الفصل الثاني

الموانع والأعذار

حين يكون العمل بالعقل أمرًا من أوامر الخالق يمتنع على المخلوق أن يعطل عقله مرضاة لمخلوق مثله، أو خوفًا منه، ولو كان هذا المخلوق جمهرة من الخلق تحيط بالجماعات وتتعاقب مع الأجيال.

والموانع التي تعطل العقل من هذا القبيل كثيرة يستقصيها القرآن الكريم كما استقصى خطاب العقل بجميع وظائفه وملكاته، ولكنها قد تتجمع في ثلاثة موانع كبرى بمثابة الأصول التي تتشعب منها الموانع المختلفة، فمن سلم منها أوشك أن يسلم من كل مانع يحجر على عقله، ويأخذ السبيل على تفكيره، فلا يهتدي إلى رأي سواه …

أكبر الموانع في سبيل العقل عبادة السلف التي تسمى بالعرف، والاقتداء الأعمى بأصحاب السلطة الدينية، والخوف المهين لأصحاب السلطة الدنيوية.

والإسلام لا يقبل من المسلم أن يلغي عقله ليجري على سنة آبائه وأجداده، ولا يقبل منه أن يلغي عقله خنوعًا لمن يسخره باسم الدين في غير ما يرضي العقل والدين، ولا يقبل منه أن يلغي عقله رهبة من بطش الأقوياء، وطغيان الأشداء، ولا يكلفه في أمر من هذه الأمور شططًا لا يقدر عليه؛ إذ القرآن الكريم يكرر في غير موضع أنَّ الله لا يكلف نفسًا ما لا طاقة لها به، ولا يطلب من خلقه غير ما يستطيعون …

لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا [سورة البقرة: ٢٣٣]. لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [سورة الأنعام: ١٥٢، سورة الأعراف: ٤٢]. وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [سورة المؤمنون: ٦٢]. لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ ۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا ۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ [سورة البقرة: ٢٨٦].

وما من أحد يهتدي بعقله لا يسعه أن يرى الصواب، وأن يكف عن الخطأ؛ فإذا قُسر على نبذ الصواب واقتراف الخطأ، ففي وسعه أن ينجو بنفسه من القسر حيث كان، وفي وسعه إذا حيل بينه وبين النجاة أن يلقى الضرر الذي يجنيه عليه من يهدر كرامته، ويقتل ضميره؛ فذلك — لا ريب — أهون الضررين في هذه الحال، ولا معنى للدين ولا للخلق إذا جاز للناس أن يخشوا ضررًا يصيب أجسامهم، ولا يخشوا ضررًا يصيبهم في أرواحهم وضمائرهم، وينزل بحياتهم الباقية إلى ما دون الحياة التي ليس لها بقاء، وليس فيها شرف ولا مروءة.

•••

وهذه الموانع كلها — موانع العرف والقدرة العمياء والخوف الذليل — إنما تقوم وتبقى قائمة ما هان على الإنسان أن يعيش بغير عقل يرجع إليه في أكرم مطالبه «الإنسانية»، وهو صلاح ضميره، ولكنها تزول على الأثر يوم يرجع إلى عقله أمام كل عقبة من عقباتها، وقد يشق عليه أن يذلل تلك العقبات أو يناجزها، ولكنه حق العقل عليه، ولا بد من حق تهون من أجله المشقة؛ لأنها أهون من سلب الإنسان فضيلته العليا، وارتكانه إلى حياة لا تعقل، أو حياة تعقل ولكنها تُؤثِرُ الحطَّة على عِلْمها بما هو أرفع منها …

إنَّ حق العقل في الإسلام يقاس بكل قوة من قوى تلك الموانع التي ترصد له، وتصده عن طريقه، وأولها وأقواها في صدر الإسلام قوة العرف أو عبادة السلف؛ لأن العرف في الجاهلية بلغ مبلغ العبادة في المهابة والرعاية، وتسخير النفوس لحكمه بما يفرضه عليها من العادات، وما هي في الواقع إلا ضرب من العبادات يملك الإنسان في جميع أوقاته وعلاقاته؛ حيث تتراخى عنه أحيانًا سطوة العبادات الدينية، ولعل العبادات لم يكن لها من سطوة في عصور الجاهلية وما شابهها إلا لأنها تستمد تلك السطوة من العادات …

كانت الدعوة الإسلامية تثير أهل الجاهلية، وتحنقهم أشد الحنق على الرسول القائم بها صلوات الله عليه. وأشد ما كان يحنقهم من دعواته أنه يسفه بها أحلام الآباء والأجداد، فقلما كانوا يقولون في مقام الغضب منه والتحريض عليه: إنه يسفه أحلامنا، ويستخف بعقولنا، وإنما كان غضبهم كله منه، وتحريضهم كله عليه إذ يقولون عنه: إنه يسفه أحلام آبائنا، ويستخف بعقول أسلافنا، ويقول عن أصول النسب التي يفخرون بها: إنها كانت على ضلالة، وكانت لا تعقل ما تصنع من أمور الدين …

