الفصل التاسع

أخذ المنصور يمهِّد على مهل سبيل حصر النفوذ في يده، فأبعد الذين توسَّم فيهم روح التمرد والعصيان ومجابهة ما كان يتصوره من الآمال والأحلام، ونفاهم من قرطبة مركز الحكم والخلافة حتى لا يكون بينه وبين ما يرمي إليه حاجز أو عقبة، فضرب بيد من حديد أولئك الذين أرادوا الدخول في شئون الإدارة وإحداث القلاقل والاضطرابات حول عرش سلطانه المطلق.

كان لا يقبل نصيحة إنسان، ويُفهِم الذين حوله بكل حركاته وأطواره أنه في غنًى عنهم وعن مشورتهم وما يقدمونه من مناصرة ومعاضدة.

أصبح الآن يتضايق حتى من نفوذ حماه القائد غالب، وقد تمكَّن أيضًا من إبعاده كما أبعد المصحفي من قبلُ.

هنا في هذا الموقف لم يبقَ بينه وبين أن يعيش حرَّ التصرف كما يشاء ويهوى إلا ظلُّ شخص واحد، ذلك الظل هو الأميرة صبيحة.

نعم، أصبح لا يهتمُّ كثيرًا بما لها من نفوذ ولا يعبأ بسيطرتها، ففكَّر في أن يتخلص من نفوذ هذا الظل أيضًا وسعى باحثًا عن الوسائل المؤدية لدفعه دفعًا حثيثًا إلى أن توفَّقَ إلى هذه الغاية أيضًا وتكللتْ مساعيه بالنجاح.

إنه كان مضطرًّا إلى التظاهر بالاحترام والخضوع لولية نعمته، ولكن نظرات الأميرة كانت تتخلل ما وراء هذه المظاهر من حقيقة مؤلمة فتشعر بما يخالف هذا الاحترام من فتور واضح، قُضي الأمر فليس ثمتَ داعٍ لإعادة الماضي بذكرياته العذبة وخواطره اللذيذة أمام أبَّهة الحاضر!

لم يكن المنصور من أولئك الذين يتأثرون بالذكريات الماضية من أيام صباهم وأزمان لهوهم، إن الوقائع لتمر به تاركة أثرًا خفيفًا في حياته، إنها لأسطر مكتوبة على الرمال تعبث بنظامها أخفُّ الرياح هبوبًا؛ فلذلك أمر بأن يُقرأ اسمه في خطب الجمعة مع اسم الخليفة، غير مكترث لنقد الناس وما تلوكه ألسنتهم.

صار الناس يقرءون اسمه على النقود ويشاهدون توقيعه في ذيل الأوامر والقرارات.

ولكن ألم يعمل على راحة الشعب وطمأنينته؟ أليس هو الساعي في نصب ميزان العدل في ربوع الأندلس، فلا نستكثر عليه إذن طموحه إلى لقب «الملك الكريم» بعد أن كان حاجبًا.

الأمة لا تنسى خدماته ومآثره فلا تستغرب سكوتها الآن إزاء هذه المظاهر الجديدة، أما الخليفة هشام فكان في هذا الوقت العصيب منزويًا في مجاهل القصر، بعيدًا عن أضواء السياسة وضجيج الإدارة، منقادًا لهواه مخربًا أيام شبابه بلا نفع ولا جدوى.

قد تمر عليه فترات يحلو له فيها التجرد عن الماديات والغوص في لُجَج الروحانيات فيزهد رؤية الناس كثيرًا وينكمش منزويًا لمدة طويلة، هذا هو الخليفة هشام بن صبيحة، وعلى هذا الطراز كان يقضي أيام حياته.

قال مربِّيه: «ظهرتْ عليه في صغره علائم الذكاء والفطنة»، إلا أن تربيته التي تلقَّاها منذ وفاة أبيه لم تكن كافية لإنضاج مداركه وإكمال مواهبه، فظل ابن الحَكَم وحفيد عبد الرحمن الثالث خاملًا، وعاش عاجزًا جبانًا مترددًا عاريًا عن العزم والإرادة، أقل الملوك شأنًا في أسرة بني أمية.

