الفصل الأول

الوسطية وخصوصية الاعتقاد

من باب عشقنا للكلام المرسل، شاع القول بأن الوسطية هي خصوصية العقيدة، وخصوصية الأمر هي ما ينفرد به ويميزه عن سواه، ومن ثم تكون أحد عناصر التعريف، وأحد مقومات العقيدة؛ بل وأحد مسلماتها التي ترسِّخ في الوجدان من خلال التنشئة وتلقين الموروث، فلا يصح الاعتقاد بدونها، يأخذها المؤمن مأخذ التسليم، ويأبى المجتمع طرحها للنقاش؛ لأنها بلغة العقيدة أحد المقدسات، وتنعكس في كل ظواهر المجتمع على نحو عَفْوي تلقائي، وتغدو القيمة المرجعية في الحكم على السلوك، فهي بذلك ركنٌ وعماد، وبدونها يسقط البناء، فهل الوسطية كذلك بالفعل بالنسبة للعقيدة؟

(١) عن الوسطية

تحمل الوسطية أحد معنيين؛ إمَّا التوسط والاعتدال، والنأي عن الغلو والتطرف، أو الوسطية بمعنى الأفضلية، ومن ثم حق الشهادة أو الرقابة، وهو ما يُفضي اجتماعيًّا إلى غرس مشاعر العلو والاستعلاء، وحق الإشراف والولاية والأولوية.

وهذان المعنيان يتردَّد أحدهما أو كلاهما في ثقافات شعوب كثيرة، ولم تنفرد بأي منهما ثقافة دون الثقافات الأخرى، لنقول إنها إحدى خصوصياتها. فهناك على سبيل المثال: الإغريق، وحدثنا فلاسفتهم عن الوسط الذهبي، وقالوا إن الفضيلة وسط بين رذيلتَين، كلتاهما تطرُّف وغُلو في اتجاه الإفراط أو التفريط، هذا فضلًا عن أن بعضهم رأى التوسُّط بهذا المعنى لا يكون فضيلةً دائمًا؛ إذ إنه قد يعني العجز عن الحكم، أو العجز عن اتخاذ موقف يحسم القضية إلى هذا أو إلى ذاك.

ونهت البوذية عن التطرُّف وطالبت بالاعتدال والتوسُّط في الملذات والمُتع الحسية، أو في الزهد وإنكار الذات. ودعا بوذا إلى سلوك طريق وسَطٍ يُفضي إلى المعرفة والسكينة. وعقيدة الهينايانا البوذية تعني الاعتدال والطريق الوسط، وترى الدين يسرًا لا عسرًا، وأن يكون الإقبال على الدنيا وشُئونها في اعتدالٍ. وكذلك عقيدة الماهايانا البوذية تدعو إلى عدم الغلو أو الإفراط؛ فجميع المدارس أو المذاهب البوذية تؤكِّد على أن الطريق الوسط هو السبيل إلى المعرفة والسكينة والنور الكامل والسلام، والنيرفانا أو الفناء في الوجود الأكمل الذي يُعادل دخول ملكوت السماوات، أو الاتحاد مع الله عند بعض الصوفية. وترى البوذية أن سبب المعاناة هو النهَم والشَّرَه والرغبة، أو شهوة النفس للاستئثار بكل شيء، بما في ذلك الخلود والتناسخ؛ والتوسط والاعتدال هو بداية التحرر على مدى طريقِ الانتصار على الرغبة، وهو الطريق النَّبيل الثماني؛ أي الأقدَس.

وتزخر حكمة الصين بآيات التقدير للتوسُّط والاعتدال، مما يؤكِّد أن الوسطية — بهذا المعنى — حكمة شائعة؛ إذ يتمركز الفكر الصيني أو الحكمة الصينية، حول الأخلاق عند الفرد، وأن خير الفضائل هو السلوك القويم والاعتدال والقناعة وطاعة السُّلطة، ونعرف أن أهم كتابين عن الحكمة الكونفوشية هما:

  • (١)

    كتاب التعلم الكبير، الذي كتبه الحكيم هسون تزو.

  • (٢)

    مذهب التوسط والاعتدال الذي كتبه أحد أتباع منشيوس. ويرى أن الحياة الصحيحة القويمة عمادها التوسط، وأن كل شيء يذهب إلى النقيض المتطرف، لا بد وأن يرتد إلى النقيض المقابل، ولهذا فإن التوسط يعني الاستقامة والنأي عن التطرف. وهذا أفضل سبيل لتحقيق السكينة وسلام النفس والتناغم مع الطبيعة، ودعا كونفوشيوس إلى الاعتدال في كل شيء. إن من الصعب — كما يقول — أن نتوقع شيئًا من أناس يملئُون بطونهم طعامًا طوال اليوم، ويكفُّون عن استعمال عقولهم؛ كما أن من الخطأ أن يغدو الإنسان «انعزاليًّا» أو «تابعًا للجماعة»، ففي الحالين يفقد فعاليته.

•••

والمعنى الثاني للوسطية ويعني الأفضلية، ومن ثَمَّ العلو والاستعلاء، أو حق الإشراف والولاية على الغير، ودون أن نشير إلى تحليل المدلول الاجتماعي السياسي لهذا المعنى في الثقافات المختلفة كأساسٍ لمحورية عرقية، نقول إنه ليس خصوصية عقيدة دون سواها؛ لأنه وارد على نحو أوضح وأقوى في ثقافات شعوب كثيرة.

ولن أتحدث عن اليهود وعقيدتهم أنهم أفضل الأمم وشعب الله المختار، ولا عن أيديولوجيا الجرمان والنازية أو غيرهم ولا عن أبناء الله، فأكثر الشعوب حاولت أن تؤكِّد ذاتيها باتباع هذا النهج لدعم عوامل الانتماء ضد الآخر، والتماس سند يبرر ويدعم نزعة الاستعلاء على الغير، أو ليرى الشعب في صُورته التي اصطنعها لذاته مبررًا لوجوده.

وسوف أكتفي بالإشارة إلى حكمة الصين، حيث ساد اعتقاد بين أهلها على مدى التاريخ أن الوسطية هي خصوصية الحكمة، أو إن شئنا القول بلغتنا: «خصوصية العقيدة الصينية.»

فالثقافة الاجتماعية الصينية، أو الحكمة الصينية، أفاضت في الحديث عن الوسطية، حتى ليظن المرء أنها أم الفضائل، حينًا بالمعنى الأول، وحينًا بالمعنى الثاني، الذي يعني العلو والاستعلاء والإشراف وحق الولاية، وليس أدلَّ على ذلك من أن كلمة الصين التي يكتبونها على هذا النحو إنما تعني وسط أو مركز أو محور الكون، ومن ثم فإنَّ الصين وحكمتها هي عماد الكون والحياة الإنسانية؛ لأن المربع هو الكون أو العالم، والخط الأوسط أو المحور إشارة إلى الصين ثقافة وحكمة وشعبًا.

