بالعوامل العقلية العامة يقوِّي بعضها بعضًا، في حين أن التقديرات التي تتناول القدرات الخاصة تتعادل ويلغي بعضها بعضًا، فيكون الاختبار بمثابة مقياس للنمو العقلي العام.

ولكن مثل هذه الاختبارات لا تفيد إذا أردنا أن نكشف عن قدرات خاصة لأنواع من النشاط تمتاز بها مهنة دون الأخرى، مثل مهنة المهندس أو الطبيب أو الميكانيكي أو المحاسب … إلخ، فلا بد من وضع اختبارات لقياس القدرة الخاصة، سواء لقياس القدرة من حيث هي استعداد، أو من حيث هي مقدرة فعلية على تأدية عمل أو مجموعة من الأعمال، ففي الحالة الأولى يقيس الاختبار استعداد الشخص للتعلم، وفي الحالة الثانية الحد الذي وصل إليه بعد التدريب والتعلم.

وفي التوجيه المهني يطلب السيكولوجي من الاختبار أن تكون له قيمة عملية بأن يسمح بأن يقيس قدرات الأشخاص بالقياس إلى بعضهم بعضًا؛ للتمييز بينهم من حيث مدى صلاحيتهم أو عدم صلاحيتهم لمهنة معينة، ولا يهتم بتحديد طبيعة القدرة من الوجهة السيكولوجية بقدر ما يهتم بصحة الاختبار وثباته من الوجهة العملية.

والمناقشات النظرية التي تدور حول عوامل العقل أو طبيعة القدرات وما إذا كانت هناك قدرة عامة من جهة تشترك في جميع الأعمال وقدرات خاصة من جهة أخرى لا تزال قائمة بين العلماء، وكثيرًا ما يؤدي اختلاف الوسائل الرياضية المستخدمة في تحليل العوامل إلى نتائج مختلفة متعارضة، فترى اسبيرمان مثلًا يميز بين العامل العام — وهو عامل الذكاء العام — وعوامل خاصة، في حين يذهب ثرستون إلى أن العوامل العقلية الأساسية يمكن إرجاعها إلى ثمانية عوامل، وقد وصل إلى هذه النتيجة بتحليل النتائج التي أسفرت عنها مجموعة من سبعة وخمسين اختبارًا مختلفًا مستخدمًا طرقًا خاصة في تحليل العوامل تحليلًا رياضيًّا، والعوامل الثمانية التي يذكرها ثرستون تُلخَّص فيما يلي:
  • (١)

    عامل المكان، وهو القدرة على الحكم بدقة على المكان والأشكال.

  • (٢)

    عامل الإدراك، وهو القدرة على ملاحظة التفاصيل بسرعة والكشف عنها عندما تكون مندمجة في أشياء لا تمت إليها بصلة وظيفية.

  • (٣)

    عامل العدد، وهو القدرة على إجراء العمليات الحسابية بسرعة ودقة.

  • (٤)

    عامل العلاقات اللفظية، وهو القدرة على قراءة الجمل وفهم معانيها.

  • (٥)

    عامل اللفظ أو القدرة على هجاء الكلمات وتعريفها.

  • (٦)

    عامل التذكر.

  • (٧)

    عامل الاستقراء أو القدرة على الكشف عن المبدأ أو القانون العام الذي يقوم عليه تصنيف الجزئيات.

  • (٨)

    عامل القياس، وهو القدرة على تطبيق مبدأ عام على حالات جزئية.

وهناك تصنيف آخر للقدرات معروف بتصنيف مينسوتا Minnesota — وهو اسم إحدى الولايات المتحدة بأمريكا — يقسم القدرات إلى ست:
  • (١)

    الأكاديمية: وهي القدرة على فهم المعاني والرموز واستخدامها.

  • (٢)

    الميكانيكية: وهي القدرة على معالجة الأشياء وعلى تصور الحركات الميكانيكية.

  • (٣)

    الاجتماعية: وهي القدرة على فهم الآخرين ومعاملتهم والتكيف معهم.

  • (٤)

    الكتابية: وهي القدرة على القيام السريع الدقيق بالأعمال الكتابية.

  • (٥)

    الموسيقية: وهي القدرة على التمييز بين الأصوات الموسيقية واستخدامها في التعبير.

  • (٦)

    الفنية: وهي القدرة على إبداع الصور الفنية والتقدير الجمالي.

ومقاييس مينسوتا تسمح بتقدير القدر اللازم من كل هذه القدرات الست للنجاح في ٤٣٠ مهنة.

ونجد في مجموعة الاختبارات المستخدمة في جامعة دنفر Denver أن السمات والقدرات التي تقيسها هذه الاختبارات موزَّعة في عشر فئات كما هو موضَّح فيما بعد:
  • (١)

    الذكاء، وهو مقسم إلى أربعة أقسام: اللفظي – الكمي – التفكيري – الأحكام العملية.

  • (٢)

    مدى التحصيل التربوي.

