الفصل الثالث

جلست أم المؤمنين ذات يوم تغامر بحارًا من التفكير١ والتأمل، ثم انتفضت فجأة ونادت مولاتها نفيسة وقد تمكَّن منها الشوق الشريف كلَّ التمكن، وأخبرتها أنها سترسلها إلى دار محمد بن عبد الله، فسألتْها عن سبب الرسالة فأجابتْ: لتعرفي هل له ميل للزواج أم لا؟

فقامت على أثر ذلك تزور محمدًا في بيته.

جاءت نفيسة هذه ابن عبد الله، وبعد حديث قليل قالت له: ما يمنعك أن تتزوج؟

فاعتذر لها بقِلَّة المال اللازم للقيام بشئون العائلة، فأجابتْه: فإن كُفيتَ ودُعيتَ إلى المال والجمال والكفاءة؟

فلما سمع النبي ذلك أجابها: ومن هذه التي تصفينها؟

فأجابته في الحال: خديجة بنت خويلد.

فرد عليها : وهل يصح مثل هذا الأمر؟

– ما عليك، إنك لو قبلتَ أَعِدُك بإقناعها.

قالت له ذلك وصمتت تنتظر ما سيبدو منه، ولكنه ظل ساكتًا لا يجيب. فرجعت وقد رأت منه هذا الحال، تحمل إلى سيدتها بشرى القبول.

كانت ميمونة النقيبة في رسالتها، فالله يعلم كم أجزلت السيدة خديجة كرامتها! لقد نزلت هذه البشرى بردًا وسلامًا على قلبها، فسرعان ما عينت موعد العقد في الحال، وأرسلت نفيسة إلى دار الأمين ثانيًا، تخبره بالحضور إليها في اليوم المعيَّن، فقَبِل الرسول ذلك مسرورًا وبدأ الطرفان منذ ذلك اليوم في معدات العرس.

كانت السيدة خديجة وسيدنا محمد يتقابلان قبل يوم الزفاف، وقد استأذن الرسول ذات يوم عمَّه في الذهاب إلى دار خديجة فأذن له، ثم أرسل وراءه مولاته عتبة لترى ماذا يفعلان وفيمَ يتحادثان؟ فتعقبتْه امتثالًا لأمر مولاها، وكان النبي قد وصل قبلها، فأخذت السيدة خديجة يد الرسول ووضعتها على صدرها فوق قلبها الخافق، ثم قالت له بتأثُّر: بأبي وأمي أنت أُقسم أنني لا أفعل هذا لريبة أو لسوء، وإنما أطلب من المولى أمرًا أرجو أن يتحقق وهو أن تكون نبيه المرسل، وإذا اختارك الله لهذا الأمر الجليل عرفتَ قدري ورفعتَ شأني ودعوتَ إلى الله من أجلي، فكل ما أطلبه من الله هو أن يجعلك لي.

فأجابها سيدنا محمد بقوله: والذي نفس محمد بيده لَأَتَذَكَّرَنَّ جميل صُنْعك معي إذا تمَّ لك ما تشتهين، وأما إذا كان رسوله المختار غيري فإنك تصلين إلى غرضك إن شاء الله ما دمتِ تفعلين كل هذا في سبيل الرسول.

هذا ما دار بينهما من الحديث نقلتْه عتبة إلى مولاها أبي طالب كما رأتْه وسمعتْه.

١  روضة الأحباب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١