وتذهب ثقافة الصين الموروثة إلى أن شعب الصين هو خير الأمم قاطبة، وصاحب الفضل والفضيلة وله الحكم والحكمة، وكلما اقترب شعب جغرافيًّا من شعب الصين، كان أدنى منالًا للحكمة والفضيلة، وهذا هو ما انعكس في أقوال وسلوك الصينيين وحكامهم على مدى التاريخ. فها هو أحد أباطرتهم في القرن التاسع عشر يتفضَّل بلقاء مبعوث ملك بريطانيا العظمى، الذي سعى إلى عقد اتفاقية تجارية، فيقول له الإمبراطور: «لقد أحسنتم صنعًا؛ إذ سعيتم إلينا تلتمسون العون والخير والحكمة؛ بيد أننا في غنًى عنكم وعن تجارتكم؛ لأننا نملك ما يُغنينا.» ويقول حكيم صيني: «إن من وعَى حكمة السلف؛ فقد أغنَتْه حكمةُ الصِّين عن علوم الدنيا».

(٢) الوسطية في الإسلام

يستند القائلون بأن الوسطية هي خصوصية الإسلام إلى الآية القرآنية:

وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا (البقرة: ١٤٣).

وفي معجم ألفاظ القرآن الكريم١ في مادة «و س ط» نقرأ ما يلي: «وَسَطَ الشيءَ يسِطه وسطًا وسِطَة»: كان بين طرفيه، والأوسط اسم تفضيل من وسَط، ويأتي في معنى الأقرب إلى الاعتدال والقصد، والأبعد عن الغلو في الجودة والرداءة ونحوهما، ويأتي في معنى الأفضل، إذا كان أوسط الشيء محميًّا من العوارض التي تلحق الأطراف:

قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ (القلم: ٢٨)، أي قال أفضلهم رأيًا، وكذلك الآيةفَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ (المائدة: ٨٩).

ويمضي المعجم قائلًا: «الوسط للشيء ما بين طرفيه»، ويستعمل الوسط في الفضائل إذا كانت وسطًا بين الرذائل، ثم جعل الوسط وصفًا للمتصف بالفضائل، فصار معناه الخيِّر الفاضل، ويُقال: رجل وسط، وأمة وسط.

ويقول الزمخشري صاحب أساس البلاغة: «توسط بين الخصوم … هو وسط في قومه ووسيط فيهم، وقوم وسط، وأوساط: خيار القوم، وكذلك جعلناكم أمة وسطًا. وقال زهير:

هُمُ وسطٌ يرضَى الأنامُ بحُكمِهم
إذا نزلَتْ إحدى الليالي بمعظمِ

وهو من واسطة قومه، وهو أوسط قومه حسبًا، أي خيرهم.»

وفي المعجم الوسيط (مادة وسط): «وسط القوم وفيهم بمعنى: توسط بينهم بالحق والعدل. وَوَسط الرجل، صار شريفًا فهو وسيط. وهو من أوسط قومه، أي من خيارهم. والوسط «الخير»، وكذلك جعلناكم أمة وسطًا؛ أي عدولًا أخيارًا، ويُقال: هو وسيط فيهم، أي أوسطهم نسبًا وأرفعهم مجدًا.»

ويُساعد على تحديد المعنى المقصود سياق الكلام عند توضيح غاية ووظيفة الوسطية هنا، في ضوء معنى كلمتي شهداء وشهيد، فضلًا عن الآية كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ؛ إذ يوضح معجم ألفاظ القرآن الكريم أن مادة «شهد، يشهد، شهادة» تأتي بمعنى دلَّ دلالةً قاطعة بقول أو غيره، ويُضيف قائلًا: «وقد يأتي في الشاهد والشهيد بمعنى الرقيب.» يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا (الأحزاب: ٤٥)، وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا أي رقباء (يونس: ٦١).

ويقول ابن كثير في تفسير وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا: «يقول تعالى: إنما حوَّلناكم إلى قبلة إبراهيم، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، لتكونوا يوم القيامة شهداء على الأمم؛ لأن الجميع يعترفون لكم بالفضل. والوسط هنا الخيار والأجود، كما يُقال: قريش أوسط العرب نسبًا ودارًا، أي خيارها، وكان رسول الله وسطًا في قومه، أي أشرفهم نسبًا، «ولمَّا جعل الله هذه الأمة وسطًا خصَّها بأكمل الشرائع وأقوم المناهج وأوضح المذاهب».»

وهكذا يبدو واضحًا أن المقصود ليس الوسطية بمعنى الاعتدال، بل بمعنى الأجود والأشرف، وأن الشهادة هنا تعني أن العرب رقباء لأنهم الخيار الأجود كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ وهو أقرب إلى المعنى الذي قصد إليه الصينيون أيضًا في الحديث عن أمتهم بأنهم مركز الكون، وعن ثقافتهم بأنها خير الثقافات، ونظرتهم إلى الآخرين بأنهم أعاجم.

وإذا تأملنا ثقافتنا العربية الموروثة، نجد أن الوسطية بمعنى التوسُّط والاعتدال قيمة مرذولة أحيانًا، حيث يقول الشاعر في مجال الفخر:

ونحن أُناسٌ لا توسُّطَ عندنا
لنا الصدرُ دون العالمين أو القبرُ

(٣) الوسطية فكر غير مستقل

والوسطية في مجال الفكر تعني احتلال موقعٍ وسط بين طرفين نقيضَين، فهي نفي وقبول جزئيان لهذين الطرفين، ووجودها مرهون بهما؛ إذ تنتفي الوسطية بنفي أحدهما أو كليهما نفيًا كاملًا، ولا بد وأن يكون وجودها إذ ذاك إيجابيًّا حتى يتحقق لها هذا الوجود، بمعنى أن لا بد وأن تتكامل معها، وتحرص عليهما حرصًا على وجودها، إذ لو عمدت إلى القضاء على أحدهما أو كلَيهما لسقطت عنها صفة الوسطية وتطرفت، الأمر الذي يعني أن الوسطية تستمدُّ مشروعية وجودها من وجود طرفين نقيضَين على الأقل، وهي في حوار متصل معهما دائمًا حفاظًا على موقفها ونسبها.

