الفصل الثاني عشر

أعيان اليهود في القطر المصري

(١) عائلة منشه

(١-١) المرحوم البارون يعقوب ده منشه

كبير عائلة منشه وعميدها هو الطيب الذكر المرحوم البارون يعقوب ده منشه، وُلد في مصر سنة ١٨١٠، وتوفي في الإسكندرية في شهر نوفمبر سنة ١٨٨٣.

كان من أذكى الناس فؤادًا وأسمحهم وجهًا وأكرمهم يدًا وأكثرهم خيرًا وإحسانًا، وكان في عصرهِ نابغة في حدة الذهن وسرعة الخاطر، واسع الاطلاع في فن الحسابات وضبطها مشهورًا بالدقة والمهارة في إدارة الأعمال والنظر البعيد في معضلات الأمور، وقد درس في أيامهِ العلوم التي مكَّنتهُ الظروف من الوصول إليها، ولما شبَّ اقترن بالطيبة الذكر المرحومة إستير كريمة المرحوم موسى نجار، وكانت نابغة في الكمال والفضل بين نساءِ عصرها، وقد تُوفيت بعد وفاة زوجها بنحو عشر سنوات.

ورُزق المرحوم البارون يعقوب منشه من البنين أربعة صبيان وثلاث بنات وهم: البارونات بخور وموسى وإيلي يوسف وقرينة نيحا بك وقرينة الخواجه نجار وقرينة فرنسيس بك، وقد توفي الذكور كلهم إلا أن اسمهم لا يزال حيًّا مخلدًا في خلفهم الذين تفتخر الإنسانية بأعمالهم الصالحة ومبراتهم الكثيرة.

عُيِّن المرحوم البارون يعقوب منشه في أوائل شبيبتهِ صرافًا في مديرية الجيزة، ثم عُيِّن وكيلًا لأشغال المرحوم حسن باشا المنسترلي والد راشد باشا الذي كان واليًا على سوريا في ذلك العهد، أما سبب تعيينهِ وكيلًا لأشغال حسن باشا المذكور فلهُ حديث طويل نلخصهُ في هذا المقام، ومنهُ يستدل على ما كان عليهِ صاحب الترجمة من سمو المكانة في النباهة والذكاء والرأي الثاقب.

كان لحسن باشا عهدة في القطر المصري على أيام المرحوم عباس باشا والي مصر (والعهدة هي الأموال الأميرية التي كانت تؤخذ من الفلاح بطريق الالتزام، فأصحاب العهَد كانوا يشترون قِيم العهدة من الحكومة ويتكلفون عنها تحصيلها من الفلاح)، ففي ذلك الزمان حدث خلاف بين عباس باشا والي مصر وبين حسن باشا المنسترلي حتى آل الأمر إلى غضب عباس باشا عليهِ وانتقامهِ منهُ، فخاف المنسترلي باشا العاقبة وأيقن باستفحال خطبهِ وحرج موقفهِ، وكان ابنهُ راشد «باشا» لا يزال صغيرًا، فأوجس خيفةً عليهِ وحار في أمرهِ وضاقت مذاهبهُ حتى لجأ أخيرًا إلى البارون يعقوب منشه، وكان يعرفهُ جيدًا وأخبرهُ بالأمر وسلمهُ ابنهُ راشدًا، فرحل البارون بالولد إلى بلاد النمسا، ومنها إلى باريس، وهناك أدخلهُ إحدى مدارسها المشهورة التي تعلم فيها المرحومان إسماعيل باشا ومصطفى باشا، وقفل راجعًا إلى النمسا واجتهد بمهارتهِ وذكائهِ حتى تحصل على حماية دولتها، ومن ثم أخذ يسعى في خلاص صديقهِ المنسترلي باشا من نقمة عباس باشا، فأول شيءٍ عملهُ أنهُ رفع قضية على المنسترلي باشا إلى ساحة القضاءِ في الأستانة، وطلب أن تكون المحاكمة في الأستانة نفسها؛ لأنهُ أجنبي؛ ولأن من كان في رتبة المنسترلي باشا في تلك الأيام لا تجوز محاكمتهُ إلا في العاصمة العثمانية، فأرسلت الحكومة مركبًا حربيًّا مخصوصًا مع قومسير عثماني إلى مصر، فسافر عليهِ المنسترلي باشا لحضور المرافعة هناك، وبهذه الوسيلة الغريبة تمكن البارون من خلاص المنسترلي ونجاتهِ من نقمة عباس باشا، وظل المنسترلي في الأستانة ولم يعد إلى القطر المصري بعد ذلك، وأقام البارون منشه وكيلًا عنهُ في إدارة أملاكهِ وأموالهِ.

وكان البارون منشه يميل ميلًا خصوصيًّا إلى راشد باشا في صغرهِ ويحنو عليهِ حنو الأب على ابنهِ؛ ولذلك كان الولد يحبهُ ويدعوهُ أبًا لهُ فكان يناديهِ «بابا»، ولما كبر وظهرت عليهِ علائم الفضل والكفاءَة لتولي الأعمال الكبيرة عُيِّن واليًا على سورية، وفي ذلك الوقت زار البارون القدس الشريف فاستقبلهُ في يافا وفدٌ من قِبَل الباشا استقبالًا باهرًا بموكب حافل دلالة على رفعة قدرهِ وعظيم فضلهِ، ولما قُتل راشد باشا في غضون حادثة السلطان عبد العزيز بكاهُ البارون بكاءَ الأب على ولدهِ، ولبست عائلة منشه الحداد حزنًا عليهِ.

وفي سنة ١٨٦٩ جاءَ إلى القطر المصري جلالة فرنسوا جوزيف إمبراطور النمسا لحضور الاحتفال بافتتاح قنال السويس، فتقدم البارون لاستقبالهِ بصفتهِ رئيسًا للنزالة النمسوية والطائفة الإسرائيلية في القطر المصري، فأكرمهُ الإمبراطور لما وجد فيهِ من محاسن الخلال وسمو المدارك وقلدهُ وسامًا جليلًا، ولما زار راشد باشا مدينة فينا عاصمة النمسا حظي بمقابلة الإمبراطور، فأطنب أمامهُ بصفات البارون الشريفة، وأطرأ أعمالهُ الخيرية ومبرَّاتهِ الكثيرة، فمنحهُ الإمبراطور وسامًا آخر مع لقب شرف، وفي سنة ١٨٧٥ منحهُ لقب بارون لقبًا متوارثًا لهُ ولذريتهِ من بعدهِ، وهو أول من حاز هذا اللقب من الإسرائيليين في القطر المصري.

ولما بلغ هذا المقام الجليل من الجاه وعلو القدر نظر إلى الدنيا نظر الحكيم العاقل، فرأى أن النجاح الحقيقي فيها لا يتم إلا بالإقدام على الأعمال التجارية العظيمة الفائدة، لا سيما وأنهُ شاهد في الأقطار الأوروبية دولاب التجارة العظيم يدور بأصحابهِ على محور العظمة وجلالة الشأن، وينهض بالأفراد إلى سماءِ المجد والفخر، فحدثتهُ نفسهُ الكبيرة أن ينشئَ محلَّات تجارية بالاشتراك مع أوروبا، فكان أول مصري اهتم لهذه الأمور المفيدة، فأنشأ محلًّا تجاريًّا في مرسيليا، ومحلًّا آخر في ليفربول، وجرى في كل أعمالهِ على خطة الأمانة والاستقامة مع الجد والثبات فنجح نجاحًا عظيمًا.