هذه الأخلاق الضعيفة حركتْ عوامل الطمع في نفس المنصور، وحَدَتْ به إلى الطموح نحو العرش، وجعلتْه يعزم على ارتقائه العرش في بيت الزهراء بدلًا من هشام، كان «الملك الكريم» فأراد أن يكون الخليفة.

اختلف المؤرخون في هذا الأمر؛ لأن معظمهم يقول بقيام هذا الأمل في نفس المنصور وأنه سعى جهده لإخراج مشروعه من دائرة الفكر إلى حيِّز العمل، ولولا خشيته من النتائج لتمَّ له ما أراد.

اهتم أولًا أن يكون الخليفة منسيًّا من شعبه دون أن يزعزع أركان الخلافة، فسعى في أن يقلل خروج الخليفة من قصره وكانت الظروف في جانبه؛ لأن هشامًا كان لا يراه الناس في الجامع إلا قليلًا، وإذا خرج من قصر لآخر متنزهًا خرج وهو ملتفٌّ بالبرنس، فكان يرى بعين الخيال وهو مسرور منشرح الفؤاد أن آماله ستتحقق بلا اضطراب ولا شغف.

فهمتْ صبيحة مراميَه وشعرتْ بأغراضه ومقاصده، فأرادتْ أن تراقبه من كَثَب ولم تُطِقْ بعدَ ذلك استبدادَه ولم تستطع صبرًا على رؤية العرش مهدَّدًا، فزجَّتْ بنفسها في الميدان لتحافظ على كيان ابنها وتنقذ عرشه.

بذلتْ كلَّ ما في نفسها من جهد وعزم، إلا أنه لم يكن في يدها الآن شيء من القوة.

وقد شعرتْ بهذه الحقيقة عندما تقدمتْ إلى الميدان ورأتْ أن رجال المنصور وأعوانه شاغلون أهم المناصب في أقلام الحكومة وإداراتها وفي كل ركن من أركان الإدارة، حتى في قصرها بيت الزهراء.

كانت تهم فيصادفها ألف عقبة وعقبة، تتقدم خطوة إلى الأمام فتقابلها عثرات وموانع، لم تكن مالكة لاستقلالها، لقد كبَّلها المنصور بخيوط دقيقة تخفى على الناظرين، ولكنها خيوط قوية يصعب الإفلات منها، فصبرتْ حتى اشتدتْ عزيمتُها وقام في أعماق نفسها دافع يسوقها إلى رفع لواء التمرد والعصيان؛ إذ كانتْ تقول في سرها: ما هذه الجرأة؟ ومن أين لأبي عامر كل هذا النفوذ؟ أين كنتُ أنا؟ وكيف أرى ذلك بنفسي؟ آه! إن الرجال الشاغلين للوظائف في قصري كلهم معروفون لديَّ ولكنني أعلم أنهم من أتباع المنصور.

كيف لها أن تعلم ذلك؟ لم يكن وقتئذٍ فرق وأحزاب ورجال تتحيَّز لرجال، كانت متحدة مع المنصور فكرًا وعقلًا، متفقة معه قلبًا ولسانًا، كانت يدها مع يده في كل أمر وكل مشروع، فترى فيمن يعينهم المنصور أنهم رجالها الصادقون، فليس سبيل إلى سوء الظن، كان الزمان زمان إخلاص واتحاد، أما اليوم وقد زال ما بينهم من طمأنينة فابتدآ يراقبان حركات بعضهما وقد تَنَقَّب كل منهما ببرقع النفاق فهي الآن تنصب له الفخاخ سرًّا، وقد علمتْ بآماله وأمانيه فسَعَتْ أولًا في جعل رجال القصر محببين منها، وقد أظهرتْ في هذا السبيل همة جديرة بالتقدير والإعجاب.

تبدلت الحال بغير الحال وصار قصر الزهراء مسرحًا للفتن والدسائس، وصبيحة تراقب ذلك بسرور ولا تألو جهدها لإنقاذ ابنها ونفخ روح الحياة في نفسه الخامدة.