ويعني هذا أخيرًا أن الوسطية تنطوي على قَدْرٍ من التسامح إزاءَ التعدُّدية التي تستمدُّ منها وجودها ومشروعيتها. ثم أخيرًا فإن الوسطية ضد الثبات أو السكون، بله الجمود؛ لأنها بحكم موقعها، الذي هو وليد الحوار المتصل مع طرفين نقيضين، فهي تتطور من حيث المضمون؛ وهي أيضًا، وبفعل هذا الحوار وحركة النقيضين أبدًا، هي في تغيُّر مطَّرد من حيث الإطار والموقع، أي من حيث البنية الفكرية ومسافة الفصل والوصل بين أحد الطرفين. والتغير هنا حركة وليدة تناقُضٍ ووعي نقدي بالطرَفين المتطرفين وما هو مرفوض أو مقبول منهما مع إدراك الأسباب. وهي حركة لا تتمُّ في فراغ ميتافيزيقي بين فكر صوري، بل رهن الواقع الحي المتجسِّد مجتمعًا بشريًّا تاريخيًّا.

والوسطية بهذا المعنى قد تكون توفيقًا أو تلفيقًا، وهي دائمًا في موقع الأخذ لا العطاء؛ إذ إنها لو أعطت لتميَّزت بموقفٍ خاصٍّ بها يخلق نقيضها، ومن ثَم يضعها موضع التطرف، إنها تنتظر الرأي من الطرفين لتتخذ موقفها التوسُّطي.

ولكن تثور تساؤلات؛ إذا قيل إن الوسطية إيجابية فاعلة، هل الوسطية مصالحة بين الطرفين النقيضين أم اتخاذ موقف منهما، ليس عداءً سافرًا ونفيًا كاملًا، وليس اتساقًا أو تماثلًا؟ وحينئذٍ نسأل تُرى على هَدْي ماذا يتحدَّد موقف الأخذ والقبول والرفض؟ هل يتحدد على هَدْي عقيدة ثابتة أو نص مبدئي، وهو ما يعني الاحتكام إلى أيديولوجية؟ إن التوسط لا يكون مع أيديولوجية، فهو نفي لها. ذلك أن الأيديولوجية بطبيعتها بِنية فكرية ثباتية إثر تعاليها على واقع الحياة المتغير. وهي بحكم تجاوزها للواقع والتاريخ وانفصالها عنهما، تعتمد على الاتساق الداخلي ولا تقبل إلَّا ما يتماثل معها، ومن ثم فهي مطلقة.

ومن ظاهر تناقض القول: الزعم بأن بالإمكان التوسط بين فكر ثباتيٍّ ساكن متعالٍ على الواقع والتاريخ، وبين منهج وإنجازات التفكير العلمي القائم على أساس الإيمان بالتغير، يستمد معطياته من واقع الحياة الإنسانية الفردية والاجتماعية والحياة الطبيعية، ويقيم أحكامه على هَدْي الحركة التاريخية وعلاقات الظواهر. ومنهج التفكير العلمي بطبيعته أيضًا مبنيٌّ على قاعدة التغير والنسبية، ولا يقبل التوسط بمعنى التوفيق والمصالحة عند تسجيل سلوك الظاهرة الطبيعية أو الإنسانية؛ إذ يغدو التوسط هنا إهدارًا للعلم، وتنكبًا للمنهج؛ إذ لا وسطية في مجال العلم، بمعنى أن نغير من مُعامِل تمدُّد فلزٍّ نتيجة الحرارة بالزيادة أو النقصان، ولا نصِفُ حالة مرضية أو علاجًا لها وصفًا توفيقيًّا جامعًا بين أسطورة وإنجاز علمي. وقد نصِفُ حالة مجتمع ونضَعُ تحليلًا لأزمته، ثم نُحدد مراحل التغيير على ضوء قاعدة معلومات ومنهج محدد الخطوات؛ ولكن لا نستطيع أن نركن في أحكامنا إلى العلماء وغير العلماء معًا، توسطًا واعتدالًا، وإنما فقط نُحدد نهج تناول الظاهرة وفقًا لتحليل علمي لعناصرها من بشر وتاريخ وظروف محيطة … إلخ. وكذلك لا وسطية في الأيديولوجيا، والوسطية في السلوك الاجتماعي هي خطوة مرحلية عقلانية، أو هكذا ينبغي أن تكون على الطريق نحو أحد طرفي التناقض المتحركين.

ولنتأمل حياتنا الفكرية والعملية ونسأل: أين نجد الوسطية مَعلمًا أساسيًّا ومعيارًا لهذه الحياة؟ وما هي شهادة الواقع والتاريخ؟ هل نغتذى على ثقافة اجتماعية تغرس فينا التوسط والاعتدال مع آراء الآخرين ومعتقداتهم؟ وهل سلوكنا يؤكد هذا التوسط؟ أو هل نتحدث لغةً ألفاظُها ومصطلحاتُها تعطي مساحةً للتفاهم والاختلاف والنِّسبية والاحتمال والحركة بين المتناقضات، ومن ثَم تُهيئ إمكانية التوفيق والتوسط والاعتدال؟ قد تدعونا ثقافتنا إلى التوسط والاعتدال في المأكل أو الملبس، أو إلى القناعة، وربما الزهد، في مغانم الحياة الدنيا. ولكن هل تدعونا إلى الإيمان بحضور الآخر طرفًا مناقضًا أصيلًا له فعاليته، وأن علينا التسامح والتكامل معه، حُرَّ الرأي والإرادة دون شروط؟ هل تسمح بأن يأتي موقف التوسط ثمرة حوارٍ مشترك متكافئ مع الآخر النقيض مع مساحة للتحرك تراجعًا أو إقدامًا للطرف الوسيط؟ وهل تؤكد ثقافتنا الموروثة والمعيشة أن الإيمان بحضور الآخر المتعدِّد والمناقض وبالحوار الحرِّ المتكافئ معه، شرط وجودها وفعاليتها وحركتها باعتبارِ موقعها الأوسط؟ أعني حق وشرعية الوجود على الرغم من الاختلاف، بل مع ضرورة الاختلاف ضمانًا للحركة؟ هل تسمح لنا بأن نكون — نحن وغيرنا — خير الأمم دون شروط مُسبَقة من الفكر والعقيدة؟ وهل نسعى في فضول، حسبما تقضي الوسَطية بالمعنى سالف الذكر، إلى معرفة محتوى آراء الآخر أو الآخرين، أي أطراف التناقض، ليكون توسطنا موضوعيًّا وعقلانيًّا نقديًّا؟ وهل نجد هذا التوسط متمثلًا في سلوك الحاكم وسلطته أو سلطانه على المحكومين، التزامًا بمبدأ التسامح مع الآخر وحرية وجوده، أم أن الحاكم مطلق التسلُّط، والمحكوم مطلَق الخضوع. علاقة تسليم، سلطة كاملة لطرف، وخضوع كامل من طرف آخر، وإدانة كاملة مطلقة لمن خرج عن هذا التقليد. هل نتسامح مع التاريخ، وننظر إلى الحضارات الأخرى — المعايشة لنا والسابقة علينا — بوصفها أحداثًا إنسانية واقعية، ومقدمات لتطورات تاريخية، أم أن أحكامنا كانت دائمًا وأبدًا هي نفي كل ما يُخالف معتقداتنا ومذاهبنا، ونراه جاهلية ونمحو أثره ظاهريًّا من الوجود، وإن ظل تاريخًا مقموعًا أو ممنوعًا؟

