الفصل الثالث

المنظمات الحكومية الدولية

(١) أنواع المنظمات الحكومية الدولية

تمثل المنظمات الحكومية الدولية فئة خاصة ضمن المنظمات الدولية، وقد تناولنا في الفصل السابق عددًا من المنظمات الدولية غير الحكومية، التي كان لبعضها عظيم الأثر على العلاقات الدولية، ودائمًا ما تتأسس المنظمات الحكومية الدولية على يد حكومات تدرك أن من مصلحتها الوطنية أن تبرم اتفاقات متعددة الأطراف، وأن تسعى إلى اتخاذ إجراءات للتعامل مع التهديدات أو التحديات أو المشكلات التي لا يمكن التعامل معها بصورة فعالة على المستوى الفردي، وليس هذا النوع من التعاون بين الدول بالفكرة الجديدة؛ فوفاق القوى الذي نشأ في أوروبا في أعقاب الحروب النابليونية كان مثالًا واضحًا على تضافر القوى الأوروبية الكبرى على مدى طويل؛ بهدف محاولة الحفاظ على النظام الدولي، والمصالح الأمنية للدول الموجودة في المنظومة. ربما يكون قد افتقر إلى الأطر الدستورية المهيبة التي اتسمت بها عصبة الأمم والأمم المتحدة، ولكنه ساعد القوى الكبرى بالفعل على الإبقاء على ميزان قوى مستقر نسبيًّا في أوروبا، وعلى منع قيام حرب أوروبية كبرى لما يربو على نصف القرن. وكان مفتاح ذلك النجاح هو أنه عكس طبيعة ميزان القوى في أوروبا آنئذ بدلًا من أن ينافيه. وكما سنرى لاحقًا، كان العكس هو الصحيح لعصبة الأمم، التي عجزت عن أن تعكس ميزان القوى منذ نشأتها وحتى سقوطها المبكر.

ثمة بُعدان رئيسيان قيِّمان لدى إجراء أي تحليل مقارن للمنظمات الحكومية الدولية؛ أولهما: هو «مجال» المنظمة؛ وأقصد به عدد مجالات القضايا التي يمكن للمنظمة أن تؤثر فيها في إطار العلاقات الدولية. وثانيها: هو «نطاق» المنظمة؛ أي عدد الدول والمنظمات المهمة من غير الدول التي تستطيع المنظمة التأثير عليها. والأمم المتحدة هي المثال الأكبر للمنظمات الحكومية الدولية؛ إذ يغطي مجال اختصاصها عددًا يكاد لا يُحصَى من الموضوعات والموضوعات المحتملة، ويشمل نطاقها جميع الدول الموجودة في العالم اليوم تقريبًا. غير أن الحد الذي بلغه مجال اختصاصها في حد ذاته، ونطاقها شبه الشامل؛ استتبع أنها دائمًا ما كانت مقيدة بشدة، من حيث ما يمكن لها إنجازه بالفعل. وربما يرجع ذلك، من بين أسباب أخرى، إلى تألفها من دول مستقلة ذات سيادة، منها أقوى دول العالم، التي تتخطى بوضوح قدرة الأمم المتحدة على السيطرة أو التحكم، وإلى أنها تعتمد على الدعم المتضافر من الدول الرئيسية الأعضاء فيها (الولايات المتحدة والأعضاء الأربعة الآخرون الدائمون في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة؛ روسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا) وعلى موارد تلك الدول الاقتصادية والعسكرية، من أجل تنفيذ سياساتها.

وعلى طرف النقيض منها تقع منظمات حكومية دولية وظيفية عديدة أُنشئت بهدف التعامل مع وظائف خاصة محددة بدقة. ويُفترض أحيانًا أن ذلك النوع من المنظمات الحكومية الدولية يمثل تطورًا فائق الحداثة، إلا أن بعضها أُنشئ في الواقع إبان القرن التاسع عشر. وربما كانت أولى تلك المنظمات الحكومية الدولية الوظيفية المتخصصة هي اللجنة المركزية للملاحة في نهر الراين التي تأسست عام ١٨١٥. وأحد النماذج الأحدث (في القرن العشرين) هي منظمة الشرطة الدولية — المشهورة باسمها المختصر «الإنتربول» — وهي مؤسسة تضم أكثر من ١٠٠ قوة شرطة وطنية، تكرس جهودها لمحاربة الجريمة الدولية.

إحدى فئات المنظمات الحكومية الدولية التي انتشرت بسرعة كبيرة في القرن العشرين هي المنظمات الحكومية الدولية الإقليمية، بما في ذلك الاتحاد الأوروبي، ومنظمة الدول الأمريكية، ورابطة أمم جنوب شرق آسيا. وقد شكَّلت الدول تلك المنظمات؛ بغية تعزيز التعاون على الصعيد الإقليمي. وليست جميع تلك المنظمات الإقليمية ملتزمة بتحقيق تكامل إقليمي كامل أو حتى تكامل جزئي. والاتحاد الأوروبي هو المنظمة الحكومية الدولية الوحيدة التي تمكنت من تحقيق مستوى مرتفع نسبيًّا من التكامل الاقتصادي. ومعظم الدول الأعضاء فيه ملتزمة الآن باستخدام اليورو؛ العملة المشتركة المعدة لجميع دول الاتحاد الأوروبي. وعلى العكس من ذلك لم تحرز منظمة الدول الأمريكية، ولا رابطة أمم جنوب شرق آسيا، تقدمًا كبيرًا يتجاوز تحسين المناقشات الاقتصادية والتعاون الاقتصادي بين الحكومات بشأن القضايا محل الاتفاق بينها. وإنَّ أحد الأنواع المهمة ضمن المنظمات الحكومية الدولية هي المنظمات ذات الاهتمامات الخاصة، التي تتسم بمجال محدد للغاية ونطاق يتخطى جميع الحدود الإقليمية. ومن الأمثلة الجيدة عليها منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك).

وأخيرًا وليس آخرًا، ثمة منظمات حكومية دولية تأسست بهدف تعزيز الأمن الإقليمي، وتعد منظمة حلف شمال الأطلنطي (الناتو) أشهر تلك المنظمات، على أنه هناك أيضًا منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، فضلًا عن مجموعة المعاهدة الأمنية بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة الأمريكية (أنزوس)، وغيرها من التجمعات الأمنية في جميع أنحاء العالم. والناتو هو أكثر تلك المنظمات الأمنية العسكرية الإقليمية قوةً وتكاملًا إلى حد بعيد، وإن كون الدولة العضو الرئيسية فيه هي القوة العظمى الوحيدة المتبقية هو السبب في قوته العسكرية الكبيرة. وكان «سبب نشأة» الناتو، لدى تأسيسه عام ١٩٤٩، هو توفير حلف دفاعي قوي لحماية منطقة شمال الأطلنطي بأكملها — متضمنةً أوروبا الغربية كلها — من التوسع العسكري المحتمل للاتحاد السوفييتي والحلفاء التابعين له في حلف وارسو. وربما يكون قد خطر للمرء أن الناتو سيختفي بانتهاء الحرب الباردة، ولكن على النقيض من الاختفاء؛ فالواقع أن الحلف قد وسَّع عضويته بضمِّ بلدان أوروبا الشرقية، مثل بولندا والمجر وجمهورية التشيك، التي تمكنت من التحرر من الحكم الشيوعي لدى نهاية الحرب الباردة. والناتو ومنظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وغيرهما من منظمات الدفاع الإقليمي، هي منظمات حكومية دولية مشروعة بموجب ميثاق الأمم المتحدة، إلا أن العديد من ناقدي التوسع الأخير للناتو يحتجُّون بأن توغل الناتو في أوروبا الشرقية — التي كانت جزءًا من دائرة النفوذ السوفييتي سابقًا — شكَّل عاملًا رئيسيًّا في دفع الرئيس بوتين نحو تبني برنامج إعادة تسليح كبير، ونشر صواريخ مضادة للصواريخ الباليستية. ويمثل ذلك مجددًا مثالًا واضحًا على «المعضلة الأمنية»، التي تبطئ الجهود الكبيرة المبذولة في سبيل نزع السلاح أو توقفها تمامًا، وتؤجج سباقات التسلح من جديد. وأيًّا كانت مزايا ذاك الجدل أو مساوئُه، فمن الواضح تمامًا أن هذا الحلف — نتيجة دور الولايات المتحدة بصفتها القوة المسيطرة فيه، ونتيجة الخبرة الطويلة المتوفرة لدى المنظمة في تشغيل هيكل قيادي متكامل على نحو سليم — يمثل أقوى حلف في عالم اليوم إلى حد بعيد. ولا شك في أن الخلافات التي نشأت بين الولايات المتحدة وحليفَي الناتو الأوروبيين الرئيسيين — فرنسا وألمانيا — بشأن غزو العراق ولَّدت توترات داخل الحلف، ولكنها لم تَنَلْ من فعاليته؛ فالناتو يقدم الآن مساهمة قيِّمة في أفغانستان؛ حيث يعيش الرئيس قرضاي وحكومته الديمقراطية حالة أمنية صعبة في مواجهة طالبان، التي تتعاون مع بعض أمراء الحرب المحليين، في محاولة لاستعادة السيطرة على بعض الأجزاء الواقعة في شرق البلاد وجنوبها الشرقي. ولا شك أن الأعضاء الأوروبيين في الحلف يدركون القيمة العظيمة التي تحملها المنظمة، باعتبارها الضامن لأمنهم في المستقبل، إلا أن بعض السياسيين وكبار الشخصيات العسكرية يعربون بالفعل عن قلقهم من أن تكلَّ الولايات المتحدة في مرحلة ما من التزاماتها تجاه الناتو، وتنسحب إلى وضعية «حصن أمريكا». وقد ساد تيار الانعزالية الجديدة الأمريكية في ماضٍ ليس ببعيد — في ثلاثينيات القرن العشرين، على سبيل المثال — وإنَّ أي تكرار لذلك الانسحاب من مهمة حفظ الأمن الدولي من شأنه أن يخلِّف عواقب خطيرة بالتأكيد؛ فمعظم حلفاء الناتو الأوروبيين يعتمدون اعتمادًا كاملًا على الحلف ليكون درع الردع النووي لهم. ويعتمد حلفاء الناتو الأوروبيين «جميعًا» على الولايات المتحدة في مسألة إمكانيات النقل الجوي والبحري اللازمة لأي عمليات مهمة عبر البحار. وينبغي التذكير بأن الناتو كان سيعاني قصورًا حادًّا في قدرته على التصرف أثناء أزمة البلقان في كل من البوسنة وكوسوفو، في تسعينيات القرن العشرين، لو لم يصدر قرار إدارة كلينتون المتأخر، ولكن الحاسم، بالمساعدة في إيجاد حل دائم للتطهير العرقي وغيره من الانتهاكات الوحشية لحقوق الإنسان في يوغوسلافيا السابقة. قد يسأل وزير الخارجية البريطاني حديث التعيين: «لماذا لم يكن في مقدور الاتحاد الأوروبي أن يتصرف؟» فيبتسم وكيل الوزارة الدائم بسماحة لرئيسه الجديد ثم يجيب، مثل معلم يحاول التعامل مع تلميذ حسن النية، وإن كان بطيء الفهم إلى حد بعيد:

لا يمكن وصف الاتحاد الأوروبي بالمنظمة الأمنية؛ فنوع الأمان الوحيد الذي يهتم به حقًّا أعضاء البرلمان الأوروبي وموظفو الخدمة المدنية لدى المفوضية الأوروبية، هو الأمان (الضمان) الاجتماعي. فهم لا ينفكون يتحدثون عن جيش أوروبي وعن أوروبا واحدة وسياسة أمنية مشتركة، ولكن الاتحاد الأوروبي لا تتوافر له معرفة متخصصة في ميدان الدفاع، ولا خبرة لديه في نشر القوات نشرًا فعالًا كمنظمة حكومية دولية إقليمية. وهو يمثل منظمة «مدنية» بالأساس، والدول الأعضاء فيه دائمًا ما تسنَّى لها أن تسترخي، وتَدَع الناتو وحليفتها الولايات المتحدة تتولى أي قضايا خاصة بالأمن العسكري. وأودُّ أن أقترح يا معالي وزير الخارجية، مع وافر الاحترام، أن تحتفظ بأوثق صلة ممكنة بالناتو، والأهم من ذلك أن تُبقي الولايات المتحدة ملتزمة التزامًا كاملًا بدورها القيادي في الحلف. ولا أعني أنه ينبغي لنا تقليل اهتمامنا بشئون الاتحاد الأوروبي، وإنما أعني الاعتماد على كل منهما حسب فائدته لنا؛ فالناتو ضروري لأمننا طويل الأمد، والاتحاد الأوروبي ضروري لتوفير سوق جذابة للغاية للسلع والخدمات، وإنْ كان على المرء الإقرار بأنه منذ التوسع الأخير للاتحاد الأوروبي صار اتخاذ القرارات الحكيمة بسرعة معقولة أمرًا مفرط التعقيد.

في هذه المرحلة من جلسة الإحاطة قد يستصوب وكيل الوزارة الدائم عدم الخوض في سرد مفصل للتعقيدات المفرطة، التي تتسم بها مؤسسات الاتحاد الأوروبي وعملياته، وكيف أن بعض الدول الأعضاء فيه لديها قناعة حقيقية بإمكانية إعادة الدستور الأوروبي إلى الحياة، بعد أن قوبل برفض قاطع بالفعل من الناخبين الفرنسيين والهولنديين في صيف ٢٠٠٥. فسيرى أن وزير الخارجية الجديد بدأ يبدو عليه السأم، وبالتأكيد سيحين وقت آخر يستطيع فيه أن يكشف خبايا الاتحاد الأوروبي لرئيسه الجديد.

أما الآن فالمهمة الأكثر إلحاحًا هي إحاطته بشأن المنظمة الحكومية الدولية العالمية الوحيدة لدينا — وهي الأمم المتحدة — وبمواطن ضعفها ومواطن قوتها الخفية، المخفية ببراعة في الواقع، حتى إن العديد من نظراء وزير الخارجية الجديد كانوا سيرسلون مندوبين لتمثيلهم في مؤتمر الأمم المتحدة القادم في نيويورك، بيد أنه، قبل تناول الجانب الخاص بالأمم المتحدة من عمل وزير الخارجية، قد يكون من المفيد استعراض تجربة عصبة الأمم الموجزة والشجاعة، وإن كانت (كما قد يراها وكيل الوزارة الدائم) ساذجة وقائمة على أسس خاطئة بالكامل، التي سبقت الأمم المتحدة وكانت المؤسسة العالمية التي يُفتَرَض أن تمنع أي تكرار لمأساة الحرب العالمية الأولى المروِّعة. وتقدِّم قصة عصبة الأمم درسًا ضروريًّا في مخاطر المثالية المضللة في العلاقات الدولية، ينبغي تلقينه لجميع وزراء الخارجية ورؤساء الحكومات.

(٢) عصبة الأمم

مثلت الحرب العالمية الأولى (١٩١٤–١٩١٨) مأساة مروعة للإنسانية؛ فهي لم تتسبب في ملايين الوفيات والإصابات المريعة للمشاركين فيها من جميع الأطراف فحسب، وإنما مهدت الطريق أيضًا أمام الأحداث، التي أفضت حتمًا إلى المأساة الأكبر المتعلقة بصعود النازية ونشوب الحرب العالمية الثانية.

كانت الحرب العالمية الأولى مأساة بالمعنى الحقيقي للكلمة؛ إذ كان من الممكن تفاديها لو كانت نوعية القيادات المتوافرة لدى القوى الكبرى تليق بمهمة الاتصالات والمفاوضات الدبلوماسية السليمة، فقد شابهت حادث اصطدام قطارين مروع على السكة الحديدية، اندفع السائقان فيه مُغْمَضَيِ العينين دون تفكير في عواقب التصادم المحتملة. وليست تلك الصورة التشبيهية في غير محلها؛ لأن الوسيلة التي بدأت بها ألمانيا وغيرها من الأطراف الرئيسية المتحاربة حَشْدَ القوات للحرب، كانت السكك الحديدية بالفعل. وقد أشار المؤرخ إيه جيه بي تايلور إلى نقطة مهمة في كتابه «الحرب العالمية الأولى» حين كتب: «الحرب العالمية الأولى بدأت، وفُرضت على رجال الدولة الأوروبيين بفعل الجداول الزمنية للسكك الحديدية. فقد مثلت ذروة غير متوقعة لعصر السكك الحديدية.»

ومن الصحيح حرفيًّا أنه عندما تسنَّى لأصحاب العقول الواعية أن يحاولوا التدخل للتحذير من مخاطر الحرب ولوقف التعبئة، كان الأوان قد فات بالفعل؛ فقد بدأت القطارات الخروج من محطاتها في جميع أنحاء أوروبا، وبلغت قلة تفهُّم العواقب المحتملة لقيام حرب أوروبية مكتملة الأركان مَبْلَغَ أن خرجت الجماهير الملوحة بالأعلام لتشجيع القوات عند رحيلها، وظنت الشعوب أن الحرب ستنتهي بحلول عيد الميلاد، فهي لم تتوقع الويلات الكابوسية لحرب الخنادق وحملات القصف الجماعي التي حصدت ملايين الأرواح الشابة. وليس على المرء سوى زيارة نصب الحرب التذكاري في القرى والمدن، والكنائس بالمملكة المتحدة وفرنسا وغيرهما من الأطراف المتحاربة؛ لإدراك أن جيلًا كاملًا أهلكته الحرب. فلا عجب في أن تكون الشعارات الشعبية التي رُفِعَت عقب النزاع هي أنها «الحرب التي ستنهي الحروب» و«تجعل العالم مكانًا آمنًا للديمقراطية».

