آخر الدنيا

حين ذهبت شمس الشتاء الصغيرة، وجاءت الشمس الكبيرة، وهبت نسمات الحر تؤذن بقرب الامتحان … كان أهم ما يشغل باله هو ضياع تلك القطعة الفضية المسدسة الأحرف ذات اللمعة الهادئة الوقورة والنعومة الخشنة التي يبعث ملمسها الفرحة والأمان.

وحين رجوعه إلى البيت وقد ضَعْضعته رحلة العودة، وملأت جسده النحيف الأصفر بالعرق الصغير الأبيض، مد يده في جيب البنطلون وحين لم تلمسها كذَّب أصابعه وعاد يمدها. وكلما أكدت الأصابع أنها غير موجودة ازداد تكذيبًا لها … ولم يبدأ الخوف الأكبر ينتابه إلا حين فتش جيوب البنطلون كلها والجاكتة والجلباب ومكان وقوفه، وكل بقعة من أرض الغرفة المظلمة التي لا يأتيها النور إلا من كوة صغيرة قرب السقف … لم يبدأ الخوف الأكبر ينتابه إلا حين فتش الحجرة وما فيها بحرص وإمعان، وكأنما يفتش كفه … ولم يجدها.

حينئذٍ فقط كانطلاق الاستغاثة في ريف ساكن، كالخبر القاصم للظهر … كالمصيبة المفاجئة، أدرك أنها ضاعت ولم تعُد في حوزته … ووجد نفسه ينهار على الأرض نصف خالع لملابسه، وهو لا يعرف شيئًا، ولا يفكر في شيء ولا ما يجب عليه أن يفعل، وكأن عقله قد ضاع منه أيضًا … وطالت الجلسة وامتدت وهو يحس بها وكأنها لم تبدأ، وكأنها جريمة أن يتحرك … لم يبدأ يتحرك إلا حينما بدأ صوت رفيع يعلو داخله ويقوى، ويؤكد له أنها أبدًا لم تضِع، وأنها لا بد موجودة في مكان ما، وما عليه إلا أن يجد المكان ليجدها. هنا فقط تحرك وأكمل خلع بذلته، وأكمل ارتداء جلبابه وعاد يفتش الحجرة ومحتوياتها من جديد، ثم خرج إلى فناء الدار الواسع غير المنتظم، وصعِد إلى السطح، وبعُود من الحطب عسعس فيما أمام البيت من تراب، بل الكناسة أيضًا، فرزها بالعود وبعينيه وبكل قدرته على التمييز … ولكن بحثه في كل تلك الأمكنة كان نوعًا من أداء الواجب … لم يكن قد فقد شيئًا قبل الآن … فلم يكن أبدًا قد امتلك شيئًا … ولهذا فهو لم يجرِّب أيضًا أن يبحث عن شيء، ولا أحس أبدًا بهذا المزيج الغريب من الأفكار التي تفزعه ويطردها، فتعود أقوى، فيكاد يبكي مخافة أن يكون ما يحدث له هو الجنون الذي يرسلون من أجله الناس إلى السراية الصفراء.

لا يهم الآن أين هو أو ماذا يفعل، ولا إن كان قد قدر له أن يظل حيًّا إلى يومنا هذا؛ فربما عاش واغتنى وبنى لنفسه قصرًا وأحس بأهمية أشياء كثيرة، ولكنه أبدًا لا يمكن أن يكون قد أحس بمثل الأهمية التي أحسها يومًا ما لتلك القطعة الفضية المسدَّسة الأحرف … ليس لأنها أول نقود أعطاها له أبوه … فأبوه كان دائمًا يُعطيه أشياء كلما جاء لزيارتهم … والحقيقة أنه لم يكن يأتي كثيرًا … كل بضعة شهور مرة … يُفاجَأ حين يعود من المدرسة بصوته الحبيب يأتيه من وراء الباب قبل أن يفتح له الباب … أو يكون الليل قد استتبَّ وسكنت الأصوات كلها، ثم مرَّ قطار آخر الليل بصفيره الحزين النعسان … ومرت بعده دقائق، وإذا بالقبضة تدق على الباب، وبالصوت أحب صوت يقول: افتحوا أنا فلان … ولهذا فما من مرة كان يعود فيها من المدرسة ويطرق الباب، فما من مرة يفوت فيها آخر قطار إلا ويستجمع نفسه استعدادًا للمفاجأة، واستعدادًا لما قد يعقبها من خيبة الأمل.

