الفصل السابع

المعجزة

يروى عن «نابليون بونابرت» أنه سأل العالم الفلكي المشهور «لابلاس»: أين تجد مكان العناية الإلهية في نظام السماوات؟ فأجابه «لابلاس»: لست أدري مكانًا لما يسمى العناية الإلهية في ذلك النظام يا صاحب الجلالة.

يريد العالم الفلكي أنه يستطيع أن يفسر دوران الأفلاك بقوانين الحركة وخصائص المادة الطبيعية، ولا حاجة عنده بعد ذلك إلى تفسير.

وغير هذا الجواب كان أحرى برجل في علم «لابلاس»؛ لأن العالم أحرى أن يعرف موضع العجب من هذه المشاهدات المألوفة، فليست ألفته لها مما يصح أن يبطل العجب منها ولو تتابعت أمامه ألوفًا من المرات بعد ألوف.

تُرى لو كان «لابلاس» في كون آخر، وتحدث إليه أحد الخارجين من كوننا هذا عن دوران الكواكب على هذا النظام، وخصائص المادة على هذه الوتيرة، أتُراه كان يتوقع ما يحدثه عنه قبل سماعه، ويَرى أنه شيء من قبيل تحصيل الحاصل، وتكرير المعاد مستغنٍ عن الشرح والسؤال؟

تُرى لو قيل لذلك العالم الفلكي في أوائل الأزل أن يصور على الخريطة حركة قابلة لتنظيم الفلك في دورانه وجواذبه ودوافعه، أكان يرتجل هذه الصورة ارتجالًا، ولا يتردد بينها وبين شتى الفروض والتقديرات؟

إنَّ نظام الفلك مشاهدات متكررة، وليس بالمستلزمات المنطقية لو لم تكن هنالك قدرة تستلزمها وتختارها لتكون على هذا النحو، ولا تكون على سواه.

إنَّ عقولنا تستلزم أنَّ الأصغر والأكبر من الأشياء لا يتساويان، ولكنها لا تستلزم أن تأتي الحركة من الحرارة، أو تأتي الحرارة من الحركة، أو تمضي المتحركات دائرة في بعض الأحوال، وساكنة في غيرها من الأحوال.

هذه مشاهدات وليست بمستلزمات ولا بديهيات، وكل ما يحدث على صورة منها ولا يحدث على صورة أخرى فهو محتاج إلى التفسير، غير مستغنٍ بنفسه عن الفهم والتعليل.

ونحن نضحك من الطفل الذي تسأله: لماذا انكسر الإناء؟ فيقول: لأنه وقع، وتسأله: لماذا ينكسر إذا وقع؟ فيقول: هكذا. ولا يكلف عقله سؤالًا بعد هذا الجواب

«وهكذا» هو جواب «لابلاس» في محصوله لسؤال نابليون.

هل من الحتم أن ينكسر الإناء إذا وقع؟ وهل من الحتم أن يدور الكوكب إذا تحرك وانجذب؟ وهل من الحتم مرة أخرى إذا دار أن يتركب من دوراته نظام، وأن تنشأ في هذا النظام حياة؟

هكذا، ولا شيء غير هكذا في رأي علامة الفلك الكبير. وعلامة الفلك الكبير ها هنا طفل صغير يستغني عن تفسير كسر الإناء بإعادة كلمة واحدة هي التكسير.

لماذا يدور الفلك هذا الدوران؟ لأنه يدور هذا الدوران، ولا بد أن يدور هذا الدوران، ولا سبب لذلك إلا لأنني رأيته يدور هذا الدوران.

ومن قال هذا فهو هازل يستخف بالأعجوبة التي أمام عينيه لمجرد كونها أمام عينيه، كأنه يريد أن تكون الأعجوبة مما لا يراه ولا يراه إنسان.