وكان صاحب الترجمة محسنًا جوادًا لا يطيب لهُ عيش إلَّا بالإكثار من الأعمال الخيرية، فبنى في الإسكندرية كنيسًا لطائفتهِ ووقف لها أملاكًا في مصر وبنى فيها أيضًا المدرسة المعروفة اليوم باسم مدرسة منشه، ووهبها أربعة آلاف جنيه لتنفق على تحسينها ونجاحها.

ووهب أرضًا في يافا لبناءِ مدرسة فبُنيت وجاد بهباتٍ كثيرة للمستشفيات الخيرية، ووقف قبل وفاتهِ أملاكًا ينفق ريعها على فقراءِ ذريتهِ.

وقد توفاهُ الله في مدينة الإسكندرية في شهر نوفمبر سنة ١٨٨٣، ودُفن بما يليق بمقامهِ من التجلة والاحترام مخلفًا آثارًا حميدة لا يمحوها كرور الأيام.

أنجالهُ وأحفادهُ

قلنا: إن البارون يعقوب منشه خلف أربعة صبيان وثلاث بنات، فتوفي الذكور كلهم.

وكان بينهم المرحوم البارون بخور، اشتهر في حياتهِ بأعمالهِ الخيرية ومبرَّاتهِ الصالحة مقتفيًا في ذلك خطوات والدهِ الكريم، فرأس المستشفى الإسرائيلي في محرَّم بك، وأتى من الأعمال المجيدة ما ترك لهُ الذكر المجيد والصيت الحميد، وقد رزقهُ الله خمسة أولاد وابنة واحدة، وهم البارون جاك البكر، والبارون فيلكس، والبارون أَلفرد، ومدام جناب المسيو روبينو، والبارون إيلي، والبارون يوسف، وهذان الأخيران توفيا إلى رحمة ربهما.

(١-٢) البارون جاك بخور ده منشه

figure
البارون جاك ده منشه.

البارون جاك ده منشه ابن المرحوم البارون بخور ابن المرحوم البارون يعقوب ده منشه، وُلد في مصر في شهر يناير سنة ١٨٥٠.

ولما كبر وترعرع دخل المدارس، فأتقن اللغات العربية والفرنسوية والإيطالية والنمسوية والإنكليزية، ولما كان بكر إخوتهِ كان لهُ المنزلة الأولى بينهم، فاقتفى خطوات أبيهِ وجدهِ في الأشغال الخصوصية والأعمال المبرورة.

وفي سنة ١٨٧٤ اقترن بصاحبة العفة والكمال البارونة أدريانة كريمة المرحوم الخواجه نحمان، فرزقهُ الله ستة بنين نجباءَ وهم: المسيو هنري وإدمون وإميل وجستون وديني وأوجين، وابنة، وهي السيدة مرغريت قرينة جناب المسيو جاك أجيون.

أما ابناهُ هنري وجستون ففي جيش النمسا والمجر، الأول برتبة ملازم أول، والثاني برتبة ملازم ثانٍ، والباقون يساعدون جناب والدهم في أشغالهِ.

والبارون جاك ده منشه بنكيير شهير، وقد انتظم في سلك الجمعية الماسونية سنة ١٨٧١، ولهُ فيها مآثر غراءُ، وقد نال سنة ١٨٨٦ النشان المجيدي الثاني والعثماني الثالث من المرحوم توفيق باشا خديوي مصر، ومنحهُ جلالة إمبراطور النمسا وسام التاج الحديد الذي كان عند جدهِ، وكان عضوًا في مجلس الإسكندرية البلدي فاستعفى منهُ منذ أربع سنين لوفرة أشغالهِ، وهو اليوم رئيس الطائفة الإسرائيلية في الإسكندرية، ورئيس الجمعيات الخيرية النمسوية، ولهُ أيادٍ بيضاءُ في كل مشروع خيري، واشتهر بسخائهِ بين قومهِ خصوصًا، وبين كل الطوائف عمومًا، أطال الله عمرهُ ليعم إحسانهُ ومبرَّاتهُ.

(١-٣) البارون فيلكس بخور ده منشه

البارون فيلكس ابن المرحوم البارون بخور ابن المرحوم البارون يعقوب ده منشه، وُلد في الإسكندرية في أغسطس سنة ١٨٦٥، ولما بلغ أشدهُ دخل المدارس فأتقن اللغات الفرنسوية والإنكليزية والنمسوية والإيطالية والعربية، وفي ديسمبر سنة ١٨٩٠ اقترن بالمرحومة سيلين كريمة المرحوم البارون يوسف ده منشه، ورُزق منها ولدًا وهو المسيو جورج منشه، وتُوفيت، ثم اقترن بالسيدة روزت دي بستوس ورُزق منها ولدَيْن وهما المسيو موريس والمسيو أندريا وهو بنكيير كإخوتهِ.

وقد نال منذ ثلاث سنين وسام فرنسوا جوزيف النمسوي وهو يدير شئون الاسبتالية الخيرية، وركن مهم من أركان طائفتهِ، ولهُ مساعٍ حميدة، ومآثر في الأعمال الخيريَّة العمومية عديدة.

(١-٤) البارون ألفرد بخور ده منشه

البارون ألفرد ابن المرحوم البارون بخور ابن المرحوم البارون يعقوب ده منشه وُلد في باريس في سنة ١٨٦٧، ولما كبر دخل المدارس فأتقن من اللغات الفرنسوية والنمسوية والإيطالية والإنكليزية والعربية، وفي سنة ١٨٩٤ اقترن بذات الصون والفضيلة السيدة هيلانة كريمة جناب المسيو فيلكس سوارس ورُزق منها ولدًا وهو المسيو شلر، والبارون ألفرد ده منشه بنكيير بشراكة حضرات الخواجات رولو وشركاهم.

وهو اليوم عضو كبير عامل في المجلس البلدي الإسكندري مشهورٌ فيهِ بجليل الخدمات العائدة بالنفع والإصلاح على البلد، ومشهودٌ لهُ بحرية الضمير والغيرة على مصلحة البلدية، ولهُ مآثر غرَّاء في عمل الخير وخدمة الإنسانية، وهو يدير شئون المدارس الإسرائيلية الصناعية، وحائز لوسام فرنسوا جوزيف النمسوي.

(١-٥) البارون جاك إيليا ده منشه

البارون جاك إيليا ده منشه ابن المرحوم البارون إيليا ابن المرحوم البارون يعقوب ده منشه، وُلد في الإسكندرية في ٢٦ أغسطس سنة ١٨٦٨، ولما ترعرع دخل المدارس فأتقن من اللغات الفرنسوية والإنكليزية والإيطالية والنمسوية ويتكلم العربية.

وفي سنة ١٨٩٢ اقترن بالسيدة جبريال كريمة المرحوم موسى أجيون، والبارون جاك إيليا ده منشه بنكيير مشهود لهُ بحسن الجد والاستقامة.

ومن أعمالهِ الخيرية أنهُ شارع في تشييد دار العجزة التي كان المرحوم والدهُ البارون إيليا ده منشه قد أوصى قبل وفاتهِ ببنائها في الإسكندرية.