وإذا جاء أبوه أخذه تحت إبطه واحتضنه وقبله قبلة سريعة في خده، ودس يده في جيبه وأخرج له شيئًا: حبة كراملة … قلم رصاص جديد غير مبري، وأحيانًا يدس يده ولا يخرج شيئًا، ويحس بأبيه محرجًا فيفتعل سببًا، ويختفي لينقذه من الإحراج … وفي كل مرة يأتي يظن أنه قد استحوذ عليه أخيرًا، وأنه لن يفلت منه أبدًا. وفي كل مرة يحدث ما يؤلمه، فيعود من المدرسة أو من الخارج ليجد أن أباه قد ساهاه وذهب. يدور في أنحاء البيت ويصعد إلى السطح، ويجري إلى الجامع يفتش صفوف المصلين الراكعين أو الواقفين … أو حتى الساجدين الذين قد اختفت كل معالمهم ولم تبقَ لأيهم سوى قدم واحدة واقفة تسند الجسد، وبلمحة واحدة يلقيها على الأقدام كان يدرك أن أيًّا منها ليست قدم أبيه.

ويلهث حينئذٍ إلى المحطة لعله في مكان ما في البلدة لم يسافر بعدُ، ولا بد سيأتي لركوب القطار، وتمر القطارات ذاهبة وآتية ولا يظهر له أثر، حتى إذا مر قطار الرابعة تملكه اليأس الكامل، وجازف بنفسه ومرَّ من أمام «الراس» في طريقه إلى البيت يكاد يبكي … وأحيانًا يبكي ويحس أن البكاء لا يعبر أبدًا عن ضيقه، وأن الحل الوحيد أن يساهيه القطار، ويظل يدهمه ويدفعه حتى يوصله إلى بعيد … أبعد بعيد … آخر الدنيا.

ويصل البيت وتسأله الجدة أين كان. فيتخابث هو ويسألها أين أبي؟ … فتجيبه بتلك الكلمة التي يحس بها كزلطة السكة الحديد حين تدق الرأس: سافر. لكم كرِهَ السفر وتمنَّاه؛ فهو الذي يأخذ أباه منه، وهو أيضًا الكفيل بأن يذهب به إليه … وكأنما تتذكر الجدة … إذ لا بد أن تعنفه على شيء حدث في أثناء زيارة أبيه … ثوب متسخ، أو شحوب زائد عن الحد، أو كلمة شكوى تفوَّه بها، وبيد جافة معروقة تأخذ أنفه بين إصبعيها لتمسحه وتعلمه النظافة، وإن تململ ثبتته في مكانه بقرصة أذن. وإن قال: «يا اما» لكزته قائلة: اسكت يا ابن النجسة … ويحس بالخجل الشديد كأنها عرته أمام الناس، ومع أنه يعلم تمامًا أن جدته فظة المخارج فقط، وأن كلامها مع الجميع شتائم.

ويحين العشاء … والعشاء دائمًا خضار من الغيط مسلوق أو أرز بالتقلية، والطبلية تزدحم بأيدٍ كبيرة خشنة، وحتى النساء اللاتي يخجلن في حضرة الرجال لا يخجلن ساعة الطعام، ويروح الكل يأكل في نهَم، والأيدي تتسابق بلقم كالفئوس تفرغ الغموس في ومضة، ويده صغيرة كيد القطة يمدها خلسة ويدعي الأكل، خائفًا أن يدرك أحد أن الطعام لا يعجبه وأنه دلوعة وأنه طفل، فالجميع كبار يعاملونه كالكبير، ولا يمكن أن يجعلهم يتصورون أنه صغير. ولا تكون به حاجة للادعاء فلا أحد يفطن إليه والكل مشغول عنه، والقطط وحدها هي التي تهرب من القبضات الساحقة الزاجرة وتستهيفه وتتكاثر عليه، تمد يدها قبل يده، فإن حاول سبقها زجرته وماءت في وجهه وأخافته.