وإنَّ أجهل الجهلاء ليتعلم من القرآن الكريم فهمًا أعمق من فهم «لابلاس»، وموقفًا أمام مشاهد الكون أصدق من موقفه المحدود؛ فإنه يتعلم من كتابه أنَّ المعجزة قائمة حواليه حيثما جال بعينيه، ويؤمن …

إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [سورة البقرة: ١٦٤].

فكل ما نراه ونكرر رؤيته فهو معجزة تدعو إلى العجب …

ولكنها المعجزة التي يعمل العقل لفهمها، وليست هي المعجزة التي تبطل عمل العقول.

والإسلام دين المعجزات التي يراها العقل حيثما نظر، وليس بدين المعجزات التي تكف العقل عن الرؤية، وتضطره بالإفحام القاهر إلى التسليم.

وعلينا أن ندرك أنَّ المعجزة معجزتان كي نطلب المعجزة التي ينبغي أن تطلب، ونتورع عن طلب المعجزة التي لا تجدي أحدًا من العقلاء …

فالمعجزة التي تتجه إلى العقل موجودة يلتقي بها من يريدها حيثما التفت إليها، ولكنها غير المعجزة التي تقنع من لا يقتنع بتفكيره، ومن لم يقتنع بتفكيره فلن تهديه المعجزة من ضلال.

والإسلام دين متناسق مستجيب للفهم والموازنة بين الأمور، فهو دين المعجزات في كل شيء، ولكنه ليس بدين المعجزة التي تفحم العقل ولا تقنعه؛ لأنه دين العقل، والتفكير فريضة فيه.

ويؤمن المسلم بالنواميس الكونية أشد من إيمان الدعاة إلى تقرير تلك النواميس باسم العلم العصري أو العلوم التجريبية؛ لأنه يؤمن بأن النواميس سنة الله في خلقه. فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللهِ تَبْدِيلًا [سورة فاطر: ٤٣].

ولكنه يؤمن كذلك بإمكان المعجزة؛ لأنها ليست بأعجب مما هو حادث مشاهد أمام الأبصار والبصائر، وليست هي بمحتاجة إلى قدرة أعظم من القدرة التي نشهد من بدائعها ما يتكرر أمامنا كل يوم وكل ساعة. وقد تسمى المعجزات في عرف المسلم بخوارق العادات، فلا يجوز لأحد أن ينكرها؛ لأننا تعودنا فيما علمناه في هذا العصر — على الأقل — أمورًا كثيرة كانت في تقدير الأقدمين من خوارق العادات، وهي اليوم من الممكنات المتواترة، وما جاز فيما نعلمه يجوز فيما نجهله، وهو أكثر من المعلوم لنا الآن بكثير.

فمما كان من خوارق العادات عند الأقدمين أن تبلغ الحركة ما تبلغه من السرعة في تجاربنا العصرية، وأن يبلغ المكان ما يبلغه من صغر الأمد في كثير من تلك التجارب المحسوسة، فأصبحنا نعد من السرعة المحسوسة ما يزيد على عشرات الملايين من الأميال في الثانية الواحدة، ونحصر من المكان ما يقل عن جزء من مليون من القيراط تعيش فيه الأجسام والخلايا الحية، وتنمو منه جمهرة الخلائق، وربوات الأفلاك والأجرام.

وأصبح القول بأن هذا الحدث يحدث في جزء من ألف جزء من الثانية، وينتشر على آفاق من الفضاء تحسب بألوف الألوف من الأميال في الجهات الأربع. وقد كان هذا مستحيلًا في رأي المحدودين من عباد العادات، ومنكري الخوارق فيما تعودوه، وبعضهم معدودون من الفلاسفة المفكرين. وأصح منهم بديهة، وأسلم منهم تقديرًا جاهل يؤمن بالمعجزة، ويؤمن معها بخفايا الخلق، وأسرار الحياة، واتساع التقدير والاحتمال لكثير من الغرائب والطوارق والممتنعات في حكم الواقع والعيان.