نحن لا نجد الوسطية، بمعنى الاعتدال وعدم التطرف، نهجًا محمودًا ولا قيمة اجتماعية محبوبة في حياتنا العلمية على المستوى الفردي أو الجماعي أو في العلاقات بين الأمم، ولا تُمثل الوسطية بدهية عقيدية، ولا رمزًا شائعًا في اللغة أو في الخطاب الاجتماعي، مَنْ لم يتحلَّ بها سقَطت عنه عقيدته، بل التطرُّف هو السِّمة الغالبة بين الرفض المطلق والانصياع أو التبَعية المطلقة، إمَّا إنك معي أو ضدي، صداقة مطلقة أو عداوة مطلقة، ولا نجد الوسطية بهذا المعنى في الكتب المقدسة السماوية. ووردت كلمة وسط ومشتقاتها في القرآن ست مرات فقط، لم تكن في أي منها إشارة إلى مبدأ للسلوك الأخلاقي، يدعو إلى التزام القصد والاعتدال في الاجتماع والحياة كقاعدة شرعية ترتكز عليها بنية الاعتقاد.

(٤) خصوصية الاعتقاد

وإذا كان لي — في ضوء ما سبق — أن أضع افتراضًا بشأن الخصوصية الثقافية، أو خصوصية الاعتقاد في منطقة الشرقين الأدنى والأوسط، فإنني أقول إنها الغيب المطلق المتعالي أو المفارق الفعَّال، فهذه الخصوصية هي المحدِّد الحاسم للاعتقاد، وعليها الاعتماد، وإليها مخاض الإنسان، وهي مصرف جهدِه وطاقته، ومحور السلوك والطموح والانتماء، وركيزة اللغة، وقوام النظَر والحديث، ومحدد إطار الفِكر والتفكير، وأساس النهج السائد في علاقة الإنسان بالآخر وبالحياة وبالطبيعة، يحتكم إليها الإنسان والمجتمع في كل أموره إذا ما تصدَّى للعمل أو إعادة البناء، وتفنَى إرادة الذَّات فيها وإليها، وما عدا ذلك فهو الفضل.

إن كلمة الغيب والكلمات المنتمية إلى عالم الغيب تُشكِّل مقوِّمات بِنية الاعتقاد وأساسيات الخطاب الاجتماعي، ومبادئ السلوك، ومحطَّ اشتياق الوجود والفعل، وبدونها لا تقوم لبِنية الاعتقاد قائمة، ويفقد السلوك مشروعيتَه. ونلاحظ من حيث المعدل التكراري للكلمات المنتمية إلى عالم الغيب، التي وردت في القرآن، على سبيل المثال (وهو ما يُمكن أن نلحظه أيضًا في كتب العقائد في تاريخ المنطقة) أن كلمة «غيب» وردت ٤٨ مرة، وكلمات «الله» و«إله» و«اللهم» وردت ٢٨٤٩ مرة، وكلمة «رب» وردت ٩٦٩ مرة، و«السماوات» ١٨٥ مرة، و«السماء ١١٨» مرة، و«اليوم الآخر» ٢٦ مرة، وكلمة «الآخرة» و«دار الآخرة» ١١٣ مرة، وكلمات «الرحمن» و«الرحيم» ومشتقاتها ١٨٢ مرة، و«الجنة» و«جنات» ١٢٠ مرة، و«جهنم» ٧٧ مرة، واسم الله من «حكم» ٩٧ مرة، واسم الله من «علم» أو «رب العالمين» ٢٨٣ مرة، واسم الله من «غفر» ٩٦ مرة، هذا عدا أسماء الله؛ مثل البصير، والسميع … إلخ، وعدا الأفعال التي فاعلها الله، أو مالك الغيب، مثل: «وجعلنا من الماء»، «آتيناهم» … إلخ.

هذا، بينما الكلمات من «وسط»، كما أشرنا، وردت ست مرات فقط، وليس في أيها مبدأ حاكم لأخلاقيات السلوك، أو نظرة إلى الكون والحياة.

والأمر الجدير بالملاحظة هنا أن كلمة «العقل» من حيث هو اسم لمَلكة إنسانية فاعلة لم يرد في القرآن، أو في العهدَين القديم والجديد، ولو مرَّة واحدة على الإطلاق، وإنما وردت في القرآن كلمات «يعقلون»، «يعقل»، «تعقلون» ٤٧ مرة في معرض المحاجَاة من أجل الإيمان وعقيدة الغيب. هذا بينما القلب أو الفؤاد، وليس العقل، هو أداة التفكير والعقل، وموضع الهداية واليقين،٢ وهذه الملاحظة مهمة لِما سيرد بعد ذلك من معنًى ديني للغيب ووظيفته.

وإذا كان «العقل» مُعرفًا بأل لم يرِد، فليس هذا نفيًا لوجوده، وإنما دليل على أنه ليس الأول مرجعًا وحكمًا أو محورًا للاعتقاد. هذا على نحو ما نجد الآتمن أو النفس في الهندوكيَّة محورًا للعقيدة وأساسًا لوجود وسلوك ومشيئة الإنسان في اختيار الحسن والقبيح. والنفس ليست الروح، وإنما حالات الوعي والرغبات أو الشهوات، ورسالة الإنسان التحرُّر من رغَباته، وبذا يكون برهمانيًّا حقًّا، أو على نحو ما نجد اللوجوس في ثقافة الإغريق علَّة أولى، وهو بمعنى العقل والكلمة في آنٍ ومصدر للوجود. أو الطاو بمعنى الطريق في الحكمة الصينية، وهو الكل أو الوجود الأعظم الشامل نسيج الزمان والتغير. ورسالة الإنسان هي التناغم مع الطاو، وهذه هي كبرى الفضائل والوجود الحق النابع من باطن الذات.

