الفصل السابع

الدراسات النفسية في خدمة الصناعة

تميِّز فلسفة العلوم بين مجموعتين كبيرتين من العلوم؛ تتناول المجموعة الأولى جميع الظواهر المادية، سواء كانت متعلقة بعالم الجماد أو بعالم الأحياء، والإنسان من حيث هو حيوان تدخل دراسته في نطاق هذه المجموعة. وتتناول المجموعة الثانية نشاط الإنسان الصادر عن قصد، والذي يرمي إلى معرفة العالم الخارجي والتكيف مع البيئة — سواء كانت مادية أو اجتماعية — والتأثير فيها. وتُقسَّم هذه العلوم عادةً إلى علم النفس والتاريخ وعلم الاجتماع. ويتناول كل من هذه العلوم الثلاثة دراسة الإنسان من وجهة نظر خاصة، غير أن هذه التفرقة بين وجهات النظر المختلفة يجب ألا تُنْسينا أن الموضوع الأساسي هو الإنسان، وأنه إذا صحَّ من الناحية المنهجية أن نميز بين جوانب متعددة من النشاط الإنساني فإن الواقع يدفعنا دائمًا إلى الربط بين هذه الجوانب وانتهاج المنهج التكاملي لملء الفجوات التي يُحدثها هذا التمييز المنهجي، والكشف عن العلاقات القائمة بين مختلف جوانب النشاط الإنساني، وتحديد التفاعلات المتبادلة بينها. وفي ضوء هذه الحركة التكاملية يمكننا أن نفهم لماذا ينزع كل علم من العلوم الإنسانية إلى أن يخضع لمنهجه ولوجهة نظرة العلوم الأخرى.

ومن أهم المحاولات التي بُذِلَت للتوفيق بين العلوم الإنسانية نشأة علم النفس الاجتماعي وامتداد دائرة أبحاثه، ولا تقتصر المحاولة التي يقوم بها السيكولوجي الاجتماعي على الإلمام بجميع فروع علم الإنسان، بل امتدت إلى العلوم الطبيعية؛ وذلك لأن نشاط الإنسان يتناول الإنتاج في جميع الميادين مادية كانت أو فكرية أو اجتماعية.

ودراسة العلوم الإنسانية — ومن بينها علم النفس — من شأن كليات الآداب، ويكاد هذا النظام يكون عامًّا في جميع جامعات العالم، وظلت كليات الآداب تقوم بتدريس علم النفس بفروعه المختلفة دون استثناء؛ وذلك لأن الأسس التي تستند إليها هذه الفروع يقوم بوضعها علم النفس العام، وتتلخَّص هذه الأسس في موضوعين أساسيين: دوافع السلوك ثم عملية التعلُّم.

وقد يبدو من الغريب لأول وهلة أن تدَّعي كليات الآداب مساهمتها في الإنتاج الصناعي، فمن المعلوم أن هذا الأمر موكول إلى الفنيين الذين يتخصَّصون في كليات الهندسة والعلوم والتجارة، أليست الصناعة قائمة على تحويل المواد الخام إلى أشياء مصنوعة وعلى تعبئة الطاقة المادية وتنظيم تشغيلها في مصانع يقوم بإنشائها مهندسون متخصصون، وتحوي عددًا صغيرًا أو كبيرًا من مختلف الآلات والأجهزة؟ فما هذا الادعاء إذن الذي تدَّعيه كليات الآداب زاعمة أن من مهمتها أيضًا أن تساهم في المجهود الصناعي؟ هل هي تقوم بتحليل المواد الكيميائية وباختبار مقاومة المواد وبوضع الرسومات الصناعية وبدراسة قوانين الميكانيكا؟ هل تحوي بين جدرانها المعامل المزوَّدة بالأجهزة الدقيقة التي تسجِّل ذبذبات الطاقة على مختلف مظاهرها؟

