مقدمة

(١) هذا الكتاب

إن مفهوم العلاقات الدولية مفهوم فضفاض للغاية، فهو في استخدامه الحديث لا يشمل العلاقات بين الدول فحسب، بل يشمل أيضًا العلاقات القائمة بين الدول والمنظمات من غير الدول؛ مثل الكنائس ومنظمات الإغاثة الإنسانية والشركات متعددة الجنسيات، والعلاقات القائمة بين الدول والمنظمات الحكومية الدولية؛ كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، وسوف أستخدم في هذه المقدمة القصيرة جدًّا هذا المفهوم الفضفاض لمادة العلاقات الدولية.

تُدَرَّس مادة العلاقات الدولية في جامعات عديدة، مقترنة في كثير من الأحيان بمنهج العلوم السياسية، أو متضمَّنَة فيه. إلا أنني أرى أن محاولة علماء السياسة أن يفرضوا نوعًا من أنواع الاحتكار على مادة العلاقات الدولية هو أمر غير قابل للتطبيق ولا الاستمرار؛ فالدارس الجاد للعلاقات الدولية يجب أن يتحلى ببعض المعرفة بالتاريخ والقانون والاقتصاد الدوليين، إضافةً إلى السياسة الخارجية والسياسة الدولية.

وقد كانت تلك الطبيعة المركَّبة ومتعددة التخصصات لمادة العلاقات الدولية هي التي جعلت من البحث عن نظرية عامة فعالة للعلاقات الدولية «مهمة مستحيلة». ولا يعني هذا أنه لا توجد نظريات جزئية أو محدودة قيِّمة يمكن تطبيقها على جوانب بعينها من تلك المادة (على سبيل المثال: ثمة مجموعة من النظريات المفيدة في مجالات التنمية الدولية، والحد من الأسلحة، والدورات التجارية، وسباقات التسلُّح)، بيْد أنَّ مدراس الفكر الرئيسية التي توضع على أساسها نظرية عامة في مجال العلاقات الدولية لم تثبُت بأي شكل علمي، بل إنها تمثِّل طرقًا لفهم العلاقات الدولية، أو صورًا تشبيهية أو نماذج تَلقى قبول المقتنعين بها؛ لأن تلك هي الطريقة التي يفضلون رؤية العالم بها. ويمكن القول إنَّه إذا ساد نهج بعينه من نُهُج تفسير العلاقات الدولية بالقدر الكافي، فقد يصبح مُرضيًا في حد ذاته. وأحد الأمثلة الجيدة على ذلك هي النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، التي يمكن القول إنها ما زالت أكثر المدارس الفكرية تأثيرًا في مجال العلاقات الدولية على طرفي المحيط الأطلنطي.

(٢) النظرية الواقعية

إن الرائدَين الفعليَّين للمدرسة الواقعية الحديثة في العلاقات الدولية هما نيكولو مكيافيللي — مؤلف كتاب «الأمير» (١٥٣٢) — وتوماس هوبز — مؤلف كتاب «اللوياثان» (١٦٥١) — إذ افترض كِلا هذين الفيلسوفين السياسيين أن البشر تدفعهم بالأساس مصالحهم الذاتية وشهواتهم، وأن أكثر تلك الشهوات تفشيًا وانطواءً على خطورة محتملة هي شهوة السلطة. ورأَيا أن حاكم الدولة هو الضامن الحقيقي والوحيد للسلام الداخلي؛ لأنه وحده يتمتع بسلطة فرض ذلك السلام. بيد أنَّه في عالم السياسة الدولية الأشمل تسود شريعة الغاب.

وقد رأيا أن السياسة الدولية هي صراع مستمر على السلطة، لا تترتب عليه لزامًا حروب علنية متواصلة، ولكنه دائمًا ما يستلزم التأهب لخوض الحرب. وفي خِضَم حالة الفوضى السياسية المستمرة هذه، يكون المسار الحصيف الوحيد أمام الأمير هو شحذ أكبر قدر ممكن من القوة، وإعمالها في حماية المصلحة الوطنية لبلاده والسعي وراءها. ولهذا الغرض كانت القوة العسكرية هي المطلب الأهم، واعتُبِرت الثروة المتكونة عن التجارة والصناعة وسيلةً في المقام الأول لاكتساب القوة العسكرية اللازمة.
fig1
شكل ١: نيكولو مكيافيللي (١٤٦٩–١٥٢٧)، سكرتير مجلس حرب جمهورية فلورنسا (١٤٩٨–١٥١٢) وفيلسوف سياسي. في كتابه «الأمير» (١٥٣٢) قدَّم دليلًا صريحًا وغير أخلاقيٍّ لكيفية الاستيلاء على مقاليد الحكم في الدولة والحفاظ عليها.1