كان الرئيس وودرو ويلسون — الزعيم الأمريكي الذي ساق الولايات المتحدة الأمريكية على مضض إلى الحرب — حريصًا بشدة على ضمان أن تتضمن تسوية السلام التالية على الحرب إنشاء منظمة عالمية جديدة قادرة على تأمين إحلال السلام الدائم. فكان رجلَ الدولة الأكثر التزامًا بفكرة إنشاء عصبة أمم، عندما التقت القوى المنتصرة في فرساي لتقرير شروط السلام. وقد كانت طاقة ويلسون والتزامه بفكرة إنشاء العصبة — وهي الفكرة التي ناقشها واقترحها العديد من الأشخاص النازعين إلى المثالية؛ منهم جون سموتس من جنوب أفريقيا، وليونارد وولف، ومثقفون ليبراليون كُثُر — هما ما أقحماها في جدول أعمال مؤتمر فرساي، على الرغم من أن كليمنصو كان يخالجه شك عميق في تلك الفكرة، في حين أبدى لويد جورج حماسًا فاترًا لها.

كانت عصبة الأمم بلا ريب أكثر الاقتراحات المطروحة جرأةً وابتكارًا لإعادة تشكيل العلاقات الدولية في أوائل القرن العشرين، وقد استهدف ميثاق العصبة وأجهزتها الرئيسية وضع إجراءات ترمي إلى حل النزاعات والخلافات الدولية سلميًّا، وقد خُصِّص للعصبة ثلاثة أجهزة رئيسية: مجلس مكوَّن من ١٥ دولة عضوًا — تتضمن المملكة المتحدة وفرنسا والاتحاد السوفييتي كأعضاء دائمين — وينعقد ثلاث مرات سنويًّا، وجمعية عامة يُمثَّل فيها جميع الدول الأعضاء، وتنعقد مرة واحدة سنويًّا، وأمانة عامة دائمة. وكان أحد المبادئ الرئيسية للعصبة أن جميع القرارات لا بد من اتخاذها عن طريق التصويت بالإجماع. ومن نافلة القول أن ذلك حدَّ على نحو شبه تام من قدرة المنظمة على التصرف بسرعة وفعالية في أوقات الأزمات الدولية، وكان أحد الافتراضات المتضمَّنة هو أن العصبة ستتدخل في النزاعات الدولية، فكان من المفترض أن يقدم أطراف النزاع شكواهم أمام العصبة أو أمام محكِّمين دوليين، ولكن إذا عجزت العصبة أو التحكيم عن التوصل إلى قرار، يمكن لأطراف النزاع خوض الحرب بعد مهلة إضافية مدتها ثلاثة أشهر، ويمكن أيضًا للمحكمة الدائمة للعدل الدولي أن تتدخل.

كان من المفترض نظريًّا أن تكون المادة الأهم في ميثاق العصبة هي المادة ١٦ التي أتاحت للعصبة الاحتكام إلى العقوبات الاقتصادية أو العسكرية ضد الدول المارقة. وعمليًّا كان بإمكان كل دولة عضو أن تقرر ما إذا كانت ترغب في المشاركة في العقوبات الاقتصادية أو العسكرية.

إن تلك الإجراءات المعقدة والتكوين الضعيف يفسران جزئيًّا سبب وقوف عصبة الأمم عاجزة تمامًا في مواجهة العدوان الإيطالي والألماني والياباني في ثلاثينيات القرن العشرين، إلا أن السبب الرئيسي لفشل عصبة الأمم الذريع في الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، كان أنها لم تعكس واقع ميزان القوى القائم في فترة ما بين الحربين.

ومن قبيل المفارقة أن رفض كونجرس الولايات المتحدة الأمريكية إجازة دخول الولايات المتحدة في العصبة، على الرغم من أن الرئيس وودرو ويلسون كان أكبر أنصار الفكرة في مؤتمر فرساي؛ فكان غياب الولايات المتحدة الأمريكية ذا أهمية هائلة؛ لأنه حرم العصبة من قوة الولايات المتحدة العسكرية والاقتصادية. ورفضت ألمانيا واليابان وإيطاليا سلطة العصبة في ظل النظم الدكتاتورية التي حكمتها، وكان أحد أكثر النداءات التعبوية شعبيةً لهتلر إبان صعود النازية إلى سدة الحكم، هو تنديده «بإملاءات» معاهدة فرساي. وعندما فشلت العصبة مجددًا في وقف العدوان الإيطالي على الحبشة، والعدوان الياباني على منشوريا، واستيلاء هتلر على إقليم الرور، واتحاد هتلر مع النمسا، وغزوه لتشيكوسلوفاكيا، بات واضحًا أن العصبة لا يمكن الاعتماد عليها.

رغم فشل عصبة الأمم في حفظ السلم والأمن، فإنها قدمت على الأقل الدليل على وجود الرغبة في إقامة مؤسسة دولية قادرة على حفظ السلام، وهي بهذا المعنى مهدت الطريق أمام الأمم المتحدة، وسيلاحظ القراء في القسم القادم أن واضعي ميثاق الأمم المتحدة استعاروا بعض العناصر من هيكل عصبة الأمم في تصميم المنظمة الحكومية الدولية الجديدة. ومن حسن الحظ — كما سنرى في القسم التالي — أن مؤسسي الأمم المتحدة كانوا يتحلَّون بقدر من الواقعية أكثر بكثير من منشئي عصبة الأمم، ومن ثم فعلى الرغم من مَواطن الضعف الواضحة التي انطوت عليها الأمم المتحدة، فقد أبدت قابلية للاستمرار تفوق سابقتها كثيرًا، ودائمًا ما استطاعت فرض نفوذ أكبر، ليس في مهمة السلام والأمن بالأساس، ولكن في مجموعة الوكالات المتخصصة بأكملها، التي أدت أداءً رائعًا في تعضيد التنمية الاقتصادية لأقل البلدان نموًّا، وتعزيز الصحة العالمية، وتوفير الرعاية الطارئة للاجئين، وما إلى ذلك. وليست تلك الإنجازات بالهامشية، فهي تمثل مساهمة كبيرة في العلاقات الدولية، بيد أنه فيما يخص قضايا السلم والأمن، فالحكم على الأمم المتحدة يكاد يساوي الحكم على عصبة الأمم في صرامته. فدعونا ننظر في سبب ذلك؛ ألم تلقِنَّا عصبة الأمم درسًا؟

(٣) الأمم المتحدة

على الرغم من إقرار الزعماء السياسيين للحلفاء في الحرب العالمية الثانية بالحاجة إلى إنشاء منظمة عالمية جديدة، تحل محل عصبة الأمم الفاشلة، وعلى الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة يمثل تقدمًا كبيرًا بالفعل على ميثاق عصبة الأمم من جوانب متعددة؛ فالأمم المتحدة تعاني عيوبًا خطيرة مماثلة عند محاولتها القيام بمهمتها الأساسية الخاصة بكفالة السلم والأمن العالميين. فاقتداءً بعصبة الأمم، تأسست الأمم المتحدة على مبدأَيْ سيادة الدول ومنظومة تطوعية بالأساس للأمن الجماعي، بمعنى أن المنظمة لا سبيل لديها لفرض قراراتها، ويعود للدول الأعضاء نفسها تحديد ماهية التزاماتها تجاه الأمم المتحدة، وهل يتعين عليها الوفاء بها أم لا. وأوجه الضعف الجوهرية تلك هي ببساطة نتيجة لا مفر منها للطبيعة شبه الفوضوية للعلاقات الدولية، فليس ثمة هيئة سيادية عالمية؛ لأن الدول تعتقد أن تكوين حكومة عالمية ذات سلطة ونفوذ يمكِّنَانِها من سن قوانين عالمية، وفرضها قد يتعارض أحيانًا مع مصالحها الوطنية.

لذا، وإن كان صحيحًا أن ميثاق الأمم المتحدة يمنح تلك المنظمة العالمية سلطات أقوى مما حظيت به عصبة الأمم بموجب ميثاقها، فقد فشلت مرة تلو الأخرى عند مواجهة التحديات الكبرى للسلم والأمن، بيد أنني عندما أقول إن الأمم المتحدة قد فشلت أكون في الواقع أنتقد الدول الأعضاء فيها؛ لأنها «هي» التي تقرر (أو تعجز عن أن تقرر) ما ينبغي للأمم المتحدة فعله، إن كان لها أن تفعل شيئًا.

