الفصل التاسع

بين العلم والتربية

من المسائل التي تثار حول موضوع التربية معرفة ما إذا كانت التربية علمًا أم فنًّا، وقد تبدو هذه المسألة ثانوية في نظر بعضهم؛ لأنها مسألة نظرية أكاديمية لا يُنْتَظر من حلها نفعًا عاجلًا أو آجلًا.

فسيَّان لهم أن يقال: علم التربية أو فن التربية، فالأمر الهام هو تحديد غرض التربية وتحديد الوسائل المحققة لهذا الغرض، ومثل هذا الموقف طبيعي لا يثير الدهشة، إذ إنه من المحال إرجاء كل عمل تربوي حتى يصدر الفلاسفة والعلماء حكمهم في هذا الموضوع، ولكن الأمر أخطر من أن يُترَك فقط للتجارب اليومية وللمعارف التي تتيح لنا الصدف الوقوف عليها، فإنه يترتب على حل هذه المشكلة نتائج هامة خطيرة، خاصة وأن غرض التربية ليس معالجة جماد أو إصلاح نبات أو حيوان، بل تنشئة بني الإنسان وترقية المجتمع الإنساني، فمن المنكر حقًّا أن يعتبر الإنسان شبيهًا بهذه الحيوانات التي تُجْرَى عليها التجارب في معامل الفسيولوجيا، فتنجح التجربة مرة وتخيب عدة مرات.

لا شك في أن للتجارب اليومية وللخبرة المكتسبة بالممارسة أثرًا كبيرًا في توجيه المجهود وفي تكييفه ليأتي ملائمًا للغرض المرجو، ولكن التجارب وحدها لا تفيد كثيرًا إن لم تُؤَّول، وقد تكون ضارة كل الضرر إذا هي أُوِّلت تأويلًا لا يراعى فيه طبيعة الإنسان ومميزاته الخاصة، فلا بد من تنظيم التجارب وإخضاعها لمبادئ عامة، وسواء اعتبرنا التربية علمًا أو فنًّا فلا بد من أن نتأمل في الأسس التي يقوم عليها علم التربية أو فنه، وأن نتناول هذه الأسس بالنقد والتمحيص.

هذه الخطوة الأولى — لا بد منها — لكنها خطوة أولى تستتبع خطوات أخرى، فإن مجرد النظر في المبادئ التي نقيم عليها التربية يدفعنا حتمًا إلى أن نتساءل بإلحاح ما إذا كانت التربية علمًا أم فنًّا. يترتب على حل هذه المشكلة الأساسية نتائج خطيرة جدًّا؛ لأن العلم يختلف كل الاختلاف عن الفن، سواء في الروح أو في الموضوع أو في الغرض؛ لأننا عندما نتحدث عن علم التربية نتحدث عنه من حيث هو علم كبقية العلوم الطبيعية التي تقتطع من الوجود شطرًا معينًا ندرسه دراسة تجريبية وعقلية؛ للوصول إلى وضع قوانين علمية يقينية.

فإذا كان من الممكن أن يوجد علم تربوي كما يوجد علم فيزيائي أو كيميائي، فسيصبح من اليسير أن نصنع عقليات نموذجية كما تصنع الآلات والمحركات الكهربائية المتشابهة أو الأطنان من السماد الكيميائي.

أما إذا اعتبرنا التربية فنًّا فهذا معناه أن التربية تطبيق لعلم من العلوم أو لمجموعة من العلوم في مادة معينة للوصول إلى غرض معين، أما المادة التي تعالجها التربية فهي معروفة واضحة لا نزاع فيها، هي الإنسان، أما الغرض فهذا أمر عسير التحديد خاضع لشتى العوامل ولمختلف الاعتبارات الاجتماعية والسياسية والفلسفية، وإذا سلَّمنا أن غرض التربية ليس شيئًا ماديًّا بل قيمة أو مجموعة من القيم الروحانية؛ سلَّمنا ضمنًا أن التربية فن من أشد الفنون خطورة وأصعبها تطبيقًا، وأنها إذا كانت تعتمد على ما وصلت إليه العلوم من حقائق نظرية فإنها عاجزة عن أن تقطع صلتها بالفلسفة التي من صميم موضوعها النظر في القيم ونقدها وترتيبها في سُلَّم تصاعدي.

فالتربية إذن فن والذين يقولون إن التربية علم ربما يريدون أن يقولوا إن التربية فنٌّ علميٌّ، إلا إذا ذهبوا إلى أن التفكير الفلسفي مرحلة مؤقتة لا بد وأن تنتهي يومًا عند مرحلة التفكير العلمي الذي يدَّعي لنفسه حق النظر فيما هو كائن وفيما يجب أن يكون على السواء، إني لا أريد أن أعرض لهذا الفريق الأخير؛ لأنه من اليسير جدًّا إبطال حججهم ودحض أدلتهم، فإن عبدة العلم المادي قد دخلوا في دور الاحتضار بعد أن خانهم إله العلم، ومن سمات عصرنا هذا ازدهار الفلسفة وتطلُّع المفكرين إلى عالم القيم السامية، واعتقادهم أن العلم وحده عاجز عن حل مشكلة التعليم.

فالمشكلة الفلسفية لا تزال حية، بل هي تزداد حيوية وإلحاحًا، ومن العبث أن نفكر يومًا ما أن تتحرَّر التربية من قبضة الفلسفة، فليست التربية سوى تحقيق للقيم التي تقرر الفلسفة قدسيتها كما تقرر ضرورة تحقيقها، فكل تفكير في التربية لا يراعي ما للفلسفة من حقوق تفكير ناقص بل تفكير مضلل، بل هو تفكير آثم؛ لأن سعادة الإنسانية مرهونة بالأسس التي ستقام عليها التربية، وأقصد بالسعادة الإنسانية سعادتها الروحانية قبل كل شيء.

فدراسة العلاقة التي تربط التربية بالفلسفة جديرة بعناية كل شخص له صلة قريبة أو بعيدة بشئون التربية، فهي جديرة بعناية الحكام وبعناية المشرفين على وضع نُظُم التعليم، وبعناية المعلمين الذين يقومون بتحقيق هذه النظم، بل هي جديرة بعناية كل رجل مثقف؛ لأن أمر التربية أمر قومي اجتماعي يترتب عليه سعادة الأفراد والأمة والإنسانية على السواء.

وإذا كانت التربية فنًّا يرمي إلى تحقيق القيم التي تعيِّنها الفلسفة فإنها من جهة أخرى تعتمد على العلم لكشف أصلح الوسائل لتحقيق غرضها، فصلتها بالعلم لا تقل قوة عن صلتها بالفلسفة، فهي تستمد من الفلسفة غرضها الأسمى، وهو المحافظة على التراث الثقافي وتنميته ومن العلم وسائل تحقيق هذا الغرض، وهذه الوسائل لا يمكن استنباطها إلا من شيء واحد، وهو معرفة الطبيعة البشرية معرفة صحيحة؛ وعلى ذلك يكون أقرب العلوم صلة بالتربية هو العلم الذي يكشف لنا قوانين الطبيعة البشرية، هو علم النفس.