يتقبَّل أتباع المدرسة الواقعية الحديثة — سواء ظاهريًّا أو ضمنيًّا — تلك الافتراضات الأساسية، ويشددون على ضرورة استمرار عملية بناء التحالفات، وعلى دور الدولة بصفتها فاعلًا سياسيًّا رئيسيًّا، وعلى الحفاظ على توازنٍ قوي مُواتٍ، ويشددون على الرفض القاطع لأن يُعهَد بالأمن إلى المنظمات والاتفاقات الدولية، كعناصر أساسية لأي سياسة أمن قومي فعالة.

ومن الواضح أن النهج الواقعي إزاء العلاقات الدولية عادةً ما يلقى استحسان ذوي النزعة المحافظة والمتشائمة للغاية، الذين يتطلعون إلى الطبيعة البشرية من منظور قاتم إلى حد بعيد ويكنُّون قدرًا ضئيلًا — إنْ وُجِد — من الإيمان بعملية بناء المؤسسات الليبرالية، أو القانون الدولي، أو أي خطوات تُتَّخذ تجاه التكامل الإقليمي أو الحوكمة العالمية من خلال المنظمات الدولية.

وقد سيطرت تلك الأفكار على فِكر الزعماء السياسيين الأمريكيين والأوروبيين الغربيين إبان الحرب الباردة. وليس غريبًا أن ثمة أكاديميين وسياسيين ومواطنين كُثُرًا يتبنَّون وجهة نظر مغايرة تمامًا.

(٣) المؤسسية الليبرالية والاعتماد المتبادل

نشأت نظرية الاعتماد المتبادل كنقد للنظرية الواقعية في سبعينيات القرن العشرين، فتحدَّت الفكرة الواقعية التي مفادها أنَّ الدولة هي الكيان الأهم في العلاقات الدولية. وشدد واضعو نظرية الاعتماد المتبادل على أهمية الجهات الفاعلة من غير الدول، كالشركات متعددة الجنسيات، والدور الفعال الذي تضطلع به في مجتمع عالمي أكثر تعقيدًا، باتت فيه القوة العسكرية أقل أهمية بكثير، أو تكاد لا تربطها صلة بتشكيل العلاقات بين البلدان. ويتداخل نهجَا المؤسسية الليبرالية والاعتماد المتبادل إلى حد بعيد؛ فكلاهما يتطلع إلى الطبيعة البشرية من منظور أكثر تفاؤلًا، ويتشاركان الرأي القائل إن زيادة الاعتماد المتبادل تقوِّي مؤسسات التعاون الإقليمي، وتفتح آفاقًا أفسح فيما يتعلق بتعزيز الأمم المتحدة وتطوير آليات الحوكمة العالمية.

ومن الممكن بالتأكيد أن يشير أصحاب نظرية المؤسسية الليبرالية إلى حقيقة أن الأغلبية العظمى من التعاملات بين الدول سِلمية، وتُدار وفقًا للقانون الدولي، في إطار المصلحة المشتركة للدول الأطراف. وإن نشأة الاتحاد الأوروبي وتطوره يمكن النظر إليهما من منظور ليبرالي على أنهما رد حاسم أفحم المقتنعين بأن السياسة الدولية لا ترتكز إلا على السعي المستمر وراء السلطة والمزيد من السلطة، وأنها لا بد أن تكون تنافسًا نتيجته خسارة كاملة أو ربح كامل.