لذا فمن الخطأ أن يُحْكَم على الأمم المتحدة باعتبارها فاعلًا قائمًا بذاته في النظام الدولي؛ فهي في الأصل منتدى حكومي دولي، تقيده على الدوام خلافات ونزاعات أساسية بين الدول داخل كلٍّ من مجلس الأمن والجمعية العامة.

وميثاق الأمم المتحدة هو الدستور الأساسي لتلك المنظمة العالمية، ويمثل مصدرًا مهمًّا من مصادر القانون الدولي. وهو يعرِّف مقاصد الأمم المتحدة بصورة عامة للغاية بالفعل؛ حفظ السلم والأمن الدوليين من خلال التسوية السلمية للنزاعات والأمن الجماعي، وتعزيز التعاون الدولي في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، وتعزيز احترام حقوق الإنسان العالمية. ومن المهم أن نضع في حسباننا أن الميثاق يفرض واجبات على الدول الأعضاء مثلما يمنحها حقوقًا.

وقد اتضح أن غموض لغة الميثاق والمبادئ التي يستند إليها، هو أحد مواطن القوة الخفية لدى الأمم المتحدة؛ إذ يمدها بقدر من المرونة والقدرة على الاستمرار أكبر بكثير مما كان يمكن لميثاق العصبة أن يمدها به يومًا. وعلى سبيل المثال — مثلما أشار إف إتش هينسلي (١٩٦٣) وإي لوارد (١٩٧٩) وغيرهما — فإن قرار منح كل عضو من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن حق الفيتو ضيَّق بشدة نطاق تأثير الأمم المتحدة على الأحداث إبان الحرب الباردة، ومن ناحية أخرى، خفض ذلك البند الوارد في ميثاق الأمم المتحدة احتمالية انسحاب القوى الكبرى من المنظمة؛ مما قد يؤدي إلى تفككها في النهاية وزوالها.

وقد انبثقت المعاهدة متعددة الأطراف، المعروفة لدينا بميثاق الأمم المتحدة، عن النقاشات التي دارت في مؤتمرَيْ دومبارتون أوكس وسان فرنسيسكو، عند انتهاء الحرب العالمية الثانية، فأنشأت ست مؤسسات رئيسية تابعة للأمم المتحدة، هي: مجلس الأمن؛ المكون من القوى الكبرى كأعضاء دائمين، ويحظى بسلطة صنع قرار تنفيذية مهمة للتعامل مع الأزمات، مثل تهديد السلم والأمن الدوليين. والجمعية العامة؛ المنتدى السنوي لممثلي جميع الدول الأعضاء، التي تحمل مسئولية الإشراف على جميع الوكالات الأخرى، التي تشكل جزءًا من أسرة الأمم المتحدة (مثل: منظمة الصحة العالمية، ومنظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو)، ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، والأمانة العامة للأمم المتحدة برئاسة الأمين العام، والمجلس الاقتصادي والاجتماعي المنتدى المخصص لجميع الوكالات الوظيفية المتخصصة التي تتناول قضايا الرفاه والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس الوصاية الذي أُنشئ للإشراف على الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، التي أسمتها الأمم المتحدة أقاليم الوصاية).

ثمة اتفاق واسع النطاق في أوساط الدارسين الأكاديميين للعلاقات الدولية وممارسيها، مثل الدبلوماسيين والمشرِّعين، على أن الأمم المتحدة — نظرًا لعوامل خارجة عن سيطرتها — لديها سجل سيئ للغاية فيما يتعلق بمحاولات حفظ السلم والأمن، وقد استمر ذلك الوضع، على الرغم من انتهاء الحرب الباردة. قُدمت مساهمة متواضعة، وإن كانت مفيدة، عن طريق نشر قوات حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة تحت ولاية مجلس الأمن؛ بغية المساعدة في إبرام اتفاقات وقف إطلاق النار والهدنة، وصون تلك الاتفاقات، والمساعدة في تعضيد دبلوماسية حل المنازعات، ولم يرِدْ ذكر حفظ السلام في ميثاق الأمم المتحدة، ولكنه يمثل إحدى صور ارتجالات الأمم المتحدة المفيدة، وقد ساعد في حالات عدة في إنهاء النزاعات (كما في قبرص ويوغوسلافيا السابقة والكونغو). وطوال السنوات الخمس والأربعين الأولى من عمر الأمم المتحدة، كان مجلس الأمن — المكون من ١٥ عضوًا (منهم الأعضاء الخمسة الدائمون) — مصابًا بشلل فعلي إثر الانقسامات الأيديولوجية لفترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا من ناحية، والاتحاد السوفييتي السابق من ناحية أخرى؛ فجميع الأعضاء الدائمين يتمتعون بحق الفيتو، وهو ما جعله من السهولة بمكان على الاتحاد السوفييتي السابق أن يحبط أي قرار لمجلس الأمن يعارضه الاتحاد. لذا فعلى الرغم من أن مجلس الأمن مُنح نظريًّا سلطات تنفيذية أقوى بكثير من سلطات مجلس العصبة القديم، فقد كانت تلك السلطات عديمة الفائدة عمليًّا إبان الحرب الباردة، والمرة الوحيدة التي تمكَّن فيها مجلس الأمن من تخويل عمل عسكري بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، كانت لإرسال قوات إلى كوريا الجنوبية لمقاومة الغزو الكوري الشمالي، إلا أن ذلك نتج ببساطة عن غياب المندوب السوفييتي، وكان مشكوكًا في قانونيته.

وعلى الرغم من العقبات المستعصية المتعددة التي تعرضت لها الأمم المتحدة في إطار محاولاتها القيام بمهامها الخاصة بحفظ الأمن والسلم، فقد يمنح العديد من المراقبين الأمم المتحدة علامات جيدة جدًّا نظير عمل وكالاتها المتخصصة. والواقع أن أولئك الذين يفضلون المنهج «النفعي» إزاء العلاقات الدولية، قد يذهبون إلى أنه من خلال ذلك التعاون بصدد الشئون غير السياسية — مثل التنمية الاقتصادية وبناء القدرات في البلدان الأقل نموًّا — تشرع الدول في العمل وتنمية مجتمع دولي قادر بحق على السعي وراء المصالح المشتركة للجنس البشري.

ومن المستبعد أن يعتنق وكيل الوزارة الدائم، في الإحاطة التي يقدمها لوزير خارجية المملكة المتحدة الجديد، تلك الرؤية النفعية النازعة إلى المثالية، ومن شأنه أن يفضِّل أن تشجِّع المملكة المتحدة العمل الممتاز الذي تقوم به الوكالات المتخصصة وتعززه، ولكنه سيشير إلى أنه ليس ثمة أدلة حتى تاريخه على أن التعاون من ذاك النوع ييسِّر التعاون بصدد قضايا السلم والأمن بأي شكل من الأشكال.
fig13
شكل ٣-١: مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة أثناء انعقاده. تأسس المجلس بموجب ميثاق الأمم المتحدة ليكون الجهاز الدائم لحفظ السلم والأمن، ويتكون من خمسة أعضاء دائمين (الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا والصين والمملكة المتحدة وفرنسا) وعشرة أعضاء غير دائمين.1

(٤) إصلاح الأمم المتحدة؟

كما لوحظ للتو، فقد شَلَّ أثر مناخ العدائية والتشكك الذي ساد وقت الحرب الباردة حركة مجلس الأمن، فيما يتعلق بدوره في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين. وبحلول نهاية الحرب الباردة بدا أن الفرصة قد سنحت لإصلاح الأمم المتحدة؛ فقد قدمت الأمم المتحدة دعمًا كبيرًا في تحرير الكويت من الغزاة العراقيين، وأمل العديد من مراقبي المشهد في ترسيخ نظام عالمي جديد، تلعب فيه الأمم المتحدة دورًا حيويًّا وأكثر قوة بكثير.

إلا أن تلك الفرصة ضاعت للأسف. وفي تسعينيات القرن العشرين، وجدت تلك المنظمة العالمية نفسها مُستَنزَفة بشدة من جرَّاء زيادة الجهود المبذولة فيما يخص المسئوليات الإنسانية ومسئوليات حفظ السلام في عدد متنامٍ من النزاعات الداخلية لا النزاعات بين الدول، كما في السلفادور وهاييتي ورواندا وبوروندي وموزمبيق وأنجولا وليبيريا، فضلًا عن القلاقل التي نشأت في جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ويوغوسلافيا السابقة.