وفي أحيان يضيق بالعشاء ويروح يتصور عشاء آخر مع عائلته الحقيقية وإخوته الصغار والكبار، فلا بد أن له إخوة، ولا بد أنهم يتناولون الآن طعامًا أحسن، وأبوه يأخذهم تحت ذراعيه ويهدهد عليهم، وأمهم — أمه — تدللهم وتطعمهم … لا بد هذا رغم كل ما تقوله الجدة وتقسم عليه، رغم تأكيدها بأنه لا إخوة له ولا أم. إنه شيطاني … مرة انتابه العناد، وظل يبكي ويطالب الجدة أن تدعه يذهب إلى إخوته وأمه، وحين لم يفلح فيه زجر أخذته الجدة في حضنها وقبلته، وقالت له وهو يرى الدموع في عينيها إن أمه سرقها حرامي ذات ليلة من أبيه، وألا فائدة من بكائه أو إصراره؛ إذ لا أحد يعرف مكانها أو أين تقيم، وأنها هي أمه الحقيقية التي سيعيش معها إلى الأبد … ليذهب كالشطار إلى المدرسة ويتعلم، ويصبح غنيًّا وأفنديًّا كالبهوات. وحين حاول المحاولة الأخيرة، وطلب أن يذهب إلى مدرسة من المدارس القريبة من أبيه، ضمته جدته وهي تخبره ألا مكان له عند أبيه؛ إذ هو يعمل هناك بعيدًا جدًّا بينهم وبينه أسفار وأسفار.

– عند آخر الدنيا يا جدتي؟

– تمامًا هناك يا بني … مكانك معي هنا لتكون قريبًا من المدرسة.

ورغم هذا فلم تكن المسافة بين بيت جدته والمدرسة تقل عن الأربعة كيلومترات، يصحو لها من الفجر … توقظه العمة أو زوجة العم التي يكون عليها الدور في جلب الماء من الترعة، وتصب عليه من إبريق فخار في ماء مرصرص يوقف شعره، ويدمي فروة رأسه، ويظل لا عمل له طوال الطريق إلا النفخ في يده. ويجري حتى لا يتأخر والطريق مضبَّب نصف مظلم وطويل لا نهاية لطوله، ويقطعه وحيدًا؛ فزملاؤه لا يصحون في هذا الوقت المبكر. ومع هذا يسبقونه إلى المدرسة وقد أركبهم آباؤهم ركائب، أو قطعوا لهم تذاكر بتعريفة في أول قطار. ودائمًا يصل والطابور واقف، ولا بد له كل يوم من خيزرانات أربع أو خمس … للتأخر أو لقذارة الحذاء، أو لعدم الحلاقة … وبأيدٍ صغيرة ورمها البرد وخدَّرها الضرب. وبأذنٍ حمراء بالزمهرير وما تيسر من القرصات، وببدلة جرباء كالحة وركب مسلوخة وشبه حذاء، يدخل الفصل منكَّس الرأس، وربما لهذا كان يطلع الأول … دائمًا الأول، ودائمًا هو أكثر التلاميذ انتباهًا … ربما لكيلا ينتبه إلى نفسه ويخجل. في فسحة الغداء فقط يعود رأسه ينكس، حين يترك غيره يذهب إلى المطعم أو الكانتين ويذهب هو ليبحث هناك عند آخر السور على منديل الغداء الذي طبقوا له فيه الرغيف على قطعة الجبنة، والذي كان يخفيه بجوار السور، ويتكفل لونه الذي لا يختلف عن لون الأرض بحفظه من الضياع. وما أعمق الراحة التي كان يحسها حين يدق آخر جرس؛ إذ معناه أن تبدأ رحلة العودة … نفس الطريق الذي قطعه لاهثًا مذعورًا يعود منه الهوينى، وبالهُوينى يحلم ما يشاء من الأحلام. وقد لا يحلم أبدًا ويظل طول الطريق سعيدًا يكاد يطير، فقط لإِحساسه أنه هنا يستطيع أن يختار أي حلم ويحلم به … وأي هدف ويحققه. هنا يستطيع أن يعثر على أمه، ويستحوذ إلى الأبد على أبيه، ويسافر إلى آخر الدنيا، ويجد الكنز وخاتم سليمان ومصباح علاء الدين.

