الفصل الثالث والثلاثون

الكلمات اللاتينية والإغريقية في لغتنا

وقفتُ ذات مرة عند كلمتين كثيرًا ما تَرِدَان على أقلام الكُتَّاب هما: «الصيد والقنص»، وتساءلتُ كيف يكون معنى الفعل «قنص» صاد؟ إذ لا يصح أن نقول إننا خرجنا للصيد والصيد؛ لأن هذا القول ينزل إلى درجة الجهل التي يبلغُها الكاتب العامي في أيامنا حين يقول إننا على «أُهبة الاستعداد»، والأهبة هي الاستعداد، وأتأهب تعني: أستعد.

ولم أقف طويلًا فإني أدرت الكلمتين على لساني وفي عقلي، فوجدت أن صحتهما هي «الصيد بالقنص»؛ أي الصيد بالكلب والكلب في اللاتينية وفي لغة الدولة الرومانية هو «كنس» ولكن جهل اللغويين العرب باللغات الأجنبية ورَّطهم في هذا الخطأ.

وكنت في بعض أبحاثي أقلب المعجم الإنجليزي عن أصل كلمة «أوركسترا»؛ أي الفرقة الموسيقية التي تعزف بالتوافق بين الآلات؛ فوجدتُ أن المعنى الحديث مصطنع، وأن الأصل في كلمة «أوركس» هي الرقص وهذا الأصل إغريقي لاتيني، ففعل رقص ليس عربيًّا بل لاتينيًا.

وكثيرًا ما استوقفتني هذه الكلمات، وهي في الأغلب فنية أدبية وحملتني على التفكير في الأصل لهذه العلاقة بين العرب وبين الإغريق والرومان، واعتقادي أن انتقال الثقافة الإغريقية من الإسكندرية إلى الشرق العربي؛ هو حقيقةٌ تاريخيةٌ، ثم اتصال الإمارات العربية في حوران والعراق بالدولة الرومانية الغربية ثم الشرقية عقب المسيحية؛ هو حقيقة أخرى لا يمكن إنكارها، حتى صار العرب يصطنعون مئات الكلمات الإغريقية واللاتينية والكلمات اللاتينية — في ريفنا وقرانا — مألوفةٌ مثل: فدان وجرن وماجور وجليد والكلمة العامية «قلقيلة».

فالفدان مشتق من فيودوم؛ أي الماشية أو الملك في اللغة اللاتينية وفي معاجمنا لا يزال معناه الثور أو الأرض ومن هذه الكلمة اشتق المعنى الإقطاعي «فيودال».

أما الجرن الذي ندرس عليه حبوبنا فهو «جران» اللاتينية بمعنى «الحبوب».

أما «الماجور» فهو الكبير؛ أي الماعون الكبير للعجن في اللاتينية.

وكلمة «الجليد» تحمل لفظها ومعناها في اللاتينية كما هي في العربية.

أما «القلقيلة» فهو «الحجر» في اللاتينية.

لنعد إلى الكلمات الفنية والأدبية، فإن كلمة لغة عندما نتأمل اشتقاقها العربي نجد أنه لا يتلاءم مع المعنى؛ إذ ليست هي من اللغو وإنما هي كلمة «لوغوس» (والسين زائدة) في اللاتينية بمعنى الكلمة.

«والقرطاس» لاتينية واشتقاقاتها كثيرة في اللغات الأوروبية، وظني أن «كراس وكراسة» محرَّفان عنها وكلها بمعنى «الورق».

وكذلك «القلم» فهو كلمةٌ لاتينيةٌ ما زلنا نجدها في قولهم عن زلة القلم «أبسيس كلموس».

وانظر إلى كلمة «زخرفة» وهي تزيين الجدران بالرسوم فإنها «زوجراف»؛ أي رسم الحيوان.

ولا نذكر هنا كلمات الفلسفة والسفسطة والجغرافيا والتاريخ؛ فإنها جميعها لاتينية إغريقية وكلمة «أرخ» الذي اشتققنا منها تاريخ، تعني: القديم.

ومن كلمات البناء: البرج والبلاط والقرميد والإفريز، وكذلك كلمة قرية، فإنها لاتينية وقد وجدنا لها صيغةً وهي «كورة»، ولكننا خصصنا هذه الثانية للإقليم.

وكذلك كلمة عقار، فإنها هي نفسها «أكر» الإنجليزية الحاضرة التي تعود إلى أصل لاتيني بمعنى الأرض.

ولكن ربما يَزيد استغرابُنا عندما نجد أَنَّ هناك كلماتٍ أصيلة في القضاء والشرع تعود إلى أصل لاتيني إغريقي مثل: «الزكاة» أي: العشر «ذكات» ومثل «الميراث المشتق» من الأصل «إرث» وهي الكلمة الإغريقية «إريس» ومثل «القسطاس»؛ أي العدل، وهي بلفظها ومعناها في اللاتينية، ومثل «القاضي» كذلك إذ هي لفظًا ومعنًى لاتينية، وكذلك القانون.

وكنت أقرأُ سورة «والنجم إذا هوى» فوجدت أن تفسير «سدرة المنتهى» لا يتفق مع المعاني التي تنطوي عليها هذه السورة الخاصة بالنجوم؛ إذ يقال في الكتب العربية إن «سدرة» هي شجرة، ولكن ليس هناك شك في أن «سدرة المنتهى» هي «النجم الأخير» وهو في اللاتينية «سيديرا أولتيما».

هذه الكلمات ومئاتٌ غيرُها هي رواسبُ الدولة الرومانية في الأقطار العربية، ولا عجب أن كلمة «فدان» لا تزال تحمل معناها الروماني القديم، وأنها هي الأصل في المعنى الإقطاعي للنظام الاجتماعيِّ الذي كان يعيش في القُرُون المظلمة.

وكثيرٌ ممن يتحمسون لما يزعمون أنه تقاليد «شرقية» أو عربية يجهلون ذلك جهلًا محزنًا ويعارضون في تطورنا معارضةً مؤذية؛ لأنهم إنما يتحمسون لأحافيرَ رومانية قد تحجرت في بلادنا بعد أن تخلص منها أبناءُ الرومان؛ أي الإيطاليون.

ويحسن هنا أن أضع الأصول الإغريقية واللاتينية التي ذكرتها:
قنص كلب Canis
رقص رقص Orchestre
أحب أحب agappo
فدان ملك أو ماشية Feudum
جرن حبوب Grain
ماجور ماعون كبير Major
قلقيلة حجر Calcule
جليد ثلج Gelid
لغة كلمة Logos
قرطاس ورق Cartas
قلم قلم Calamus
زخرفة رسم الحيوان zoograph
فلسفة فلسفة Philosophie
سفسطة سفسطة Sophism
تاريخ قديم Arch
البرج البرج Bourg
البلاط بلاط Palate
إفريز إفريز Freize
قرميد صلصال Ceramic
عقار أرض Acre
زكاة عشر Decat
إرث إرث Hergs «الهاء صامتة»
قسطاس عدل Justice
قاض قاض Judge
قانون قانون Canon
سدرة المنتهى النجم الأخير Sidera ultima
سيف Sif
بركان Volcano
قرية Cure
موسيقا Muse
قصر Castle

هذا قليلٌ بل قليلٌ جدًّا من مئات الكلمات الإغريقية واللاتينية التي دخلت لغتنا، وبقيت على أصلها لم تُترجم ولم يخترع العرب كلمات عربية تؤدي معانيها، وهذا هو ما يجب أن نفعل بكلمات العلم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١