الواقع أن كليات الآداب لا تقوم بمثل هذه الأعمال، وليست الدراسات الميكانيكية والهندسية والكيميائية من مناهجها، غير أننا عندما ننظر إلى الصناعة يجب علينا ألا نُغفل عنصرًا هامًّا لا تقل أهميته عن سائر العناصر التي ذكرنا، ألا وهو العنصر الإنساني المتمثل في الأيدي العاملة، وفي العلاقات الإنسانية القائمة بين العمال وأصحاب العمل وبين العمال وبعضهم. إن أرباب الصناعة في أواخر القرن التاسع عشر عندما تضخمت المؤسسات الصناعية وأصبح عمالها يُعَدُّون بالآلاف وبعشرات الآلاف كانوا ينظرون إلى العامل نظرتهم إلى الآلة الصماء، كأنه بمثابة مجموعة من العضلات يمكن قياس طاقتها وشغلها بكمية ما تنتجه كما يقاس شغل الآلة سواء بسواء. فقام المهندس الصناعي بدراسة حركات الآلة البشرية وتنظيمها بحيث تصل في مجهودها إلى أقصى حد من الإنتاج، وإذا أصيبت هذه الآلة البشرية بعطل يؤدي إلى نقص الإنتاج كان يُعْزا هذا العطل إلى نزوات هذه الآلة مما كان يستتبع الاستغناء عنها والاستبدال بها آلة جديدة، أي عامل آخر في قدرته أن يحقق الحد المفروض من الإنتاج.

غير أن صاحب العمل وحتى المهندس ذا النزعة الصناعية البحتة لم يلبثا طويلًا حتى أدركا أن العامل ليس بالآلة الصماء، وأن وراء هذه العضلات قلبًا يرغب حينًا ويخشى حينًا آخر، قد تدفعه حوافز متضاربة يصعب عليه التوفيق بينها مما كان يؤدِّي إلى اضطراب إنتاجه وعدم استقراره في مستوى واحد.

وقد يُدْهَش العامل نفسه من عجزه عن الوصول إلى المستوى المنشود في الإنتاج على الرغم من عزمه الصادق ومحاولاته المخلصة في تحسين كفايته، فربما كان العمل المكلَّف به لا يجلب له من أنواع الرضا ما كان يأمل الفوز به، أو ربما كان الجو المعنوي الذي يحيط به يعوقه عن أن ينمِّي جميع إمكانياته.

الواقع أن الموقف الصناعي معقَّد إلى أقصى حد، فهو ملتقى عدد كبير من العوامل المختلفة، بعضها فني وبعضها اقتصادي وبعضها الآخر نفسي اجتماعي، إن النشاط داخل هذا الموقف ليس مقصورًا على سلسلة من الأعمال المادية تجري في بيئة مادية معينة، بل هناك الجو السيكولوجي — أو بعبارة أدق المجال السيكولوجي — الذي يضم في آن واحد النظام المادي ونظام العلاقات الإنسانية التي تربط بين الأفراد والجماعات التي تكوِّن هيئة المديرين والموظفين والعمال، ثم إن هذا المجال السيكولوجي المحصور بين جدران المصنع ليس إلا جزءًا من مجال سيكولوجي أوسع يضم المصنع والجمهور الذي سيستهلك منتجات هذا المصنع. أضف إلى ذلك أن العامل لا ينتسب إلى جماعة واحدة هي جماعته المهنية، بل هو عضو في عدة جماعات، وعليه أن يوفق بين مختلف واجباته وحقوقه داخل هذا النظام الجماعي المتشابك الذي يضمه من حيث هو وحدة متعددة النواحي والنشاط.

فنشاط العامل داخل المصنع وسلوكه المهني وتعامله مع زملائه في العمل، كل هذا مرتبط — إلى حد صغير أو كبير — بسلوكه وظروفه داخل الدوائر المتعددة التي ينتمي إليها، والتي يشترك في نشاطها في أوقات معينة كل يوم أو كل أسبوع أو من حين إلى آخر، وعلى الرغم من محاولاته أن يتكيف في كل ظرف تبعًا لمقتضيات هذا الظرف، فمما لا شك فيه أن يتسم بأسلوب معين من السلوك يصبغ بصبغته الخاصة جميع تصرفاته.