وفي نفس طريق العودة هذا فقَد كنزه الحقيقي، القطعة ذات القرشين التي أعطاها له أبوه في زيارته الأخيرة … وقبل أن يغيب غيبته التي طالت، وأسالت دموع جدته مرارًا. ويسمع الهمسات أنه لن يعود إلى البلدة مرة أخرى … أشياء لم يكن يحفل بها، فالهاتف الذي في نفسه يؤكد له أنهم جميعًا يكذبون عليه، فمن المستحيل أن يتركه أبوه هكذا ولا يعود إليه. بل هو لا يعرف تمامًا لماذا أبطل التفكير في أبيه، ووضع همه في القطعة ذات القرشين … صحيح كان يدرك أنها نقود ولكنه يدرك بالسمع، فهو لم يشترِ شيئًا ولم يبِعْ، ولا امتلك قرشًا أو مليمًا في حياته، ووضعه في محفظة أو كيس، بل لم يكن قد امتلك أبدًا شيئًا لنفسه … البدلة والكراريس والأقلام كانت أشياء يعطونها له ليذهب إلى المدرسة، والأشياء التي كان يعثر عليها أحيانًا ويحفظها، ويصنع لها صندوقًا، ويضعها فيه كان يدرك من أعماقه أنها بغير قيمة، ويستغرب حرصه على إبقائها عنده واعتنائه بها؛ فهو لا يتحمَّس لها إلا حين تضيع أو يكتشف ذات مرة أن جدته تخلَّصت منها.

القطعة ذات القرشين أو «أم أربعة» كما كانت الجدَّة تسميها، كانت شيئًا آخر. لأول مرة في حياته أحسَّ أنه أصبح مالك شيء ذي قيمة عظمى! إنها ليست نكلة أو ربع قرش أو تعريفة أو غير هذا من القطع التي كانوا يسمحون له بإمساكها في يده، أو التفرج عليها … إنها قرشان بحالهما، في قطعة من الفضة، الفضة التي يسمع الناس يتكلمون عنها باحترام لا يعادل إلا احترامهم للذهب … أيام أن أعطاها له أبوه لم يكن قد أحسَّ بأهميتها. كان مشغولًا كالعادة بخوفه من أن يسافر، وبالضيق الذي ينتابه حين يسافر، والأقاويل التي أعقبت سفره. حين بدأ يفطن إليها وإلى أنها ملك خالص له لا يشاركه فيه أحد كاد ينسى أباه، والدنيا وكل ما في حياته.

وظلت معه طوال الشتاء … إذا عاد من المدرسة كان يضعها في كيس صغير خيَّطه بنفسه لأجلها، ويُحكم وضع الكيس في جيبه … كلما خرج من البيت تحسَّسها … كلما جاء عليه الدور في لعبة «ضربونا» اطمأنَّ لوجودها. ولا ينام إلا إذا ملَّس عليها، ويستعجل اليقظة ويصحو فرحًا؛ لأنه من جديد سيضغطها بين أصبعيه، ويقلبها ويستمتع مرة أخرى بلمس خشونتها. إذا ارتدى البدلة نقلها إلى جيب البنطلون، وقبل أن يخلعه يكون أول ما يفعله أن يُعيدها إلى الجلباب. وأغرب شيء أنها، وهي معه ويتحسسها طوال الطريق، كان يحس بالدنيا دافئة وبخطواته أسرع، وحتى إذا ناله على التأخير ضربات، وتورمت يداه فقبل أن يدخل الفصل كان يُناضل لكي تستطيع أصابعه التي فقدت حركتها وإحساسها أن تطبق عليها. وحين تنقل إليه الأصابع حجمها مبالغًا فيه ومضاعفًا، وملمسها مخالفًا مغايرًا، وكأنما تورمت هي الأخرى. وفقدت الإحساس ونالت خيزرانات، حين يحدث هذا في التوِّ كان يذهب الألم عن يديه والمهانة عن نفسه، وفي الفصل إذا استعصت عليه الإِجابة استنجد بها، وإذا خانته الذاكرة وأخطأ وأحس بالمذلة، تعزى بأنها على الأقل معه في متناول يده. وتركزت أحلامه في طريق العودة حولها … أحيانًا يتصور أن أناسًا يعرضون عليه مائة جنيه ليأخذوها، ورغم إدراكه أن الجنيهات المائة مبلغٌ لا حدَّ لضخامته؛ فإنه كان إذا وصل في أحلامه إلى مرحلة التنفيذ لا تطاوعه نفسه فيرفض، ويرفض حتى مبلغًا أكبر … ويقول الناس عنه إنه مجنون، ويسألونه كيف لا يقايض عليها بمائة جنيه وأكثر، فيعجز هو عن تقديم السبب، إذ هو نفسه لا يستطيع أن يعرف لماذا يحبها كلَّ هذا الحب، ويفضلها على مال الدنيا كلها، وحتى على مصباح علاء الدين!