(٤) المدرسة التفكيكية لمرحلة ما بعد الحداثة

يشارك أتباع المدرسة التفكيكية لمرحلة ما بعد الحداثة في حركة فلسفية أشمل تُدعى النظرية الاجتماعية النقدية، وهم يدَّعون القدرة على «تفكيك» كتابات الأكاديميين وصانعي السياسات الذين يفسرون العالم — بما في ذلك العلاقات الدولية بالطبع — وخطاباتهم، وهم يعتقدون أنه بإمكانهم — من خلال عملية «التفكيك» — أن يُميطوا اللثام عن المعاني والمقاصد «الذاتية» المتضمَّنَة في النصوص، في ضوء المناخ الاجتماعي والثقافي الذي صدرت فيه. وكانت النتيجة المحبطة التي خلصوا إليها أنه ليس ثمة حقيقة دولية أو واقع دولي موضوعي يمكن لنا الكشف عنه، ومن ثم، بدلًا من دراسة العالم الحقيقي للعلاقات الدولية، فهم يقضون وقتهم في محاولة الكشف عما يظنونه «تحريفات» و«معاني خفية» واستخدامًا «خادعًا» للغة في النصوص التي يتضمنها الأدب «التقليدي». ومن المفارقة أنَّ المنظِّرين الناقدين الذين يدَّعون استخدام تلك الوسائل يقضون وقتهم بأكمله في نقد مؤلفي النصوص، ولا يقدمون سوى القليل جدًّا — إن وُجِد — على سبيل النقد المستقل للسياسات الفعلية والتصرفات التي يأتي بها صانعو السياسات، سواء في بلدانهم الخاصة أو على الصعيد الدولي؛ أليست تلك حالة واضحة من حالات تدمير الذات؟

(٥) الحاجة إلى منطق سليم بشأن دور النظريات

ثمة نُهُج نظرية أخرى متعددة لدراسة العلاقات الدولية، ولكنني لا أنوي شغل وقت القارئ بقائمة طويلة. وأنا في الواقع لست معارضًا للنظريات، بل على العكس، فإن البحث عن مجموعة نظريات مُحكَمة — يمكن التحقق من صحتها عن طريق التجربة والمراقبة وتقدم لنا عونًا فعليًّا في تفسير الظواهر المهمة في العلاقات الدولية — يمثِّل مَهمة محورية في دراسة جميع المواد، إلا أنني أحث القارئ على الاحتفاظ بتشكك صحيٍّ لدى تقييم محاولات صياغة النظريات العامة (التي يُطلَق عليها أحيانًا نظريات «كبرى»)، التي تزخر عند دراستها عن كَثَب بالتعميمات الكاسحة غير المستندة إلى أسس، وهي من صُنع «أنصار التبسيط المفرط».

سوف يقدِّم هذا الكتاب مفاهيم وصورًا تشبيهية ونماذج وبعض النظريات الجزئية، حيثما ارتأيت فيها عونًا للمبتدئ في مجال العلاقات الدولية، بيد أن هدفي الأساسي هو عرض مقدمة موجزة عن التعقيدات والمشكلات التي تعتري العالم الحقيقي للعلاقات الدولية. وتقدم القراءات الإضافية المقترحة في نهاية الكتاب العديد من وجهات النظر المختلفة بشأن النظريات، وكما سيكتشف القارئ المطَّلع، فأنا لا أهاب الدخول في النقاش المتعلق بالنظريات المعيارية. وإنَّ أحد أسباب تحلِّي دراسة العلاقات الدولية بجاذبية شديدة للدارسين المتفكِّرين هو أنها تطرح حتمًا العديد والعديد من القضايا الأخلاقية المعقدة، وقد تعرَّضتُ للنقد بسبب آرائي الليبرالية بصدد مادتي، ولا أرى سببًا للاعتذار، ولا شك لديَّ في أن العديد من القرَّاء لن يتفقوا مع آرائي الخاصة؛ بأنه ينبغي لرجال الدولة والحكومات والمنظمات الحكومية الدولية أن يوجِّهونا صوب مستقبل أفضل وأكثر سلامًا، ويمكنني أن أؤكد لنقادي أنني لا أستهين لحظة بصعوبة تلك المهمة.

(٦) تحليل أزمة دولية

تتشابه النزاعات التي شبَّت يومي ١٣ يونيو و١٢ يوليو لعام ٢٠٠٦ بين إسرائيل من ناحية والمقاتلين الفلسطينيين في غزة وحركة حزب الله الشيعية من ناحية أخرى، مع الغزو الإسرائيلي للبنان عام ١٩٨٢ من عدة أوجه: كانت شرارة الشروع في الغزو هي محاولة اغتيال الدبلوماسي الإسرائيلي شلومو أرجوف في لندن، وكان الإرهابيون الضالعون في إطلاق النار على السفير أرجوف ينتمون إلى منظمة أبو نضال، وهي جماعة شديدة المعارضة لمنظمة التحرير الفلسطينية وقائدها ياسر عرفات، فلم يكن المدنيون اللبنانيون ولا منظمة التحرير الفلسطينية مسئولين عن الهجوم على السيد أرجوف، ولكن الحكومة الإسرائيلية شنت هجومًا واسع النطاق على لبنان على الرغم من ذلك. وكان الدافع الحقيقي المحرِّك لها هو إعادة تشكيل السياسة اللبنانية بصورة دائمة، من خلال ضمان تنصيب حكومة تذعن للسياسات الإسرائيلية، وضمان عدم تمكُّن المقاتلين الفلسطينيين فيما بعد من استخدام لبنان كقاعدة للهجوم على إسرائيل أيضًا.