(٢) عائلة القطاوي

(٢-١) المرحوم يعقوب بك قطاوي

أب هذه العائلة الشهيرة وكبيرها هو المرحوم يعقوب بك قطاوي المنتقل إلى رحمة الله في ٣ أبريل سنة ١٨٨٣، كان في عصرهِ مشهورًا بعلو همتهِ، وسمو مداركهِ معروفًا باقتدارهِ على إتيان الأعمال الكبيرة النافعة، نابغةً بذكائهِ وحدة ذهنهِ ومكارم أخلاقهِ، نال بلطفهِ ودعتهِ مقامًا رفيعًا بين أقرانهِ ومعارفهِ، وكان على جانب عظيم من المهابة والكمال تقرَّب بهما من الحكام فاحترموهُ وأنزلوهُ بينهم منزلةً سامية، وقد تنقل في وظائف الحكومة المصرية على عهد المرحوم عباس باشا عزيز مصر، وتولى إدارة أشغال الضربخانة المصرية بكل فروعها، ثم التزم المخابز وتعهد بتقديم لوازم الحكومة منها، والتزم حلقات الأسماك والكمارك المصرية بالاشتراك مع غيرهِ، وظلَّ ملتزمًا لها مدة حكم المغفور لهُ المرحوم سعيد باشا، ثم عُيِّن شيخًا للصيارفة (الصرافين) رسميًّا، فكانت تُعهد إليهِ ضمان كل صيارفة الحكومة بالمال وغيرهِ.

وقد رزقهُ الله أربعة أولاد ذكور وهم: أصلان ويوسف وإيلي وموسى، فربَّاهم وغرس فيهم المبادئَ القويمة، وهذبهم في أحسن المدارس فنشئوا على أكمل مثالٍ من الآداب والفضائل والمحامد.

وكأنَّ أفكارهُ السامية وآمالهُ البعيدة وهمتهُ العالية كانت توحي إليه أن يجول في ميدان الحياة جولة المقتدر الحازم، لا سيما وأن أبواب النجاح كانت مفتوحة أمامهُ فانخرط في سلك التجار العظام، واشترك مع البارون منشه وغيرهُ وأسسوا محلاتهم الشهيرة في مصر والإسكندرية ولندن باسم «منشه وشركائه».

ولما كبر أنجالهُ وظهرت عليهم ملامح النجابة والذكاءِ والاقتدار على العمل انفصل عن محل منشه، وباشر الأعمال مع أولادهِ بهمةٍ ونشاطٍ لا مزيد عليهما، ففتح ثلاثة محلات في باريس ومصر والإسكندرية، وأناط إدارة محل باريس بابنهِ المسيو إيلي، وإدارة محلي مصر والإسكندرية بابنهِ أصلان وإخوتهِ بالاشتراك مع عائلة أجيون وبيحا بك.

وقد تولى رئاسة الطائفة الإسرائيلية في القطر المصري مدة حياتهِ، فأظهر من المقدرة والغيرة على مصالح أبنائها ما لا يزال مسطَّرًا لهُ بمداد الثناءِ والحمد، وقد توفي ابنهُ الأكبر الخواجه أصلان في ٢ فبراير سنة ١٨٨٣، ثم توفي هو في ٣ أبريل من السنة نفسها، فكان لوفاتهما رنة حزنٍ وأسف في كل أنحاءِ البلاد الشرقية عمومًا والمصرية خصوصًا، وفقدت مصر بفقدهما ذخيرتَيْن من أعظم ذخائرها، ولكن حضرات أولادهِ الأفاضل أبوا إلا أن يبقى ذكر أبيهم المحبوب مخلَّدًا فأبقوا محلاتهم، كما كانت باسم «يعقوب منشه قطاوي وأولادهِ»، وهي الآن لا تزال آخذةً في النجاح عامًا بعد عامٍ يُضرَب المثل بأمانتها ووفائها وحُسن معاملاتها.

ولما زار المرحوم البرنس رودولف ولي عهد ملك النمسا القطر المصري احتفل يعقوب بك قطاوي بقدومهِ احتفالًا يليق بمقامه السامي، وأحبَّ أن يجعل لزيارته هذه تذكارًا جليلًا وأثرًا حميدًا، فشرع في بناءِ مستشفى في العباسية لأبناءِ الطائفة النمسوية في مصر فسُرَّ البرنس بذلك، وطلب أن يضع بيده الكريمة الحجر الأول من أساسهِ، وقد جرى لذلك احتفالٌ باهر حضرهُ نخبة من عيون أعيان مصر وعظمائها وجمهورٌ عظيمٌ من الناس على اختلاف مللهم ونحلهم، ولكن أبت التقادير أن يتمَّ بناءُ هذا الأثر الحميد في حياة صاحب الترجمة، فتوفي إلى رحمة ربهِ وقام أنجالهُ الكرام بعدهُ، فأتموا بناءَهُ وسلموهُ إلى نائب الحكومة النمسوية.

(٢-٢) المرحوم أصلان بك يعقوب قطاوي

أصلان بك يعقوب قطاوي، وُلد في مصر سنة ١٨٢٤ واقترن بالسيدة جراسيا، فرُزق منها خمسة أولاد ذكور وخمس بنات، والأحياءُ من أولادهِ الذكور الآن هم: حضرات الخواجه جاك ويوسف بك والخواجات أدولف وإميل، وأخواتهم، وكلهم على جانب عظيم من الفضل والنبل ومكارم الأخلاق، ولا غَرْوَ فإنهم من سلالة ذلك الرجل العظيم صاحب الصيت الحسن والمآثر الحميدة، وهم يديرون أشغال البنوك، كما هو مشهور ومعلوم.

وكان المرحوم أصلان بك قد اشترك في أعمال وتنفيذ مشروع معمل تكرير السكر مع الخواجات إخوان سوارس، وكان رئيسًا في محل إدارة ذلك المعمل مدة حياتهِ، وقد توفاهُ الله في اليوم الثاني من فبراير سنة ١٨٨٣، فحفظ أولادهُ الكرام كرامة أبيهم وحافظوا على مبادئِ جدهم الشريفة، ولا تزال أعمالهم سائرة من حسن إلى أحسن.

(٢-٣) يوسف بك يعقوب قطاوي

figure
يوسف بك قطاوي.

وُلد يوسف بك في مصر في ١٥ مايو سنة ١٨٤٥ وتخرج في مدارسها، ولما بلغ السن الذي يخوِّلهُ الظهور في ميدان الأعمال أخذ يتمرَّن على أشغال البنوك، ثم اقترن بكريمة حاخام باشي الطائفة الإسرائيلية في ذلك الوقت في سنة ١٨٦٥، فرزقهُ الله منها بنين وبنات، منهم الخواجات إيلي وموريس وألبير، فالخواجه موريس كان ميالًا إلى الهندسة فتعلمها واتخذها حرفةً لهُ، والباقون اشتغلوا في البنوك كما يشتغل حضرة والدهم.

وكانت جمعية الطائفة الإسرائيلية قد اجتمعت اجتماعًا كبيرًا عند وفاة المرحوم يعقوب بك قطاوي رئيسها إذ ذاك، وقرَّ قرارها على أن تطلب من جناب يوسف بك وشقيقهِ موسى بك أن يترأساها مكان المرحوم والدهما، فلبَّيا طلبها عن طيب نفسٍ حبًّا بعمل الخير ومساعدة البائسين، ورغبةً في رفع منار هذه الطائفة والذَّوْد عن مصالحها، فقاما في أعباءِ هذه الخدمة الشريفة بما اشتهر عنهما من الغيرة والهمة يبذلان جهدهما في خيرها، ويسهران على أوقافها ومبرَّاتها وسائر شئونها.