والغيب له معنًى لغوي قاموسي محدَّد، ولكن له معنًى وقيمة وقوة فاعلة على المستوى الاجتماعي والنفسي، أو لنقُل على المستوى الثقافي الاجتماعي الأنثروبولوجي في تاريخ المنطقة. الغيب، من حيث هو كلمة، ورَد — كما أسلفنا — بمعدلٍ تكراري كبير في القرآن، ناهيك عن الكلمات الأخرى البديلة عن الغيب، أو وثيقة الصلة به مثل الله والرب والحق، وأفعاله التي تؤكد أنه مصدر العلم والفعل دون الإنسان، ثم هناك علاقة الغيب بالإنسان ودَوره وسطوته القدسية.

والغيب معنًى: هو ما استتر عن العين. غاب غيبًا وغيبة وغيبوبة وغيابًا، وهو خلاف شهِد وحضَر، والغيب كلُّ ما غاب عن الإنسان، سواء كان محصَّلًا في القلوب أم غير محصَّل (المعجم الوسيط، مادة: غاب). وقيل في المعنى المعنوي لِما يغيب عن علم الإنسان. ويُذكر الغيب في القرآن باعتبار الناس وبالنسبة إليهم لا إلى الله، فهو عالم الغيب؛ أي ما يغيب عنهم (معجم ألفاظ القرآن الكريم، مادة: غاب). وفي وصف المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بالغيب، تكرر أكثر من أربعين مرة، والمعنى كما يقول الطبري: أي يؤمنون بما جاء عن الله من الإيمان بالله والملائكة والبعث والجنة والنار، مما لم يُرَ وغاب عن الرؤية والمشاهدة، وهي الأمور التي تستوعب وتمتصُّ الجهد الإنساني — المعرفي والطقسي والشعائري — لكي يحصِّل بعض العلم بها واسترضاءها، ويوظِّف حياته بها.

(٥) النص ودلالة التأويل

يمثل الغيب المفارق والمطلق الفعَّال خصوصية الاعتقاد في جميع معتقدات الشرقين الأوسط والأدنى، منذ بداية التاريخ على اختلاف مسمَّياتها. إنه المفارق الفعَّال بمعنى أنه مفارق للوجود في استقلالٍ عنه، ولكنَّه مدبِّر له، صاحب سلطان مستمرٍّ عليه، ومن ثَم هو محور وخصوصية ثقافة المنطقة، ويختلف في هذا عن الغيب المطلق المتعالي في معتقدات الغرب؛ ذلك أنه في تراث الغَرب منذ الإغريق مفارق غير دائم الفعالية، بمعنى أنه خلق الخلق ودفَعه الدفعة الأزلية إلى الحركة والحياة مرَّة وإلى الأبد، وبذا ترك مساحة للتدبير والفعل والسُّلطة في الأرض للعقل الإنساني في استقلال عنه. وهذا يُيسِّر ويُفسِّر قبول الذهنية الغربية لمبدأ وقيمة العلمانية، التي هي — إيجازًا — إعمال العقل الإنساني في شئون الدنيا. ويختلف كذلك عن الغيب الحلولي أو الباطني في حكم ومعتقدات جنوب وشرق آسيا، حيث الغيب ليس مفارقًا، ولكنَّه الوجود الأكمل في شموله القائم على التناغُم؛ وطاقة الإنسان مُنصرفة إلى التناغُم معه.

والعبرة دائمًا على مدى التاريخ ليس بمفردات النص، بل بتأويل النص؛ أعني كيف جرى فهمه وتوظيفه في الحياة، وفي أي سياقٍ اجتماعي سياسي أو حضاري، مثال ذلك أنْ عمدتْ الكنيسة في أوروبا خلال العصور الوسطى — وكانت تشكِّل تحالفًا مع أمراء الإقطاع — إلى إشاعة تأويل مغاير لرؤية التراث، ولكن مع عصر النهضة، الذي دفعت إليه تحوُّلات اجتماعية وفكرية، كان المطلب المُلحُّ العودة إلى التراث في وَلاء إبداعي يُتيح مساحة لفعالية عقل الإنسان، عودة تؤكد مكانة الدين في الوجدان، وحق العقل في تدبير شئون الحياة. وهكذا قدمت حركة الإصلاح الديني على أيدي رجال الدين العلمانيِّين تأويلًا جديدًا وأصيلًا — كما وصفوه — لنص المسيحية، أسهم في حشد طاقة المجتمعات نحو التقدم.

إن النصوص قاطعة الدلالة على خصوصية الاعتقاد، متواترة في معتقدات الشرقَين الأوسط والأدنى منذ قديم الزمان، وليست بحاجة إلى دليلٍ أو تكرار، أو لنقُل إنها متواترة في جميع المعتقدات، ذلك لأن الإنسان بعامةٍ باحث متأمِّل منذ الأزَل في صيغة العلاقة القائمة والمحتملة بين أطراف ثلاثة: الإنسان + الكون + الغيب. وتتغير مواقع الأطراف ومساحة السيادة، ومسئولية العقل بتغيُّر سياق العمل وظروفه والتحدِّيات التي تواجه هذه الحضارة أو تلك، ومن ثم تتغير النتيجة اللازمة عن العلاقة بين الأطراف داخل هذه البنية، وهو ما يتمثل في نوع ومدى نشاط الإنسان ونهجه، أو إلى أين يفرغ طاقته إذا اختلف السياق.

والذي يعنينا بيانُه هنا أن تأويل النصوص يُسهم في صوغ الإطار المعرفي القيمي الذي يُحدد رؤيةَ الإنسان للحياة ودورَه فيها، ونظرتَه إلى العالم، ومكانة العقل والفعل الإنسانيَّين، ونهج الإنسان في التعامل مع شئون حياته، وينبئ بإمكانات نجاحه أو فشله، وكذا يُفسر أسباب النجاح والفشل في صراع الحضارات.

وأخذ تأويل النصوص، تحت تأثير السلطة السياسية ونَزْعتها المحافظة، أو نَزْعتها الثورية، أحد منحيَين؛ إذ حين يهدف التأويل إلى الوفاء بحاجة أمة نزَّاعة إلى التغيير فإنه يُهيئ مساحةً لإرادة الإنسان وحرية العقل، ومن ثَم مسئوليته عن شئون الدنيا يصرِّفها حسبما يَهديه عقلُه ومقتضى حاجاته لإعمار البلاد والارتقاء بالمجتمع؛ ولذا نجد هذا النحو في التأويل دائمًا قرينَ عصورِ الازدهار الحضاري. وهي عصور عابرة في أمَّتنا؛ لذا لم تترسخ جذورها في الأذهان.