ما كانت تهتم بذلك قبل الآن وتسعى في إيقاظه من ذلك الخمول، فقد كان عاجزًا خاملًا لا يشعر بالحاجة إلى سؤال الوزراء عما يفعلونه أو يديرونه من الأمور.

لم يسبق لصبيحة أن اهتمتْ بشأن ذلك العاجز المسكين وأن ترجع إليه في الشئون الخطيرة، أما الآن فإنها تشعر بعد أن وقعت الواقعة ورأت اقتراب العاصفة التي تكاد تقتلع عرش ابنها أنه محتم عليها أن توقظ هشامًا من غفلته العميقة، وقد تمَّ لها ما أرادتْ فسعتْ في تنفيذ خطتها سرًّا دون أن تدع محمدًا المنصور يعلم؛ فإنها كانتْ تذهب صباح كل يوم لزيارة ابنها في غرفته الخاصة وتورد له الأحاديث الطويلة والمباحث المهمة لتزيل ما على قلبه الغافل من صدأ العطالة والخمود.

تعبت في سبيل غرضها وسهرت الليالي الطوال تُرتِّب الدروس المؤثرة التي تحرك النشاط في هذا الدماغ العاطل، فشَقَتْ وتألَّمتْ وكدَّتْ، لكنَّ مساعيَها أثمرتْ وظهرتْ لها نتائج خطيرة ذات بال، فقد حدثتْ معجزة في بيت الزهراء؛ استيقظ هشام من نومه، استيقظ الخليفة المنهمك في أذواقه من تلك الغفلة، دبَّتْ في نفسه عوامل الحياة وأراد أن يدخل المعترك ويشترك في الحكم وأن يفهم ويشعر وتكون له إرادة وسلطان.

استمرت صبيحة تلقي على ابنها دروس الانتباه واليقظة حتى استفاق من سُبات غفلته وتذوَّق طعم الرياسة وحلاوة الأمر والنهي بدرجة استرعتْ أنظار الملتفِّين حوله بما فيهم المنصور، وهو أكثرهم دهشة وأشدهم حيرة، وقد علم أن هذه المعجزة الباهرة إنما هي أثر من آثار صبيحة.

صار الخليفة الآن يشدِّد النكير ويبحث وينقِّب ويطلب الإيضاحات اللازمة عن حساب بيت المال، ويوجِّه إلى المنصور أسئلة دقيقة ما كانتْ لتخطر له ببال حتى انتهى به الأمر إلى أن يعامله بفتور وبرود.

لم يكلف المنصور نفسه عناء البحث عن سبب ذلك، كيف يسأل عن السبب وهو لا يرى مولاه الخليفة ولا يتقابل به إلا بحضور والدته صبيحة؟ أظلمت الدنيا في وجهه وشرع يتلمس سبيلًا لمقاومة الخطر، فصال صولة في ميدان الكفاح انتهت بطرد وإبعاد بعض مَن اشتبه في إخلاصهم من موظفي قصر الزهراء، ولقد غضبتْ صبيحة لهذه الصدمة غضبة مُضَرية، كانت سببًا في اشتداد عزيمتها وزيادة همتها، فأعملتْ فكرها لتنتقم لنفسها من هذا الغريم الشديد البأس واهتدتْ أخيرًا إلى فكرة سديدة، فاستدعتْ بعض عبيدها المحرَّرين وكلَّفتْهم بالتوجُّه إلى جهات مختلفة من الأندلس وإفريقية ومراكش لإفهام الشعب بمركز خليفتهم وإذاعة خبر ضعفه وطموح المنصور إلى مقام الخلافة، فراجتْ إشاعتهم وانتشرتْ في طول البلاد وعرضها، ومنها علم الناس أن خليفتهم واقع في أسْر ظلم معنوي وأنه راغب في التخلص من هذه القيود ليحكم شعبه على سنن العدل ومناهج الإنصاف لولا حيلولة المنصور بينه وبين ما يريد.

