الفصل الرابع والعشرون

القدرة على اصطناع الكلمات الأجنبية

قال ﻫ. ج. ولز في كتيبه «العلم والعقل العالمي»:

نستطيع أن نقول: إن كفة الرأي ترجح في ناحية اتخاذ اللغة الإنجليزية أساسًا مهمًّا للغةٍ عالميةٍ، ولست أقول هنا: إن اللغة الإنجليزية تصلح لأنْ تكون أساسًا مهمًّا فقط ذلك أَنَّ انتشارها في أنحاء العالم في الوقت الحاضر وخلوها من التغيرات الصرفية والارتباكات النحوية وقدرتها على تمثيل الكلمات الأجنبية؛ كل هذا يُحسب مِن محاسنها، ولكن هناك ما هو ضد ذلك، وهو هذا الجمود العتيد جمود الطبقة العالية التي تهاب ولا تقتحم هذا الجمود الذي يتحيز مكانًا كبيرًا في التقاليد التعليمية البريطانية التي تَنزع إلى الكلاسية أو التليدية العميقة التي تُعَدُّ في رُوحها انفصاليةً تَرَفُّعية، وهذه النزعة ليستْ فقط غير مساعدة لانتشار اللغة الإنجليزية، بل هي تعرقل هذا الانتشار عرقلةً قوية.

هذه هي كلمة «ولز»، ومنها نفهم أن اللغة الإنجليزية تصح أن تكون أساسًا للغة عالمية لجملة ميزات وهي:
  • (١)

    أنها انتشرتْ في عصرنا انتشارًا عظيمًا.

  • (٢)

    أنها تخلو من القواعد الشاقة في النحو والصرف.

  • (٣)

    أنها قادرةٌ على تمثيل الكلمات الأجنبية.

ولكن «ولز» يرى أَنَّ بين بعض المتعلمين رُوحًا ينزع إلى التليدية أو الكلاسية؛ فيهابون الكلمة الجديدة، ولا يرحبون بالكلمات الأجنبية التي تخصب بها اللغة وتُزهر، ونحن في مصر حين نقارن بين العربية كما نتعلمها ونكتبها وبين الإنجليزية؛ نعرف أن نزوعها إلى الكلاسية وكراهتنا للكلمات الأجنبية تزيد ليس مائة مرة بل ألف مرة على ما يشكو «ولز» من الكلاسيين الإنجليز؟ وحسبنا من هذا أن نعرف شيئين:
  • (١)

    أن في اللغة الإنجليزية نحو ألف كلمة عربية، وليس في لغتنا نحو عشرين كلمة إنجليزية.

  • (٢)

    أن الكلاسية التليدية الإنجليزية لا تبلغ جزءًا من ألف من الكلاسية العربية والبرهان على هذا أن في «شكسبير» الذي مات قبل نحو ٣٨٠ سنة تعابير وكلمات لو اجترأ انجليزي على استعمالها؛ لعُدَّ حمارًا سخيفًا مع أننا ننبش عن الكلمات المماتة في لغتنا ونستعملها لأبناء ١٩٥٣.

والكلاسية في مصر كما نراها في أيامنا ليست لغويةً أدبية فقط، بل هي اجتماعيةٌ مزاجيةٌ ذهنية، فدعاتها مثلًا يهتمون كثيرًا جدًّا بالتأليف عن الخوارج في أيام علي بن أبي طالب ويهملون التأليف عن الخوارج على الديمقراطية في أيامنا. وهم يدرسون رجال الأمس «والأمس هنا قبل سنة ١٠٠٠ ميلادية» ولا يدرسون رجال اليوم، في أخلاقهم شرقيون وفي اقتصادياتهم زراعيون، وهم ينظرون إلى اللغة والأدب العربيين نظرة الراهب إلى الدين، فكما أن هذا ينزوي في صومعته ويقرأ كتبه بعيدًا عن معمعة الحياة وكذلك أولئك ينزوون في مكتباتهم ويدرسون الجاحظ، ويحاولون أن يكتبوا مثله أو عنه يكتبون عن الجاحظ بلغة الجاحظ، ويثنون عليه أو ينقدونه بمزاجه وذوقه ومقاييسه.

وهؤلاء الكلاسيون يجهلون أشياءَ كثيرةً عن الدنيا، وأنا أؤكد أنهم سيضحكون مني حين أقول إنهم يجهلون:
  • (١)

    إن الدؤدؤ قد انقرض منذ مائة سنة؛ بعبث الصيادين وإن انقراضه خسارة فادحة للبشر جميعهم.

  • (٢)

    وإن الكيمياء الصناعية قد أوشكت أن تقرر إلغاء زراعة القطن من العالم كله ومن مصر.

  • (٣)

    وإن مشكلة الهند يجب أن تكون مشكلة كل رجل مثقف على هذا الكوكب.

  • (٤)

    وإن التكنولوجية تبشرنا بالوقت الذي يَكفينا فيه شهرٌ من العمل؛ لكي نعيش ١١ شهرًا في الراحة؛ أي في التعلُّم وزيادة الاختبارات والاستمتاعات.

الكلاسيون هم رهبانُ الأدب العربي، واللهجة اللغوية التي ندونها في الكتابة قد أحدثت لهم لهجةً ذهنيةً في التفكير، فهم جامدون يخافون الدنيا، وهم أيضًا — لهذا السبب نفسه — يعرقلون تطورنا الاجتماعي والاقتصادي وتطور اللغة والأدب يكرهون الكلمة الأجنبية؛ فيقولون: سيارة بدلًا من أتومبيل، ثم تنتقل هذه الكراهةُ إلى العالم الخارجي؛ فلا ينبعثون إلى دراسة الصين أو الهند أو ألمانيا ثم تنكمش أذهانهم وتعود الدنيا كلها وقد انحصرت في اهتمامهم بدرس الأدب واللغة العربيين لا أكثر.

ثم يزداد الانزواء الرهباني؛ فيتحدث الأديب التليدي العربي عن العالم العصري كما يتحدث الراهب عن فُجُور المدنيين الدنيويين ثم بعد ذلك المقاطعة بين العقليتين.

ولست أعني مع ذلك مقاطعة القديم؛ لأني أعرف أن هناك قدماء معاصرين؛ أي أنهم على الرغم من سبقهم لنا بألف أو ألفي سنة كانوا يعالجون شئونًا بشرية ما زلنا نعالجها، وكانوا يحاولون رَفْعَ الإنسان إلى الإنسانية كما نحاول، وهؤلاء يعاصروننا على الرغم من قدمهم، وهم جديرون بدراستنا واهتمامنا ولكن دون أن نجعل منهم المحور والهدف لثقافتنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١