ولما كان الشيءُ بالشيءِ يُذكر أقول: إنني حضرتُ مرةً الصلاة في كنيس الإسرائيليين بمصر يوم عيد الصوم الكبير، ولما طافوا بالتوراة أمام الشعب تقدم المحسنون الذين يرغبون حمل أجزاءِ التوراة، وقد هزَّتهم الأريحية فتبرع كلٌّ منهم بما سمحت بهِ نفسهُ، فكان السابق في جودهِ وإحسانهِ يوسف بك قطاوي، فلما شاهدتُ ذلك لم أتمالك أن جاهرت بمدح السخاءِ والكرم والقدوة الصالحة، وأثنيت الثناءَ الجميل على سماحة وغيرة هذه الأمة عمومًا ويوسف بك خصوصًا.

ولم يقتصر حضرتهُ على القيام بمهام الأعمال الكثيرة التي يديرها مع شقيقهِ الهمام في محلهم المشهور، ولم تقعد بهِ همتهُ العالية عن الاشتغال بأعمالٍ أخرى عظيمة، فقد عُيِّن مديرًا لعدة شركات أهمها الشركة العقارية المصرية، وشركة مياه طنطا، وهو من مديري سكة حديد حلوان، ولهُ علاقة بكثيرٍ من الشئون العائدة بالنفع على مصر والمصريين.

أما صفاتهُ وأخلاقهُ فتحليها الوداعة والاتضاع مع الأنفة وعزة النفس ويزينها الأدب والكمال والتقوى، ولهُ المقام الأول بين أقرانهِ يحترمونهُ ويحلُّون آراءَهُ المحلَّ الأسمى وهو محبوب كثيرًا من أواسط الناس وفقرائهم للطفهِ ووداعتهِ، فإنهُ يقابلهم كأنهُ واحد منهم ويجتمع معهم، ويتفقد أحوالهم ويشرح صدورهم برقة أحاديثهِ، أدامهُ الله وجزاهُ قدر حسناتهِ ومبرَّاتهِ.

(٢-٤) المسيو إيلي قطاوي

figure
المسيو إيلي قطاوي.

وُلد المسيو إيلي يعقوب قطاوي في مصر في ٣ مارس سنة ١٨٤٩، وتخرَّج في المدارس، ولما دخل في ميدان العمل اقترن بكريمة المرحوم ليون فلنسين فرُزق منها ابنتَيْن، وقد كان نصيبهُ الإقامة في مدينة باريس، حيث يدير محلات الخواجات قطاوي بهمتهِ وذكائهِ.

ولما توفيت زوجتهُ اقترن بسيدةٍ من بنات عائلة ريدلخ الشهيرة في بلاد النمسا والمجر ورُزق منها ابنةً.

وهو الآن أحد مديري شركة أعمال السكر المسماة «راتين ريسيه»، وأحد أعضاء البنك العقاري المصري وغيرهِ من البنوك.

ويدير في باريس أيضًا أشغال أخرى لها علاقة بمصر وغيرها من البلدان.

(٢-٥) موسى بك يعقوب قطاوي

موسى بك قطاوي نجل المرحوم يعقوب بك قطاوي، وهو رابع إخوتهِ الذكور، وُلد في مصر في اليوم الثاني من شهر فبراير سنة ١٨٥٠، ونشأ على المبادئِ الصحيحة، ولما بلغ السابعة من عمرهِ ظهرت عليهِ مخائل النجابة والذكاء، وتوقع الناس لهُ مستقبلًا باهرًا ومقامًا رفيعًا، وكان نحيف الجسم ضعيف البنية، إلا أنهُ كان عالي الهمة متقد العزيمة، قضى أيام شبيبته في جدٍّ ونشاط مكبًّا على الدروس وتلقي العلوم تارةً في مصر وتارةً في أوروبا حتى نال نصيبًا وافرًا من المعارف والفنون ومحاسن التربية الحديثة، ولما ترعرع أخذ في السياحة والأسفار ليقرن العلم بالاختبار والتحنك من أحوال الدنيا وشئونها، وكانت همتهُ العالية تدفعهُ إلى هذه السياحة معتمدًا على نفسهِ وأفكارهِ شأن الحكيم العاقل حتى رسخت فيهِ قوة الاعتماد على النفس المقرونة بحسن التدبير، ومحاسن الأخلاق، واستمر في سياحاتهِ هذه حتى بلغ العشرين من عمرهِ، فظهرت عليهِ إذ ذاك علائم الاقتدار على الأعمال وإدارتها، فطلبهُ والدهُ وأدخلهُ في دائرة أشغالهِ، فأظهر مقدرة سامية في كل الأعمال التي عُهدت إليهِ ونجح فيها نجاحًا باهرًا، ولما رأى كفاءَتهُ ونشاطهُ في الأعمال جعلهُ شريكًا لهُ في بنكهِ، فقام بهذه المهمة على أحسن ما يكون من حُسن التدبير والإدارة، وبعد ذلك بأعوامٍ قليلة عزم والدهُ على زواجهِ وكاشفهُ في ذلك، فلم يتمنع طوعًا لإرادتهِ فاقترن بالسيدة إيدا كريمة العالم الشهير الدكتور روسي بك طبيب العائلة الخديوية، وهو في الرابعة والعشرين من عمرهِ، وكان ذلك في ٢١ أبريل سنة ١٨٧٤، وقد احتُفل بزفافهِ احتفالًا بلغ الغاية القصوى من العظمة ورفعة الشأن، وكان لهُ رنة بلغت حد الانتشار حتى لهج بها الناس في كل مكان، وذلك دليل واضح على ما لهذه العائلة الكريمة من سمو المكانة في أعين الناس.

figure
موسى بك قطاوي.

وفي ١٥ يناير سنة ١٨٧٥ رزقهُ الله مولودًا ذكرًا سماهُ جستاف، واحتفل بختانهِ بعد ثمانية أيام من ميلادهِ على حسب عقائد الديانة الإسرائيلية، فأُقيمت شعائر الأفراح وبشائر السرور والابتهاج، وعزم جد المولود الكريم المرحوم يعقوب بك قطاوي على إحياءِ ليلة راقصة دعا إليها جمهورًا عظيمًا من أعاظم الكبراءِ والأعيان، ولما كان المرحوم يعقوب بك قطاوي مقرَّبًا من عزيز مصر المغفور لهُ إسماعيل باشا طلب إليهِ أن تكون تلك الحفلة الحافلة تحت رعايتهِ؛ تَيَمُّنًا باسمهِ وتشريفًا بطلعتهِ، فأجابهُ عزيز مصر إلى ذلك، ولما انتظم عقد الحفلة وظهر بدر كمالها وجلالها قدم سمو الخديوي المُعظَّم في الساعة التاسعة مساءً من تلك الليلة بموكبهِ الباهر، يتبعهُ حضرات رجال المعية السنية وضباط الحرس الشريف، ودخل المنزل بين أنغام الموسيقى وذبح الذبائح حتى جلس سموهُ في المكان المعد لهُ، فمرَّ المدعوون والمدعوات أمام سموهِ فحيَّاهم وكرَّمهم، ومن ثمَّ ابتدأت الحفلة ودارت المخاصرة على نغم الألحان المطربة، ودام الفرح والسرور حتى مطلع الفجر، وخرج المدعوون وهم يثنون على آل المنزل الكرام لما لقوهُ منهم من حُسن الاستقبال والإكرام، وحمد أفراد هذه العائلة الكريمة سمو الخديوي المعظم على ما تكرَّم به من تشريفهِ تلك الليلة البديعة الانتظام والترتيب.