والإسلام حين يأبى على الإنسان أن يعنو١ بعقله كله لهذه السطوة الجائحة إنما يعطي العقل حقه في مقاومتها، ولا يكتفي بأن يفرض عليه واجب المقاومة، وإنما يمده بالحجة التي تعينه عليها؛ حيث لا حجة له بين يديها، فهو يكلفه ويعينه وهو يثيره، ويضع في يده السلاح الذي يشحذه في ثورته، فهو نصير معين يلقي العبء، ويعطي المدد الذي يعينه عليه …

وحين يقول الإسلام للإنسان: يجب عليك أن تفتح عينك ولا تنقاد لما يوبقك مغمض العينين، فكأنه يقول له: يحق لك أن تنظر في شأنك؛ بل في أكبر شأن من شئون حياتك، ولا يحق لآبائك أن يجعلوك ضحية مستسلمة للجهالة التي درجوا عليها.

وإنَّ الإسلام ليأبى على المرء أن يحيل أعذاره على آبائه وأجداده، كما يأبى له أن تحال عليه الذنوب والخطايا من أولئك الآباء والأجداد، وإنه لينعي على الذين يستمعون الخطاب أن يعفوا أنفسهم من مؤنة العقل؛ لأنهم ورثوا من آبائهم وأجدادهم عقيدة لا عقل فيها …

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [سورة البقرة: ١٧٠]. وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَىٰ مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۚ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ [سورة المائدة:١٠٤]. وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [سورة الأعراف: ٢٨]. وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ * قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ * قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ * أَوْ يَنفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ * قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ [سورة الشعراء: ٦٩–٧٤]. إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ * فَهُمْ عَلَىٰ آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ [سورة الصافات: ٦٩، ٧٠]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ [سورة التوبة: ٢٣]. وَكَذَٰلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ ۖ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ [سورة الزخرف: ٢٣، ٢٤].

ولقد كان هذا حق العقل الذي استمده من الإسلام في مواجهة العرف أو عبادة السلف، وكانت للعرف في صدر الإسلام قوة أكبر من قوة العبادة وقوة الحكومة، ويستوي أن نقول: إنَّ العقل أحق بالاستقلال أمام هاتين القوتين، وأن نقول: إنَّ الاستقلال أمامهما أوجب عليه من الاستقلال أمام العرف أو عبادة السلف.

ولعلنا لا نعدو الصواب إذا عممنا القول على جميع العصور، ولم نُقصره على العصر الجاهلي الذي كانت فيه عبادة السلف أظلم للناس من سلطان رجال الدين وسلطان الحاكم بأمره؛ فإن حرية العقيدة قد يرجع الأمر فيها إلى من يتولون أمرها من القائمين عليها في المعابد والمحاريب، أو من القائمين عليها في ولاية الشعائر والحدود.

فهنا مجال الحق الذي يتمسَّك به العقل حيث تدعو الحاجة إلى ذلك الحق، أو حيث يستوجبه الخطر في أمر الاعتقاد خاصة دون ما عداه من أمور يعمها العرف الشائع، أو تعمها عبادة الأسلاف.

وأيًّا كان الرأي في تفاوت القوى التي يخنع٢ لها العقل، وتذهله عن حقه في الحرية، أو عن واجبه في التمييز والنهوض بالتبعة؛ فالأمر الذي لا مرية فيه أنَّ التحذير من فساد الكهان والأحبار خليق أن يناسب الخطر الذي يخشى من فسادهم أينما كان، وكثيرًا ما يكون …

وقد بدأ الإسلام بالتحذير الشامل من هذا الفساد؛ فأسقط الكهانة، وأبطل سلطان رجال الدين على الضمائر، ونفى عنهم القدرة على التحريم والتحليل، والإدانة والغفران …

ثم نبه إلى سيئاتهم وعاقبة الذين استسلموا لخديعتهم، وكثير منهم خادعون …

اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ [سورة التوبة: ٣١]. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ [سورة التوبة: ٣٤].

وحرص القرآن على أن يعم القول من لهم سلطان ديني كالأحبار، ومن ليس لهم هذا السلطان، ولكنهم يستمدون من السمعة الدينية نصيبًا من السلطان لا يقل عن نصيب الأحبار.

وهذا على تنبيه القرآن الكريم إلى ما كان من فضل الصالحين من الرهبان والقسيسين على أممهم؛ حيث جاء فيه: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ [سورة المائدة: ٨٢].