والمنحى الثاني في تأويل ذات النصوص يقف في تضادٍّ مع الأول؛ إذ يدفع إلى المقدمة بنزعات التواكل والاستسلام، وتغييب العقل وإهدار مسئولية الإنسان، ولهذا عمدنا إلى إبرازه هنا بقدرٍ من الإسهاب لغلَبته في حياتنا وتجذُّره في عقولنا. وكان هذا دائمًا وأبدًا قرين عصور التخلف والانحطاط الحضاري، أو لنقُل الانهزام الحضاري؛ إذ يقف الجميع مهزومًا تابعًا، بل وعالةً في ساحة الصراعات بين الحضارات. وبات هذا النحو من التأويل الآن أشدَّ خطرًا، ونحن نعيش أو نواجِه تحدِّيات عصر حضارة، أبسط تعريف لها أنها حضارةٌ ركيزتها ثورة في المعلومات، وثورة في القدرة على فهم فيض المعلومات المتدفق وتوظيفها. وعمادها عقل الإنسان العام، وأن يكون عقلًا ديناميًّا مبدعًا حرًّا. وكان لهذا التأويل، ولا يزال، السيادة على فكرنا حتى ترسَّخ على مدى القرون كإحدى المسلَّمات. وحرصت النظم الحاكمة المحافِظة على دعمه، وتأكيد أنه التأويل الأوحد الصحيح. وما أطول عصور التخلُّف والانحطاط الفكري والاجتماعي الممتدَّة حتى الآن، والتي حاربت بضَراوةٍ كلَّ من حاول إحياء التأويل الأول ليكون دعامة لصحوة حقيقية منشودة، وأهدرت دَمَه، ووجدت من العامة، وهم ضحايا قرون التجهيل، عونًا وظهيرًا للتصدي لدُعاة النهضة، ولاستنكار «مروقهم»؛ مما دفع مُصلحًا دينيًّا مثل جمال الدين الأفغاني إلى الشكوى في مرارةٍ؛ لأنه لم يجد في مصر مَن يفهمه واضطُرَّ للرحيل؛ إذ قال «لم أجِدْ في مصر مسلمًا مستعدًّا ليرأف بحالي وآلامي عندما أحدِّثه عن تاريخي؛ لذلك قررت أن آخذ الطريق إلى البلاد التي فيها أُناس يتمتعون بروح طاهرة وآذان مُرهِفة، وعقول نيِّرة …»

(٦) جدل العقل والوجدان

هناك قطبان على طرفَي نقيضٍ، أو هما طرفا بِنية نقيضيَّة متكاملة هي بِنية وعي الإنسان، وعلاقته بذاته وبالآخر (المجتمع والبيئة والكون أو ما وراءه). ويؤثِّر الصِّراع أو حصاد تنازع الاختصاصات بين القطبَين على توجُّه حركة الإطار الفكري العام للمجتمع في مسار حياته النُّشوئية التطورية، ويجري بينهما، بحكم هذا التناقض، وفي ارتباط بظروف المجتمع، صراع دائم لغلَبة أحدهما على الآخر، هذان القطبان هما العقل ومجلي سيادته علم الدنيا وشئونها، وله قواعده ومنهجه، والثاني هو الوجدان (أو الروح أو القلب أو النفس أو ما شابه ذلك من مسميات)، ومجلي سلطانه كل ما تجاوز عالم الشهادة والحس والتجربة، ومن ثَم له منطقه الإدراكي الذاتي.

ويتجسد هذان القطبان بامتداد التاريخ في تيَّارَين يقسمان الإطار الفكري العام للمجتمع؛ تيار يؤكد سيادة العقل واستقلاله بمجال بحثِه المميَّز كأساسٍ لاطراد الحركة الارتقائية للفكر والمجتمع بعامةٍ في شئون الدنيا، وتيَّار آخر هو خط الوجدان الديني الذي يحط من سلطة العقل، ويعمد إلى الحدِّ من سلطانه، بل ينزع في عصور الانحطاط والتخلُّف إلى ادعاء حق الهيمنة الكاملة أو الحاكمية والمرجعية المطلقة، ونفي كل سلطانٍ مستقلٍّ للعقل.

ويسود المجتمعَ اعتقاد بأن العلم علمان؛ علم دنيا، وهو مسئولية العقل الباحث عن المعرفة على هَدْي البرهان والدليل في إطار واقع متغيِّر، وعلم الباطن أو الآخرة، حسب خصوصية الاعتقاد، يُخاطب الوجدان ويتصف باليقين المطلق، ومسئولية تفسيره أو تأويله منُوطة برجال الدين، فهم الفقهاء أهل الذكر. وتُمثل العلاقة بين هذَين القطبَين، ومن ثم العلاقة بين هذين العلمَين وأهلهما، حالة من التوتر الدائم على مدى التاريخ الحضاري للمجتمع، وتتأرجح العِلاقة بينهما اتساعًا وضيقًا، أو صعودًا وهبوطًا، حسب مستوى الفعل أو النشاط الإنساني المتجسِّد فيما نصِفُه بالازدهار أو الانحسار الحضاري للمجتمع، وهذا التوتر سائد في كل الثقافات، ولكن الفارق هو مساحة المُرونة المتاحة للحوار بين طرفي التناقض، حوارًا في حرَكة جدلية تُفضي إلى تجدُّد البنية الثقافية على نحوٍ يدعم التوازن بين طرفي المعادلة، ويفِي بمقتضيات التطور الحضاري للمجتمع.

والمقصود بالحوار الجدَلي هنا حوارٌ قائم على التفاعُل المتسامح أخذًا وعطاءً بين الطرفين في ارتقاءٍ مشترك وسيادة واستقلالية، دون أن ينزع طرفٌ إلى إسقاط حق الطرف الآخر في الوجود اعتسافًا وتفردًا أو تطرفًا. وشواهد التاريخ تُبين أن المعول دائمًا وأساسًا على الطرف الديني، إذا تسامح واعتدل وهيأ فرصة للحوار دون تحريم أو تجريم. وبذا تكون حركة النهوض الاجتماعي أيسر، وشاملة القطبين معًا، دون أن يهدف أحدهما إلى طمس الآخر أو مَحْوه.