فلموضوع التربية إذن ناحيتان: الناحية الفلسفية وهي تحديد الغرض، وناحية علمية وهي تحديد الوسائل؛ ولهذا السبب قسمت الكلام عن التربية إلى قسمين: صلتها بالفلسفة وصلتها بالعلم، ولكني آثرت التحدث أولًا عن صلة العلم بالتربية؛ لأن ما يمدُّه بنا العلم من معلومات عاجز عن أن يحلَّ مشكلة التربية حلًّا تامًّا نهائيًّا، فإن هذا الحل لا يتحقق إلا في ضوء الاعتبارات الفلسفية التي تتمِّم الاعتبارات العلمية من جهة، وتسمو عليها من جهة أخرى.

قلنا: إن أشد العلوم اتصالًا بالتربية هو علم النفس، وصلة التربية بعلم النفس شبيهة بصلة الزراعة بعلم النبات مثلًا، فلا يمكن أن أتوقع محصولًا جيدًا إلا إذا راعيت ما يجب تحقيقه من شروط داخلية وخارجية للإنبات والنمو والإثمار، يجب عليَّ أن أدرس تركيب البذرة، وأن أعيِّن التربة الصالحة لإنباتها، وأن أعلم ما يحتاج إليه النبات الناشئ من مواد غذائية، وأن أعرف تمامًا نسبة الرطوبة والحرارة الملائمة له … إلخ.

والأمر كذلك فيما يختص بالتربية، ولكنه أكثر تعقيدًا من المثل الذي ضربنا، فإنه من الصعب معرفة جميع الشروط التي يجب تحقيقها لتكون التربية ناجحة، وإذا سلَّمنا بأننا نعرف جميع هذه الشروط فلا نعلم دائمًا كيف نحققها؛ لأن طبيعة الإنسان أكثر تعقيدًا من طبيعة النبات، وكذلك التربة الاجتماعية التي ينشأ فيها الطفل متعددة النواحي، ومن العسير تحليلها كما نحلل التربة الكيميائية التي نغرس فيها البذرة، ولنفرض أننا وقفنا على جميع العوامل التي تساهم في تكوين الوسط الاجتماعي، أو بالأصح الأوساط الاجتماعية المختلفة التي تحيط بالفرد البشري، فهناك عقبة كبرى تحول دون تطبيق ما قد نصل إليه من حقائق سيكولوجية واجتماعية، وهذه العقبة هي قابلية العوامل الاجتماعية للتغير والتبديل وصعوبة التوفيق بين عوامل الأوساط الاجتماعية المختلفة التي تحيط بالإنسان.

وهناك صعوبة أخرى لا تتوقف على طبيعة المشكلة نفسها، بل على تعارض النظريات السيكولوجية وتضارب الآراء فيما يختص بطبيعة النفس الإنسانية وبقوانين نمو الشخصية، فإن قيمة الوسائل التربوية مرهونة بقيمة ما يقدمه لنا علم النفس من نظريات.

وبما أن التربية ترمي إلى مساعدة الطفل والمراهق والبالغ أيضًا على تكوين شخصيتهم وتنميتها وتكاملها، أي ترمي إلى مساعدة الإنسان على أن يكتسب كل ما هو كفيل بتحقيق الطبيعة البشرية في أسمى معانيها، فإن المشكلة الأساسية التي تواجه المربي هو ما يجب أن يكتسبه الفرد، أو ما يجب أن يتعلَّمه الفرد لكي تكتمل شخصيته من جميع نواحيها العاطفية والعقلية والخلقية، ثم كيف يجب أن نعلم أو أن نتعلم.

أتينا فيما سبق بتعريف للتربية ولكنه تعريف مبهَم لا يتضح إلا إذا فهمنا المقصود من تكامل الشخصية وما يجب تعلُّمه لتحقيق هذا التكامل، ومن الواضح أننا مضطرون إلى إرجاء هذا التوضيح حتى نقف أولًا على ما يميز الطبيعة البشرية من سواها، فعلينا أن نتجه شطر علم النفس ونسأله عن موضوعه وعما وصل إليه من حقائق فيما يختص بطبيعة الإنسان وبوظائفه النفسية وبقوانين نموه الوجداني والعقلي والخُلُقي.

أما موضوع علم النفس فهو الإنسان، لا من حيث هو كتلة خاضعة لقانون الجاذبية، ولا من حيث هو مركَّب من عناصر كيميائية قابلة للاحتراق والتفاعل والتحوُّل، ولا من حيث هو كائن حي مؤلَّف من خلايا وأنسجة وأعضاء وأجهزة، يولد وينمو ويتكاثر ويموت، ويرد على شتى المؤثرات المادية بالحركة أو بالكف عن الحركة، ويعيش في وسط جغرافي ملائم له إما منفردًا أو مندمجًا في قطيع.

بل من حيث هو كائن حي يولد في مجتمع له نُظُمه وتراثه الثقافي، ويرد على المؤثرات لا من حيث هي مجموعة من الخصائص الميكانيكية أو الفيزيائية أو الكيميائية، بل من حيث هي معانٍ لها بطانتها الوجدانية، ويمكن تصورها وإدماجها في منظومة ذهنية واستخدامها لإنشاء ضروب من الاستجابات الذهنية الصامتة أو اللفظية أو الحركية، تختلف باختلاف الغرض المطلوب تحقيقه.

وبعبارة أخرى: موضوع علم النفس هو الإنسان من حيث هو كائن حي يرغب ويحس ويدرك وينفعل ويتذكَّر ويتعلم ويتخيل ويفكر ويعبر ويريد ويفعل، وهو في كل ذلك يتأثر بالمجتمع الذي يعيش فيه ويستعين به، ولكنه قادر على أن يتخذه مادةً لتفكيره وأن يؤثر فيه.

هذا التعريف يرسم لنا بوضوح جانبًا كبيرًا من برنامج التربية، وهو مساعدة الإنسان على أن يعلم كيف يستجيب للمواقف الاجتماعية، وكيف يؤثر في المجتمع بدون أن يفقد توازن شخصيته وانسجامها، هو تزويد الإنسان بمجموعة من العادات الحركية والعقلية، وفي الوقت نفسه تعليمه كيف ينظم دوافعه بحيث تكون استجاباته ملائمة للموقف الخارجي، وعلى هذا تكون أهم الموضوعات التي يجب دراستها من الوجهة التربوية هي الموضوعات الأربعة الآتية: (١) مراحل نمو الشخصية. (٢) دوافع السلوك. (٣) طبيعة العقل وكيفية تنشيطه. (٤) طبيعة عملية التعلم.

لا أريد أن أتحدث عن كل نقطة بالتفصيل، فكل ما أريد توضيحه هو أهم الحقائق التي وصل علم النفس إلى استنباطها في مختلف ميادينه وكيفية تطبيق الحقائق التي لها صلة مباشرة بالتربية، وأولى هذه الحقائق التي يجب على المعلم المربي أن يضعها نُصْب عينيه هي أن شخصية كل تلميذ ليست مجرد مجموعة من الوظائف النفسية ومن السمات الخُلُقية، بل هي وحدة متماسكة لها نظامها الخاص.