وما نحسب أنَّ التفرقة بين الفريقين تعسُر على عارف ولا جاهل، فما من لبس هناك بين أناس لا يستكبرون، ولا يهيمون بالمال يأكلون أينما وجدوا الحلال والحرام منه، وبين أناس يتصدون للجاه والخيلاء، ويأكلون أموال الناس بالباطل، ويصدون عن سواء السبيل …

•••

ويكاد الذين كتبوا في تاريخ العقائد يتفقون على تهوين خطر الحكم المستبد على الضمير الإنساني بالقياس إلى خطر العرف، أو خطر الخديعة من رؤساء الأديان؛ لأن الحكم المستبد يتسلط على الضمير من خارجه، ولا يستهويه من باطنه كما يستهويه حب السلف، أو الاسترسال مع القدوة الخادعة من قبل رؤساء الدين؛ فهو مشكلة مكان لا مشكلة عقل أو ضمير، إما أن ينفضه الإنسان عن مكانه، أو يلوذ منه بمكان أمين.

وكثيرًا ما يكون الحكم المستبد حافزًا للضمير إلى المقاومة، محرضًا للعقل على الرفض والإنكار، وأكبر ما يخشى منه أن يؤدي إلى تشبث العناد؛ لأن هذا التشبث خطرٌ على التفكير كخطر الاستهواء والتسليم، ولا يزال الاستبداد على كل حال قهرًا للعقل بغير إرادته، يترك له الإرادة طليقة للمقاومة أو الحيلة أو الخضوع، فهو غير الانقياد للضلال إيثارًا له، ومحبة للمضللين …

فمن هنا كان حق العقل في مقاومته — بحكم الإسلام — كحقه في مقاومة سلطان العرف وسلطان الأحبار، ويزيد عليه أنه يلوم المسلم على الخضوع في مكانه إذا كان في وسعه أن يرحل منه إلى مكان بعيد من سلطانه …

قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا [سورة النساء: ٩٧].

ونحن مع العقل في الإسلام حين نذكر أنَّ الإسلام يأمره باستقلال النظر في مواجهة السلف، ومواجهة الأحبار، ومواجهة الاستبداد، ثم يكون هو الدين الذي امتاز بين الأديان بوصاياه الكثيرة في توقير الآباء، والرجوع إلى أهل الذكر، وتمحيض الطاعة لولاة الأمور …

فإذا أمر العقلاء فهكذا يؤمرون، وغير ذلك من الأوامر إنما يكون للآلات التي تعمل على وتيرة واحدة في أيدي من يحركونها ويديرونها، أو يكون للخلائق البكماء التي تُقاد أو تُساق، ولا رأي لها في مَقادة أو مَساق …

إنما يكون أمر العقلاء أن يؤمروا بالتمييز بين مختلف الأحوال، فلا يقال لهم: إنكم ترفضون كل الرفض، أو تقبلون كل القبول، ولا فرق عندهم بين مرفوض ومرفوض، ولا بين مقبول ومقبول …

عليكم أن تبروا بالآباء، ولكن البر معهم غير الضلال معهم على غير بصيرة، والعقلاء هم الذين يعرفون موضع هذا وموضع ذاك …

وعليكم أن تسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون، ولكن أهل الذكر الذين لا ينتفعون بذكرهم لا ترجى منهم التذكرة لغيرهم، ومن لم يكن من أهل الذكر فليس بعسير عليه أن يكون من المميزين بين الصادقين منهم والمنافقين، وبين سيرة الرشد والاستقامة وسيرة الغواية والاعوجاج …

وعليكم أن تطيعوا ولاة الأمر منكم، ولكن لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا خير في فتنة يضرمها العصيان على غير بصيرة، ومن لم تكن له قدرة على الطاعة، ولم يكن في عصيانه أمان من الفتنة الطامة، فله في الهجرة متسع يأوي إليه ما استطاع …

وقوام الأمر كله، بل قوام جميع الأمور في جميع التكاليف أنَّ النفس تحاسب على ما تستطيع، ولا تؤمر بغير ما تطيق، ومن وراء ذلك تبعة الأمة كلها حين تؤخذ الأمة بوزر الأمة، ولا ينفرد منها كل فرد بمصيره مع مصائر الأمم بحذافيرها، فلا مناص من هذه الوحدة في حساب الأمم، ولا خير للأفراد — مع تطاول الزمن — في عيشة يقف فيها خير الفرد وشره عند بابه، ولا يحسب فيها حساب شركائه في بيئته.

فلا تناقض بين أمر الفرد بالعقل واشتراكه في تبعة الأمر الذي يعم الجميع، ولا يخص أحدًا من الآحاد، ولكن الأمم تخاطب بتحكيم العقل، كما يخاطب به أفرادها متفرقين، ولا تحاسب الأمم إلا على سنة الأمم في أطوار الاجتماع …

وصفوة القول: إنَّ الإسلام لا يعذر العقل الذي ينزل٣ عن حق الإنسان رهبة للقوة أو استسلامًا للخديعة، ولا حدود لذلك إلا حدود الطاقة البشرية، ولكنها الطاقة البشرية عامة كما تقوم بها الأمم، ولا ينتهي أمرها بما يكون للفرد من طاقة لا تتعداه.
١  يعنو أي يخضع في ذلة.
٢  يخنع أي يخضع في ذلة.
٣  ينزل عن الشيء أي يتخلى عنه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