وقد أسفرت الحرب عن حصار إسرائيلي مُطَوَّل على بيروت، ألحق معاناة ودمارًا هائلَين بالمدنيين اللبنانيين، واتُّهم أرييل شارون وضباط من الجيش الإسرائيلي بالتنحي جانبًا، والسماح لأعضاء حزب الكتائب اللبنانية بذبح اللاجئين الفلسطينيين في مخيمَي صبرا وشاتيلا. فقدت إسرائيل قدرًا كبيرًا من المساندة الدولية؛ نظرًا لأن القصف العسكري الإسرائيلي للبنان اعتُبِر غير مكافئ على الإطلاق للمبرر المزعوم للغزو. وقد مُنيت إسرائيل بفشل ذريع في محاولتها إقحام حكومة موالية لإسرائيل في لبنان، وولَّدت قدرًا كبيرًا جدًّا من مشاعر الكراهية والسخط بين شيعة جنوب لبنان، حتى إنها شحذت تأييدًا جماهيريًّا لتكوين حركة معارضة شيعية مسلحة جديدة — هي حزب الله — صارت شوكة في ظهر إسرائيل منذ ذلك الحين، وكان «النجاح» الوحيد الذي حققته إسرائيل من غزوها للبنان هو ترحيل ياسر عرفات وفصائل منظمة التحرير الفلسطينية إلى تونس. وكان ما أوضحه غزو عام ١٩٨٢ — في المقام الأول — هو عجْز حتى دولة قوية التسليح مثل إسرائيل عن هزيمة الإرهاب باستخدام القوة العسكرية واسعة النطاق، وعجز المجتمع الدولي عن التدخل بالسرعة الكافية للحيلولة دون معاناة المدنيين وقتلهم على نطاق واسع.

ويقدم النزاع الذي اندلع في صيف ٢٠٠٦ دليلًا مأساويًّا آخر على قدرة الدول على إصدار ردود أفعال غير مكافئة للأعمال الإرهابية وعلى التصعيد إلى درجة حروب الإرهاب، مسبِّبة موتًا ودمارًا أكثر بكثير مما يُفْتَرَض أنها تحاربه. وإضافةً إلى ذلك، ففي حالة إسرائيل وخصومها الفلسطينيين واللبنانيين ليس من السهل دائمًا — بأي حال من الأحوال — تقرير من بدأ كل دورة جديدة من الإرهاب والإرهاب المضاد؛ ففي خِضَم تركيز وسائل الإعلام على لبنان في يوليو ٢٠٠٦، أغفل كثيرون أن الشرارة الأصلية للتصعيد وصولًا إلى حرب جديدة كانت قصف الإسرائيليين لشاطئ في غزة؛ مما أسفر عن مقتل سبعة أفراد من أسرة فلسطينية.

ألغت حماس — التي كانت قد تغلَّبَت على فتح في الانتخابات الفلسطينية التي أُجريَت في يناير ٢٠٠٦، والتي كانت قد أبقت على هدنة عسكرية مع إسرائيل منذ مارس ٢٠٠٥ — وقف إطلاق النار كرد فعل على قصف شاطئ غزة. وفي ١٣ يونيو قُتِلت أسرة فلسطينية مكونة من تسعة أفراد في هجوم إسرائيلي بالصواريخ على غزة، وكان ذلك هو السياق الذي شنَّ فيه المقاتلون الفلسطينيون غارة عبر الحدود إلى إسرائيل، فاختطفوا جنديًّا إسرائيليًّا وقتلوا آخرَيْن، وحين رفض المقاتلون الفلسطينيون إطلاق سراح الجندي الإسرائيلي، اتخذت إسرائيل إجراءً وحشيًّا؛ إذ قصفت غزة جوًّا واحتجزت وزراء ومشرِّعين من حماس، ومن ثم استحثَّ حزب الله — الذي طالما تضامن مع الفلسطينيين ضد إسرائيل — النزاع مع إسرائيل على الجبهة الشمالية عن طريق أَسْر جنديَّين إسرائيليَّين وقتل ثمانية آخرين.