وفي ٣١ يناير سنة ١٨٧٦ رُزق صاحب الترجمة مولودًا آخر سماهُ إيكتور، وفي ٢٠ يناير سنة ١٨٧٨ مولودًا ثالثًا دعاهُ إدجار، وفي ٢٩ أغسطس سنة ١٨٨٧ رُزق مولودة سماها إيديت، ولم يولد لهُ غيرها من البنات فربَّى أولادهُ تربية صالحة وهذَّب أخلاقهم في المدارس وعلمهم اللغات المشهورة، فنشئُوا على إكرام الخصال وأشرف الصفات.

ولم تكن كثرة أشغالهِ التجارية والخصوصية لتثنيهِ عن الاشتغال بالأعمال الخيرية، فقد كان مغرمًا بتهذيب أخلاق الشبان سواءٌ كانوا فقراء أو أغنياءَ، ولا سيما أقرانهُ ورفاقهُ الذين نشأَ معهم وشبَّ بينهم، وكان من رأيهِ الصحيح أنهُ لا سبيل للإنسان إلى التمدن والحرية إلا من طريق العلوم على أنواعها، ولا يبلغ درجة الكمال، ولا يعرف الحقوق والواجبات الإنسانية إلا إذا تلقى العلوم والفنون والمعارف في المدارس، وهذا الميل إلى ترقية أخلاق الشبان كان غريزيًّا فيهِ؛ ولذلك شرع في إنشاءِ مدرسة خصوصية على نفقة عائلته الكريمة وأتمها وفتح أبوابها لطالبي العلم على اختلاف أجناسهم ومذاهبهم، وجلب إليها الأساتذة الماهرين، وألف لها لجنة إدارية برئاستهِ تنظر في أمورها وشئونها وسماها المدرسة التجارية، ثم دُعيت دار العلوم العالية فنجحت نجاحًا عظيمًا، وظهرت ثمار فوائدها في التلامذة الذين تخرَّجوا فيها وتهذبت أخلاقهم، فخرج منها شبان كثيرون متممين فيها الدروس الابتدائية والثانوية، وبعض هؤلاء الشبان لم يخرج منها إلا لكي يتمم علوم الطب والهندسة والقانون في مدارس أوروبا، فذاعت شهرة هذه المدرسة، وفاقت بإدارتها وحسن تعليمها واجتهاد أساتذتها وتلامذتها سائر المدارس في القطر المصري، وكأنَّ القدر المتاح كان كاتبًا لها أن لا يطول عمرها كثيرًا، وذلك أن صاحب الترجمة عرض لهُ في ذاك الأوان ما دعاهُ إلى الإقامة في أوروبا سنة كاملة، فأخذت المدرسة في غيابهِ تتقهقر وتتأخر شيئًا فشيئًا إلى أن أقبلت على شفا الخراب، ولما عاد من سفرهِ وشاهد ما صارت إليهِ من الانحطاط تأسف كثيرًا، ولا سيما أن أمراضها كانت قد تأصلت فيها، فرأى أن إرجاعها إلى حالتها الأولى من أصعب الأمور وأشدها، فتركها ووجه عنايتهُ إلى تحسين حالة المدارس الخيرية المجانية الإسرائيلية التي كان يديرها ويلاحظ شئونها، فنجحت هذه المدارس في مدة قصيرة وحازت قصب السبق على غيرها، وهي لا تزال إلى اليوم راقية في معارج النجاح والفلاح، وتلامذتها ينيفون على الخمسمائة بين ذكور وإناث.

ولم تقعدهُ كل هذه المشاغل عن الاشتغال بأمور خيرية أخرى يعود نفعها على بني الإنسان، فقد كانت غيرتهُ ومروءَتهُ تدفعانهِ إلى الإكثار من أعمال البر والإحسان حبًّا بصالح الفقراءِ والمعوزين وغيرهم الذين كانوا يلتجئون إليهِ، فيفرج كربهم ويزيل عثراتهم غير فارقٍ بين مذاهبهم وأديانهم، شأن الحكماءِ العقلاء الذين لا يثنيهم شيءٌ عن أداءِ الفروض والواجبات الإنسانية المفروضة على كل غني مقتدر أمام الفقير البائس، ولا سيما من كان مثل صاحب الترجمة رئيسًا على الطائفة الإسرائيلية عارفًا بأحوال الفقراءِ ميالًا إلى إصلاح أحوالهم وتبديد همومهم.

أما رئاسة الطائفة الإسرائيلية فقد نالها بالاشتراك مع حضرة شقيقهِ الفاضل يوسف بك قطاوي بعد وفاة والدهما المرحوم يعقوب بك قطاوي في سنة ١٨٨٣، وهما لا يزالان إلى الآن قائمين بمهام هذه الرئاسة بهمة وإخلاص لا مزيد عليهما، كما يشهد بذلك كل فرد من أفراد هذه الطائفة الكريمة في القطر المصري.

وقد نال الرتبة الثانية مع لقب بك من المرحوم الخديوي السابق توفيق باشا.

ولما برح القطر المصري سعادة بلوم باشا وكيل نظارة المالية المصرية سابقًا انتخبتهُ الطائفة النمسوية المجرية بمصر رئيسًا على شركاتها الخيرية بدلًا عن الباشا المذكور، ورئيسًا أيضًا على إدارة المستشفى النمسوي الخيري الذي في العباسية، وهو الذي أنشأهُ والدهُ المرحوم يعقوب بك قطاوي بمالهِ الخاص.

أما أعمال صاحب الترجمة المالية والتجارية فهي كثيرة جدًّا، ولو شئنا الإلمام بها كلها لضاق بنا المجال في هذا المقام، وإنما نقول: إن كل مشروع أخذ فيهِ أو سعى في تنشيطهِ وتعضيدهِ كان يبلغ حد النجاح ويثمر ثمار الفوائد العائدة بالنفع العمومي، فإنهُ اشترك بمالهِ وإدارته في إنشائهِ السكك الحديد الحلوانية المستجدة، والسكك الحديد الممتدة بين قنا وأسوان، والسكك الحديد الزراعية الشرقية التي ابتاعتها بعد ذلك شركة الدلتا، وكان من العاملين في إنشاءِ شركة مياه طنطا، وشركة مركبات الأمنيبوس بمصر، وهو الآن أحد مديري كل هذه الشركات، فضلًا عن انضمامهِ إلى مديري البنك العقاري المصري والبنك الأهلي والشركة الزراعية، وغيرها من الشركات التجارية والمالية المشهورة.

وهو رئيس محفل بني بريت، ورئيس شرف في المحافل الماسونية المصرية، وكان من أهم أعضاءِ محفل كوكب الشرق الإنكليزي.

ومع كل هذه الأعمال العظيمة التي كان يقوم بأعبائها بهمتهِ وسمو مداركهِ، فإن الأعمال الخيرية كانت دائمًا تجول في خاطرهِ وتشغل قسمًا كبيرًا من أوقاتهِ، فقد بلغهُ ذات يوم أن تكية رودلف في الإسكندرية سائرة في طرق الخير والإحسان، يلجأُ إليها عدد عظيم من المحتاجين والمعوزين، فكتب إلى حضرة مديرها الفاضل الأب رودلف يلتمس منهُ أن يحضر إلى مصر، ويساعدهُ على إنشاءِ تكية فيها على نسق تكية الإسكندرية، فأجابهُ إلى طلبهِ وجاءَ إلى مصر، وخطب في محفل حافل حضرهُ جميع رؤساء الشركات الخيرية على اختلاف مذاهبهم وأميالهم، وأبان المزايا الحميدة التي تعود على الإنسانية من عمل الخير والإحسان، وارفض ذلك المحفل بعد أن أقرَّ على إنشاء هذه التكية وابتياع منزل يكون لائقًا بها، ومن ثم أخذ صاحب الترجمة يسعى في إيجاد المنزل المطلوب حتى وجدهُ وابتاعهُ على ذمة التكية وعمَّرهُ، وأصلح منهُ ما كان في حاجة إلى الإصلاح على نفقة مشتركي هذه الشركة، وفتح أبوابهُ للفقراء والبائسين من جميع الملل والمذاهب، وقد جُعلت هذه التكية تحت رعاية جناب اللورد كرومر وزير الدولة البريطانية بمصر.