وقد تعرضت الأمم المتحدة لعقبات مستعصية في تلك المنازعات؛ فقد أُخذت قوات الأمم المتحدة رهينة في البوسنة، واضطرت الأمم المتحدة إلى الانسحاب من الصومال التي تكبدت فيها قوات الولايات المتحدة خسائر. وفي رواندا وبوروندي وغيرهما من البقاع — مثل دارفور — التي دارت فيها حروب طائفية طاحنة، كثيرًا ما عطَّل الأمم المتحدة افتقارها إلى القوات، ونقص التمويل، والخلافات بين أعضاء مجلس الأمن، مما قلل بشدة من قدرة الأمم المتحدة على التدخل الفعال. وقد واصل عمل الوكالات المتخصصة إتيانه بنتائج مدهشة، على الرغم من عدم كفاية التمويل الذي تتلقاه تلك الوكالات من أجل مهامها الحيوية.

أحد الزعماء السياسيين الذين أعربوا مؤخرًا عن التزامهم القوي بإصلاح الأمم المتحدة هو رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. ومن الواضح أنه لا يرى تناقضًا بين ذلك الرأي واعتقاده بصواب الانضمام إلى الولايات المتحدة في غزو العراق واحتلاله، على الرغم من فشل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في الحصول على تأييد صريح من الأمم المتحدة لمغامرتهما العسكرية، وعلى الرغم من ثقته في أن الحرب كانت مبررة تمامًا، وأن «الأخطاء» الوحيدة التي يحتاج هو والرئيس بوش إلى الاعتذار عنها، هي السقطات التي وقعا فيها في إطار تنفيذ السياسة الخاصة بالعراق.

وفي خطاب ألقاه في جامعة جورج تاون عام ٢٠٠٦، طالب توني بلير بتوسيع عضوية مجلس الأمن، وبدا متعاطفًا مع مطالبة بلدان مثل الهند والبرازيل واليابان وألمانيا بمقاعد في مجلس الأمن. وهو يؤيد أيضًا إلغاء حق الفيتو، الذي يتمتع به الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن. وإضافةً إلى ذلك — ومما يثير الدهشة إلى حد ما — فقد أشار ضمنيًّا إلى أن السبيل الوحيد للتغلب على عدم استعداد الأعضاء الدائمين الآخرين للتخلي عن حق الفيتو هو أن تتخذ بريطانيا الخطوة الأولى، وتتخلى عن حق الفيتو الخاص بها.

لكن عندما ينظر المرء في أرجحية تخلي الأعضاء الدائمين الآخرين — لا سيما الولايات المتحدة وروسيا والصين — عن حق الفيتو، يبدو مرجحًا أكثر أن المملكة المتحدة ستكون قد أهدرت حق الفيتو الذي تتمتع به دون جدوى. وإن التخلي عن حق الفيتو الخاص بالمملكة المتحدة قد يشكل — في ظروف معينة — خطوة غير مسئولة بالمرة تجاه إضعاف قدرة هذا البلد على التأثير.

اقترح توني بلير أيضًا في الخطاب الذي ألقاه في واشنطن (يوم ٢٦ مايو ٢٠٠٦) تعزيز دور الأمين العام للأمم المتحدة، والقيام بإصلاح كبير في نظام الأمم المتحدة البيروقراطي. وليس أي من تلك المقترحات الخاصة بإحداث تغيير هيكلي في الأمم المتحدة بالجديد. الجديد في خطاب توني بلير اقتراحُه تعزيز قدرة الأمم المتحدة على القيام بأعمال «استباقية»، الذي شابته نغمة تيار المحافظين الجدد المميزة، وقال إن أزمة دارفور أثبتت أن الأمم المتحدة ينبغي أن تكون «جهة دولية فاعلة ذات صلاحيات»، تمتلك القدرة على التدخل العسكري في البلدان غير الديمقراطية من أجل نشر القيم الديمقراطية في العالم. وليس على المرء سوى أن ينظر إلى عدد الدول التي قد تشعر بالتهديد من الأمم المتحدة بعد «إصلاحها»، بحيث تتوافق مع نموذج بلير ليعلم لِمَ يبدو إصلاح الأمم المتحدة على تلك الأسس المبالغة مستبعدًا بشدة. وليست الدول الصغيرة ومتوسطة الحجم فقط هي التي ستشعر بالتهديد من تلك التغيرات، فستعارض ذلك بشدة أيضًا بلدان كبيرة ومهمة مثل الصين وروسيا، ويظهر المثال الواضح على مفاهيمهما المختلفة تمامًا بالنسبة إلى المصلحة الوطنية في معارضتهما استخدام العقوبات الدولية، لا سيما استخدام العقوبات العسكرية بهدف إجبار إيران على التخلي عن برنامجها لتخصيب اليورانيوم. فبكين وموسكو لديهما رؤيتان مختلفتان للغاية «للنظام العالمي» بعد إصلاحه، عن رؤيتَي السيدَيْن بوش وبلير. وقد استطاعت منظومة الأمم المتحدة البقاء لتلك الفترة الطويلة؛ لأنها تعلمت «إدارة» تلك الخلافات، التي كثيرًا ما تكون جوهرية، والتصرُّف باعتبارها منظمة عالمية «محايدة» بحق. وإن أحد الطرق الأكيدة لتقويض الأمم المتحدة والقضاء عليها في نهاية المطاف، سيكون بفرض قيد سيطرة القوة العظمى العالمية الوحيدة وحلفائها المقربين.

إن الجهود المبذولة من أجل فرض حزمة واحدة من القيم أو أيديولوجية بعينها أو دين أو نظام سياسي على العالم، كان لها دائمًا تقريبًا عواقب مأساوية. فالأفضل وجود منظومة أمم متحدة تقوم مقام المنتدى الفعال ومنظومة التواصل الدبلوماسي العالمي، عن وجود أمم متحدة أكثر قوة على حساب تحويل المنظمة إلى حكومة عالمية مستبدة أو نظام شبه إمبريالي. وفي عصر أسلحة الدمار الشامل، من المؤكد أن الأمم المتحدة ينبغي أن تكرِّس جهودها لمنع الحرب لا الترويج لها.

(٥) الاتحاد الأوروبي

إن تسمية «الاتحاد الأوروبي» تسمية مضلِّلة — إلى حد ما — تصف تركيبة المؤسسات والعمليات التي تشكل في مجملها جزءًا من الجهود التي يبذلها بعض الأوروبيين لتحقيق التكامل الأوروبي الاقتصادي والسياسي. وقد صدم رفض الفرنسيين يوم ٢٩ مايو ٢٠٠٥ والهولنديين أول يونيو ٢٠٠٥ القاطع لمسودة دستور الاتحاد الأوروبي السياسيين والمسئولين الأوروبيين، الذين رغبوا في المضيِّ قدمًا تجاه تحقيق تكامل أوثق. فأي معاهدة من معاهدات الاتحاد الأوروبي لا بد من تصديق جميع الدول الأعضاء عليها قبل إدخالها حيز التنفيذ. والمقلق بصفة خاصة لمؤيدي التكامل الأوروبي الأوثق، أن البلدين اللذين رفض الشعب فيهما مسودة الدستور، كانا عضوين مؤسسين في الجماعة الاقتصادية الأوروبية التي تأسست عام ١٩٥٧. وإضافةً إلى ذلك، أعلنت ست دول أعضاء أخرى (بريطانيا وأيرلندا والدنمارك والسويد وجمهورية التشيك وبولندا) أنها لا تنوي إجراء استفتاء على المسودة.

وفي ضوء الأزمة العميقة الحالية حول مستقبل مشروع التكامل الأوروبي، من المهم أن نذكِّر أنفسنا بالظروف الخاصة للغاية، التي جذبت العديد من أفراد النخبة السياسية والجماعات التجارية والمهنية الأوروبية لتأييد الفكرة منذ نشأتها. كانت الدول القومية الأوروبية قد تعرضت للتدمير والإفقار من جراء الحربين العالميتين على مدى خمسين عامًا، فخشيت تلك الدول من أنها إذا ظلت منقسمة على أساس قومي فستكون ضعيفة، ويُحتمل أن تكون عُرضةً للتوسع الشيوعي السوفييتي، واعتقدَتْ أيضًا أن تعافي أوروبا سيكون أقوى وأسرع إذا أمكن لها إحراز تقدم تجاه المزيد من التكامل الاقتصادي الأوروبي. وكان ثمة حافز سياسي قوي آخر لإقامة تكامل اقتصادي، وهو الاعتقاد بأنه إذا أمكن لك تحقيق التكامل بين قطاعات معينة مهمة من الاقتصاد عبر الحدود القومية فسيكون بإمكانك خفض احتمالات الحرب لدى الدول، وقد كان إنشاء الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب عام ١٩٥١ محفزًا رئيسيًّا لعملية التكامل (تذكَّر الأوروبيون استغلال هتلر لإقليم الرور — أحد أهم مراكز مناجم الفحم والصناعة — بين الحربين).