وحين يستعرض في الطريق مخازي اليوم، ودائمًا كانت له كل يوم مخازٍ، ويتذكر نظرة مدرس الجغرافيا «الملظلظ» السمين ذي الحذاء البُني الذي لم ترَ عيناه شيئًا في مثل لونه البني الجميل، ولمعته التي تخطف البصر، ونعله الثخين السميك المحلَّى حين يتصل بالجلد بعدد لا نهاية له من الخطوط الدقيقة القصيرة المتوازية. أعظم ما كان يتمناه في حياته أن يرتدي حذاء بمثل تلك اللمعة والنظافة. حين يتذكر نظرته إليه النظرة التي كلها اشمئزاز، وكأنه ينظر إلى دودة أو بصقة، وكلامه عنه وعن أبيه، وبصيغة الجمع، وعن أبيه بالذات وفقره وفقرهم، وكأنهم مصابون بداء منفر تتقزَّز له النفس اسمه الفقر، حين يتذكر ضرب التلامذة الكبار له وقذفهم الحبر على بدلته، وجاره ابن عامل تليفون هندسة الري الذي ترك له التختة وحده، وذهب إلى تختة أخرى هامسًا في أذن جيرانه بأنه لم يعُد يطيق رائحة البصل والمش التي تفوح منه، حين يطارده لقب «أبو ضب» الذي أطلقوه عليه ظلمًا حتى آمن به وبدأ يفكر في وسيلة لانتزاع أسنانه، حين يستعرض ويضم نفسه على نفسه، وكأنما يريد أن يخفي نفسه عن نفسه، لا يبدأ ينسى ويعود يحلم ويسعد إلا حين يتذكرها ويدسُّ يده كالملهوف ويطمئن عليها.

وفي ذلك اليوم حين خلع البدلة، وعرف أنها ضاعت، وظل ما تبقى من اليوم منحنيًا يبحث، أو نائمًا على بطنه يخترق الظلام بأنظاره ويتأمل، وأوى أخيرًا إلى مضجعه بين الأجساد الكثيرة التي تحفل بها وبنفسها وشخيرها الغرفة. كان كل ما يشغل باله قبل أن تغمض جفونه أنه — بعدُ — لم يجدها. وحين استيقظ ومدَّ يده مرة واحدة إلى الكيس عن بُعد وتلمَّس جميع أطرافه، استعد لصرخة فرحة، وأطبق يده مرة واحدة على الكيس، ولكن يده لم تطبق إلا على الهواء، وكان الكيس كالأمس لا يزال فارغًا. تورم قلبه وتمدد يحتل كل صدره، ويكاد يوقف أنفاسه عن التردد. ما فائدة الصباح الباكر أو المدرسة، أو أن يكون الأول ويصبح كالبهوات إذا لم يجدها؟

ومضت أيام كثيرة … خميس وجمعة وراء خميس وجمعة، وما فعله في اليوم الأول كان يفعل بعضه في الأيام الأخرى، فيعيد تفتيش الدرج أحيانًا، أو يتأمل البقعة التي يقف فيها حارسًا لمرمى فريق الكرة الزلط، أو يعيد تقسيم الحوش إلى مربعات جديدة يتفحَّصها إصبعًا إصبعًا. مضت أيام وعاد يضحك ويحزن ويلعب «ضربونا»، ويعاني من خشونة الجدة وخيزرانات المدرسين، ولكنه كان وكأن شخصًا آخر هو الذي عاد يفعل كل هذا، شخصًا لا يفرح ولا يحزن، ولا يجد في الألم ألمًا ولا في أحلام العودة سعادة. أما شخصه هو فقد ظل دائمًا معها، وكأنها كانت تمتلكه، وحين ذهبت أخذَتْه وأخذت انتباهه وكل إحساسه، كلما فتح فمه ونطق شيئًا، كلما كف عن الحديث وسهم، كلما أحسَّ أنه يريد أن يفكر، كلما بدأ يضحك، كلما صادفته سعادة صغيرة … حبة طماطم أو برتقالة أو أستيكة يكافئه بها مدرس الحساب على معضلة، كلما أحس بالعضَّة وأدرك مفجوعًا أنها ضاعت، وأنه لا يزال لم يعثر لها على أثر، وهنا ومن جماع نفسه، وبكل ما يمتلك من عناد وتصميم، كان يهتف ويكاد يصرخ ويسمع الناس أنها لم تضِع، أبدًا لم تضِع، فلا بد أنها موجودة في مكان ما من الدنيا تنتظر منه أن يعثر على المكان فيعثر عليها.