وفي سنة ١٨٨١ جاء اللورد دوفرين إلى القاهرة مندوبًا من دولة بريطانيا العظمى لتعديل وإنشاءِ نظامات وقوانين لبلاد مصر بعد حدوث الثورة العرابية، فلم تجد الحكومة إذ ذاك منزلًا يليق بذلك الرجل العظيم غير بيت القطاوي، فطلبت من هذه العائلة الكريمة أن تعد منزلها لهُ، فأقام فيهِ اللورد مدة مكوثهِ في مصر، وبعد إتمام مهمتهِ التي جاءَ لأجلها رحل إلى بلادهِ بعد أن أهدى صاحب الترجمة رسم الملكة فيكتوريا مكبرًا ومكتوبًا عليهِ هذه الكلمات:
هدية تذكار لضيافة اللورد دوفرين.

وفي سنة ١٨٩٠ أنعمت عليهِ حكومة النمسا بنيشان فرنسوا جوزيف من الدرجة الثالثة مكافأةً لهُ على خدماتهِ الجليلة نحو الطائفة النمسوية بمصر، وعند الاحتفال بحلول العام الخمسين من جلوس الإمبراطور على عرش النمسا أُنعم عليهِ بالنشان نفسهِ من الدرجة الثانية.

وهو على جانب عظيم من الوداعة واللطف والشهامة ومكارم الأخلاق، ومشهورٌ بين أصدقائهِ ومعارفهِ العديدين بسمو الأفكار والآراءِ وعلو الهمة والعزيمة.

(٣) عائلة رولو

بين التجار الذين استوطنوا القطر المصري من عهدٍ بعيد المرحوم الخواجه روبين رولو، وقلَّ من لا يعرفه من معاصريهِ ويشهد بمهارتهِ وطهارة ذمتهِ، وقد رزقهُ الله أولادًا شبوا وشابوا على الاجتهاد ومزاولة الأعمال بالنشاط، فالخواجه سيمون ولد في مصر سنة ١٨٤٤، والخواجه جاكومو، ولد في مصر أيضًا سنة ١٨٤٧، وقد تعلما في المدارس العلوم اللازمة للأعمال التجارية.

وفي سنة ١٨٦١ اقترن الخواجه سيمون بالسيدة روزا كريمة المرحوم بخور نجار فرُزق منها ولدًا وابنتَيْن، وسُمِّي ولدهُ روبير، وكانت ولادتهُ في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٦٩، وهو الآن في عنفوان الشباب، وقد تعلَّم العلوم واللغات العصرية، وهو يشتغل مع والدهِ في أشغالهم المتنوعة.

واقترن الخواجه جاكومو سنة ١٨٦٩ بالسيدة جراسيا كريمة المرحوم بخور روصانو ورُزق منها أربعة صبيان وأربع بنات، فرباهم التربية الجيدة، والذكور منهم يشتغل بعضهم الآن مع جناب والدهم.

وفي سنة ١٨٧٠ فتحوا محلهم المشهور في الإسكندرية برئاسة جناب الخواجه جاكومو بعنوان «روبين رولو وأولادهُ»، ولا يزال الخواجه جاكومو يدير أعمالهُ بهمة لا تعرف الكلل منذ إنشائهِ إلى الآن.

وظلَّ المرحوم روبين رولو ونجلهُ الأكبر الخواجه سيمون يشتغلان في مصر، وعنوان محلهم «روبين رولو وأولادهُ».

وفي سنة ١٨٧٦ اشترك محلهم في مصر والإسكندرية مع الخواجات إخوان سوارس، ولا يزالون إلى الآن مشتركين في الأشغال والمشروعات المتنوعة العائدة بالنفع على سكان القطر المصري عمومًا.

والخواجات سيمون وجاكومو يتوليان إدارة أشغال خصوصية عدا عن أعمالهم الكثيرة، وهما من أعضاءِ عدة شركات كالدائرة السنية وشركة سكة حديد حلوان والبنك العقاري والشركة العقارية المصرية والبنك الأهلي وغير ذلك، ولهما مقام رفيع عند جميع معارفهما لما اتصفا بهِ من المزايا الحميدة والإخلاص في معاملاتهما حتى ذاعت شهرتهما في الصدق والأمانة مع كل الذين يعاملونهما، وقد جمعا ثروتهما بكدهما واجتهادهما، ولم نسمع بمشروع دخلا فيه إلَّا كان لهما الأيادي البيضاءُ في إنجاحهِ وفقهما الله.

(٤) عائلة موصيري

هذه العائلة الكريمة إسبانية الأصل، كما يُستدَلُّ من وجود اسمها بين أسماءِ العائلات التي هاجرت إسبانيا إلى بلاد الشرق، وأول من قصد القطر المصري منها أحد أفرادها المرحوم نسيم موصيري في سنة ١٧٥٠ إفرنجية، فمكث فيهِ واستوطنهُ، ثم أخذت هذه العائلة تنمو وتتفرع حتى أصبح عدد أفرادها ينيف على الخمسين في مدة قرن ونصف قرن، فكانوا كلهم مثالًا للمهارة والنشاط والأمانة في أعمالهم حتى أحرزوا مقامًا جميلًا بين سكان مصر مستظلين بظل حكامها ومشمولين برعاية دولة إيطاليا المعظمة، ومن رسم الشجرة المطبوعة في آخر تراجم هذه العائلة يُعرف تاريخ أفرادهم وأسماءِ الذكور منهم، أما أشغالهم التي يتعاطونها فمتفرقة، فاشتغل بعضهم في الأمور المالية، وانخرط البعض الآخر في الصنائع والفنون المختلفة وبرع فيها وفاز على أقرانهِ وحاز شهرة بعيدة، ونحن نرى من أفراد هذه العائلة الكريمة الآن مَن يشتغل بفن المحاماة والطب والهندسة والزراعة والتجارة على اختلاف أنواعها وفروعها، وكلهم جارون في أعمالهم على خطة الاستقامة والإخلاص والأمانة في المعاملات، مشهورون بطهارة السيرة والسريرة؛ حتى أصبحوا في مقام رفيع من الجاه ورفعة القدر.

وكان المرحوم موسى موصيري الكبير جد الخواجه موسى موصيري رجلًا تقيًّا غيورًا على طائفتهِ، ولهُ ولعٌ في أمر الكنائس وعمل البر، وأحد أنجالهِ الخواجه داود جاءَ على مثال أبيهِ في التقوى والفضل وتربية بنيهِ على قويم المبادئِ والعلم، وقد اشتهر بهذه الخصال الحميدة أيضًا المرحوم يوسف نسيم موصيري والد المرحومَيْن نسيم بك موصيري وجاك موصيري، والخواجات فيتا وإيزاك موصيري، وخدم الكنائس والمدارس والجمعيات الخيرية، وربى أولادهُ التربية الصالحة، فنبغوا بين أقرانهم، ومن سيرة أبنائهِ تُعرَف أخلاقهُ الكريمة.