وكانت فكرة إنشاء جماعة أوروبية للفحم الحجري والصلب قد طرحتها خطة شومان عام ١٩٥٠، وتأسست الجماعة رسميًّا بموجب معاهدة باريس (١٩٥١)، وقد حققت نجاحًا هائلًا وأقنعت الأعضاء المؤسسين (فرنسا وجمهورية ألمانيا الاتحادية وإيطاليا وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورج) بأنه ينبغي لهم اتخاذ خطوات إضافية تجاه التكامل الأوروبي. ورأى أتباع المنهج النفعي في نجاح تحقيق التكامل بين قطاعات صناعية معينة تأكيدًا لقناعتهم بأن تكامل الأنشطة غير السياسية من شأنه في النهاية تيسير التكامل السياسي.

وقد قدم نجاح تلك الجماعة الأوروبية مساعدة جمة لمشروع التكامل القطاعي الذي تبناه أصحاب المنهج النفعي، وشوهد المزيد من التقدم في ذلك الاتجاه في إنشاء الجماعة الاقتصادية الأوروبية والجماعة الأوروبية للطاقة الذرية بموجب معاهدة روما عام ١٩٥٧، وبدا أن المزيد من الدعم للمنهج النفعي، باعتباره السبيل الأكثر فعالية لتحقيق تكامل أوسع نطاقًا، تأتَّى عبر الفشل الذريع الذي باءت به خطط إنشاء جماعة سياسية أو جماعة دفاع أوروبي، إلا أن تحقيق المزيد من التكامل الاقتصادي في عدد متزايد من القطاعات الاقتصادية لم يستتبع بالضرورة التكامل السياسي؛ فقد كان النجاح «الاقتصادي» لنموذج التكامل الأوروبي النفعي القطاعي هو ما أكدته الجماعة الأوروبية للفحم الحجري والصلب، فقد أمكن بناء اقتصاديات الحجم الكبير، وقدَّمت إمكانية الوصول إلى المزيد من الاستثمارات وتحسين القدرة التنافسية المحرك الحقيقي لكلٍّ من النمو الاقتصادي الأوروبي والجهود الساعية إلى التكامل، وصحبهما تحقيق جميع الأعضاء المؤسسين لقدر كبير من الازدهار نتيجة وصولهم إلى سوق أوروبية أوسع.

كانت جاذبية الوصول إلى سوق الجماعة الأوروبية هي التي اجتذبت المملكة المتحدة في النهاية للانضمام إلى الجماعة الأوروبية بصحبة الدنمارك وأيرلندا عام ١٩٧٣، وانضمت اليونان عام ١٩٨١، وانضمت أسبانيا والبرتغال عام ١٩٨٦، وعندما انتهت الحرب الباردة صار ممكنًا للدول التي اتبعت سياسة حياد صارم أثناء الحرب الباردة (النمسا والسويد وفنلندا) أن تنضم، وهو ما فعلته عام ١٩٩٥. ومرة أخرى، كان الدافع الرئيسي في حالة كل بلد تتقدم بطلب انضمام دافعًا «اقتصاديًّا».

وكان انهيار الاتحاد السوفييتي السابق ونهاية الحرب الباردة يعنيان عدم وجود مزايا أمنية عسكرية منظورة يمكن كسبها من الاتحاد الأوروبي. وعلى أي حال، فقد كان أمن دول الاتحاد الأوروبي الديمقراطية أثناء الحرب الباردة مكفولًا بدرع الناتو، الذي وظَّف موارد الولايات المتحدة العسكرية الهائلة؛ تحقيقًا للأمن الجماعي لمنطقة حلف شمال الأطلنطي بأكملها.

ومن المفارقات العجيبة أنه على الرغم من أن الدول التي قُبلت في الاتحاد الأوروبي في إطار توسُّعه الأخير، انضمت في المقام الأول بغية كسب المزايا الاقتصادية المتاحة للأعضاء — مثل الوصول إلى أكبر سوق موحدة في العالم، وحرية انتقال الأشخاص والسلع والخدمات عبر الحدود الأوروبية، والحصول على مِنَح التنمية الإقليمية، وما إلى ذلك — فإن بعض الحقائق الغريبة تلوح محبطةً آمال حدوث انتعاش اقتصادي أوروبي وشيك.

كان النمو الاقتصادي متثاقلًا بصورة محبطة؛ فمعدلات البطالة مرتفعة للدول الأعضاء، ويبدو خفض تلك المعدلات عسيرًا، ويسري ذلك على الأعضاء المؤسسين تمامًا، مثلما يسري على بعض الأعضاء الجدد؛ ففي فرنسا وإيطاليا وألمانيا بلغ معدل النمو السنوي بين عامَيْ ٢٠٠١ و٢٠٠٥ نسبة ٠٫٩ في المائة فحسب، مقارنةً بنسبة ٢٫٦ في المائة للفترة ذاتها في إسبانيا وبريطانيا، ويشير الخبراء الاقتصاديون إلى حاجة الاتحاد الأوروبي الملحة إلى إزالة القيود عن أسواق العمالة وخدماتها. والأهم من ذلك، فإن كان للاتحاد الأوروبي أن يسترد النجاح الاقتصادي الذي حققه في أعوامه الأولى، فلا بد له من أن يعمل جاهدًا على منع الدول الأعضاء فيه من التعلل بالقومية الاقتصادية؛ بغية الحماية والالتفاف حول قواعد المنافسة الصارمة للاتحاد الأوروبي. وإن الإصرار على الحفاظ على السوق الموحدة وإعطاء دَفعة لحرية انتقال العمالة والسلع والخدمات ورأس المال لأمر حيوي من أجل سلامة الاتحاد الأوروبي على المدى البعيد؛ فمن المتوقَّع أن توفر السوق الموحدة الأساس اللازم لنوعية الانتعاش الاقتصادي، الذي من شأنه أن يساعد على استرداد شعبية الاتحاد الأوروبي وثقته وإحساسه بالهدف.

إلا أننا — وأكرر هنا درسًا مهمًّا ضمن الدروس المستفادة من الاستعراض العام الذي قدمته عن الأمم المتحدة — علينا توخي الحذر من إلقاء اللوم كله على مؤسسات الاتحاد الأوروبي لمتاعبه الحالية وافتقاره الظاهر إلى حس الاتجاه؛ فالاتحاد الأوروبي منظمة حكومية دولية في النهاية، وإن كان بالفعل منظمة حكومية دولية غير معتادة؛ إذ إنه مضى في جهود التكامل الاقتصادي الإقليمي لحد يفوق كثيرًا ما بلغته أي منظمة إقليمية في العالم. والاتحاد الأوروبي — بصفته منظمة حكومية دولية — يعتمد على حكومات الدول الأعضاء فيه وقياداتها السياسية في اتخاذ القرارات الرئيسية للمنظمة وتشكيل سياساتها وتنفيذها، وقد واجهت الديمقراطيات البرلمانية في إيطاليا وألمانيا صعوبات سياسية جمَّة في أعقاب انتخابات سياسية صعبة للغاية؛ مما أثر بلا شك على قدرة الحكومات الجديدة على التصرف على نحو حاسم وسريع، ويكاد يكون من المؤكد أن التصويت ﺑ «لا» في الاستفتاءين الفرنسي والهولندي على دستور الاتحاد الأوروبي ارتكز على الانتقادات المتنامية الموجهة إلى الاتحاد الأوروبي، وعلى السخط والغضب لدى الشعبين تجاه حكومتيهما في باريس ولاهاي؛ بسبب إخفاقاتهما الملحوظة لدى الكثيرين في معالجة مشكلات نقص النمو والوظائف في بلديهما تحديدًا.

رغم أنه من المبالغة أن يُوصَف الاتحاد الأوروبي بأنه جهة فاعلة مستقلة تمامًا في العلاقات الدولية، فإنه كثيرًا ما يُستهان بما حققه من إنجازات كمنظمة حكومية دولية تعمل لمصلحة أوروبا. وإن أحد المزايا الرئيسية التي جلبها الاتحاد لأوروبا هي تعزيز الاستقرار والديمقراطية داخل البلدان التي طلبت الانضمام إليه؛ فالاتحاد الأوروبي — بإصراره على أن يكون لدى جميع الدول التي تطلب الانضمام إليه نظم سياسية ديمقراطية مفعَّلة تفعيلًا كاملًا، تحافظ على سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان، واقتصاد سوق فعال، والالتزام بقواعد الاتحاد الأوروبي، قبل أن يُسمَح لها بالانضمام — كان له تأثير هائل للأفضل، فالنتيجة التي لم يتوقعها الكثيرون للتوسع الضخم للاتحاد الأوروبي، ربما تمثل أهم آثار تلك المنظمة الحكومية الدولية الطموحة على العلاقات الدولية؛ فقد جعلت أوروبا أكثر ديمقراطية.