ولنشرح الآن أهم ما جاء في هذا النص، إذ على فهم هذه الحقيقة يتوقَّف فهمنا للمسائل الثلاث الأخرى، الشخصية وحدة متماسكة أي أن ما يميز الشخصية ليس جانبًا منها دون غيره، فكل مظهر من مظاهرها ينبئ عن الشخصية بأكملها، وكل تأثير في ناحية من نواحيها يؤثر في الشخصية كلها؛ لأنها ليست مجرد مجموعة من الأجزاء أضيفت بعضها إلى بعض لتكوين كتلة، بل هي وحدة منذ البداية، ونمو هذه الوحدة هو عبارة عن إعادة التنظيم بطريقة متتالية بحيث تنمو الشخصية وتترقَّى بدون أن تفقد صورتها الأولى.

ولهذا السبب فكل اكتساب في ناحية من النواحي يؤثر في جميع نواحي الشخصية العاطفية والعقلية والخُلُقية؛ ولهذا السبب أيضًا قلنا: المعلم المربي ولم نقل: المعلم فقط، فالمعلم مهما كانت المادة التي يدرسها فإنه مربي؛ لأنه يؤثر في الشخصية كلها، يؤثر أولًا بمادته وكيفية تدريسها ثم بشخصيته؛ لأنه أحد القطبين اللذين يكوِّنان الفصل: المعلم من جهة والتلاميذ من جهة أخرى، والمعلم الذي لا يدرك أنه مربي في نفس الوقت، وأن مادة التدريس وكيفية تدريسها تؤثران في الشخصية كلها فلا يقوم بمهمته كما يجب.

وهناك حقيقة أخرى في غاية الخطورة، وهي أن الشخصية في نموها تقطع مراحل متعددة تمتاز كل مرحلة بميزات خاصة.

فإن الطفل حتى سن المراهقة يكون مهتمًّا خاصةً بما يدور حوله من حوادث، فمعظم اهتمامه موجَّه نحو اكتشاف العالم الخارجي وفهمه وتعليله، وهو يستعين كثيرًا بحواسه ليوضح المسائل التي تثير حبه للاستطلاع والفهم، ويكون تفكيره مندمجًا إلى حدٍّ كبير في نشاطه الحسي والحركي.

وعند بلوغ الطفل سن المراهقة ينتقل مركز الاهتمام من الخارج نحو الداخل، يصبح المراهق مثاليًّا ميَّالًا إلى التفكير المجرد وإلى إثارة مشاكل تتعلق بباطن الأشياء لا بظاهرها فقط، فإنه يجد لذة فائقة في معالجة الأفكار المجردة بعد أن كان يحصر معظم نشاطه في كل ما هو قابل للتشخيص المادي الملموس، غير أن ميل المراهق إلى تمثُّل المشاكل في المجال الذهني لا يحصره في عالم المجردات البحتة، فإن آفاق مخيلته تتسع وتغذي ذهنه بمواكب من الصور الذهنية والأخيلة التي قد يجد فيها العقل ما يُعينه على التفكير.

أشرنا فيما سبق إلى أهم ما يميز المرحلتين اللتين تضمَّان سني الطفولة وسني المراهقة، وهناك ميزة هامة تشترك فيها هاتان المرحلتان، وهي غزارة الحياة النفسية وتدفُّق تياراتها بسرعة وعنف، فإن علماء النفس الذين اهتموا خاصةً بتحليل الحياة النفسية من الداخل قد فطنوا إلى أمر هام، وهو تحليل الشعور بالزمن النفساني وتقدير سرعة انقضائه.

وليست أهمية هذا الموضوع مقصورة على الوجهة النظرية البحتة، بل هي تتعدى حدود العلم الخالص إلى ميدان التطبيق وخاصة ميدان التعليم والتربية، وما أريد توضيحه بشيء من التفصيل هو إمكان تقدير سرعة انقضاء الزمن النفساني تقديرًا تجريبيًّا، ثم كيفية تطبيق الحقائق التجريبية في وضع برامج الدراسة وتعليم موادها.

يمكن وضع المشكلة التي نحن بصددها الآن بالكيفية الآتية: السرعة عامل هام من عوامل إنجاز عمل من الأعمال، والسرعة أمر نسبي أي أنها تتوقف من جهة على كمية العمل المطلوب إنجازه، ومن جهة أخرى على الزمن المحدد لإنجاز هذا العمل، فنقول مثلًا: إن الشخص (أ) أسرع من الشخص (ب) إذا كان يُنجز نفس العمل في زمن أقل، أو إذا كان ينجز مقدارًا أكبر من العمل في نفس الزمن.

والأشخاص متفاوتون من حيث السرعة، ويرجع هذا التفاوت إما للسن أو لاختلافات شتى — عضوية أو غير عضوية — بين أشخاص من سن واحدة، ولنتخذ من السرعة الحركية مثالًا لتوضيح كلامنا، فإننا نعبر عن عامل السرعة الحركية بقولنا: إن لكل شخص إيقاعًا حركيًّا خاصًّا به، هذا الإيقاع يتوقف على عوامل فطرية مسجلة في تركيب كل شخص، غير أنه قابل للتحسن تحت تأثير التمرين، ولكن في حدود معينة لا يمكن تجاوزها وإلا انقلبت السرعة إلى اضطراب.

وما يهمنا الآن بصدد وظيفة التربية التعليمية هو تحديد سرعة الفهم والاستيعاب والتمثيل الذهني، ومعرفة ما إذا كانت سرعة تمثيل المعلومات تختلف باختلاف السن، أما اختلافها باختلاف الأشخاص فهذا موضوع آخر يدرسه علم النفس الفارق، وأريد أن أقصر حديثي على علم النفس العام ومحاولة الوصول إلى سَنِّ قانون عام يعين اختلاف الإيقاع النفساني باختلاف السن.

من الحقائق المسلَّم بها والتي توصلنا إلى استنباطها المشاهدات اليومية أن سِني الطفولة والشباب هي سِني التحصيل، وأن مقدار ما يُحَصَّل من معلومات جديدة يقل كلما اقترب الشخص من الشيخوخة.

ولكي تصبح هذه الحقيقة علمية يجب أن نصيغها في أسلوب رياضي بأن نقول مثلًا: إن المقدرة على التحصيل تقل بنسبة كذا وكذا كلما اقترب الشخص من الشيخوخة، ثم هناك مشكلة أخرى وهي معرفة ما إذا كانت هذه النسبة تختلف باختلاف طرق تحصيل المعلومات.

فلدينا إذن مشكلتان:
  • (١)

    تحديد الإيقاع النفساني أو سرعة اطراد الحالات النفسية تحديدًا رياضيًّا.

  • (٢)

    تأثير طرق التعليم والتعلم في كيفية تحصيل المعلومات بالقدر الكافي للمحافظة على مستوى النشاط العقلي.