والغالب الأعم أن يحتدم الصِّراع في لحظات التحوُّل الحضاري تعبيرًا عن أزمة، واستعدادًا لنقلة أو طفرة حضارية جديدة. والأزمة هنا هي تعبير عن إخفاق مرحلي لإطار معرفي تقليدي أو قديم، ولم يعد ملائمًا لحل أو حسم مشكلات جديدة يطرحها الواقع المتجدد أبدًا، إنها أزمة إبستمولوجية وفكرية ونفسية وقيمية تكاد تُمزق المجتمع. وتنشب الأزمة ببراثنها في جسد وفكر المجتمع، وتظهر أعراضها حادة، حين يُفضي الفعل الحضاري الإبداعي إلى ظهور واقع جديد تمثِّله اكتشافات جديدة فكرية ومادية، تتغير معها صورة الذات والكون على نحوٍ يتعارض مع مفاهيم أو عناصر بِنية عقلية سائدة. ومن ثَم تستلزم حركة النهوض والتقدُّم انتقاد ما هو أصلي في الإطار الفكري أو في الثقافة، أي نشوء وعي جديد. وهذا ما نُعبر عنه بقولنا إن المجتمع في أزمة، أزمة مخاض ولادة جديدة. ويسود شعور بالأزمة حادًّا عندما يكون المجتمع بالفعل مهيَّأً لولادة جديدة، أعني حين يكون فعَّالًا نشطًا، وبذا يأخذ الانتقاد اتجاهًا صحيحًا أو تصحيحيًّا، هو الانتقاد قصد اكتشاف معوِّقات الحركة داخل البِنية الفكرية، وصولًا إلى الاتساق بينها وبين البِنية المادية الجديدة للواقع. أمَّا الشكوى من أزمة في مجتمع لا يُبدع، تعطَّل فيه العقل الإنتاجي، فإنها شكوى من أعراض حَملٍ كاذب.

وإنها مهمة العقل وحده، في حالة الأزمة، أن يستجمع أدواتِه ومنهجَه لإبداع الحل المنشود في صيغةٍ نظرية أو إطار فكري جديد. ولكن الملاحظ في سياق الصراع التاريخي بين العقل والوجدان، أن يتخذ الوجدان من مظاهر الأزمة أو الإخفاق المرحلي شهادة على قصور العقل. لا يرى الوجدان، اليقيني المطلق بطبيعتِه، في هذا أن الأمة استنفدت الإمكانات الإيجابية المرحليَّة لإطارها المعرفي العقلاني في حلِّ مشكلاتها الحياتية الدنيوية، وأنها بصدد جديدٍ يَستعصي حلُّه وفق الإطار التقليدي الذي يختلف، من حيث مجال الاختصاصِ والمنهج، عن الإطار العقيدي اليقيني المتجانس والثابت المطلق؛ لانفصاله عن الواقع المتغير. وينزع الوجدان هنا إلى التشدد، خاصة وأن الأزمة لها جوانبها النفسية وانعكاساتها الاجتماعية، مؤكدًا أن الخلاص بيده، ومن ثَم يدعو إلى توسيع مجال سلطانه وسَطوته ليشمل شئون الدنيا؛ لأنه صاحب اليقين المطلق، وطبيعي أن تستجيب قوى المجتمع إزاء الأزمة كل حسب المصلحة في التأويل.

ومثل هذا التأكيد يُغفل أن ارتقاء الحضارات الإنسانية ارتقاء تاريخي مرحلي، أي عبر مراحل متمايِزة، ولها خصوصيتها التي نعبر عنها بروح العصر، ويغفل أيضًا أن هذا الارتقاء تعبيرٌ عن مواجهة متجدِّدة مع كل عوامل الأزمة التي تُهدد بقاء المجتمع، وأن النهوض لا يكون إلَّا على هَدْي محاولة عقلانية قائمة على الدراسة التحليلية النقدية في ضوء إنجازات العلوم لاستكشاف الأدوات الثقافية التي توفِّر للإنسان إدارة واعية لما أفرزه المجتمع (علوم طبيعية وإنسانية وتكنولوجية وبيئية وفكرية)، بل وإدارة علمية واعية للتراث الثقافي أو الذاتية المجتمعية.

لهذا هناك من يرى أن حركة المجتمع على مدى تاريخ التطور حركة بندولية مع إيقاع التغير أو التحوُّل الحضاري بين قطبي العقل والوجدان، وأن المجتمع — في مرحلة الأزمة — يتعثَّر إطاره المعرفي القيمي السائد أو الرسمي أمام التحديات والمشكلات، وتبرز على السطح حركة العودة إلى الوجدان بكل معانيه المختلفة باسم العقيدة أو الماضي في صورته الأسطورية، ويشيع هذا التوجه فترةً إلى حين أن يبدع العقل، ربان حركة المجتمع، الإطار المعرفي الجديد. ويبدأ الإنسان، أو لنَقُل يبدأ العقل في هذه الآونة دراسة نقدية تحليلية لأدواته المعرفية، ولرصيده الثقافي التقليدي ولصورة الذات والآخر، مع محاولة استكشاف أسباب القصور وخصائص الجديد. وبهذا تكون العودة إلى التراث عودة عقلانية تهيِّئة لطَفرة تقدمية، وليست ردَّة أو نكوصًا أو انكفاء على الذات، إنها محاولة اجتماعية شاملة لتصحيح المسار، وتغيير الاتجاه، وفق مقتضيات طارئة من صُنع الإنسان. وطبيعي أن تتعدد داخل المجتمع الاتجاهات والاجتهادات، ويمتد الحوار ليعود بعد ذلك البندول إلى وضعِه الطبيعي، مؤكدًا انتصار العقل في مجال اختصاصه، ويقود المجتمع على طريق المواجهة الحضارية. وليس العقل ملكة ثابتة، أو كيانًا وجوديًّا مستقلًّا أو غيبيًّا؛ إذ لا يوجد كِيان مستقل بهذا المعنى وظيفته طبيعية التفكير. وإنما العقل هو الإنسان المجتمع وجودًا وتاريخًا وفعلًا، أو نشاطًا اجتماعيًّا وفرديًّا وحصادًا معرفيًّا نسقيًّا، يصوغه المجتمع في إطارٍ نظري قرين النشاط المادي؛ ولهذا فإن العقل هو جِماع هذا كله وحصاده في بِنية نسقية، وثمرة النشاط، نشاط الوعي واليد معًا؛ لذا فهو متغيِّر في ارتقاء مطَّرد، وهو تعبير عن مستوًى حضاري يجسِّده فعل الإنسان وفكره، متمثلًا في أحدث إنجازات العلوم وأدواتها الحضارية أو التكنولوجية.

ومأساتنا هي اختلال علاقة التوازن بين القُطبين على نحوٍ أفضى إلى انحسار دور العقل، ومن ثم العلم بسبب امتداد عصور الانحطاط والتخلُّف وتأويل النصوص لصالح النزعة السلفية المحافظة. وفعلت الفانتازيا فِعلها؛ إذ نسجت التخييلات الاجتماعية على مدى هذه العصور أساطير ترسَّبت ورسَخت في الأذهان، واتَّخذت لدى العامة صورة مسلمات، وخلقت جدارًا معنويًّا سميكًا يعوق إصلاح عملية التوازن والعودة بالبندول إلى الوضع الصحيح. وأثَّر هذا بالسلب على النهوض بالأمة، والعودة بالعقل إلى سلطانه ومسئوليته في صياغة الإطار المعرفي لواقعنا الدنيوي.