إن الحديث عن رفض البلدان الطالبة للانضمام، حتى بعد استيفائها الشروط التي فرضها الاتحاد الأوروبي، يبدو حديثًا غير مسئول بالمرة؛ فقد اتضح أن مخاوف بعض الدول الأعضاء من أن تُلحِق التبعات الاقتصادية المترتبة على التوسع ضررًا خطيرًا بالاتحاد الأوروبي لا أساس لها، فقد تقصَّت المفوضية الأوروبية تلك المسألة مؤخرًا، وتوصلت إلى أن ضم أعضاء جدد من وسط أوروبا عام ٢٠٠٤ رفع النمو الاقتصادي، وخلق وظائف ليس لدى الأعضاء الجدد فحسب، بل ولدى الأعضاء الحاليين أيضًا. ولا بد لنا أيضًا من أن نضع في حسباننا العواقب المرجحة لرفض قبول أعضاء جدد استوفوا معايير القبول كافة. وقد حذَّر تقرير خاص في «الإيكونوميست» مؤخرًا من هذا:

اتفق محللو غرب البلقان على أنه إذا ما أوصدت بروكسل الباب، فمن اليسير أن تنزلق تلك البلدان مجددًا في بحار النزعة القومية، وتهريب المخدرات والأشخاص، والجريمة المنظمة وحتى الحرب؛ بما يصحب ذلك من تبعات عديدة غير مرغوب فيها على أوروبا الغربية. وبالمثل فإن تركيا المنبوذة من الاتحاد الأوروبي سرعان ما قد ترتدُّ إلى مزاج إسلاموي حانق ومتشدد، وهي المتاخمة لأوروبا مباشرةً.

وإجمالًا لتلك المناقشة الموجزة لدور الاتحاد الأوروبي، سأركز على اتجاهين رئيسيين، من المرجح أن يحددا شكل مشروع التكامل الأوروبي في المستقبل، سواء أعجب ذلك الدول الأعضاء المؤسسة أم لا. أولًا: هناك الأثر بعيد المدى للتوسع؛ فالاتحاد الأوروبي الحالي لديه أربعة أمثال عدد الأعضاء الذين شاركوا في الجماعة الاقتصادية الأوروبية الأصلية، ولا تلوح بادرة على التزام الأعضاء الجدد من أوروبا الشرقية بتجاوز حدود الولاية القومية، بل على العكس، فكونهم عانوا لعقود القهر الخانق في ظل النظم الشيوعية التابعة للاتحاد السوفييتي، فهم مصرُّون على الاستمتاع بامتلاك حكوماتهم القومية المستقلة.

وإن السياسيين المؤمنين بتجاوز حدود الولاية القومية في البرلمان الأوروبي والمفوضية الأوروبية وبعض حكومات الاتحاد الأوروبي، من المرجح أن يكتشفوا أن اتحادًا أوروبيًّا قوامه ٢٥ عضوًا لا يمكن إقحامه في هيكل يتجاوز حدود الولاية القومية، وسيظل الاتحاد الأوروبي منبرًا ذا أهمية حيوية، وهيكلًا يستهدف التعاون الإقليمي الأوروبي الأوثق، ولكن من المستبعد أن يتحول إلى ما يعادل ولايات متحدة أوروبية. وإذا حاول الاتحاد الأوروبي السعي إلى إعادة إحياء مسودة الدستور الأوروبي ودفع الفرنسيين والهولنديين إلى التصويت عليه مجددًا، فمن المرجح ألا يؤدي ذلك إلا إلى مضاعفة المعارضة الشعبية لمشروع التكامل؛ فالأوروبيون ما زالوا يعتبرون دولهم القومية مصبَّ ولائهم بالأساس، ولا تزال الحكومات والبرلمانات القومية هي المؤسسات التي يعتبرها الأوروبيون مراكز القوة التي لا بد لهم من التأثير عليها فيما يتعلق بشتى ضروب القرارات السياسية المهمة. ويتمتع البرلمان الأوروبي بسلطات محدودة للغاية في هيكل الاتحاد الأوروبي، ومن شأن معظم مواطني الدول الأعضاء أن يجدوا صعوبة في ذكر أسماء نوابهم في البرلمان الأوروبي.

إحدى المشكلات الجوهرية التي تواجه الاتحاد الأوروبي هي العجز الديمقراطي، الذي تعكسه الفجوة الضخمة بين النخبة الأوروبية الساعية إلى التكامل والمواطن العادي في الدول الأعضاء. وينتاب الشعوب حنق متزايد من قدرتها المحدودة على التأثير على قرارات الاتحاد الأوروبي وعملية صنع السياسات فيه. وتكمن مراكز القوة الحقيقية داخل الاتحاد الأوروبي في مجلس الوزراء الذي يأتي بالتعيين المباشر من الحكومات القومية والمفوضية الأوروبية؛ جهاز الاتحاد الأوروبي البيروقراطي القوي، الذي يحدد السياسات المحورية، ويساعد في اتخاذ القرارات بشأنها بالتشاور مع مجلس الوزراء. والحق أن المفوضية ترفع تقاريرها أيضًا إلى البرلمان الأوروبي وتتشاور معه، ولكن على الرغم من أن البرلمان الأوروبي هو المؤسسة الوحيدة في الاتحاد الأوروبي المنتخبة مباشرةً من مواطني الاتحاد، فسلطاته التشريعية محدودة للغاية، وأهم سلطاته هو حقه في إقرار ميزانية الاتحاد الأوروبي أو رفضها؛ فالاتحاد الأوروبي ما زال منظمة حكومية دولية ذات مجلس استشاري منتخب، وليس دولة فائقة عظمى ديمقراطية في مرحلة التكوين.

ونظرًا لقوة الولاءات القومية لدى الزعماء والمشرعين والناخبين في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وتصوراتهم المتضاربة في كثير من الأحيان لمصلحتهم القومية، فمن غير المستغرب أن وضع السياسة الخارجية والأمنية المشتركة للاتحاد الأوروبي كان بطيئًا، وأن السياسيين الأوروبيين كثيرًا ما أعربوا عن إحباطهم من عجز حكومات الاتحاد الأوروبي عن الاتفاق على كيفية الاستجابة للأزمات الكبرى. وعلى سبيل المثال، فقد وصف وزير الخارجية البلجيكي مارك إسكينز — إذ نفد صبره إزاء ضعف استجابة الاتحاد الأوروبي أثناء حرب الخليج عام ١٩٩١ — الاتحاد الأوروبي بأنه «عملاق اقتصادي، لكنه قزم سياسي ودودة عسكرية». وتُظهر تعليقاته فشلًا جوهريًّا في فهم طبيعة مشروع الاتحاد الأوروبي، فالاتحاد الأوروبي ليس جهة فاعلة مستقلة بحق في الشئون الدولية، فعلاقاته الخارجية تعكس قطعًا أن الدول الأعضاء فيه ليست مستعدة للتخلي عن سيطرتها السيادية على سياستها الخارجية. إضافةً إلى ذلك — وكما علَّقْتُ بالفعل — فدول الاتحاد الأوروبي لم تستشعر قط الحاجة إلى تحويل الاتحاد إلى حلف عسكري قوي؛ فلديها الناتو بالفعل للاضطلاع بتلك المهمة. بيد أن إسقاط الاتحاد الأوروبي باعتباره «قزمًا سياسيًّا» هو خطأ فادح؛ فإن وصفًا من ذلك النوع الاستهزائي يتضمن أن الاتحاد الأوروبي يمثل ضربًا من الدول السيادية، وهو في الواقع آلية ذات قيمة محتملة في إقامة التواصل والتعاون متعدد الأطراف بصفة يومية. فعندما تتمكن حكومات الاتحاد الأوروبي من الاتفاق على موقف مشترك بخصوص مسألة سياسة خارجية مهمة، مثلما فعلت مثلًا بشأن كيفية الاستجابة لنجاح إيران في تخصيب اليورانيوم، يمدُّ ذلك زعماء الاتحاد الأوروبي السياسيَّين بقدر إضافي لا يُستهان به من النفوذ الدبلوماسي. ولم يَفُت الدول الأخرى ملاحظة أن الاتحاد الأوروبي عملاق اقتصادي، فهو أكبر وأغنى سوق استهلاكية موحدة في العالم أجمع، وإلى حد ما بسبب التوسع الضخم للاتحاد الأوروبي، يفوق مجموع الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد وعدد سكانه ناتج منطقة التجارة الحرة لأمريكا الشمالية وعدد سكانها إلى حد بعيد. وبالطبع فإن قدرة الاتحاد الأوروبي على التأثير على العلاقات الدولية، ستتأثر بشدة بالإرادة السياسية لحكومات الدول الأعضاء، وبقوى الإقناع لدى القيادة السياسية في الاتحاد الأوروبي وكبار مسئوليه. وإن سمات «الحنكة السياسية» التي تصنع اختلافًا كبيرًا في مصائر الدول تحمل نفس الضرورة لعمل أي منظمة حكومية دولية، إذا كان لها أن تكتسب تأثيرًا حقيقيًّا على العلاقات والأحداث الدولية. وأحد العوامل الأخرى التي قد يكون لها أثر كبير على فرص الاتحاد الأوروبي في ممارسة تأثير حقيقي هو ضغوط الأحداث والتحولات في ميزان القوى العالمي. وثمة فرصة خاصة سانحة أمام الاتحاد الأوروبي لممارسة نفوذه الدبلوماسي لمصلحة الدول الأعضاء فيه، بتزايد مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية للتكاليف والمخاطر المرتفعة المتولدة عن السياسات أحادية الجانب. وفي منتصف فترة الرئيس جورج بوش الابن الثانية — وبعد حرب دامت سنوات في العراق، ومع مواجهة مشكلة برنامج إيران النووي الشائكة إلى حد بعيد — اتضح في منتصف مايو ٢٠٠٦ أن الولايات المتحدة على استعداد للانتظار حتى ترى نتائج الجهود الدبلوماسية متعددة الأطراف — بقيادة خافيير سولانا، كبير مسئولي سياسة الاتحاد الأوروبي الخارجية — الرامية إلى إيجاد حل سلمي للأزمة. وما يمكن لدول الاتحاد الأوروبي متضافرةً تقديمه في مثل تلك الأزمات هو ما سماه البروفيسور جوزيف إس ناي بجامعة هارفارد «القوة الناعمة»؛ أي مصادر التأثير والإقناع السلمي المدنية، مثل: نقاط القوة الاقتصادية، والرقي الدبلوماسي، وامتلاك سمعة طيبة قائمة على الإنصاف والموضوعية. والأهم من ذلك كله — في وقت تثير فيه سياسات الولايات المتحدة، القوة العظمى الوحيدة الباقية، العداء ضدها على نطاق واسع — قد تشكِّل حيازة مبادرات دبلوماسية واضحة الاستقلال عن مبادرات الولايات المتحدة ميزة هائلة، حتى وإن كانت بحاجة إلى موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على تقبُّل النتائج إذا أرادت أن يُكتب لها النجاح.