المشكلة الأولى: إذا اختبرنا شعورنا الداخلي بمرور الزمن لاحظنا أن الزمن النفساني — أي الزمن كما نشعر به لا كما تسجله الساعة — قابل للانكماش والانبساط، وليس الملل سوى الشعور بطول الزمن أو ببطء انصرامه، أما ساعات العمل المنتجة الملأى بالابتكارات المُجْدية والأفكار الموفقة فإنها تبدو لنا قصيرة، وكذلك اللحظة التي نخشى أن تنتهي حالًا تبدو لنا قصيرة بعكس اللحظة التي نرجو انتهاءها ونتوقَّعه بفارغ الصبر فإنها تبدو لنا طويلة.

ولكن تقديرنا للزمن وهو ينقضي يختلف عن تقديرنا له بعد انقضائه، فإذا كان مستوى النشاط عاليًا والإنتاج غزيرًا فإن الزمن يبدو قصيرًا في الشعور الراهن، ثم يبدو طويلًا عندما تعود ذكراه في الذهن بعد انقضائه؛ وذلك لغزارة ما حَوَتْه الفترة الزمانية الماضية، فقد لوحظ أن الأطفال والشبان يختلفون عن الشيوخ في تقديرهم لطول السنوات الماضية، فالسنة الماضية تبدو للطفل أطول مما تبدو لشخص متقدِّم في السن.

وقد عُلِّل هذا التفاوت في التقدير بالكيفية الآتية: إن الطفل الذي في سن السابعة مثلًا تكون كل سنة من سنوات حياته سُبع هذه الحياة، بينما تكون في نظر الشيخ الذي سنه ٧٠ سنة ١ / ٧٠ من حياته، أي أن نسبة السنة لشخص في سن السبعين إلى سنة الطفل في سن السابعة هي ١ / ١٠، أو بتعبير آخر نسبة مقدار التحصيل في سن السابعة إلى مقدار التحصيل في سن السبعين كنسبة عشرة إلى واحد.

ولكن هل لهذا التقدير أساسًا علميًّا أم هو قائم على مجرد الشعور الذاتي؟ بل هل هذا التقدير مشعور به كما وصفناه أم هو مجرد تعليل فرضي؟ الواقع أنه من السهل أن نسلِّم جميعًا بأن سني طفولتنا كانت أكثر إنتاجًا، وأنه كلما تقدمت بنا السن أصبحنا أضعف ذاكرة وأقل تحصيلًا للمعارف الجديدة المبتكرة، ولكننا لا نقوم فعلًا بهذه العملية الحسابية عندما نُصْدِر مثل هذا الحكم، توجد هنا مشكلة فعلًا وعلماء النفس الذين حاولوا تعليل هذا الحكم لم يجدوا حلًّا لهذه المشكلة إلا بقولهم: إن مثل هذا التقدير تقدير لا شعوري، ولكن التعليل باللاشعور هو مجرد هروب من مهمة التعليل الحقيقي، وهو شبيه بتعليل بعض مظاهر السلوك بإرجاعها إلى شتى أنواع الغرائز، هو تعليل لفظي، تعليل شعبي لا تعليل علمي موضوعي.

الواقع أن علم النفس عاجز الآن عن أن يعالج هذه المشكلة بالاعتماد فقط على مناهجه الخاصة وعلى المعلومات السيكولوجية المتوفرة لديه، ولكن في إمكانه أن يستعين بما وصل إليه علم آخر له صلة وثيقة بعلم النفس وهو علم الحياة، فإن كثيرًا من الظواهر السيكولوجية لا يمكن تعليلها تعليلًا وافيًا إلا إذا اعتمدنا على الحقائق البيولوجية؛ لأن الإنسان الذي هو موضوع علم النفس من حيث هو حيوان ناطق هو أيضًا من حيث هو حيوان جزء من موضوع علم الحياة، فمعرفتنا مثلًا للمراحل التي يقطعها الجهاز العصبي والجهاز الهرموني في نموهما وفي تحقيق التنسيق بينهما تساعدنا على فهم نمو السلوك الحسي الحركي والسلوك الانفعالي وكثير من العمليات الذهنية، ولا شك في وجود صلة وثيقة بين سرعة اطراد النمو العضوي وسرعة اطراد النمو العقلي، أي بين النشاط الفسيولوجي والنشاط السيكولوجي، فإذا تمكنَّا من تقدير النشاط الفسيولوجي تقديرًا رياضيًّا فسيساعدنا هذا على تقدير النشاط السيكولوجي عن طريق المماثلة.

والواقع أن عالمًا فرنسيًّا يُدْعَى ليكونت دي نووي Lecomte de Nouy وهو من تلامذة العالم الدكتور أليكسيس كاريل Alexis Carell صاحب الكتاب المشهور: «الإنسان هذا المجهول»، حاول أن يفسر التقدير اللاشعوري لطول سنوات العمر أو قصرها تفسيرًا بيولوجيًّا، يقول دي نووي: إننا نملك ساعة كيميائية عضوية تقيس لنا الزمن الفسيولوجي أو الزمن الحيوي الذي تحدث فيه حالاتنا الشعورية، وهذا المقياس الكيميائي متغير، أو بعبارة أدق: الوحدة المعيارية التي نقيس بها الزمن الفسيولوجي متغيرة، فهي قصيرة في الطفولة، ثم تزداد طولًا كلما تقدَّم الإنسان في العمر، فيترتب على ذلك أن كلما قصرت الوحدة المعيارية كان عدد الوحدات اللازمة لقياس سنة شمسية أكبر، أي بَدَتْ هذه السنة طويلة، وكلما كبرت الوحدة كان عدد الوحدات اللازمة لقياس سنة شمسية صغيرًا جدًّا، وبَدَتِ السنة الشمسية قصيرة.

ويقول صاحب هذا الرأي: إنه إذا اختلفت مدة كل وحدة كيميائية بالنسبة إلى المقياس الزماني الفلكي عندما نستخلص هذه الوحدة من عدة تجارب تُجرَى على أشخاص مختلفين، أو على شخص واحد في مراحل مختلفة من نموه، فليس معنى هذا أن الساعة الفلكية هي الصحيحة والمنظمة تنظيمًا حسابيًّا، في حين تكون الساعة الكيميائية العضوية مختلفة في سيرها، فقد بينت لنا نظرية النسبية في علم الطبيعة الحديث أن الزمان الرياضي مجرد فرض من الفروض اصطلحنا على استخدامه، هو عبارة عن غلاف خارجي لا يؤثر في سير الحوادث الكونية، فالكون في طبيعته الحقيقية هو عبارة عن ملأ رباعي الأبعاد: طول وعرض وعمق، ثم البُعْد الرابع وهو الزمن الفعال.

والآن أشير بإيجاز إلى الظاهرة البيولوجية الخاصة التي اعتمد عليها دي نووي للكشف عن وحدة الزمان الحيوي. من المسائل التي اهتم الدكتور كاريل بدراستها قوة الخلايا الحية على التجدد والانقسام، فإذا عزلنا مجموعة من الخلايا الحية ووضعناها في مُزْدَرَع يحتوي على مواد غذائية ملائمة نلاحظ أن هذه الخلايا تتكاثر بدون انقطاع، وكلما جددنا المواد الغذائية وأزلنا الفضلات الناتجة عن تغذية الخلايا استمر التكاثر حتى ليتولَّد عن الخلية الواحدة ملايين من ملايين الخلايا.