فإن العقل الإنساني لا يصاب بآفة أضر له من الجمود على صورة واحدة يمتنع عنده كل ما عداها، فإما أن تكون الأشياء عنده كما تعودها وكرر مشاهدتها، وإما أن تحسب عنده في عداد المستحيلات. وأدنى من هذا العقل إلى صحة النظر عقل يتفتح لاحتمال وجود الأشياء على صور شتى لا يحصرها المحسوس والمألوف.

فليس من المستحيل عقلًا أن يتم في ثانية ما تعودنا أن يتم في عام، ولا من المستحيل عقلًا أن يحدث في قيد الشعرة ما كنا نظن أنه لا يحدث في غير الآفاق الفساح، وكذلك لا يستحيل عقلًا أن ينعكس هذا فيتم في الزمن الطويل والأمد الفسيح ما تعودنا أن نراه في الزمن القصير والأمد الصغير.

ومن الأمثلة المقربة لهذا الاحتمال أن ننظر إلى الصور المتحركة كيف ينمو فيها النبات بطيئًا في أيام وهو يرتفع أمامنا سريعًا في لمحات، وأن ننظر إلى قوائم الفرس كيف يرتفع الحافر من الأرض، فيستغرق من الوقت على اللوحة البيضاء مثل ما يستغرقه العدو إلى نهاية المضمار. وإنما نستفيد من هذا النظر أن يأخذ العقل من الحس المشاهد درسًا يتعلم منه أنَّ اختلاف وقوع الحادث الواحد في الزمان والمكان شيء، والقول باستحالة وقوعه في غير هيئة واحدة شيء آخر.

فلا استحالة في خوارق العادات، ومن قال باستحالتها لزمه الإثبات؛ لأنه يدعي الاستحالة عقلًا بغير دليل …

«وما من أحد يجرؤ، مثلًا، على أن يقول باسم العلم: إنَّ الإلهام بالغيب مستحيل؛ لأنه إذا جزم باستحالته وجب عليه قبل ذلك أن يجزم بأمور كثيرة لا يستطيع عالم أمين أن يقررها معتمدًا على حجة أو سند قويم. ويجب على العالم الذي يجزم باستحالة الإلهام بالغيب أن يقرر لنا أنه عرف حقيقة الزمن، وعرف — من ثم — حقيقة المستقبل، ويجب عليه مع ذلك أن يقرر تجريد الكون من عنصر العقل غير عقل الإنسان والحيوان. فما هي حقيقة الزمن؟ هل هو موجود في الماضي والحاضر والمستقبل، أو هو يوجد لحظة واحدة ثم يزول؟ وما هي هذه اللحظة الواحدة؟ وما مدى إحاطتها بالبعيد والقريب من الأمكنة الشاسعة في هذه الأكوان؟ وهل المستقبل موجود الآن أو هو عدم يوجد لحظة بعد لحظة؟ وكيف يوجد العدم بعد أن لم يكن له وجود؟

إنَّ العالم الذي يجزم في قول من هذه الأقوال باسم العلم يدعي على العلم كذبًا، وينم عن عقل ضيق لا يصلح للنظر في هذه الآفاق … وإذا كنا ننفي وجود المستقبل نفيًا مقطوعًا به مستندًا إلى حجة أو بينة، فالغيب غير مستحيل، والعلم به لا يدخل في باب الممنوعات أو غير المعقولات، وإذا كان عنصر العقل في هذه الأكوان أكبر من أن يحصره رأس الإنسان وحده، فانتقال المعرفة منه إلى عقل الإنسان جائز جدًّا، أو جائز على الأقل كجواز الانتقال بين الأفكار على تباعد الأمكنة والعقول.»١

وإذا كان العقل الإنساني لا ينفي بالدليل المقنع وجود العقل الأبدي، فليس له أن يجزم باستحالة شيء مما يستطيعه ذلك العقل الأبدي من العلم بالأبد كله، أو من القدرة على الإيحاء به إلى من يشاء، أو من القدرة على خوارق العادات؛ لأن الخوارق بالنسبة إليه كالعادات؛ ولأن التغيير عنده كالإنشاء والإبداع، إذ ليست قدرته على تغيير ما حدث دون قدرته على الخلق لأول مرة في زمن بعيد أو زمن قريب.