واستجابةً لتلك الحوادث الإرهابية الخطيرة بدأت إسرائيل قصفًا جويًّا مكثَّفًا على لبنان في ١٤ يوليو، ورغم أن الغرض الذي صرَّحت به إسرائيل كان القضاء على حزب الله، وتدمير مخزونه من الصواريخ وقاذفات الصواريخ، القادرة ليس على ضرب أهالي القرى الواقعة على الحدود الشمالية لإسرائيل فحسب، بل أيضًا بلوغ أهداف مدنية في حيفا؛ فقد أصاب القصف الجوي الإسرائيلي أهدافًا على نطاق أوسع بكثير، وتسبب في قتل مئات المدنيين الأبرياء وإصابتهم، ومنهم أعداد كبيرة من الأطفال. وإضافةً إلى ذلك، فإن إسرائيل — بحصارها للموانئ اللبنانية وقصف مطار بيروت — جعلت وصول المعونات الإنسانية الدولية إلى السكان المدنيين أمرًا بالغ الصعوبة. فلا عجب في أنَّ رئيس الوزراء اللبناني دعا إلى وقف إطلاق النار على وجه الاستعجال، واصفًا بلاده بأنها «منطقة كوارث».

لكن مما يؤسف له أنَّ الدعاوى التي وُجِّهت إلى الطرفين المتحاربين بضبط النفس جرى تجاهلها إلى حد بعيد، تمامًا مثلما جرى تجاهلها في النزاعات الدائرة في العراق وأفريقيا الوسطى ويوغوسلافيا السابقة والشيشان وبقاع كثيرة أخرى. وقد بذل موظفو الأمم المتحدة قصارى جهدهم لتذكير الطرفين المتحاربين بمسئولياتهما بموجب القانون الدولي الإنساني. فبعد القيام بجولة في أحد الأحياء التي تعرَّضت للقصف في جنوب بيروت، صرَّح يان إيجلاند، منسق الأمم المتحدة لعمليات الإغاثة في حالات الطوارئ، بأن:

قصف السكان المدنيين خطأ، وتدمير البنية التحتية المدنية خطأ … ومن الخطأ أيضًا أن يستمر حزب الله في إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية … فالسكان المدنيون ليسوا أهدافًا، وهذا يتنافى مع القانون؛ القانون الإنساني.

وقالت لويز أربور، مفوضة الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان: «إنَّ ما حاولتُ فعله هو تذكير أولئك الذين قد يتحملون مسئولية جنائية شخصية على تلك التصرفات بموجب القانون الجنائي الدولي.»

وللأسف مرة أخرى لم تلقَ تلك التحذيرات آذانًا صاغية، حتى إن إسرائيل تمكَّنت من توجيه ضربة مباشرة إلى مركز لمراقبي الأمم المتحدة (قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان) في جنوب لبنان، مما أسفر عن مقتل أربعة من موظفي الأمم المتحدة، ومع ذلك أفلتت من العقاب. وكما سيتضح في هذا الكتاب، فليس ثمة فائدة كبيرة مرجوة من وجود مجموعة من قواعد القانون الدولي لحماية حقوق الإنسان، إذا كانت تتعرض للانتهاك المتكرر؛ فقد كان المدنيون اللبنانيون هم حقًّا الضحايا الأبرياء البؤساء للقصف الإسرائيلي. فحكومتهم لم تعلم مسبقًا بأسر حزب الله للجنود الإسرائيليين، فحزب الله يعمل كدولة داخل الدولة، وافتقرت الحكومة اللبنانية المنتخبة ديمقراطيًّا حديثةُ النشأةِ والهشةُ؛ إلى القوة العسكرية اللازمة لاستعادة السيطرة على جنوب لبنان من بين يدي حزب الله، أو للحيلولة دون هجمات حزب الله على إسرائيل.