وإذا كان الاهتمام الكبير الذي يستأثر في عصرنا هذا بتفكير أرباب الصناعة ورجال الاقتصاد هو زيادة الإنتاج وزيادة الكفاية الإنتاجية للعامل فإنه من الضروري أن نُعْنَى بالعامل إنسانًا وعضوًا في عدة جماعات بقدر ما نُعْنَى بتوفير المواد الأولية للصناعة والحصول على أحدث الآلات وضمان القوة المحرِّكة لها، ولا شك أن العلوم السيكولوجية الاجتماعية هي التي تكشف لنا عن طبيعة الإنسان وطبيعة التجمعات البشرية، وتفسر لنا سلوكه في المواقف الاجتماعية المختلفة المحيطة به، والعامل داخل المصنع وهو يعمل على آلة معينة ويتعامل مع نفر من الرؤساء والزملاء يسلك ويتصرف طبقًا لما أوتي من قدرات واستعدادات، محاولًا التوفيق بين دوافعه ورغباته وبين مقتضيات العمل المكلَّف به، فالتنظيم الأمثل هو الذي يرمي إلى وضع العامل في المكان الملائم، وإتاحة الفرصة له لتنمية إمكانياته ولتثقيفه بالثقافة اللازمة له؛ لكي يرتقي حتى يرضي نفسه ويُرضي صاحب العمل، وبعبارة أخرى: تحقيق جميع الظروف المادية والاجتماعية والمعنوية التي تساهم في زيادة الكفاية الإنتاجية للعامل.

وحيث إن تدريس العلوم السيكولوجية والاجتماعية من اختصاص كلية الآداب فإنه يصبح من الواضح أن جانبًا من التبعات التي يفرضها واجب تنظيم الصناعة يقع على عاتق كلية الآداب، وفيما يلي إشارة وجيزة إلى بعض الأعمال التي يجب أن يقوم بها الخبير السيكولوجي والاجتماعي في مجال النشاط الصناعي.

•••

من أهم الأعمال التي تدخل في دائرة تخصص السيكولوجي الصناعي ما يأتي:
  • (١)

    اختيار العمال قبل قبولهم في المصنع.

  • (٢)

    اختيار مَنْ سيقوم المصنع بتدريبهم لكي يصبحوا عمالًا أكْفَاء.

  • (٣)

    وضع الأسس التي يستند إليها الاختيار والتدريب.

  • (٤)

    دراسة أهم العوامل الفسيولوجية والسيكولوجية والاجتماعية التي ترفع الكفاية الإنتاجية إلى المستوى المنشود.

  • (٥)

    تنظيم العلاقات الإنسانية داخل المصنع بين العمال والإدارة، وبين العمال فيما بينهم، وكذلك تنظيم العلاقات الإنسانية بين المصنع والجمهور.

  • (٦)

    المساهمة في دراسة الأسواق من الناحية النفسية والاشتراك في تنظيم حملات الإعلان والدعاية.

  • (٧)

    دراسة العوامل النفسية التي ترفع من نسبة الحوادث واتخاذ الإجراءات الكفيلة بخفض هذه النسبة مما يؤدي إلى زيادة الأمن والإنتاج.

ولتحقيق هذا البرنامج الحيوي لا بد من تضافر الجهود بين المتخصصين في علم النفس الفسيولوجي وعلم النفس الاجتماعي وعلم النفس التجريبي وعلم الفروق الفردية والجماعية وطرق قياسها، وعلم النفس المرضي وعلم النفس التطبيقي، وكلها علوم يقوم بتدريسها فرع الدراسات الاجتماعية والنفسية بكلية الآداب.

ولتوضيح فائدة هذه الدراسات من الناحية العلمية والتطبيقية في المساهمة في تنظيم النشاط الصناعي نكتفي بذكر بعض الأمثلة:

من المعلوم أنه في إمكان المصنع أن يحصل على عدد كبير من الآلات المتشابهة، وطبيعي أن ينتظر من هذه الآلات المتشابهة في تركيبها أن تكون أيضًا متشابهة في كمية الإنتاج وجودته، ولكن لا يمكن أن يتحقق هذا الغرض الأخير إلا إذا فرضنا أن في إمكان المصنع أن يحصل على عدد من العمال المتساوين قدرةً وكفايةً في الإنتاج؛ ليقوموا بالعمل على هذه الآلات، غير أن المهندسين ورؤساء العمال يعرفون حق المعرفة أن جميع الآلات المتشابهة لا تنتج الإنتاج نفسه، وأن الفرق في الإنتاج يرجع لا إلى الآلة، بل إلى مَنْ يقوم بإدارتها ومراقبتها — أي العامل نفسه — فإذا أمكن المهندس أن يزيل جميع الفوارق بين آلات من نوع واحد فالفوارق الموجودة بين الأشخاص أمر واقعي لا يمكن تجاهله، وأنه ليس بالأمر الهيِّن إزالة هذه الفوارق، ولا يلبث المهندس طويلًا حتى يدرك أن التدريب ذاته لا يكفي للخفض من مقدار الفروق الفردية، بل قد يؤدي في بعض الحالات إلى تضخيمها وإبرازها بشكل أوضح، فقد ثبت أن التدريب يزيد من الفروق الفردية بقدر زيادة العمل في التعقد والصعوبة، أما إذا كان العمل الذي يدرَّب عليه المرشحون للعمل سهلًا، فإن الفروق تميل إلى التلاشي؛ وذلك لأن الشخص الماهر يصل بسرعة إلى إتقان العمل ولم يعد التدريب يؤثر فيه، في حين أن الشخص ذا القدرة المحدودة يظل يستفيد من التدريب حتى يصل إلى مستوى زميله الماهر، ولكن يجب أن نلاحظ أن الشخص الماهر سرعان ما يملُّ عمله السهل، وعلى الرغم من قدرته العالية فسيؤدي الملل إلى خفض الإنتاج.

ومن المسلَّم به أن هناك عددًا من الفروق بين الأشخاص من حيث السمات الجسمية كالطول والوزن والقوة العضلية والدقة الحسية ومختلف السمات المرفولوجية، أي السمات الخاصة بشكل الجسم وبالنسب الموجودة بين أجزائه.

ومن المسلَّم به أيضًا أن هناك فروقًا فردية من حيث الذكاء العام ومن حيث القدرة على التذكر والتخيل والتفكير، وكذلك من حيث المزاج والطباع وسمات الشخصية، ولكن هل يفطن كل واحد منا إلى أن هناك قدرات خاصة قد لا تتأثر إلا في حدود ضيقة بالقدرة العقلية العامة، وأن اعتبار الفروق في القدرات الخاصة أمر جوهري؛ نظرًا لقيام الأعمال الصناعية على التخصص، وأن أوجه التخصص تزداد يومًا بعد يوم؟

وحتى لو سلَّم الجميع بوجود الفوارق الجسمية والعقلية والمزاجية، فإن الأمر الجوهري ليس الاعتراف بها بل معرفة تقديرها وقياسها، ثم القيام بتحليل مختلف الأعمال الصناعية للكشف عن القدرات العامة والخاصة التي تلائمها، ثم اختيار الأشخاص الذين يتصفون بهذه القدرات بشكل يضمن نجاحهم في تأدية العمل الذي سيكلَّفون به.

ولكي نتبين أثر الاختيار المهني في رفع الإنتاج يمكننا أن نتبيَّن أثر عدم الاختيار في مدى التفاوت في الإنتاج بين عدد من العمال يقومون بعمل واحد، فقد قام أحد الخبراء بتقدير الإنتاج الفردي لمجموع من ٣٦ من العمال يقومون بتركيب أجزاء كهربائية، فقد وجد أن الإنتاج مقدَّرًا بالنسبة المئوية لمتوسط الإنتاج يتراوح بين ٦٠٪ و١٤٥٪، أي أن العمال المهرة ينتجون ضعف العمال غير المهرة، وبالتالي يتحمَّل المصنع ضعف التكاليف بالنسبة إلى العامل غير الماهر، وجميع الظروف متشابهة بالنسبة إلى جميع العمال فيما عدا ظرفًا واحدًا هو أن المصنع لم يقم باختيار العمال على أساس قدرتهم على القيام بهذا العمل.

وكذلك الحال فيما يختص بمجموعة من ١٩٩ من العاملات يعملن في مصنع للجوارب، فكان الإنتاج يتراوح بين ربع دستة وسبع دست من الجوارب في الساعة، ولوحظ أن هذا التفاوت الكبير يرجع إلى التفاوت في مدة تدريب العاملات، فأُجريت المقارنة بين العاملات اللواتي تدرَّبن مدة سنة على الأقل — وهي المدة اللازمة للتدريب التام — فوُجِد أن التفاوت في الإنتاج لا يزال كبيرًا، إذ يتراوح بين ثلاثٍ وسبع دست في الساعة، والتدريب هنا لم يؤدِّ إلى تلاشي الفروق الفردية في المهارة اليدوية التي كان يقتضيها هذا النوع في العمل، ولا شك أن اختيار العاملات بواسطة الاختبارات الخاصة بالمهارة اليدوية كفيل بأن يجعل المجموعة أكثر تجانسًا، وبالتالي بأن يرفع الإنتاج العام إلى مستوى أعلى.