أدَّى رجال صبيحة ما كلَّفتْهم به بأمانة وإخلاص؛ فاجتازوا جبل طارق إلى إفريقية وتمكنوا من اكتساب مودة ومظاهرة والي مراكش لهم، وهو يومئذٍ زبري بن عطية الشهير زعيم قبيلة الزبرين، وما كاد يسمع بهذه الحوادث ويعلم أن الخليفة تحت أسْر المنصور واستبداده المعنوي، حتى احتدم غيظًا وشرع في تجريد قوة من رجاله ليرفع لواء العصيان والتمرد في وجه المنصور؛ انتصارًا لخليفة البلاد، ولكن كان يعوزه المال لتنفيذ العمل، فسُرَّتْ صبيحة بهذه النتيجة وبادرتْ بإسعافه.

كانت خزينة الدولة في دائرة خاصة داخل قصر الزهراء وبها من الأموال ما يقدر بنحو ستة ملايين دينار، فسحبتِ الأميرة من المال مبلغًا قدره ثمانون ألف دينار وضعتْه في مائة جرة مختومة أفمامها بالعسل دفعًا للظنون والشبهات، ودفعت هذه الجرار إلى رجال أمناء لتوصيلها إلى مكان معين؛ وبذلك تمكنتْ من إيصال المال إلى مراكش بأمان وسلام.

كانت صبيحة تعلم قدْر والي مراكش، وتعلم أنه الرجل الوحيد الذي يستطيع مقاومة عدوها المنصور، وبذلك لم تألُ جهدًا في مساعدته، على أن خبر هذه المساعدة اتصلت بمسامع المنصور، فأُفرغ في روعه؛ لأنه لم يتوقَّع حدوثها، وكأني به يقول: هل للخليفة علم بذلك؟ وإلا كيف تمكَّن وأخرج المال من أبواب القصر؟ اشتدت حيرته واضطرمت أحشاؤه بنيران الغيظ والكمد، وأصبح ينظر إلى أفق المستقبل فيراه متلبدًا بسحب الأكدار وغيوم الاضطرابات، فهل هو الآن أمام عاصفة قريبة تقتلعه من مركزه؟ كل هذه أمور فكَّر المنصور فيها مليًّا، وبعد طول البحث وإجهاد الفكر استدعى وزراء الحكومة ووكلاء الدولة لمجلس عام عقده في قصره، حيث أبلغهم بحدوث سرقة مبالغ كبيرة من مال الدولة، وأنه علِمَ بعد البحث والتنقيب أن السرقة تمت بدلالة نساء من قصر الخليفة، وعلى أثر دهشة الوزراء بذلك اقترح عليهم نقل الخزينة إلى دائرة أخرى بعيدة عن مكانها الحالي فأقرَّه المجتمعون على ذلك، وبينما كان الرجال المكلفون بتنفيذ الاقتراح على وشك نقل الأموال المودعة بالخزينة، دخلت عليهم صبيحة وصاحت فيهم تقول: «ما هذه الجرأة؟ كيف تقدمون على ارتكاب مثل هذا الأمر دون إذن الخليفة، إنني آمركم ألا تمسوا الخزينة؛ لأنه غير راضٍ عن نقلها إلى مكان آخر.»

لم يجد أتباع المنصور بدًّا من إطاعة الأمر، أما الملك الكريم — أي المنصور — فاشتدتْ حيرتُه وزادتْ همومه حينما بلغه الأمر، ولكنه كتمه في أعماق نفسه مكرهًا مرغمًا، وإلا فما الذي يستطيعه؟ وكيف يخالف أمر الخليفة جهارًا ويرفع لواء العصيان في ظروف قاسية لا تسمح بأدنى خلاف بينه وبين العرش، لا سيما وقد طرقت مسامعه الإشاعات التي اجتهدتْ صبيحة في ترويجها بين عموم الشعب؟