والآن إذا تأملنا في جرح ما وتتبعنا مصيره لاحظنا أن هذا الجرح يلتئم بسرعة معينة، وذلك عن طريق تكاثر الخلايا، ولكن هذا التكاثر يقف عند حد هو شفاء الجرح — أي ضم أشفاره — ولكن سرعة التحام الجرح تختلف باختلاف السن وباختلاف مساحة الجرح، فإنها سريعة لدى الطفل، ثم تبطئ بتقدم السن، كما أنها تكون كبيرة كلما كان الجرح صغيرًا، ويرمز إلى سرعة التئام الجرح بحرف (م) وهو المعروف بمعامل الالتحام.

فمثلًا عندما تكون سن الشخص ٢٠ سنة وتكون مساحة الجرح ١٥٠ سنتيمترًا مربعًا يكون معامل الالتحام ٢٠ / ١٠٠٠، و١٠٠س٢ = ٢٥ / ١٠٠٠، ٥٠س٢ = ٤٠ /  ١٠٠٠، ٢٥س٢ =   ٥٤ / ١٠٠٠، ١٠س٢ =   ٧٠ / ١٠٠٠.

ثم تساءل دي نووي عن إمكان عزل الدور الذي تلعبه مساحة الجرح وإيجاد معامل آخر يكون مستقلًّا عن مساحة الجرح، بحيث يصبح تقديرًا مطلقًا للنشاط الفسيولوجي في سن معينة.

وقد وُفِّق هذا العالم باستخدام الطريقة الإحصائية إلى تحديد هذا المعامل الجديد، فوجد أن معامل النشاط الفسيولوجي في سن العاشرة: ٤٠٠ / ١٠٠٠، وفي سن العشرين: ٢٦٠ / ١٠٠٠، وفي سن ٢٥: ٢٢٥ / ١٠٠٠، وفي سن ٣٠: ١٩٨ / ١٠٠٠، وفي سن ٣٢: ١٨٨ / ١٠٠٠، وفي سن ٤٠: ١٤٤ / ١٠٠٠، وفي سن ٥٠: ١٠٣ / ١٠٠٠.

نستخلص من المقارنة بين هذه الأرقام أن معامل النشاط في سن ٣٠ هو تقريبًا نصف معامل النشاط في سن العاشرة، وفي سن ٥٠ ربع معامل النشاط في سن العاشرة، أي أنه يلزم الطفل في سن ١٠ لتحقيق وحدة من العمل الفسيولوجي نصف الزمن اللازم لشخص في سن ٣٠ وربع الزمن اللازم لرجل في سن الخمسين. أو بعبارة أخرى: إن سنة من حياة الطفل في سن العاشرة تعادل سنتين من حياة رجل في سن ٣٠، وأربع سنوات من حياة رجل في سن الخمسين، أو بعبارة أخيرة: إن الزمن الفلكي لدى رجل في سن اﻟ ٣٠ ينقضي بسرعة هي ضعف سرعة انقضاء الزمن لدى الطفل في سن ١٠ ولدى رجل في سن ٥٠ تصبح هذه النسبة أربعة أضعاف.

يعطينا تغير معامل النشاط الفسيولوجي بمرور السنوات فكرة عن مقدار نقص نشاطنا الفسيولوجي من جهة، ويفسر لنا من جهة أخرى لماذا يبدو لنا الزمن مسرعًا في انصرامه كلما تقدمت بنا السن.

وإذا رجعنا الآن إلى ما قلناه عن التقدير السيكولوجي لطول الزمن وقصره بالنسبة إلى السن؛ لوجدنا تطابقًا يكاد يكون تامًّا بين التقدير السيكولوجي والتقدير القائم على دراسة سرعة النشاط الفسيولوجي، فالتقدير السيكولوجي يعطينا في سن العاشرة ٥ وفي سن الخمسين ١، والتقدير البيولوجي يعطينا لهاتين السنين ٤ و١.

ويظهر لنا هذا التطابق بجلاء إذا قارنَّا بين الخط المنحني للتقدير السيكولوجي والخط المنحني للتقدير البيولوجي، فإن التطابق يكاد يكون تامًّا بين سن ١٥ وسن ٦٠، وتؤيد هذه النتيجة النتائج الأخرى التي وصل إليها علم النفس التكويني فيما يختص بالتوازن الموجود بين النمو العضوي والنمو العقلي، بل هي تكمل هذه النتائج إذ تحدد لنا سرعة هذين النموين، وفي هذه الحالة يمكننا أن نقرب بطريقة حقيقية — لا على سبيل المجاز فقط — بين الجوع العضوي والجوع العقلي، بين التغذية العضوية والتغذية العقلية، بين الانحطاط الجسماني الناتج عن نقص المواد الغذائية والانحطاط العقلي الناتج عن الإقلال من المواد التعليمية وتبسيطها إلى حد إفراغها من لبِّها، بين فقر الدم العضوي وفقر الدم العقلي.

لنترك الآن هذه الاعتبارات جانبًا، ولنوجه نظرنا نحو حالة التعليم في مصر ومستوى الثقافة فيها. إننا نسمع من حين إلى آخر شكاوى رجال التعليم — وخاصة في الأوساط الجامعية — من انحطاط مستوى التعليم، يقال مثلًا: إن التعليم الجامعي لم يأتِ بالثمار التي كانت تُنْتَظَر منه، ومن أسباب خيبة التعليم الجامعي انحطاط المستوى في التعليم الثانوي، وهذا الانحطاط يتمثل كل عام في النسبة الكبيرة لحالات الرسوب في الامتحانات العامة، ألا يحق لنا في هذه الحالة أن نعتبر فساد التغذية العقلية من عوامل الانحطاط والفشل؟ وأن نعلِّل هذا الفساد بأنه راجع خاصة إلى الإقلال من المادة الدراسية وإلى تبسيطها إلى حد الإبطاء من سرعة التحصيل، وبالتالي إلى حد اختلال النظام الطبيعي للتمثيل العقلي وللتغذية العقلية، وهذا السؤال يثير المشكلة الثانية التي أشرنا إليها سابقًا، وهي تأثير طرق التعليم والتعلم في كيفية تحصيل المعلومات بالقدر الكافي للمحافظة على مستوى النشاط العقلي.

هل يكفي لمعالجة هذه الحالة زيادة كمية المواد الدراسية؟ لا أعتقد أن هذا الحل هو الدواء الناجع الذي نبحث عنه، فليست المسألة كمية بحتة، ويمكننا أن نسلم بكل إخلاص أن البرامج الموضوعة للمدارس الثانوية وللمعاهد العليا غزيرة المادة إلى حد إرهاق التلاميذ والطلبة، فالأمر الهام هو كيفية تهيئة الغذاء العقلي لكي تتم عملية التمثيل العقلي على أحسن وجه وبدون إرهاق.