وقد اتضح من جهة أخرى أن المؤهلات الفنية التي تمنحها المدارس الصناعية ليست لها دلالة خاصة من حيث قدرة حامليها على القيام بنوع من الأعمال الصناعية دون غيرها، فقد تقدَّم لأحد المصانع مجموعة من ١١٢ فني للعمل كمساعدين ميكانيكيين، وبعضهم يحمل شهادة تخصص في الأعمال الميكانيكية من إحدى المدارس الصناعية، والبعض الآخر سبق له مزاولة هذا النوع من العمل، فطُبِّق على الجميع مجموعة من الاختبارات منها: اختبار المعلومات الفنية واختبار القدرة العقلية العامة، فتراوحت النتائج في الاختبار الأول بين خمس درجات و١٢٥ درجة، وكان مجموع الدرجات ١٣٠، أما اختبار القدرة العقلية العامة فأسفرت نتائجه عن وجود حوالي ١٢٪ من ضعاف العقول، و٥٪ من المتفوقين.

وعلى ذلك لا يمكن الاعتماد على الشهادات التعليمية وحدها للحكم على قدرات الشخص العقلية والفنية، كما أنه لا يمكن الاعتماد على التوصيات التي يقدمها طالب العمل أو الإقرارات التي يحصل عليها من المؤسسات التي كان يعمل فيها من قبل، وكذلك لا يكفي الاختبار الشخصي الذي لا تزيد مدته عن حوالي ربع ساعة من التحادث مع طالب العمل ومراقبة استجاباته للحكم على شخصيته ومدى كفايته، فكل هذه الوسائل المختلفة التي يستخدمها صاحب العمل لاختيار عماله ناقصة غير دقيقة، وتشوبها العوامل الذاتية من تحيُّز وأفكار سابقة وانطباعات عابرة متضاربة، فلا بد من أن يقوم اختيار العمال قبل تعيينهم أو قبل تدريبهم على أسس علمية موضوعية مقنَّنة بواسطة اختبارات سبق التأكد من صحتها وثباتها وقيمتها التنبؤية، يجب أن تقترب الأقيسة والاختبارات السيكولوجية بقدر الإمكان من الأقيسة والاختبارات التي يستخدمها الطبيب في الكشف الطبي الذي يجري على طلاب العمل في المصنع.

إن ضرورة الالتجاء إلى الاختبارات السيكولوجية للاختيار المهني أمر مسلَّم به في البلاد الأوروبية والأمريكية الراقية، فقد قام بعض العلماء المتخصصين في إدارة شئون العمال ببحث تطوُّر وسائل الاختيار المهني في الولايات المتحدة من سنة ١٩٣٠ إلى سنة ١٩٥٣، وقد تناول بحث عام ١٩٥٣ ستمائة وثماني وعشرين شركة تضم حوالي خمسة ملايين من العمال، فوجدوا أن وسائل الاختيار الموضوعية في تزايد مستمر في حين يقل الاعتماد على التوصيات والإقرارات.

ففي عام ١٩٣٠ لم تكن تُستَخْدم الاختبارات السيكولوجية إلا في نطاق ضيق جدًّا، ثم أخذت طريقة الاختبارات تنتشر حتى أن ٧٥٪ من الشركات الستمائة والثماني والعشرين التي بحثت في عام ١٩٥٣ كانت تعتمد على الاختبارات السيكولوجية، و٨٦٪ على الكشف الطبي لاختيار عمالها.

وتُوَزَّع الاختبارات التي استخدمتها هذه الشركات على النحو الآتي:

الاختبارات الخاصة بالأعمال الكتابية وأعمال السكرتارية ٧٣
الاختبارات الخاصة بالمعلومات المهنية ٣٠
اختبارات القدرة العقلية العامة أو اختبارات الذكاء ٥٦
اختبارات القدرة الميكانيكية ٤٠
اختبارات المهارة اليدوية ٢٨
اختبارات الشخصية ٤٠
اختبارات عملية ٣٣

ولنأخذ مثلًا النوع الأول من هذه الاختبارات، وهو الخاص بالأعمال الكتابية، فقد وُجِد أن القدرة على القيام بنجاح بهذه الأعمال ليست قدرة بسيطة، بل قدرة مركَّبة من أربعة عوامل ميَّزتها الدراسة الدقيقة التي تعتمد على الطرق الرياضية كالتحليل العاملي.