لا يعرف الناس شيئًا عن هشام ولا يذكرون إلا اسمه، ولكنهم ما زالوا يقدسونه في نفوسهم؛ لأنه ابن الحكم وحفيد عبد الرحمن وسليل الأسرة الأموية، إذن ليس في الإمكان إظهار التمرد جهارًا بيانًا، فما هو الطريق المؤدِّي إلى تحويل مجرى الحوادث؟ هل يقبل المنصور على نفسه الانكسار والخضوع بعد أن وصل بكدِّه وبسعيه أوج العز والإقبال؟ أيخفض الآن جناحيه بعد أن كان يبسطهما لحماية سواه؟ كان لا يحني رأسه ولا يرضى بالمذلة يومًا ما، كان سلطان الماضي وهو الآن أمير الحاضر، فيجب على المستقبل أيضًا أن يطيعه، كيف يرضى المنصور ذلك البطل الذي رفع لنفسه لواء فخر دائم الخفقان في طول البلاد الإسلامية من أقصاها لأقصاها أن يذهب ضحية حيلة سياسية أتمتْها صبيحة؟ كيف يستطيع صبرًا على الانحدار بعد تقدم دام عشرين عامًا؟ كان عليه أن يواجه الخليفة بمفرده، إن هشامًا لينحني أمام وزيره إذا تقابلا على حِدَة دون أن تكون معه والدته تعضده وتظاهره، كان المنصور يعلم موضع الضعف من مولاه الخليفة، ويعلم أنه لا يستطيع أن يقابله ببرود وأن يشدد عليه النكير إلا إذا كانت معه الأميرة، أما إذا لم تكن هي بجانبه فكل عزم ينقلب إلى ضعف وكل شجاعة تنقلب إلى جبن وانهزام، وكانت صبيحة تعلم هذا الأمر وترى أن ابنها لا يستطيع الثبات أمام نظرات وزيره الحادة، ولا يتمكن من الدفاع عندما يسل عليه لسان طلاقته وسلاح بيانه؛ ولذا كانت تخشى عاقبة تلاقيهما على انفراد وتخاف أن ينهدم بناء سياستها رأسًا على عقب في لحظة واحدة، إنما المنصور سعى واجتهد حتى توصَّل بمعونة رجال القصر أنفسهم إلى مقابلة مولاه مقابلة سرية دون أن يعلم به أحد، كانت الأميرة صبيحة ملكة ذات سياسة وتدبير حنَّكتها الظروف والأيام وزادتها التجارب خبرة في الحياة، وإنما لم تكن سعيدة الحظ مثل المنصور؛ ولذا كُتب عليها الاندحار والفشل في نهاية الأمر.

عندما مثل المنصور بين يدَيِ الخليفة لم يعبأ لما نال مولاه من الدهشة والاضطراب، بل ابتدأ الكلام بما يريده من القول بسلاسة وطلاقة اشتهر بها حتى أثَّر على الخليفة وضيَّق دونه المذاهب، فنسي أنه الخليفة وأنه صاحب النهي والأمر وأن في يده قوة غير محدودة، ونسي تعليمات والدته ووصاياها أمام نظرات المنصور وأمام سحر بيانه وطلاقته، ولم يتردد في الاعتراف بعجزه١ عن الحكم وتدبير المُلْك، وأنه سيتنازل له عن كل سيطرة وسلطان ولا يتداخل في شئون البلاد، وأنه يرضى بنقل الخزينة خارج قصره إذا شاء وزيره المنصور، لم يكتفِ المنصور بهذا الإقرار بل انتهز هذه الفرصة واستدعى بعض وكلاء الدولة وأشهدهم على هذا الاعتراف بعهد موقَّع عليه من الخليفة ومدوَّن فيه ما تعهَّد به لوزيره شفويًّا،٢ وقد أمضى عليه الوكلاء لإثبات شهادتهم.

حدث هذا الأمر في العام السابع والثمانين بعد الثلاثمائة من الهجرة، وبهذه الحادثة نال المنصور أكثر مما كان يتمناه ويحلم به بسهولة لا تخطر على بال.