(٤-١) المرحوم نسيم بك يوسف موصيري

المرحوم نسيم بك يوسف موصيري، وُلد في مصر سنة ١٨٤٨، وتلقى العلوم في مدارسها ففاز على أقرانهِ بفرط ذكائهِ، وشبَّ على حب الفضيلة من صغرهِ، فكان نابغةً باجتهادهِ ومثالًا في آدابه، ولما بلغ أشدهُ وخرج من المدارس اقترن سنة ١٨٦٨ بذات الكمال السيدة إلينا كريمة المرحوم يعقوب بك قطاوي الشهير الذي مرَّ بنا ترجمة حياتهِ [في الفصل الثاني عشر: أعيان اليهود في القطر المصري – عائلة القطاوي]، فرُزق منها ثمانية أولاد وثلاث بنات، وهم: يوسف وُلد سنة ١٨٦٩، وإيلي سنة ١٨٧٩، وإستير سنة ١٨٨١، وروجينا سنة ١٨٨٣، وجاك سنة ١٨٨٤، وموريس سنة ١٨٨٦، وفيكتوريا سنة ١٨٨٧، ودافيد سنة ١٨٨٩، وليون سنة ١٨٩١، وفيلكس (سعد) سنة ١٨٩٣، وإميل سنة ١٨٩٦.

ولما توفي المرحوم أبوهُ كان عمر نسيم بك ٢٨ سنة، فاستلم إدارة أعمالهِ التجارية وأفلح في ترقية أمورها ونجاحها فلاحًا عظيمًا، واعتنى بتربية إخوتهِ الصغار وبسائر عائلة المرحوم والدهِ اعتناءَ الرجل العاقل الحازم، وما زال يرقى في معارج التقدم والمجد حتى أنعم عليهِ المغفور لهُ الخديوي الأسبق إسماعيل باشا بالوسام المجيدي الثالث دلالةً على أمانتهِ وإخلاصهِ للعائلة الخديوية المعظمة، ثم أنعم عليهِ بالرتبة الثانية مع لقب بك.

وفي سنة ١٨٨٨ منحهُ جلالة ملك إيطاليا نيشانًا من درجة أوفيسيه، ثم انتُخب عضوًا في الجمعية الخيرية الإيطالية، فأبدى من الشهامة والمروءَة والغيرة على الفقراءِ ما لا يزال مسطرًا لهُ بمداد الشكر والأجر، وكان نائبًا لرئيس الطائفة الإسرائيلية ومندوبًا في محكمة مصر التجارية المختلطة، لبث في هذه المهمة عدة سنوات أبدى فيها همة عالية ومدارك سامية، وحاز على رِضى الشعب وثقة الحكومة، فكان مقرَّبًا محبوبًا منهما، وانتُخب عضوًا للجنة عوائد الأملاك بالقاهرة، وانتهج مسالك كثيرة نافعة عادت بالخير الكثير على البلاد.

وكان على الجملة حكيمًا عاقلًا مجتهدًا حازمًا جمع ثروة طائلة بثباتهِ وعلو همتهِ وحسن تدبيرهِ، وتوفي إلى رحمة ربهِ في ٤ يناير سنة ١٨٩٧، وهاك ما ذكرتهُ جريدة المقطم ثاني يوم وفاتهِ:

استأثرت رحمة الله بالمأسوف عليهِ نسيم بك موصيري أحد وجهاءِ الطائفة الإسرائيلية، فشقَّ نعيهُ على جميع معارفهِ لما كان عليهِ من الوجاهة وكرم الأخلاق، وشيَّعت جنازتهُ في الساعة العاشرة صباحًا من منزلهِ بالإسماعيلية، ومشى فيهِ كبراءُ القوم ووجهاؤُهم، ووضع الفقيد في مركبة فاخرة، ومشى أمامها البوليس ويسقجية قناصل الدول، وأولاد المدارس ينشدون الأناشيد، وكان سعادتلو أباتا باشا وحضرات الخواجه سوارس والأفوكاتو فيجري وقطاوي بك يحملون بساطي الرحمة ومركبة الفقيد مغطاة بأكاليل الأزهار، ووراءَها كثير من المركبات تحمل أكاليل الأزهار، وخيلها موشحة بأثواب الحداد، ولما بلغ المشيِّعون المحكمة المختلطة ركبوا المركبات وساروا وراءَ الجنازة إلى المدفن، حيث واروا الفقيد التراب ورجعوا يعزُّون آلهُ الكرام عن هذا المصاب، تغمدهُ الله برحمتهِ وإحسانهِ.

والمرحوم جاك يوسف موصيري هو شقيق المرحوم نسيم بك موصيري، توفي منذ عهد قريب في مصر، وكان — رحمهُ الله — طيب السيرة والسريرة ونظير أخيهِ في أكثر وظائفهِ.

والخواجه فيتا موصيري هو ابن المرحوم يوسف موصيري وشقيق المرحوم نسيم بك موصيري، وُلد في مصر في ١٥ فبراير سنة ١٨٥٦، فرباهُ والداهُ على محبة الفضيلة والاتضاع، فنشأ شهمًا وديعًا أنيس المحضر رقيق الطباع، وقد اشترك مع أخيهِ في الأعمال التجارية، فكانا فيها مثالًا للصدق والأمانة وعنوانًا للنشاط والاجتهاد.

وفي ٢٧ يناير سنة ١٨٨٠ اقترن بحضرة السيدة المصونة أليجره كريمة المرحوم حاييم راصون، فرزقهُ الله منها أربعة أولاد ذكور وخمس بنات، نأتي على أسمائهم حفظًا لتاريخ ميلادهم، وبيانًا لحسن تربيتهم وآدابهم، وهم: متيلده، ولدت في مصر سنة ١٨٨٠، وراشيل سنة ١٨٨٢، ويوسف وهو أكبر أولادهِ الذكور، وُلد في ١٠ أغسطس سنة ١٨٨٤، وهو الآن شاب في مقتبل العمر ونضارة الحياة، وإيدا وُلدت سنة ١٨٨٦، وأنيس سنة ١٨٨٨، وألبير سنة ١٨٩١، وروجينا سنة ١٨٩٢، وجان سنة ١٨٩٥، وموريس سنة ١٩٠٠، نقول: والشيءُ بالشيءِ يُذكر، إننا عرفنا من أنسبائهِ جناب الخواجه نسيم إيلي جرين زوج إحدى كريماتهِ المصونات السيدة راشيل، وهو شابٌّ من نوابغ الإسرائيليين وألطفهم خلقًا وأوفرهم ذمةً وأدبًا، يشتغل بالتجارة في مصر.

والخواجه فيتا صاحب هذه الترجمة بنكيير شهير في مصر مشهود لهُ بالأمانة، وهو عضوٌ في الجمعية الخيرية الإسرائيلية ورئيس لجمعية زواج بنات فقراءِ الإسرائيليين، ورئيس لكنيسة الإسماعيلية بمصر، وحذا على مثال إخوتهِ شقيقهم الخواجه زاكي موصيري وهو أصغرهم وشريكهم في الأعمال أيضًا.