فالعامل الأول هو القدرة على إدراك الكلمات والأرقام، ويُستخدم لقياس هذه القدرة تمرينات مقننة تحوي على عدد من الأزواج اللفظية أو العددية، بعضها متشابه تمام التشابه، وبعضها الآخر يحوي اختلافات دقيقة على المختبر أن يميِّزها بسرعة، وميزة هذه التمارين أنها مرتبطة ارتباطًا ضعيفًا جدًّا بالذكاء العام ولا تتأثر نتائجها بالخبرة أو بالسن، أي أن مثل هذه الاختبارات تقيس القدرة على إدراك الكلمات والأرقام في لبِّها وأساسها.

والعامل الثاني هو القدرة على فهم معنى الكلمات وغيرها من الرموز، هذا هو العامل اللفظي الذي ميَّزه ثرستون ووضع له اختبارات خاصة تشمل معرفة مفردات اللغة وفهم النصوص.

والعامل الثالث هو المعروف بالعامل العددي، وهو القدرة على معالجة الأرقام، ويتدخل هذا العامل في العمليات الحسابية البسيطة وفي حل المسائل.

أما العامل الرابع فهو خاص بالمهارة اليدوية وبخفة حركات الأصابع، ويتضح وجود هذا العامل من تحليل الأعمال الكتابية نفسها، ولم يصل بعد التحليل العاملي إلى عزله.

ولا شك أن هناك علاقة بين القدرة الكتابية كما سبق وصفها والقدرة على التكيُّف، ولا بد من اختبار هذه القدرة الأخيرة بواسطة اختبارات خاصة للذكاء في حالة ما تتطلب الوظيفة الكتابية التي يقوم بها الموظف تغيير نوع النشاط من حين إلى آخر، هذا فضلًا عن اختبارات الشخصية التي تكشف عن اتجاهات الموظف من سيطرة أو خضوع أو انطواء أو انبساط أو عدوان أو ميل إلى التعاون … إلخ.

ولنأخذ الآن مثالًا آخر خاصًّا بجانب هام جدًّا من النشاط الصناعي والتجاري، وهو النقل بالسيارات الثقيلة، سواء نقل المهمات في الطرق العامة أو نقل الركاب في شوارع مدينة كبيرة كمدينة باريس أو القاهرة.

إن عمليات النقل ذات قيمة حيوية للنشاط القومي من جميع نواحيه، وتقتضي المصلحة العامة توافر أسباب الأمن والسرعة والانتظام، مع الإحالة دون الاستهلاك السريع لسيارات النقل، ومن بين العوامل التي تضمن تحقيق جميع هذه الشروط الأشخاص المكلَّفون بقيادة السيارات.

وعملية القيادة مركَّبة تتطلَّب من قائد السيارة مجموعة من الصفات المزاجية والخُلُقية ومن القدرات العامة والخاصة، وسنذكر بعد قليل أهم هذه الصفات والقدرات كما كشفت عنها الدراسة العلمية التي قام بها «لاهي» LAHY في باريس، وهو أحد منشئي علم النفس الصناعي في الربع الأول من هذا القرن.

في عام ١٩٢٣ فكرت شركة النقل المشترك في باريس في إيجاد حل لمشكلة الحوادث العديدة التي كانت تقع يوميًّا لسائقي الثلاثة آلاف سيارة التي تملكها، إذ بلغ عدد الحوادث في عام ١٩٢٢ ثمانية عشر ألف حادثة، ذهب ضحيتها مئات من الركاب والمارَّة، فضلًا عن الخسارة المادية الفادحة التي كانت تتحملها الشركة، فكُلِّف الأستاذ «لاهي» بدراسة الموضوع ووضع خطة مُحْكَمة لاختيار السائقين قبل تدريبهم، وبعد القيام بتحليل العمل وضع «لاهي» مجموعة من الاختبارات اللفظية والحركية، بحيث يسمح كل اختبار بقياس كل قدرة خاصة على حِدَة، فضلًا عن اختبار الذكاء والذاكرة، وكانت تُسجَّل نتائج الاختبارات في شكل «بروفيل» سيكولوجي يسمح فحصه بالتنبؤ عن مدى احتمال نجاح طالب العمل في تعلم قيادة السيارات الثقيلة ثم مزاولة هذه المهنة.

