الفصل الرابع

أقبل القوم من بني هاشم يوم الإملاك — وهو يوم العقد — وفيهم كريم فتيانهم ونجيب عشيرتهم، محمد بن عبد الله، يحفُّ به عماه أبو طالب وحمزة،١ فنزلوا من بني عمهم أكرم منزل وأسناه، حيث قابلهم واحتفى بهم عمرو بن أسد عم السيدة خديجة، وبعد أن اكتمل عقد اجتماعهم قام أبو طالب بن عبد المطلب، سيد قريش وإمامها فقال: «الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل وضئضيء مَعَدٍّ٢ وعنصر مُضَر وجعلنا حَضَنَة بيته، وسُوَّاس حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا وحرمًا آمنًا، وجعلنا حُكَّام الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يُوزن به رجل إلا رجح به شرفًا ونبلًا وفضلًا وعقلًا، وإن كان في المال قُلٌّ، فإن المال ظِلٌّ زائل، وأمر حائل وعارية مسترجعة، وهو والله بعدُ له نبأ عظيم، وخطر جليل، وقد رغب إليكم رغبةً في كريمتكم خديجة، وقد بذل من الصَّدَاق ما عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ونشًّا.»٣
ثم قام على إثر ذلك ابن عمها ورقة بن نوفل وهو الذي فسَّر لها رؤياها الجليلة فقال: «الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرتَ، وفضلنا على ما عددتَ، فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله، لا ينكر العرب فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، فاشهدوا عليَّ معاشرَ قريش أني قد زوَّجتُ خديجةَ بنتَ خويلد من محمد بن عبد الله.»٤

وكان ورقة في موقفه هذا، ينطق بلسان عمرو بن أسد، عم خديجة فالتفتَ إليه أبو طالب وقال: يا ورقةُ ادعُ عمَّها يشاركك في العقد.

فنهض عمرو بن أسد فقال: «اشهدوا عليَّ معاشرَ قريش أني قد أنكحتُ محمد بن عبد الله خديجة بنت خويلد.»

وهكذا صادق القوم على زواج النبي من أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد، وكان الرسول جالسًا بجانبها أثناء العقد، فلما انتهت الصيغة طلبتْ إليه أن ينحر جزورًا من البكرات التي أصدقها عمه أبو طالب مهرًا، فذبح إحداها في الحال وأطعم القوم وأمرت خديجة نساءها فرقصْنَ وغنَّيْنَ.

أما الرسول — صلوات الله عليه — فقد أُفعِم صدره سرورًا حتى إن أبا طالب عندما لاحظ حالته الروحية حمِدَ المولى كثيرًا.

١  السيرة الحلبية.
٢  ضئضئ الشيء: مَعْدنه.
٣  النشُّ: عشرون درهمًا، وهو نصف الأوقية، ويُروى أنه أصدقها عشرين بكرة.
٤  ويُروى أنه انتهى من خطبته بقوله: وقد جهزتُها بأربعمائة مثقال ذهبًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١