(٤-٢) يوسف بك نسيم موصيري

وُلد يوسف بك موصيري نجل المرحوم نسيم بك موصيري في مصر في ٢٣ يونيو سنة ١٨٦٩، فوضعهُ والداهُ في المدارس وتربى أحسن تربية، فتعلم الفرنسوية والعربية والإيطالية وبرع في الأمور التجارية، ولما بلغ عمرهُ ٢٥ سنة اقترن بصاحبة العفة السيدة جان كريمة المرحوم موسى أجيون، فرُزق كريمتَيْن، وفي سنة ١٩٠١ رُزق ولدًا سماهُ نسيم باسم جدهِ، ولما تُوفي المرحوم والدهُ في ٤ يناير سنة ١٨٩٧ خلفهُ في أعمالهِ التجارية، وحذا حذوهُ بالصدق والأمانة فنجح وأضاف إلى مآثر عائلتهِ الجليلة مزايا حميدة تُذكَر لهُ بالثناءِ، فاهتمَّ كل الاهتمام بتشييد كنيسة الإسماعيلية الشهيرة، وشارك أبناءَ ملتهِ في الأعمال المبرورة، وقد انتُخب عضوًا للجمعية الخيرية الإيطالية سنة ١٩٠٠، ونائب رئيس للطائفة الإسرائيلية ومندوبًا بين قضاة المحكمة المختلطة التجارية بمصر، وفي بداية سنة ١٩٠٤ أنعم عليهِ سمو الخديوي عباس حلمي باشا الثاني بالرتبة الثانية مع لقب بك، فسرَّ ذلك عائلة موصيري الكريمة خصوصًا، وجميع الإسرائيليين والأصدقاء عمومًا، وأقبل المهنئون يهنئونهُ من سائر أنحاء مصر بما نال عن أهلية واستحقاق.

وبالإجمال فهو كأبيهِ كريم الأخلاق لطيف المعاشرة سليم القلب بشوش الوجه محبٌّ لعمل الخير والإحسان، ولهُ الرأي الأول والكلمة النافذة بين معارفهِ وأصدقائهِ الذين يحترمونهُ، ويجلُّون قدرهُ لما عُرِف بهِ من سامي المدارك وعلو الهمة.

(٤-٣) الخواجه فيكتور موسى موصيري

وُلد الخواجه فيكتور من أبوين كريمين اشتهرا بالفضل وحب الله والإنسان، وحصَّل أبوهُ الخواجه موسى موصيري حفيد المرحوم موسى موصيري الكبير باجتهادهِ ما لم يحصلهُ غيرهُ، واقترن بالسيدة الفاضلة نظلة موصيري شقيقة المرحوم نسيم بك موصيري، فوُلد لهُ منها أولاد رباهم على أحسن المبادئِ فشبوا على حب الفضيلة والاجتهاد، ونحن نقتصر على ملخص ترجمة أكبرهم الخواجه فيكتور للدلالة على بقيتهم، ومن ترجمتهِ تعرف أخلاق والدهِ الكريم.

وُلد الخواجه فيكتور في ١٤ نوفمبر سنة ١٨٧٣، ولما بلغ السابعة من العمر وضعهُ والداهُ في المدارس، وما زال يتنقل من مدرسة إلى أخرى حتى نال شهادة البكلوريا، ثم درس في فرنسا العلوم الهندسية والزراعية، فنال من كليتي باريس ومونبليه شهادة مهندس ومزارع، ولما عاد إلى مصر أظهر كفاءَة بعلمهِ وعملهِ، فعُين مديرًا للأعمال الهندسية والكيماوية والزراعية لفابريقة سكر من سنة ١٨٩٥ إلى سنة ١٨٩٧.

ثم تفرَّغ إلى الدرس في الأمور التي تهم زراعة القطر المصري كزراعة القطن، وقصب السكر وأمراض النباتات ونحوها، واهتمَّ بأراضيهِ الخاصة، فأصلح فيها حتى صيَّرها مخصبة بعد الجدب، ونضرة بعد القحط.

وفي ٢٨ يناير سنة ١٩٠١ اقترن بالسيدة إستير كريمة خالهِ المرحوم نسيم بك موصيري، ورُزق منها بولد في سنة ١٩٠٣ سماهُ باسم جدهِ الخواجه موسى موصيري، وصاحب الترجمة عضو في عدة جمعيات شهيرة في مصر وأوروبا، ولا يزال في مقتبل العمر ونضارة الحياة، يعمل أعمالهُ بهمة ونجاح، وفقهُ الله وأكثر أمثالهُ.

(٤-٤) الخواجه هارون دي لاذرميرس

هو السري الوجيه الكامل ابن المرحوم لاذرميرس بن فيكتور ميرس، وُلد في الإسكندرية في ٣ أغسطس سنة ١٨٤٩، ونشأ على مكارم الأخلاق ومحاسن الخلال، وكان المرحوم والدهُ بنكييرًا شهيرًا في الإسكندرية وشريكًا للبارون منشه والخواجات تلكه وغيرهم، اشتهر بفضلهِ وصدق معاملاتهِ وشدة إخلاصهِ، وتوفي إلى رحمة ربه في أغسطس سنة ١٨٨٧ في المدينة نفسها، أما الخواجه هارون دي لاذرميرس صاحب هذه الترجمة، فلما بلغ العاشرة من عمرهِ دخل في المدارس الابتدائية الإيطالية فتعلم فيها اللغتين الإيطالية والعربية، وتلقى المبادئ القويمة والمزايا الحميدة التي أهلتهُ للانخراط في سلك التجارة وهو في الثامنة عشرة من عمرهِ، فنال مقامًا رفيعًا بين أربابها لما أبداهُ من الهمة والنشاط والذكاءِ، وفي سنة ١٨٦٥ اقترن بالمرحومة إستير كريمة المرحوم سلمون حيفص، ورزقهُ الله منها أربعة ذكور وأربع بنات، ثم توفيت إلى رحمة ربها فاقترن بعدها بالسيدة هنريت كريمة المرحوم سلمون موصيري، ورُزق منها ولدَيْن وخمس بنات، وقد قام بتربية أولادهِ قيام الأب الحكيم العاقل، فنشئوا كلهم على أكرم المبادئ وأشرف الخصال، وفي سنة ١٨٦٩ استوطن مصر وأنشأ بنكًا فيها وأدارهُ بذكائهِ ومقدرتهِ فنجح نجاحًا بيِّنًا.

figure
هذه الشجرة تحتوي أسماءَ الذكور من عائلة موصيري وتاريخهم.

وفي ٤ أغسطس سنة ١٨٩٨ دخل محفل بدر حلوان فنال الدرجات العالية فيهِ، ومدَّ إليهِ يد المساعدة، وأهدى إليهِ عدة أدوات على سبيل التذكار، وهو كريمٌ جوادٌ كثير الشغف بالأعمال الخيرية شديد الغيرة على أبناءِ ملتهِ، ولا سيما الفقراءِ منهم، فقد بنى لطائفتهِ كنيسة في حلوان من مالهِ الخاص، ولا يزال الناس يقبلون عليها، ويصلون فيها ولهُ مآثر جليلة في عمل البر والخير تُذكر لهُ بالحمد والثناء.

(٥) استدراك

اكتفينا في هذه الطبعة بنشر هذه التراجم الوجيزة التي وصل إلينا ملخص تواريخ أصحابها مؤملين من حضرات قُراءِ هذا الكتاب المعذرة على هذا الاكتفاء الذي دعانا إليهِ تعذُّر الوصول إلى بقية تراجم مشاهير الأمة الإسرائيلية في الشرق، فضلًا عن أننا لو أردنا تدوين تراجم سائر الأفراد المشهورين في أوروبا وأميركا لالتزمنا طبع مجلدات كبيرة بهذا الموضوع، على أننا نرجو ممن يعثر على تراجم عائلات أو أفراد من هذه الأمة الكريمة امتازوا بفضلهم، وجليل أعمالهم في مصر والشام، أن يوافينا بها لننشرها في الطبعة الثانية من هذا الكتاب، ولهُ منا مزيد الشكر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