ويقتضي النجاح في مهنة قيادة سيارات النقل توافر القدرات الآتية:
  • (١)

    أن يكون استجاباته سريعة ومنتظمة.

  • (٢)

    ألا يصاب بسرعة بالتعب النفسي الحركي.

  • (٣)

    أن يكون قادرًا على تقدير السرعات والمسافات بالنظر.

  • (٤)

    أن يكون جيد الإبصار عند انخفاض الضوء وقت الغسق وفي الليل.

  • (٥)

    أن يكون قادرًا على مقاومة «الزغللة» في حدود معينة، وأن يستعيد تكيفه البصري بسرعة لا تقل عن حد معين.

  • (٦)

    أن يكون مدى الإبصار العملي في حدود معينة، بحيث يتمكن من أن يلمح ما يدور على يمينه وعلى يساره دون الانقطاع عن رؤية ما يحدث أمامه.

  • (٧)

    أن يكون قادرًا على الانتباه الموزَّع، قوي الأعصاب لا ينفعل بسرعة، وعلى مقاومة آلية الحركات كلما لزم الأمر.

  • (٨)

    أن يتمتع بقوة عضلية معينة قادرًا على تحمل التعب وبذل المجهود الذي تتطلبه مهنته بنوع خاص.

  • (٩)

    وحيث إن القيادة تقتضي القيام بعدد من الحركات المختلفة من حيث شكلها واتجاهها ومدتها، فلا بد من أن يتصف قائد السيارة بقدرة عالية على تفكيك حركات اليدين والقدمين، بحيث لا تتبع اليد أو القدم اليد أو القدم الأخرى في حركتها.

وقد أدى الاختيار المهني في ميدان قيادة السيارات إلى نتائج باهرة بفضل استخدام الاختبارات السيكولوجية، وفيما يلي الفوائد التي جَنَتْها شركة النقل المشترك في باريس.

انخفضت نسبة الذين يُستَبعدون أثناء التدريب من ٢٠٪ قبل تطبيق الاختبارات إلى ٤٪ بعد تطبيقها، كما أن مدة التدريب انخفضت من ١٥ يومًا إلى ١٠ أيام، ودلالة ذلك بالقياس إلى نفقات الشركة خفض نفقات التدريب بنسبة ٣٣٪.

أما في ميدان الحوادث ونسبة وقوعها فقد كانت النتائج باهرة حقًّا، فبالمقارنة بين عام ١٩٢٣ وعام ١٩٤٨ نجد أن متوسط عدد الحوادث في السنة بالنسبة إلى السائق الواحد انخفض من ٢٫٢ إلى ٠٫٥ أي بنسبة ٧٥٪، وهي نسبة عظيمة، ومما هو جدير بالملاحظة أن في عام ١٩٢٩ ارتفعت نسبة الحوادث، وكان السبب في ذلك أن اضطرت الشركة إلى تعيين عدد من السائقين دون اختيارهم تطبيقًا للقوانين العمالية التي أصدرتها الحكومة في هذه السنة، وهي تقضي بخفض عدد ساعات العمل يوميًّا، وعندما تمكَّنت الشركة من اختبار السائقين الجدد انخفضت نسبة الحوادث من جديد.

وقد تجددت هذه الظاهرة فيما بين عام ١٩٣٩ وعام ١٩٤٠ عند إعلان الحرب العالمية الثانية وتجنيد عدد كبير من عمال الشركة، فلجأت الشركة بحكم الضرورة إلى تشغيل سائقين تعلم أنهم دون مستوى الكفاية المطلوبة، وعندئذٍ ارتفعت نسبة الحوادث بشكل مريع، ومثل هذه التجارب السلبية تقيم الدليل على أهمية الاختيار المهني وخطورته.

