الفصل السابع

بينما كان جعفر غارقًا في قرار عميق من لُجَج هذه الفلسفة الروحية والمشاعر المعنوية وهو يظن نفسه في حصن حصين من خيراته السالفة ونعمائه السابقة، كان المحذور قد وقع وسبق السيفُ العَذَل، أجلْ إن عيون زبيدة الذين نقلوا إليها أخبار ملاقاتهما الليلية هو والعباسة وتزاورهما ومناجاتهما لبعض تحت أشعة القمر في حدائق الخلافة، نقلوا إليها كذلك بشرى ولادة الحسن وإرساله إلى مكة، إلى غير ذلك من خطير الحوادث.

ما كاد ذلك يصل مسامع زبيدة حتى اجتمعتْ بالفضل وابنها الأمين وتشاوروا جميعًا كيف يزفون هذه الحوادث إلى مسامع الخليفة.

فكَّروا كثيرًا فوجدوا خير وسيلة يتذرعون بها هو كتابة رقاع يدونون بها أبياتًا من الشعر تتضمن الحادثة ينثرونها في أرجاء القاعة التي يجلس الرشيد فيها، وسرعان ما عمدوا إلى هذه الفكرة فأخرجوها من حيز القول إلى دائرة العمل.

لم يمض إلا قليل من الزمن حتى علم الخليفة بالسر المكتوم وأسكنه في قرار مكين من زوايا صدره، وسافر فجأة في تلك السنة إلى الحجاز فأوجس جعفر خيفة من هذه الرحلة، وتوقَّع أن يحدث على أثرها حوادث ذات بال.

وصل الخليفة إلى مكة فبثَّ العيون والأرصاد يبحث عن ابن العباسة إلى أن عثر على ضالته وعرف النجل الظريف سليل الدوحة الهاشمية من سمات وجهه، كان الحسن ذا وجه مشرق بضياء الحسن والبهجة، يشبه أمه العباسة أخت الرشيد، وتكاد عيناه البراقتان تفشيان سر الحبيب.

كاد الحب يتغلب عليه فيشفق على ذلك الغلام الجميل ابن أخته لولا الغرور، نعم، تغلب الغرور على أمره وتسيطر على حواسه فما أعجز الإنسان أمام تلك القوة الموهومة التي تتسيطر على إرادته!

استوثق الرشيد من الأمر فقفل راجعًا إلى بغداد مقر الخلافة، وقد خفف ذلك من هيجان غيظه وكمده، كان قد سافر إلى مكة مسرعًا مضطربًا فعاد منها هادئًا مطمئنًا وقد وقف على ما يريد أن يعلمه، بل مكث في محطات كثيرة لقبول الهدايا كما قبل أيضًا هدايا البرامكة كالمعتاد، وشنف سمعه بمديحهم وحمدهم له، في النهاية حط الرحال عند مدينة «الأنبار» التي يستظرفها على شاطئ الدجلة.

كان من عادة الرشيد أن يتقابل مع وزيره جعفر في هذه النقطة، مدينة الأنبار، عند عودته من بيت الله الحرام، وكان من عادة جعفر أن يُولِم فيها وليمة كبرى يدعو إليها مولاه الخليفة، ولكن حدث هذه المرة أن الرشيد لم يقبل دعوة وزيره وإنما فضَّل أن ينزل في قصره الخاص ليرتاح من وعثاء السفر، ففهم جعفر ما ينطوي عليه هذا الرفض ونظر إلى أفق المستقبل فرآه مظللًا بسحابة سوداء، اقتربت ساعة الإدبار، إنها لتسرع نحوه وقد أصبح مستقبل ابنه الحسن مظلمًا، فإذا ألقاه الخليفة في غيابات السجون ماذا تكون حالة العباسة؟ ولِمَ هذا الجد العاثر ونكد الطالع؟ أهذا جزاء صداقته وإخلاصه للخلافة منذ نعومة أظفاره، ألا يعلم الرشيد كل ذلك؟ ماذا فعل للناس حتى يستحق منهم مثل هذا الجزاء، وكأني به يقول لهم: صنعتُ معكم خيرًا فكيف يكون جزائي شرًّا؟

هذا سؤال يجيب عليه الزمان، الزمان هو الذي يقول: إنهم خانوك لأنك أحسنت إليهم، ألم تسمع قول مشرِّع الإسلام: «اتَّقِ شرَّ مَن أحسنتَ إليه»؟

أخذت الأفكار ترد مخيلته تباعًا آخذة بعضها برقاب بعض، ولكنه كان لا يصدق أن الخليفة يعلم يومًا ما بينه وبين العباسة؛ لأنه كان جد واثق منها ومن رجال معيته، كان يعلم أن منزلته قد قلَّتْ في نظر الرشيد، وكان يعزو ذلك إلى الوشايات التي يحيكها الأعداء حوله، وعندما نقل هذه الحالة إلى العباسة وجفاء الرشيد له ارتعشتْ؛ لأنها كانت تعلم أخاها وأدركتْ بفطنتها وبُعد نظرها أن إدبار جعفر منشؤه علم الخليفة بما بينهما، أراد جعفر أن يقنعها ويسكن جأشها إلا أنه عبثًا حاول تخفيف ما تغلَّف حول روحها من المشاعر المؤلمة، إنها كانت ترتعد تحت عبء رؤيا مفجعة قد انقبض صدرها أمام مشهد مؤلم أصبحتْ تتوقع حدوثه الساعة قبل الساعة.