أُعلن العهد بعد ذلك وعلم الناس بخبره فأصبح من العبث التمرد والعصيان في سبيل سلطان عاجز عن الحكم، يعترف بلسانه أنه ضعيف فاتر العزيمة، يكل أمور الدولة ومهام السلطنة إلى وزير صادق هو المنصور، لم يكتف بهذا الانتصار، بل أراد أن يُظهر للناس أن خليفتهم وقَّع على العهد باختياره وإرادته وأنه لا يوجد ثمت خلاف أو نفور بينهما، فاستصوب أن يخرج إليهم بجانب الخليفة راكبًا فرسه في موكب عظيم لهذا الغرض وقد تم له ما أراد، ما الذي يستطيع أن يعمله الإنسان لأسير لا يشكو من أسره، يعيش باختياره تحت النِّير، لحاكم يعترف بعجزه عن الحكم، لسلطان لا يتأثَّر من التنازل عن نفوذه واقتداره لغيره، لخليفة لا يرى بأسًا من الخروج إلى شعبه غداة اعترافه المخجل، اللهم لا شيء سوى الأسف والتألم، ولقد كان من حسن حظ المسلمين أن وُجد في عصر حاكم عديم الحس مثل هشام وزير مقتدر مثل المنصور ليستبد بأمور الدولة، فلو بقي زمام الحكم في يد الخليفة لما تردد من فتح أبواب قلاعه لأمراء الفرنجة، وإن التاريخ لا ينسى قوله للعصاة وهو في محبسه بعد وفاة المنصور: «أنقذوني وأنا أَعِدُكم حتى بالعرش.»٣ فهل هناك٤ أمل في إنقاذ حاكم هوى بنفسه إلى هذه الدركة ورضي بأن يشرب كأس الهوان حتى الثمالة؟ لم يكتب المؤرخون شيئًا عن حالة الأميرة عند سماعها باعتراف الخليفة، وماذا عساها أن تقول فيمن لا يخجل من ترجيح الأسر على الحرية بعد سعيها المتواصل في سبيل ذلك؟ فإذا استطاعت أن تعمل شيئًا بعد ذلك فلِمَن؟ هل لابنها القائل بنفسه: «لا أريد أن أحكم في بلادي.» إن دناءة ابنها كان انكسارًا ثانيًا لآمالها، لم تَكَدْ جراحُها التي أدماها المنصور تلتئم حتى أصابها ابنها بجرح آخر في صميم قلبها أدمى إحساسها الوالدي.
مع كل ما مرَّ بها من الآلام وما عانتْه من المتاعب لم تشأ أن تُريح نفسها حتى في أيامها الأخيرة، انهدمتْ قصور آمالها وضاع نفوذها وانخفض جناحها، ولكنها مع ذلك لم ترضَ أن تقبض يد همتها عن شعبها؛ أهالي قرطبة المحبوبين منها، هِمَّة صبيحة أكبر من أن تكلَّ ونفسها العالية لا ترضى بحياة العطالة والكسل، لم تتداخل في شئون الإدارة ولكنها خدمتْ أمتها من طريق آخر، وعملت على سعادتهم ورفاهتهم من سبيل غير سبيل السياسة؛ فقد بذلتْ ما في وسعها لإنشاء المساجد والمستشفيات وبناء المدارس والملاجئ، وبينما كان المنصور يدير حركة البلاد بمهارة وحذق ويختم حروبه بالنصر والظفر، كانت هي تحفر الجداول والعيون وتنشئ القناطر والجسور، وتجتهد في اكتساب حسن الأحدوثة وجميل الذكرى بين قومها، إن أعمالها النافعة وحسناتها العديدة أدهشتْ حتى جيرانها أمراء الفرنجة الذين لم يتمالكوا من إعظامها وإجلالها والاعتراف بما لها من فضل وخير؛ فأقاموا الحفلات بشرف ذكرها عند إتمام طريق مائي مهم، وقد ركزوا عليه لوحة لتخليد ذكرها بهذه العبارات:
بُني هذا الطريق المائي بهمة الأميرة صبيحة أم أمير المؤمنين الخليفة هشام جزاها الله خيرًا، فبمروءتها وفضلها لم تُحرَم ولايتا «السيجيا وكارمونا»٥ من الماء.
