الفصل الخامس

سعادة! يا لها من سعادة! تلك الحياة الطيبة الصالحة التي أمضاها النبي الهادي، فخر العالمين، مع سيدة النساء خديجة أم المؤمنين، كانت خديجة في بيتها مع زوجها الجليل، فخر الكائنات، المثلَ الأعلى في المُوادَّة والموادعة والمواناة والترفُّع عن الكلفة وبذل المعونة، تقوم بأداء واجباته وقضاء لوازمه بجلال خاصٍّ بها، وتجتهد فوق ذلك كله، بكل ما آتاها الله من ذكاء وفطنة وبكل ما جُبلت عليه من شفقة ورقة أن تجعل أيام حياته تمر بلذَّة ساحرة وأُنْس لا مثيل له.

كان النبي في نظرها شخصًا فذًّا يستحق العبادة والتقديس، وما كانت تشاهده فيه من درجات الكمال يزيد من قدر صفاته النادرة ومزاياه الجمَّة رفعة، هذه الحالة الروحية دفعتْها إلى بذل النفس والنفيس في سبيل مرضاته وما فيه سعادته، وأن تُبدِّد بيدها الكريمة ما قد يتلبَّد في سماء حياته من سُحُب الهموم والأكدار.

إن الأخلاق الفاضلة والصفات الحسنة الفطرية التي امتاز بها الرسول في تلك الأيام، في بيئةٍ عمَّ فيها الجهل والميل مع الأهواء، لَمِمَّا يلفتُ الأنظار ويستهوي الألباب.

كان نبينا المعظم المثلَ الأعلى والمعجزة الكبرى في نظر الجميع، وليس في مقدور امرأة متوسطة الذكاء أن تشارك مثله في الحياة تقطع معه مراحل العمر.

ولقد كان رسولنا الهادي ومرشدنا الأعظم موفور الحظ، سعيد الطالع؛ إذ رزقه الله امرأة كخديجة ذات شخصية عالية تُدرِك جَلالَ قَدْره وعظيم استعداده ومواهبه، فيلتذُّ فكرها بمعنويته وتشاركه في نورانيته وتملأ بمهارتها كل جوفاء من حياته. كانت السيدة خديجة في نظره النغمةَ الحلوةَ التي لا تنساها الأذن، والابتسامةَ العذبةَ التي لا يُمحى خيالها من صفحة الذهن.

مضت حياتهما المشتركة في وئام وسلام فقضيا خمسة وعشرين ربيعًا لم يعكر صفوها عتاب صغير أو نكد طفيف.

كان الرسول يخص زوجته باحترام كبير، فلها في نفسه أسنى منزلة وفي قلبه أسمى مكان، لا يفتأ يعترف بشكرها، حتى إنه لم يخطر على باله طول معاشرته لها أن يتزوج سواها، مع أنها كانت أكبر منه سنًّا، وله منها — صلوات الله عليه وسلم — ثمانية أولاد، أربعة ذكور وأربعة إناث وهم: القاسم والطيب والطاهر وعبد الله، وزينب ورقية وأم كلثوم وفاطمة الزهراء.١
١  كتاب السير للويسي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١