وإجمالًا لاستنتاجاتي بخصوص دور كلٍّ من الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، أقول إن: (١) من الخطأ افتراض أن المنظمات الحكومية الدولية هي جهات فاعلة مستقلة تمامًا في العلاقات الدولية. (٢) إلا أنها — نيابة عن الدول الأعضاء فيها — يمكن أن تمارس تأثيرًا كبيرًا في بعض الأحيان.

(٦) بعض المنظمات الحكومية الدولية الإقليمية الأخرى

تأسست رابطة أمم جنوب شرق آسيا عام ١٩٦٧، عقب إعلان بانكوك الذي أصدرته تايلاند وسنغافورة وإندونيسيا والفلبين وماليزيا. وانضمت بروناي إلى الرابطة عام ١٩٨٤، وانضمت فيتنام عام ١٩٩٥. وتهدف الرابطة إلى تعزيز التعاون الإقليمي في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وقد أظهرت اقتصادات الرابطة قدرة كبيرة على النمو الاقتصادي السريع. وعادةً ما يُنظَر إلى سنغافورة على أنها أحد «النمور» الاقتصادية الآسيوية التي تجسِّد فوائد الليبرالية الاقتصادية، ويُنظر إلى ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا على أنها من «النمور» الاقتصادية الناشئة. ويُعزَى استبعاد الصين واليابان إلى الرغبة في ضمان ألا تخضع اقتصادات الرابطة لسيطرة الاقتصادات الكبيرة في شرق آسيا. وتنظر الرابطة إلى دورها على أنه بمنزلة الثقل الموازن لتلك القوى الكبرى وللولايات المتحدة الأمريكية.

للرابطة أمانة عامة، وقد أحرزت بعض التقدم في مجال التعاون الإقليمي، لا سيما في الميدان الاقتصادي، ولم تحرز تقدمًا ذا بالٍ في الشئون الإقليمية العسكرية والأمنية. وقد تزعَّمت الرابطة مبادرة المنتدى الإقليمي لرابطة أمم جنوب شرق آسيا، التي تتضمن التعاون مع بلدان الاتحاد الأوروبي ورابطة التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ. وعلى الرغم من أن اقتصاديِّي إندونيسيا وتايلاند تأثروا بشدة بموجات تسونامي عام ٢٠٠٤، فما زال تجمُّع رابطة أمم جنوب شرق آسيا يبدي ديناميكية اقتصادية كبيرة، ولديه مدى للتوسع عن طريق قبول بلدان أخرى من جنوب شرق آسيا.

ومن المنظمات الحكومية الدولية الإقليمية الأخرى الجديرة بالذكر: مجلس الوحدة الاقتصادية العربية، الذي تأسس عام ١٩٦٤؛ بغية تعزيز التكامل الاقتصادي فيما بين اثنتي عشرة دولة عربية، والجماعة الكاريبية والسوق المشتركة، التي ترمي إلى تنمية التكامل وتعزيز التنمية الاقتصادية فيما بين بلدان منطقة البحر الكاريبي، والجماعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا التي تأسست عام ١٩٧٥؛ بغية تعزيز التعاون الاقتصادي الإقليمي فيما بين ١٧ دولة عضوًا، ورابطة جنوب آسيا للتعاون الإقليمي التي تأسست عام ١٩٨٥؛ بغية تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي فيما بين دول الجنوب الآسيوي، والجماعة الإنمائية للجنوب الأفريقي التي تأسست عام ١٩٩٢؛ بغية تعزيز التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي بين دول الجنوب الأفريقي.

ولم تحرز أي من المنظمات المذكورة سابقًا تقدمًا على طريق التكامل الاقتصادي الإقليمي يقارب حتى ما أحرزه الاتحاد الأوروبي، بيد أنها جميعًا تمتلك القدرة على العمل كآليات مفيدة لتعزيز التنمية الاقتصادية في أقاليمها. وكما في الاتحاد الأوروبي وغيره من المنظمات الحكومية الدولية تتوقف الكثير من الأمور على نوعية القيادة السياسية والإرادة السياسية المتوافرتين لدى الدول الأعضاء فيها.

(٧) الكومنولث

المثال الأخير على المنظمات الحكومية الدولية الذي أعتزم تناوله بإيجاز هو أكثرها خروجًا عن المألوف، وهو ليس منظمة حكومية دولية إقليمية؛ فالكومنولث هو منظمة تطوعية مكونة من ٥٣ دولة؛ أي ما لا يقل عن ٢٥ في المائة من الدول الموجودة في النظام الدولي، ومعظم تلك الدول — ولكن ليس كلها — خضع سابقًا لحكم الإمبراطورية البريطانية. وهي ثاني أكبر منظمة حكومية دولية في العالم، وتشمل دولًا من جميع بقاع العالم عدا الشرق الأوسط. والملكة هي رئيسة الكومنولث، على الرغم من أن الكومنولث يتضمن جمهوريات — مثل الهند — فضلًا عن بلدان ما زالت تقرُّ بالملكة عاهلًا للبلاد. وتُعقد مؤتمرات رؤساء حكومات الكومنولث كل سنتين، وتتخذ جميع القرارات فيها بتوافق الآراء. ولا بد من اتِّخاذ قرارات قبول الأعضاء الجدد بالإجماع. ومن الجليِّ أن الكومنولث ليس تكتلَ قوى، فما يربطه — إلى حد بعيد — هو القيم المشتركة، والرغبة في الحفاظ على تلك الصلة الطوعية ببريطانيا ودول الكومنولث الأخرى. وإضافةً إلى ذلك، يوفر الكومنولث قناة للحصول على المزيد من المساعدات التقنية، والتدريب والموارد التعليمية. وبصفتِي أحد من نالوا شرف العمل كمستشار في أحد مشروعات الكومنولث التعليمية الكبرى، فقد انبهرت كثيرًا بقيمة الخطة المتضمنة، وما تتيحه من احتمالات جديدة للشباب لتغيير حياتهم، عن طريق اكتساب معرفة جديدة، وفهمٍ أكبر لثقافات ومشكلات سياسية واجتماعية واقتصادية مختلفة تمامًا. والأهم من ذلك كله أن الكومنولث يدور حول قوة الأشخاص واكتشاف القيم المشتركة، فضلًا عن «بناء القدرات» بالمعنى الأشمل.

هوامش

(1) © UN Photo/Evan Schneider.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