كان الرشيد في تلك الآونة قد سار من الأنبار إلى بغداد في السفن وجعل قبل أن يصل العاصمة يشرب تارة ويلهو أخرى وعنده أبو ذكار يغنيه، فلما أقبل المساء دعا مسرورًا الخادم، وكان مبغضًا لجعفر فقال له: اذهب فجئني برأس جعفر.

بعد أن أتم جملته هذه ملأ قدح الشراب وأخذ يسمع أبا ذكار الذي أنطقتْه الطبيعة في تلك الساعة الفجيعة بهذا البيت:

فلا تبعد فكل فتًى سيأتي
عليه الموتُ يَطرُق أو يُغادِي

وبينما كان الرشيد يستنشد أبا ذكار باقي الأبيات.

كان مسرور في طريقه إلى قصر البرامكة، وعندما وصل هناك دخل على جعفر في غرفته بغير إذن وقال له: الخليفة يطلبك.

وبينما كان جعفر غارقًا في لُجَج من أفكاره عاوده مسرور بقوله: إن الخليفة قد طلبك.

– لقد سررْتَني بمجيئك وسوأتني بدخولك عليَّ بغير إذن.

– الذي جئت له أجلُّ، أجبْ أمير المؤمنين إلى ما يريد بك. فقام جعفر مع رجال حاشيته ورافق مسرورًا إلى قصر الخلافة، وهناك ظل رجاله على الباب ودخل معه مسرور إلى الحديقة وعطفا إلى غرفة خاصة على الطريق وهنا قال له مسرور: إن الخليفة يطلب رأسك.

صُعق جعفر في مكانه على أثر هذه الجملة وتضعضع أمام هذه الضربة القاضية ووقع على رجليه يُقبِّلهما ناسيًا عزة نفسه ووقاره وقال مسترحمًا: بربك يا أخي عاود أمير المؤمنين؛ فإن الشرب قد حمله على ذلك، بل أمهلني الليلة فإنه نادم عن قوله غدًا.

– تناديني الآن بقولك يا أخي وكنتَ قبل اليوم تأنف من مصافحتي، إنني الآن لا أرحمك ولا أرحم شبابك، قد أمر الخليفة أن تموت الليلة وليس لديَّ سوى هذا الأمر.

– لتكن حياتي فداء الخلافة، ليكن الموت جزاء إخلاص دام ثمانية عشر عامًا، وإنما أريد أن أعرف منك أمرًا واحدًا قبل قتلي أريد أن أعلم ذنبي الذي أستحق عليه الجزاء.

فنظر إليه مسرور شزرًا ثم فاه بهذه الكلمة: العباسة.

ما كاد جعفر يسمع بذلك حتى قام من مكانه مدهوشًا وقد لمعتْ في سماء مخيلته فكرة واحدة هي أن يموت فداءها إذ ربما أنقذ العباسة بموته فقال: دعني أدخل داري فأوصي.

فنظر إليه الجلاد بغضب وقال: لا سبيل إلى ذلك.

لم يُطِق جعفر صبرًا على أثر هذه الجملة الأخيرة فهاجت أعصابه وهجم على مسرور متمردًا يريد خنقه إلا أن الجلاد تمكن من أن يتملص منه وفرَّ إلى زاوية من الغرفة، وكان يعلم بأن العباسة مائتة لا محالة فصاح يقول: قد قتلت السيدة العباسة.

وقعت هذه الجملة كالصاعقة على رأس جعفر فهدت كل قواه وأفقدتْه الرشد والوعي فهرع نحو الجلاد جاثيًا متمتمًا هذه الكلمات: ما انتظارك إذن؟ لماذا أعيش بعدها؟ عجِّل لتريحني من هذه الحياة.

هكذا سلَّم نفسه لجلاده، وعلى هذه الصورة المفجعة قُتل جعفر البرمكي بالغًا من عمره ثمانية وثلاثين حجة في عام ١٨٧ من الهجرة.

بعد أن أخذ مسرور رأس جعفر قدَّمه للرشيد على وسادة من الأطلس، فأمر بتعليق تلك الرأس التي أحب صاحبها وصادقه زمنًا، على جسر بغداد وأن تحرق بعد ذلك مع الجثة وأن يقتل كل من يتشدق بكرم البرامكة ومروءتهم ومَن يَرْثيهم بعد نكبتهم، أما منصب الوزارة فقد أُسند بعد جعفر إلى عدوه اللدود الفضل بن ربيع حاجب قصر الخلافة سابقًا.

ومن عجيب ما وقع في ذلك ما رواه العمراني المؤرخ قال حدث فلان قال: «دخلت الديوان، فنظرت في بعض تذاكر النواب فرأيت أربعمائة ألف دينار، ثمن خلعة لجعفر بن يحيى الوزير، ثم دخلت بعد أيام فرأيت تحت ذلك عشرة قراريط ثَمَن نفطٍ وبواري لإحراق جثة جعفر بن يحيى فعجبت من ذلك.»

هكذا يريد القدر ومن يستطيع الوصول إلى حكمة ذلك؟ مسكين أنت يا جعفر قد صرت مظهرًا لقول القائل: «إن كان يا قلب نصيبك الظلم والعسف في هذه الحياة، فقد تنالهما من الأصدقاء قبل الأعداء.»

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١