ولكي نفهم أهمية تهيئة الغذاء العقلي نضرب المثل الآتي: نعلم أن بعض المواد الغذائية لا تُستَساغ ولا تُهْضَم إلا إذا كانت مطبوخة، ولكن نعلم أيضًا أن عملية طبخ هذه المواد يجب أن تقف عند حد وإلا انعدمت بعض العناصر المغذية الضرورية لحفظ الصحة الجسمية، ونعلم من جهة أخرى أنه من الضروري أن يبذل الشخص الذي يتناول الطعام مجهودًا لمضغ هذا الطعام وبلعه، كما أنه يجب أن تكون كمية المواد الغذائية بنسبة معينة حتى تقوم المعدة بوظيفتها، أما إعطاء خلاصات غذائية مهما كانت متوفرة في شكل أقراص أو حقن فإنه يؤدي حتمًا إلى انحطاط القوى وفقر الدم.

أرى أن الداء الذي يشكو منه التعليم في مصر يرجع إلى سوء تهيئة الغذاء العقلي، إننا لا نراعي في كيفية تقديم المعلومات طبيعة العقل الإنساني وكيفية عمل وظائفه. المواد التعليمية التي تقدَّم للتلاميذ مطبوخة أكثر من اللازم تكاد تكون في حالة هضم تام، بحيث لا تسمح للعقل بأن يبذل المجهود الذي لا بد من بذله لضمان صحته، أي لا تسمح له بأن يظل محافظًا على إيقاعه الخاص في التحصيل والتمثيل.

والصورة التي تقدم بها الأغذية العقلية مهضومة إلى حدٍّ كبير هي تجسيم المعلومات في أشكال حسية، وخاصة في أمثلة بصرية أو عملية. أعتقد أن سبب انحطاط التعليم يرجع إلى تغلب النزعة العلمية على النزعة العقلية يرجع إلى الرأي الفاسد الذي يقول: إن العقل لا يمكنه أن يفهم إلا ما هو مشخَّص تشخيصًا حسيًّا ماديًّا، وأن عملية التجريد وتصور المعاني المجردة واستخدامها في التفكير المتواصل أمر شاق يفوق المستوى العقلي لتلاميذ المدارس الثانوية، والحقيقة هي خلاف ذلك، حياة العقل هي التجريد، وإذا لا يمرَّن العقل في مجال الأفكار المجردة فإنه يصاب بالانحطاط والضمور، ويجب أن يزداد هذا التمرين قوةً ومدًى منذ سن العاشرة، أي قبيل ابتداء مرحلة المراهقة.

قلت: يجب أن يزداد هذا التمرين؛ لأن قدرة العقل على التجريد تعمل قبل هذه السن، فإن تباشير عملية التجريد وما يتبعها من تعميم تظهر منذ أن يبتدئ الطفل يستخدم لغة الكلام، ولكن هذه القدرة ضعيفة في بادئ أمرها، وهي في حاجة إلى المساعدة؛ ولهذا السبب يكون التعليم في مراحله الأولى خاصة حسيًّا وحركيًّا، ولكن من الخطأ أن يستمر هذا النظام فلا بد من الإقلال من الأمثلة الحسية الحركية، من الصور والنماذج المجسمة ومطالبة العقل بالقيام بوظيفته الطبيعية، وهي التجريد وتصور المعاني، لا بد من تدريب عيون العقل بعد تدريب عيون الجسم، فإن ما يميز الإنسان من الحيوان هو خاصة قدرته على التصور الذهني، قدرته على أن يحيا حياةً عقلية، في حين أن حياة الحيوان مقصورة على النشاط الحسي والحركي، فمن طبيعة الحواس أن تكون آلات انفعال لا آلات فعل، أما الوظيفة الفعالة فهي التفكير، والعقل يتطلب مجهودًا، وكل تعلُّم لا يكون مصحوبًا بجهد شاق لا يمكن اعتباره تعلُّمًا عقليًّا، هو تعلُّم سطحي لا يترك أثرًا، بل هو تعلُّم يؤدي إلى ضمور العقل وانحطاطه.

غذاء العقل هو العلم، والعلم هو قبل كل شيء مجموعة منظمة من الحقائق الكلية — أي من الحقائق المجردة النظرية — ليس العلم مجموعة من القصص ومن الأمثلة ومن الحقائق الواقعية الجزئية، فالقصص والأمثلة والجزئيات هي — بدون شك — من عوامل الترفيه والتسلية، ولكنها لا تغذي العقل إلا إذا استندت إلى حقائق نظرية كلية، ولكن سيقال: إن الأمثلة وسرد الحالات الجزئية وما إليه من العوامل التي تساعد على الفهم.

هذا مما لا شك فيه، ولكن هناك نوعين من الفهم: الفهم الحسي السطحي والفهم العقلي العميق، الفهم الحسي السطحي هو فهم سريع يسير تام، ولكنه فهم عابر؛ لأن الحسي أمر جزئي، والفهم الحسي هو عبارة عن إقامة المقارنة بين أمرين جزئيين بدون محاولة ربطهما بحقيقة نظرية كلية، أما الفهم العقلي فهو أمر بطيء عسير ودائمًا ناقص؛ لأنه يؤدي دائمًا إلى إثارة مشاكل جديدة غامضة. هو فهم منتج لأنه ناقص، إذ الفهم العقلي هو عبارة عن محاولة إدخال المعلومات الجديدة في نظام المعلومات السابقة، وهذه العملية تؤدي حتمًا إلى إعادة تنظيم المعلومات في شكل جديد، وينجم عن هذا الشكل الجديد ظهور نواحي جديدة تثير الاهتمام، وتدفع بالشخص إلى مواصلة البحث والتفكير بدون انقطاع، فإن ميزة العلم الكبرى هي أنه يكشف لنا دائمًا عن مدى جهلنا، ويحملنا على توضيح الغامض وتنمية المعلومات السابقة، فالتعليم الصحيح هو اقتراح أكثر منه تلقين، هو تفكير أكثر منه حفظ، هو إثارة مشاكل أكثر منه حل مشاكل، هو في نهاية الأمر تربية العقل لا مجرد تسجيل معلومات، فإني لا أرى مانعًا من إقلال كمية المعلومات التي يطالب بحفظها تلميذ المدارس الثانوية أو الطالب الجامعي، الأمر الهام هو أن تكون مواد الدراسة دائمًا فرصة لتنشيط الفكر ولتذوق المعاني المجردة، فإن الحصول على آلة واحدة تصلح للقيام بعمليات مختلفة أفضل من استخدام عدد كبير من الآلات لا تصلح كل واحدة إلا لعمل خاص، وهذه الآلة الواحدة هي المعنى الكلي، المعنى المجرد، هي القانون العلمي الذي يمكن تطبيقه في عدد لا نهاية له من الحالات الجزئية، هي في نهاية الأمر القدرة على تصور المعقولات لا القدرة على إدراك المحسوسات.