وفي يوم وقد مضى الشتاء وبدأت الدنيا تحفل بالشمس الكبيرة والحر ورائحة الامتحان، كان عائدًا ما كاد يخلع الجاكتة ويلقيها ويلتقط أنفاسه من رحلة العودة، حتى تذكر — هكذا — وكأن يدًا لا يعرفها امتدَّت ووضعت الفكرة في رأسه ثم تلاشت، تذكر أنه في اليوم الذي فقدها فيه تمامًا كانت نفسه قد زيَّنت له أن يحصل على بضع كيزان من التين الشوكي المزروع فوق جسر السكة الحديد، وأنه لأول مرة خالف نصيحة أبيه الذي كان يوصيه على الدوام بألا يصعد إلى الجسر أبدًا، وأن يمشي على الناحية المحاذية للخليج من السكة الزراعية، بحيث إذا ميَّلت عليه سيارة قادمة يصبح بإمكانه أن يخوض في الخليج الضَّحْل. يومها خالف النصيحة، وصعِد إلى الجسر، وزاغ بصره بين الكيزان الناضجة الصفراء كالكهرمان، وبين جلباب عم علي الأسود الذي يشتري التين من المصلحة ويحرسه ويبيعه. لا بد أنه في خِضَم خوفه واضطرابه ومحاولته أن يحاذر الشوك، وأن يفك ملابسه بطريقة يدعي بها لعم علي أنه يقضي حاجته فيما لو ظهر له فجأة، لا بد أنها سقطت منه في ذلك المكان، ولا بد أنه لم يعِ وهو في حالته تلك بسقوطها.

ورغم أن الأمر كان مجرد فكرة بعيدة الاحتمال، أبعد منها أن تكون قد ظلت في مكانها تنتظره طوال تلك الأسابيع هي الجديدة أو تكاد، ذات اللمعة رغم هذا، إلا أن الفرحة التي اجتاحته أغرقت بفيضانها أي تردد أو شك، فرحة حقيقية جعلته يدرك أنه لم يكن يفرح، وحين انطلق يجري بالقميص والبنطلون قافزًا فوق جدته التي كانت تجلس على عتبة الغرفة، تلضم عقود «البامية الناشفة»، أحس أيضًا أنه لأول مرة يجري أو يمشي أو يتحرك، أو يهمه الجري والتحرك. ودون أن يعِي كان قد حدد لنفسه ما يجب عمله؛ فالتين الشوكي مزروع بطول الأربعة كيلومترات التي يستغرقها الجسر، وهو لا يعرف في أي بقعة بالذات قام بمغامرته … ولهذا فسيمسك الجسر من الأول من محطة البندر إلى أن يجد البقعة. ولم يلتقط وعيه بنفسه، ولم يبدأ ينظر إلى الشيء المحدد؛ إلا حينما أصبح، وكأنما بسرعة البرق عند محطة البندر. ونظر إلى الجسر الطويل واستعذب النظر، ففي مكان منه سيجدها، ولا يهم الطول فكلما طال البحث امتدت النشوة، وأيضًا لا يهم أنه للمرة الثانية يخالف نصيحة الأب، وتحذيره بأن القطار لو فعل سيقطعه قطعًا قطعًا … أكبر قطعة منها في حجم القرشين … فهو للمرة الأخيرة يخالفها ولا خطر هناك، فالساعة بالكاد قد بلغت الثالثة، وباقي على القطار القادم، قطار الرابعة، ساعة، والأمر لن يأخذ دقائق.