والإسلام يضع المعجزة في موضعها من التفكير ومن الاعتقاد، فهي ممكنة لا استحالة فيها على الخالق المبدع لكل شيء، ولكنها لا تهدي من لم تكن له هداية من بصيرته واستقامة تفكيره …

فمن مرت به آيات الأرض والسماء ولم ينظر إليها، ولم يعرف منها دينًا خيرًا من دين الوثنية والتعطيل؛ فلن تزيده الآية الخارقة إلا ضلالًا على ضلال.

وقد كان جواب النبي — عليه السلام — لمن يطالبونه بالمعجزات كما جاء في القرآن الكريم من سورة الإسراء: وَقَالُوا لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ باللهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَىٰ فِي السَّمَاءِ وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَّقْرَؤُهُ ۗ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلَّا بَشَرًا رَّسُولًا * وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَن يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَىٰ إِلَّا أَن قَالُوا أَبَعَثَ اللهُ بَشَرًا رَّسُولًا * قُل لَّوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَّسُولًا * قُلْ كَفَىٰ باللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا * وَمَن يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ ۖ وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِن دُونِهِ [سورة الإسراء: ٩٠–٩٧].

وفي سورة الحجر: وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم بَابًا مِّنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ [سورة الحجر: ١٤، ١٥].

وفي سورة يونس: وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ ۖ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ للهِ فَانتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُنتَظِرِينَ [سورة يونس: ٢٠].

وقديمًا سخر من الآيات من كان يسخر من الحجة البينة كما جاء في قصة موسى — عليه السلام — من سورة الزخرف: وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَىٰ بِآيَاتِنَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * فَلَمَّا جَاءَهُم بِآيَاتِنَا إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ [سورة الزخرف: ٤٦، ٤٧].

بل جاء في الأناجيل من سيرة المسيح — عليه السلام — أنَّ الكهنة عجلوا بسعيهم لإهلاك السيد المسيح حين علموا بآياته، وأشفقوا أن تقود الناس إلى الإيمان برسالته، فدعاهم إلى الكيد له ما كان أحرى أن يدعوهم إلى الاستماع له، أو الصبر عليه.

وعقيدة المسلم في الغيب وجملة الغيبيات أنها شيء يعلمه الله ولا يعلمه الإنسان، ولكنها لا تناقض العقل ولا تلغيه؛ فليست هي ضد العقل لو عرفها وانكشف له الغطاء عنها، ولكنها فوق عقل الإنسان؛ لأنه محدود وعالم الغيب مطلق غير محدود.

ومن قال: إنه يرفض الإيمان بغير المحدود فكأنما يقول: إنه يرفض الإيمان بما يستحق الإيمان؛ إذ لا إيمان على الهدى بمعبود ناقص دونه مرتبة الكمال الذي لا تحصره الحدود.

إلا أنَّ الفارق عظيم بين ما هو ضد العقل وما هو فوقه وفوق ما يُدرَك بالعقول المحدودة؛ فما هو ضد العقل يلغيه ويعطله ويمنعه أن يفكر فيه وفي سواه، وما هو فوق العقل يطلق له المدى إلى غاية ذرعه، ثم يقف حيث ينبغي له الوقوف، وينبغي له الوقوف وهو يفكر ويتدبر؛ إذ كان من العقل أن يفهم ما يدركه وما ليس يدركه إلا بالإيمان.

وحيثما بلغ الإنسان هذا المبلغ فقد انتهى إليه بالعقل والإيمان على وفاق.

١  راجع كتاب «مطلع النور» للمؤلف في نهاية فصل الطوالع والنبوءات.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