ماذا عن الجهود الدبلوماسية الدولية التي بُذِلت في محاولة لحل الأزمة؟ مرة أخرى — كما سيُناقَش لاحقًا في هذا الكتاب — تعطَّلت دبلوماسية إدارة الأزمات ومنع الحرب؛ بسبب موقف السياسة الخارجية لإدارة جورج بوش الابن، القائم على النهج أُحادي الجانب وفكر المحافظين الجدد، وبسبب الانقسامات العميقة بين القوى الإقليمية في مناطق النزاع. ففي حالة أزمة الشرق الأوسط في صيف ٢٠٠٦، ألحقت مساندة الولايات المتحدة التامة — بدعم من رئيس الوزراء توني بلير — الظاهرة لإسرائيل دمارًا محققًا بفرص واشنطن في الظهور كصانعة سلام ذات مصداقية في إطار النزاع؛ فقد استخدمت الولايات المتحدة حق النقض، الفيتو، ضد قرار لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطالب إسرائيل بأن تنسحب من غزة. وفي مؤتمر الثمانية الكبار في سانت بطرسبرج، أحبط الرئيس بوش — بدعم من السيد بلير — دعوى وقف إطلاق النار الفوري، التي أطلقها زعماء آخرون. وقد رفضت لبنان وحزب الله دعوى وزيرة خارجية الولايات المتحدة إلى إقامة «شرق أوسط جديد» و«سلام باقٍ» في البداية، عندما اتضح أن السيدة رايس كانت تبقي ذاك السلام مشروطًا على تحقيق جميع الأهداف الرئيسية لإسرائيل؛ أي نزع سلاح حزب الله، ووضع قوة دولية في جنوب لبنان لتكون عازلًا يقي من أي خطر أمني على إسرائيل، وإطلاق سراح الجنود الإسرائيليين الأسرى فورًا دون إطلاق سراح السجناء المحتجزين لدى إسرائيل في المقابل.

ولم يتضح بعدُ، حتى وقت كتابة هذه السطور، كيف يمكن أن تتطور هذه الأزمة، فقد بدا من المستبعَد أن تتخلى حكومة أولمرت الإسرائيلية عن جهودها الساعية إلى استئصال مشكلة حزب الله من حدودها الشمالية. ولقد آتت الجهود التي بذلها بعض الدبلوماسيين البارعين من أجل التوصل إلى تسوية دبلوماسية ثمارَها أخيرًا، وتم التوصل إلى وقف إطلاق نار في منتصف أغسطس ٢٠٠٦، ولكنه إن تداعى فمن شأنه أن يخلِّف عواقب وخيمة على السكان المدنيين، وفي أسوأ الأحوال، قد يؤدي إلى توسيع نطاق النزاع ليشمل إيران وسوريا.

أحد الدروس الكبرى المستفادة من النزاع الذي دار في لبنان من شهر يوليو وحتى شهر أغسطس ٢٠٠٦، هو أن القصف الجوي — مهما كانت كثافته — ليس وسيلة فعالة ولا مشروعة أخلاقيًّا لمحاولة القضاء على تهديد صادر عن جماعة مسلحة غير تابعة للدولة أو عن جماعة إرهابية، وثمة درس آخر محبط للغاية ينبغي استخلاصه؛ هو أنَّ البلد الذي يفتخر بكونه ديمقراطيًّا ما إن يبدأ في استخدام الإرهاب لمحاربة الإرهاب، يكون قادرًا تمامًا على انتهاك حقوق الإنسان وارتكاب جرائم حرب، ومن ثم خسارة مكانته الأخلاقية الرفيعة؛ تمامًا مثلما حدث في النزاع الذي دار في العراق.

أرى أن أزمة الشرق الأوسط الخطيرة لصيف ٢٠٠٦، تبرز الحاجة الملحة إلى وجود حنكة سياسية دولية خلاقة ومبتكرة، وإلى دبلوماسية أكثر فعالية لإدارة النزاعات. ثمة شرط مسبق مهمٌّ، وإن كان دائمًا ما يُغفَل، لتحقيق دبلوماسية أكثر فعالية لإدارة الأزمات وإنهاء النزاعات، وهو التحلِّي بمعرفةٍ وفهمٍ أكبر بكثير لكيفية رؤية الدول الأخرى والمنظمات من غير الدول — لا سيما خصوم دُوَلنا — للعالم والخلافات والنزاعات التي تتورط فيها. فمن المستبعَد أن يربح المرء معارك «القلوب والعقول» إذا كان لا يفهم طريقة نظر غيره من الدول والمجتمعات والمنظمات من غير الدول إلينا وإلى بقية العالم، ومن ثم، فنحن أيضًا بحاجة إلى التحلِّي بفهم أكبر لأدوار وقدرات الدول والمنظمات من غير الدول والمنظمات الحكومية الدولية، وكذلك للمشكلات والتحديات العالمية البالغة التي نواجهها جميعًا. ويهدف هذا الكتاب القصير إلى تقديم استعراض عام للجهات الفاعلة الرئيسية في مجال العلاقات الدولية، وبعض أكثر المشكلات التي تواجههم استعصاءً على الحل.

هوامش

(1) © 2006 Topfoto.co.uk.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