•••

وقدمًا قدمًا فوق الفلنكات الخشبية مضى يتحرَّك ويتوقف، ويجول بعينيه خلال الزلط الكثير، عشرات الزلطات ومئاتها وآلافها، ثم ينحني ويتفحَّص جذور التين وأوراقه الجافة ثم يعود للسير، ولكنه كان يدقِّق ويتفحص الأداء الواجب ليس إلَّا؛ فقد كان يعتمد على انفعال ما سينتابه حين يصبح عند البقعة التي قام فيها بمغامرته؛ إذ رغم أن تينها لا يختلف عن غيره في طول الجسر، وزلطها لا يختلف عن الزلَط؛ إلا أنه متأكد أنه لو رأى ألواح التين وأوراقه وشجرته التي أخذ منها في الحال سيعرفها. وهكذا مضى يزحف قدمًا قدمًا ينظر أداء للواجب، ويتأمل الأوراق والبقع، منتظرًا أن تحدث له الاختلاجة التي يترقَّبها. وحين لا تحدث يتقدم خطوة أخرى فرحان فقط؛ لأنه أخيرًا يعود للبحث عنها، سعيدًا بتضييق الخناق عليها، يود لو لم يُحدث صوتًا حتى لا تحس به وتفر.

وترك السيمافور خلفه وعدى الكوبري، وبدأت أعصابه تتوتر، وكأنها تستعد للاختلاجة الكبرى، وأصبح يدقق إلى الدرجة التي لا يرفع عينَيه عن الزلط إلا حين يبدأ الزلط يسبح أمام عينيه ويدور، ولا يترك شجرة التين إلا حين يحس بأشواك أوراقها تكاد تلمس عينيه. وفجأة اختلج جسده، وتوالت دقات قلبه وعرق، وأحس بروحه تنسحب إلى أسفل، وعاد يدير عينيه في البقعة، ويزداد جسده اختلاجًا ودقًا وعرقًا. بالضبط … هي البقعة! بقايا الكيزان التي انتزعها، والورقة التي قسمها نصفَين بلا سبب معين. كان مفروضًا أن يبدأ بفحص الزلط والرمل والتراب وينحني ويدقق، ولكنه لم يفعل شيئًا من هذا فقد وجدها، هكذا دون أن يبحث عنها. لفت نظره بريقها الفضي الوقور ينبعث من فوق حجر أبيض، وكأنما وُضعت هناك بفعل فاعل أو ظل يحرسها ملاك، تمامًا كما هي بالعضة الصغيرة في حافتها، بملمسها، بالرجفة التي تعتريه حين يتحسَّس خشونتها الناعمة.

ظل زمنًا طويلًا واقفًا في مكانه لا يفكر ولا يرى ولا يسمع، ولا يعرف ماذا يجب عليه أن يفعل، وكان أول ما تحرك فيه يده، وتحركت لتزيد قبضته عليها، وخاف عليها من عنف القبضة فخففها، ثم سار ووجد نفسه يتوقف بلا سبب، وما كان يتوقف برهة حتى أحسَّ بفرحة حلوة طاغية، وأدرك أنه وجدها، حقيقة وجدها. وراح يقذفها بحرص لتعود تختلط بالزلط وينقض عليها. وتستميت قبضته ليعود يفتحها، ويقذفها ويفرح حين يجدها. ولكنه لم يلبث أن عدل عن إضاعتها، فقد خاف أن تساهيه كأبيه تذهب ويفتش ولا يجدها. خاف إلى درجة كاد يعتصر نفسه ويبكي، فهو خلاص لم يعُد يريد أن يساهيه شيء، ويذهب ويأخذ روحه معه، إلى درجة أصبح حلمه كله أن يستمر في هذه اللحظة إلى الأبد؛ فهو لم يعد يريد شيئًا، لا أبًا ولا مدرسة ولا جدة، ولا حتى يومًا آخر يستيقظ من أجله وينام في آخره … لم يعد يريد إلا أن يظل يحس أنها عادت إليه، وأنه عاد إليها وأنها ستبقى معه، وسيبقى معها دون أن يقطع هذا البقاء حادث أو ضياع.

وأنَّى له أن يدرك وهو على هذه الحال أن الثالثة كانت قد فاتت من زمن والرابعة حلت، وقطارها جاء وقام من محطة البندر، وتعدَّى السيمافور، وأنه في تلك اللحظة بالذات خلفه يصفِّر له صفيرًا متقطعًا مستغيثًا يأمره به أن يبتعد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