ربما سمعتم عن إلين كيلر هذه الطفلة التي كانت لا تبصر ولا تسمع ولا تتكلم، فإنها تمكنت على الرغم من عاهاتها الحسية من مواصلة دراساتها حتى الحصول على الدرجات الجامعية العليا، وليس هذا المثل بحاجة إلى التعليق عليه فإن دلالته جليَّة ومغزاه واضح، ولا أقصد من ذكر هذا المثل أن يعامل المعلم تلاميذه كأنهم عمي وصُم وبكم، بل حبذا لو اعتبرهم من حين إلى آخر مصابين بهذه العاهات، وحاول أن يتحدث إلى عقولهم لا إلى عيونهم وآذانهم فقط، وكل مادة سواء كانت أدبية أو علمية تصلح لتربية العقل وتثقيفه، أي تصلح لكي يقوم التعليم بوظيفته وهي تعليم الشخص كيف يتعلم، وذلك بتنشيط ميله الطبيعي إلى الفهم والتعلم وتغذية العقل بغذائه الطبيعي الملائم له، وهو المعاني المجردة والأفكار النظرية.

ربما اعتقد بعضهم أن الإسراف في التعليم المجرد النظري يجعل الشخص يقطع صلته بالحياة العملية، هذا خطر وهمي؛ لأن ضغط الحياة العملية المادية — وخاصة في عصرنا هذا — قوي عنيف لا يخشى أي تهديد.

أما الخطر الحقيقي الذي يهددنا فهو تغلب النزعة العملية النفعية المادية على النزعة النظرية المثالية الروحانية، والذين تهزمهم الحياة ليسوا في نهاية الأمر هؤلاء الذين آثروا لذات العقل على لذات الجسم، بل الذين اندفعوا في تيار المنفعة المادية؛ لأن الهزيمة الكبرى التي تصيب الإنسان هي الشقاء النفسي لا الشقاء المادي، هي عدم تحقيق السعادة الروحانية.

سأعود إلى هذه النقطة الهامة في المحاضرة القادمة عن صلة الفلسفة بالتربية، وكل ما أريد إثباته هو أن الاتصاف بالروح العلمية وتنمية قوى العقل العليا — وخاصة قوة التفكير المجرد — من عوامل بناء خلق قويم سامٍ. هذه العوامل لا تكفي بدون شك ولكنها ضرورية ولا بد منها لتفهُّم القواعد الخُلُقية وتطبيقها.

فإن ما يميز المعرفة الحسية من المعرفة العقلية إخضاع الحاس للمحسوس في حالة المعرفة الحسية، وتحرر المتعقل من المحسوس في حالة المعرفة العقلية، فالنشاط العقلي يقتضي تحطيم الأغلال التي تضطرنا إلى النظر في الظلال التي ترتسم على جدران منارة المحسوسات لتوجيه نظرنا نحو نور المعقولات، المعرفة العلمية هي معرفة مجردة؛ لأنها تقتضي التجرد من الأغراض المادية ومن المنافع الذاتية، هي المعرفة الوحيدة التي تمكننا من تحقيق طبيعتنا البشرية من حيث هي طبيعة عقلية روحانية.

ولهذا السبب يجب أن يكون أحد أغراض التربية تعويد العقل على استخدام قدراته الأساسية لا مجرد تكديس المعلومات وتسجيلها، يجب ألا ننسى أن العادات تنقسم إلى قسمين: عادات حركية وعادات عقلية، العادة الحركية هي تعلُّم عملية خاصة والقيام بها إما بحركات يدوية أو بحركات لفظية، أما العادة العقلية فهي أن يتعلم الشخص كيف يتعلم، أي كيف يفكر وكيف يوجِّه تفكيره وفقًا لمادة التفكير، ولا بد وأن يستند التفكير في أي مجال كان على حقائق أساسية كلية، والتفكير في نهاية الأمر يؤدي إلى الاختراع والإبداع أي تقوية الحقائق الأساسية وتكميلها، وإلى تنمية المعلومات بطريقة حية لا بطريقة ميكانيكية، أن يتعلم الشخص كيف يتعلم؟ معناه أن يتعلم كيف يستخدم معلوماته السابقة في مجالات مختلفة؟ أي تفادي الإسراف في التخصص وتنمية القدرة العامة على التفكير وعلى حل أكبر عدد من المشاكل الجديدة.

كل هذه الحقائق الأولية التي لا نزاع فيها توصِّلنا إلى نفس النتيجة التي نريد إثباتها، وهي التعارض القائم بين المعرفة الحسية والمعرفة العقلية، إننا انتبهنا خاصة إلى ناحية واحدة من طبيعة التفكير الإنساني وهي اعتماد العقل على الحواس، ولم نلتفت إلى الناحية الأخرى التي لا تقل أهمية عن الأولى، وهي ضرورة تحرر العقل من المحسوسات بقدر الإمكان؛ لكي يقوم بوظيفته الجوهرية. الاستسلام للنزعة الأولى أمر طبيعي يسير؛ لأنه أمر حيواني إذ يشترك الإنسان والحيوان في المعرفة الحسية، أما قبول الحقيقة الثانية — وهي ضرورة التجرد من المحسوسات — فإنه أمر شاق يستلزم جهدًا عنيفًا وانتصارًا على نزعاتنا الحيوانية، هو أمر يجب تحقيقه بالرغم من الفتنة الصادرة عن المحسوسات، والتي تحاول دائمًا أن تجذبنا نحو كل ما هو ملموس ومحسوس، الحياة الحسية هي استسلام، أما الحياة العقلية فهي كفاح مستمر متواصل، ومن واجب المربي أن يشير دائمًا بإلحاح إلى هذه الحقيقة.

ربما اعترض بعضهم على ما نذهب إليه في أن العقل يعتمد على الحس من جهة ويتعارض معه من جهة أخرى، الواقع أن جميع الحقائق التجريبية التي وصل إليها علم النفس تؤيد هذا الرأي، وحسبي أن أذكر تجربة واحدة لأبين كيف يزداد التصور الذهني وضوحًا كلما قلَّت الكيفيات الحسية المشعور بها.

نعلم أن من وظائف البصر إدراك الأبعاد والنِّسَب الموجودة بين الأبعاد، أي إدراك ما يُعْرَف بالبروز أو بالشكل المجسم. ويمكن إدراك الشكل المجسم باللمس فقط بدون الاستعانة بالبصر، ونعلم أيضًا أن الإحساسات اللمسية التي نشعر بها عندما نمر بأصابعنا على الشيء لتعرُّف شكله هي إحساسات حركية تحتوي على إحساسات عضلية ووترية ومفصلية بجانب الإحساس بالتماس، فإذا ركَّز الشخص انتباهه في مجرد الإحساس بالتماس وجرَّد نفسه من الإحساسات العضلية والوترية والمفصلية أمكنه أن يتصور شكل الشيء بوضوح وأن يصفه، أما إذا ترك الإحساسات الأخرى تقتحم شعوره فتتلاشى صورة الشيء في الذهن وتفقد وضوحها.