وبالمقارنة أيضًا بين عام ١٩٢٣ وعام ١٩٤٨ نجد أن عدد الحوادث لكل مائة ألف كيلومتر تقطعها جميع سيارات الشركة انخفض من ١١٫٥ إلى ٢، أي بنسبة ٨٠٪ تقريبًا، فبينما كانت الشركة تنقل في عام ١٩٢٣ مائة ألف راكب لكل حادثة واحدة أصبحت في عام ١٩٣٨ تنقل أربعمائة ألف راكب لكل حادثة واحدة، في حين أن الحوادث التي تُحدثها السيارات الخاصة تزداد نسبتها بازدياد عدد السيارات، فبين عام ١٩٢٣ وعام ١٩٣٨ زاد عدد السيارات الخاصة في باريس وضواحيها بمقدار ٢١٨٪، وزادت الحوادث بمقدار ٨٤٪، أما سيارات الشركة فقد زادت بمقدار ٢٠٠٪، ولكن عدد الحوادث التي أحدثتها — بدلًا من أن يرتفع — انخفض بمقدار ٣١٪ مع العلم بأن متوسط سرعة هذه السيارات زاد بمقدار ٨٠٪.

ولا يمكن أن يُعزا هذا التفاوت الصارخ بين السيارات الخاصة وسيارات الشركة إلى التحسينات الفنية وتنظيم حركة مرور وإصلاح الطرق … إلخ، إذ إن هذه العوامل مشتركة بين جميع السيارات، ولكن هناك عاملًا واحدًا يستطيع أن يفسر هذا التفاوت، ألَا وهو قيام الشركة باختيار عمالها بواسطة مجموعة من الاختبارات السيكولوجية الدقيقة، في حين أن سائقي السيارات الخاصة لا يخضعون لمثل هذا الإجراء.

•••

وسيطول بنا الحديث لو أردنا أن نبين مختلف الخدمات الحيوية التي يستطيع السيكولوجي أن يقدِّمها في سبيل تنظيم النشاط الصناعي ورفع الكفاية الإنتاجية لدى العمال، فهناك ميدان واسع خصب للتطبيقات السيكولوجية، هو ميدان العلاقات بين هيئة العمال وهيئة الإدارة وبين العمال بعضهم ببعض، فالتوترات التي تنشأ داخل المصنع من شأنها إعاقة العمل وخفض الإنتاج وجعل الجميع يشعرون بالإخفاق والحرمان، إن دراسة مستوى طموح العمال تبعًا للفئات التي ينتمون إليها وبحث نوع العلاقات القائمة بين مختلف الفئات وبينها وبين الإدارة تسمح باستخلاص العوامل الأساسية التي تحدد الروح المعنوية داخل المصنع.

ومن أهم الدراسات التي يقوم بها السيكولوجي الصناعي دراسة مختلف الدوافع التي تحرك العامل، ومقارنة هذه الدوافع بعضها ببعض بالقياس إلى مستوى الإنتاج وإلى تحقيق التعاون الصادق بين العمال والإدارة، فقد وُجِد أن الأجر المادي يأتي في مرتبة متأخرة بين مختلف الحوافز الدافعة إلى العمل المنتج المنسجم، وأن شعور العامل بأنه مقدَّر من الإدارة وأن كرامته مصونة وأنه مطمئن على غده، فتلك عوامل معنوية قد تُفَوِّت الإدارة إدراك خطورتها في حين أنها بليغة الأثر في كيفية سير العمل داخل المصنع أو داخل المؤسسة التجارية.

وخلاصة القول أن كلية الآداب بإعدادها جيلًا من السيكولوجيين المسلحين بثقافة علمية واسعة ودقيقة في آن واحد تتوق في هذا العهد المبارك — عهد الثورة والشباب والتجديد — إلى أن تساهم في الإنتاج القومي وفي تنشيط الصناعة وتنظيمها جنبًا لجنب مع أخواتها الجامعية الأخرى من هندسة وعلوم وتجارة وزراعة وطب، ونرجو أن يتحقق في المستقبل القريب هذا الحلم الجميل عندما يدرك أصحاب الأعمال الصناعية والمشرفون على المؤسسات الصناعية — سواء كانت أهلية أو حكومية — أن للسيكولوجي مكانًا في المصنع بجانب أخيه العامل والمهندس، وأن مساهمته — وإن كانت لا تُلمَس ماديًّا بطريقة مباشرة — جليلة الأثر في بناء صرح الصناعة الشامخ في وطننا العزيز.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