أما المنصور فقد وجَّه همته إلى رفع شأن الأندلس بالغزو والحروبات، فاستتبَّ الأمن داخلًا وارتفع شأن البلاد خارجًا، وأصبح هو حاكمها المعروف بالشجاعة والكرم والمتصف بالعدل وحسن الإدارة، وفي العام الثاني والتسعين بعد الثلاثمائة خرج المنصور غازيًا للمرة الثانية والخمسين٦ لقمع فتنة بالقرب من مدينة سليم من ولاية قشتالة، وقد أبدى العاصون مقاومة كبيرة واشتد القتال حتى اضطر ابن أبي عامر للوثوب إلى الصفوف الأمامية٧ مستبسلًا والسيف بيده لبَثِّ روح العزم في أفراد جيشه، وبعد كفاح شديد أحرزوا النصر ولكن بعد أن أصيب قائدهم المنصور بجراح بليغة، استشهد على أثرها في الخامس والعشرين من شهر رمضان ودُفِنَ بمدينة سليم حسب وصيته.
مات محمد المنصور وبموته فقد الأندلسيون ركنًا من أركان شوكتهم، تُوُفِّي رجلهم العظيم، وبوفاته انصدع بنيان اتحادهم، فيا لهول المستقبل المخيف! المستقبل المظلم الذي يهدد كيان الأندلس، لبسوا عليه ثياب الحداد وشقوا الجيوب كأنما كان حزنهم وحدادهم على نحس طالعهم الذي بدا في أفق السياسة، لم تعش صبيحة كثيرًا بعد المنصور فقد تُوُفِّيتْ في العام الثامن والتسعين٨ بعد الثلاثمائة، أي بعد تلك النكبة بستة أعوام، لقد تصالحا قبل وفاة المنصور، ولكن صلحهما كان ظاهريًّا اقتضتْه الظروف، وإلا فإن الدموع التي ذرفتْها قد جعلتْ بينهما هوة من الآلام يصعب اجتيازها، فإن الأعوام الأخيرة من حياتها مضتْ بين جدران النسك والعبادة، وقد كان لموتها صدى حزن عميق في نفس الشعب لا يقل أثرًا عن حزنهم لدى موت المنصور، وقد رثاها كثير من الشعراء وفيهم ابن دراج حيث شبهها بنجمة الأندلس، حقًّا إن «صبح» كانت من أشد النجوم تألقًا في سماء الأندلس، كان هناك أمل في أن تحيا الأندلس حياة رغد ورفاهة طول حياتها، أما وقد أفل نجمها ولم يبقَ أثر لسلطان المنصور ولا بأسِ الحَكَم ولا شوكةِ عبد الرحمن، فلم يبقَ أمام الأندلس سوى السقوط والاندحار، لماذا؟ لأن الخلافة انتقلتْ إلى يد هشام، ذلك الخليفة الجبان العاجز الذي كان الأندلسيون يخشون حكمه، وليس هيبة منه وإنما خوفًا من عجزه وضعفه.

لم ترَ صبيحة بعينها خاتمة قرطبة، تلك الخاتمة السوداء التي تهز حتى اليوم أوتار القلوب في بلاد الإسلام بضربات الحزن والألم، لو قُدِّر لها أن تعيش بضعة أعوام أخرى لترى تقسيم عاصمتها لانهمرت عيناها بالدم بدل الدموع، ماتتْ دون أن ترى شيئًا من ذلك، ماتتْ في بيت الزهراء وهي تنظر إلى نجمة تلمع على صفحة حوض من أحواض حديقتها الزهراء في مساء يوم لطيف حزين مؤلم، وقد كان آخر المشاهد انطباعًا في نظرها، منظر تلك النجمة التي تستحم مرتعشة في أحواض بيت الزهراء.

١  دوزي.
٢  ابن خلدون.
٣  دوزي.
٤  الأمير علي.
٥  كوند.
٦  تاريخ الأندلس لضيا باشا.
٧  ابن خلدون.
٨  قاموس الأعلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١