وبخصوص هذا التعارض القائم بين النشاط الحسي الحركي والنشاط العقلي يجدر بنا أن نقول شيئًا عن الكسل، يوجد نوعان من الكسل: النوع الأول هو الكسل الخامل، والثاني هو الكسل النشط. الكسل الخامل من اليسير ملاحظته، وتشخصيه هو عدم القيام بالعمل، هو الفرار من الواقع والالتجاء إلى عالم الأحلام، هو أمر سلبي، أما الكسل النشط فإنه من العسير جدًّا تشخيصه؛ ولهذا السبب يعتبر أكثر خطرًا من الأول، هو القيام بعدة أعمال في آن واحد، وبذل مجهودات كبيرة في سبيل كل عمل ولكن بدون نظام وبدون إنجاز عمل واحد على أكمل وجه، هو السير وراء كل فكرة تخطر بالبال ومحاولة تنفيذها قبل استقصاء تمحيصها واختبار صحتها وصلاحيتها في المجال الذهني أولًا، الكسل النشط هو العمل للعمل ولما يترتب عليه من لذات حسية حركية، هو أمر إيجابي ولكنه مضطرب؛ لأنه تبذير للمجهود، والتبذير عاقبته الخيبة والفشل والتعب المنهك الذي يتعذَّر تعويضه، وربما أراد أفلاطون أن يشير إلى عواقب الكسل النشط — أي إلى عواقب قصر الاهتمام في الأمور الحسية العملية — عندما حبَّذ أن يتفلسف الحكام، أو أن يقوم الفلاسفة بأعباء الحكم وسياسة شئون الدولة، ويريد أفلاطون بالفلسفة بذل المجهود للكشف عن الحقائق المستترة وراء ظواهر الأشياء، أي استخدام التفكير المجرد وتعقل المعقولات.

ذكرت في مستهل هذه المحاضرة أن أهم المسائل التي يجب أن يدرسها علم النفس الذي يراد تطبيقه في التربية أربعة:
  • (١)

    مراحل تكوين الشخصية.

  • (٢)

    دوافع السلوك.

  • (٣)

    طبيعة العقلي الإنساني.

  • (٤)

    عملية التعلم.

وقد أشرت إلى أهم الحقائق التي يجب مراعاتها لكي تنجح التربية في مهمتها، والآن سأحاول تلخيص أهم النتائج التي وصلنا إليها.

إن أهم ما استرعى انتباهنا فيما يختص بمراحل تكوين الشخصية هي سرعة اطراد النشاط النفساني وقوته في سنوات النمو، وضرورة تغذية العقل بغذاء وافر غزير.

ثم رأينا أن تجديد كمية ما يمكن تحصيله من العلم غير كافٍ لمعالجة مشكلة التغذية العقلية، ولكن لا بد من تهيئة الغذاء ليكون ملائمًا لطبيعة العقل؛ لذلك لا بد لنا أن نذكر أن من بين دوافع النشاط يوجد ميل هام يجب إرضاؤه لكي نضمن نمو العقل وتثقيفه، وهو الميل إلى الفهم والتعليل، الميل إلى تعقُّل المعقولات، غير أن هذا الميل أقل بروزًا من الميول الحسية والحركية، وهو مهدَّد بالتلاشي وبالقضاء عليه إذا لم يُغَذَّ بغذائه الملائم له، إن حل مشكلة الإرهاق المدرسي يتوقف على فهم طبيعة هذا الميل والأخذ به عند وضع البرامج، وخاصةً عند تحديد كيفية تدريس المواد.

فإن الإرهاق يرجع لا إلى كمية المجهود المطلوبة من التلميذ، بل إلى نوع المجهود، إننا لا نحاول باستمرار إرضاء ميله إلى النشاط العقلي، بل نعامله كآلة تسجيل كميات متنوعة متباينة من المعلومات، فالإرهاق هو من أعراض فقر الدم العقلي لا نتيجة تضخُّم العقل، فإذا كان لدينا سيارة صُنِعت لكي تسير بسرعة مائة كيلو في الساعة فإننا نرهقها إذا جعلناها تسير دائمًا بسرعة خمسة كيلومترات في الساعة.

وعلى هذا يكون الغذاء الملائم لطبيعة العقل المعلومات التي تتطلب مجهودًا عقليًّا لفهمها لا التي تتطلب مجهودًا لحفظها فقط؛ ولهذا السبب يُستحسن أن نبالغ في تعقيد مواد الدراسة بدلًا من أن نبالغ في تبسيطها، يجب أن يكون مستوى الدراسة أعلى قليلًا من المستوى العقلي الذي نظن أن التلميذ قد وصل إليه، وذلك لكي تظل دائرة النشاط العقلي مفتوحة، ولكي لا يطمئن التلميذ إلى دائرة الفهم الحسي المغلقة على نفسها؛ ولذلك السبب يجب أن تكون الكتب المقررة أعلى مستوى من البرنامج الذي يراد تدريسه، وأن يراعي مؤلف الكتاب ضرورة تقديم مادة غزيرة للتفكير والتأمل بجانب الوقائع والأمثلة التي يذكرها، ولا مانع من الإشارة إلى بعض المشاكل بدون بيان كيفية حلها أو الإشارة إلى بعض المشاكل التي لم تُحَل بعد إذا كان هذا متيسِّرًا؛ وذلك لإبقاء الميل إلى الفهم والتطلع نشطًا متيقظًا، يجب إذن أن نقلل بقدر المستطاع من هذه الملخصات التي تُمْلَى على التلاميذ أو من هذه الجداول الجافة التي تحتوي على سلسلة من الوقائع بدون الإشارة إلى ما يربط بينها.

وبهذا الصدد أختتم حديثي بذكر حادث وقع فعلًا في إحدى المدارس. لام أحد المفتشين أحد مدرسي العلوم لأنه: (١) لا يُملي على تلامذته ملخصًا نموذجيًّا عن الدرس مكتفيًا بتكليف التلاميذ بعمل الملخص بأنفسهم في المنزل. (٢) لاعتماده على الكتاب المقرر في المادة التي يدرسها بحجة أن الكتاب المقرر مفعَم بالأخطاء. (٣) لتجاوزه حدود البرنامج وتدريس مواد إضافية أو تدريس بعض المواد بالتفصيل، في حين أن المقرر ينص على وجوب تدريسها بإيجاز. (٤) لذكره تجربة علمية لا يمكن تحقيقها بسهولة في المعمل بحجة أن التلاميذ لا يمكنهم أن يفهموا أيَّة تجربة إلا إذا جُسِّمَت لهم تجسيمًا حسيًّا ماديًّا، كأن عملية التصور الذهني من عمليات السحر والشعوذة.

فإذا كانت هذه الطريقة هي الطريقة المثلى للتعليم فيكون الغرض تحويل التلامذة إلى آلات متشابهة تقوم بأعمال متشابهة كلما ضغطنا على أحد مفاتيحها، وتكون النتيجة حتمًا انحطاط المستوى الثقافي وقتل الرغبة في الاطلاع والاستزادة، وسوء تهيئة الناشئة لمواجهة مشاكل الحياة بنجاح، وأخيرًا خنق العبقريات التي تحاول البروز، وهذا معناه القضاء على الأمة بالانحطاط، إذ إن الغرض الأسمى لفن التربية هو خلق قادة الفكر في شتى ميادين الحياة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