  • (٣)

    الصفات الاجتماعية، وهي تشمل: الانطواء – الذكاء الاجتماعي – النضج الانفعالي.

  • (٤)

    الشخصية ومدى انحرافها.

  • (٥)

    القدرة الميكانيكية، وهي تشمل: المهارة – المعالجة اليدوية – المعلومات الميكانيكية – الهندسة الميكانيكية.

  • (٦)

    القدرة على الأعمال الكتابية، وتشمل: المراجعة وترتيب الملفات – الاختزال – أعمال السكرتارية.

  • (٧)

    القدرة الموسيقية.

  • (٨)

    القدرة الفنية، وهي تشمل: التقدير الجمالي والاستعداد الفني.

  • (٩)

    الاهتمامات والميول المهنية.

  • (١٠)

    متفرقات: إبصار الألوان – إبصار الأشكال وتقدير الحركة – الاستعداد لدراسة القانون – الاستعداد للتمريض – الاستعداد لدراسة الطب.

يُلاحَظ في المجموعة الأخيرة التي أثبتناها أن الموجه المهني لا يكتفي بقياس الذكاء وبعض القدرات الخاصة، بل يحاول قياس أهم سمات الشخصية، ولا بد من مراعاة العوامل الخلقية والانفعالية والمزاجية؛ لأنها تؤثر في نتيجة اختبارات الذكاء والقدرات الخاصة؛ لأن القيام بهذه الاختبارات يتطلب اشتراك الشخص بجميع مقوماته الخُلُقية والمزاجية. ثم هناك عوامل الماضي وذكريات الشخص وعاداته واتجاهاته الوجدانية من حب وكراهية … يجب الوقوف عليها لتقدير نتائج الاختبار.٥

ولكن يجب دائمًا أن تكون الملاحظات التي نقوم بها لتقدير العوامل المزاجية والشخصية — مثل ملاحظة نوع الأخطاء وكيفية تغيير المنهج في أثناء الاختبار — حسب جدول موضوعي لا حسب تقديرات ذاتية. وإذا كان الإحصاء هو أساس علم النفس الصناعي يجب أن نعرف أن النتائج الإحصائية عديمة الفائدة إذا كانت المعلومات والبيانات التي نعالجها بالإحصاء قد جُمِعت بطريقة ذاتية، فالنقص الذي يعتري البيانات لا يزال قائمًا في النتائج الإحصائية مهما كانت العمليات الرياضية دقيقة معقَّدة.

•••

وبعد أن ألقينا نظرة سريعة على مجال علم النفس الصناعي ومدى تشعبه يجدر بنا أن نعود إلى النقطة التي بدأنا بها، وهي ضرورة تنظيم علم النفس الصناعي تنظيمًا علميًّا شاملًا، فهذه المهمة الجليلة التي ستعود بنفع عظيم على الأمة بأسرها يجب أن تنظمها الدولة بطريقة جدية ووفقًا لمنهج سديد متواصل الحلقات، بحيث يكون الشروع فيها وتنفيذها وجني ثمارها بمثابة حركة واحدة متواصلة تبدأ وتقوى وتستمر بدون توقف ولا تردد، والدوائر التي في استطاعتها أن تنهض بعلم النفس الصناعي هي الجامعة ووزارات المعارف والصناعة والشئون الاجتماعية، فحبذا لو تضافرت الجهود ووُحِّدت وجهات النظر لإنشاء معهد علم النفس الصناعي لإعداد إخصائيين في التوجيه والاختيار المهني، فقد أصبحت حياة الأمة من التعقد وتعددت نواحي النشاط الاقتصادي والصناعي بحيث أصبح لزامًا علينا أن نفكر منذ الآن بإعداد مهندسين بشريين لتنظيم العلاقات بين الأفراد والجماعات في مختلف ميادين النشاط في المدرسة والمصنع والجيش، فإن الوقاية في هذا الميدان أيضًا أفضل من العلاج.

١  للوقوف على معاني المصطلحات الخاصة بعلم النفس الصناعي نرجو الرجوع إلى قاموس المصطلحات المنشور في آخر هذا الكتاب.
٢  راجع ما كتبناه عن مراحل تعلم الآلة الكاتبة في كتابنا مبادئ علم النفس العام، ص١٨٤-١٨٥، الناشر: دار المعارف بمصر، ١٩٤٨م.
٣  F. B. Gilbreth: Motion Study. New York, 1911.
٤  R. M Barnes: Motion and Time Study. New York, 1937.
٥  راجع في مجلة علم النفس (فبراير ١٩٤٨) مقال الدكتورة ماي سميث والأستاذ أحمد زكي عن طريقة الاستبار الشخصي interview، وقد تناول كُتَّاب هذا العدد بالتفصيل أهم المسائل التي أشرنا إليها في مقالنا التمهيدي، وخاصة مقال الدكتور عزت راجح عن المهارة اليدوية، ومقال الأستاذ محمود أمين العالم عن الإنسان والمهن الصناعية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