وانعكس في تاريخنا الفكري هذا الصراع بشأن تنازع اختصاصات كل من العقل والوجدان، وتجسَّد هذا الصراع في خطَّين فكرِيَّين أو إطارَين معرفِيَّين، أحدهما يُساند العقل مؤكدًا سلطانه المستقل في مجال اختصاصِه، والآخر يصِلُ بالوجدان إلى حد الشمولية الحاكمة.

وخط العقل في حياتنا الفكرية متقطِّع، لا يكاد يظهر حتى يَذْوي ثم يتلاشَى، ولم تكُن له في يومٍ الحاكمية أو السلطة على ساحته، وكان أفول نجم العقل علةً أولى لانهيارِ الحضارات القديمة، وهيمنةِ أو طغيان سدنة الوجدان، واتخاذِه قناعًا يُخفي مصالح مادية اجتماعية وسياسية. وكذلك الحال في صدر الحضارة الإسلامية، نجد الصراع احتدم بين ممثِّلي التيار العقلي، وهم المعتزلة والفلاسفة، وكانوا صورة مشرقة للازدهار الحضاري، إذ أكَّدوا مسئوليةَ الإنسان عن أفعاله، وحريةَ إرادته واختياره وفعله وفكره، وأنَّ له القدرة على تمييز الخير في دنياه ليتبعه، والشر ليجتنبه، وعلى الرغم من أن رأيهم هذا انصبَّ على حرية فعل الحسن أو القبيح، الخير أو الشر في حدود تعاليم الدين، فإنه توجُّه كانت له أبعاده الاجتماعية الواعدة التي تؤثِّر على حركة المجتمع، كان من شأن هذا الرأي أو التأويل أن يؤكِّد مسئولية الحاكم سياسيًّا واجتماعيًّا عن أفعاله وحق مساءلته أمام الناس، أي مسئولية المواطنين كرُقباء وأصحاب مصلحة، ويؤكِّد كذلك حق الإنسان في أن يضع شرائعه التي تنظم حياة الفرد والمجتمع، وحق المرء في تأكيد سلطان العقل على شئون الدنيا لأنه أعلم بها، وأن رسالة الإنسان على الأرض ليست عبادة فحسب، وأن العلوم ليست علوم عبادات وآخرة فقط، وكان فارس هذا المضمار الفيلسوف العقلاني ابن رشد، الذي أكَّد أن إعمال العقل الإنساني الحر ليس فقط ممكنًا، بل واجب وفرض. ووضع ابن رشد البرهان العقلي أساسًا أوحدَ للفكر العلمي والفلسفي، موضحًا أن الفضيلة الأم عند المفكِّر الحر إثبات الحقيقة بالبرهان العقلي، ونفى كل مظان قصور العقل البشري، مؤكدًا أن العقل البشري قادر على إنتاج الحقيقة باستقلاليةٍ كاملة، وأن هذه الحقيقة القائمة بالبرهان العقلي هي التي تستطيع وحدها أن تكون سندًا للتأويل الإبداعي. ومضى إلى أبعد من ذلك حين رأى أن إظهار الحقيقة العلمية والبرهنة عليها واتخاذها دعامة للتأويل ليس شرطًا أن يكون مصدرَها مفكرٌ مشارك في العقيدة والملَّة، فالمفكِّرون على اختلاف مِلَّتهم يُمكنهم الوصول إلى الحقيقة العلميَّة البرهانيَّة المشتركة بين الجميع في شُئون الدنيا. ووضع ابن رشد بذلك البذرةَ الأولى لمعنى تاريخية العقل واجتماعية الفكر، واستحقَّ أن يكون المعلم صاحب الفضل على إيقاظ العقل الأوروبي في مستهَلِّ نهضتِه، وأخذ عنه فلاسفة الغرب ورجال الدين البروتستانت، الذين وضعوا لَبِنات الإصلاح الديني والنهضة.

ولكن خط عقلانية الفكر والتأويل العقلي سرعان ما انقطع، ليظهر بين الحين والحين أشبه بصرخة استغاثة على لسان مصلح يستنهض همم أمته ثم لا يلبث أن يخبو، هكذا كانت جهود ابن خلدون، الذي ظهر بعد ابن رشد بقرنَين، وذهب بفكره الثاقب وبصيرته النافذة إلى أن الواقع له قوانينه الذاتية التي تحركه ويدركها الإنسان بعقله، وينفذها بجهده، وهي قوانين العمران الاجتماعي، ولا علاقة لها بأحكام الشريعة أو مبادئ الفقه.

وبعد فترة انقطاع طالت بضعة قرونٍ أخرى، ومع محاولة لليقظة أو دعوة للنهضة، جاء الأفغاني ومحمد عبده ليؤكِّدا أن العقل أو علوم الدنيا العقلية هي سند الارتقاء، إذ من خلال الفلسفة — وهي عندهما الحكمة وعلوم الدنيا — يُمكن تحقيق التحوُّل الفعلي للمجتمع لأنها فن الحياة. لم يقل أيٌّ منهما إن الدعوة إلى علوم الغرب ودراسة منهج التفكير العلمي دعوة إلى التغريب، ولم يُطالب أيٌّ منهما برفض علوم الغرب وأسلمة العلم، وإنما دعوَا إلى استيعاب علوم الغرب والحفاظ على قيم المجتمع التي تصون تماسكه وتكفل نهضته، وبسبب هذا الوعي العقلاني؛ كانت المعركة التي خاضها الأفغاني ومحمد عبده ذات شقَّين، وكانا بذلك أشبه بدعاة النهضة في اليابان وفي الصين وفي الهند أو في أوروبا في عصر الإصلاح الديني؛ شِقٌّ ضد الاستعمار كقوة هيمنةٍ سياسية، وشِقٌّ ضد التخلف الفكري الهائل عند رجال الدين، الذين يقسمون العلم إلى علمٍ مسلم وعلمٍ غير مسلم، ومن ثم يَحُولون دون تبادل الثقافات ويجهضون إمكانية النهضة والاستقلال. وحاولا وصل ما انقطع بفكر المعتزلة والفلاسفة ضد جمود السلفيين، إذ أكَّدا أن الإنسان في القضايا الحياتية مسئول عن حياته ومساره، وأن التخلف خطيئة يقع وزرها على الشعب الذي لم يستطع استعمال عقله، وهكذا كانت رسالتهما تعبيرًا صادقًا عن روح النهضة في العصر الحديث، أو لنقل مقدمةً لازمة لبعثٍ حضاري. وحاولا بجهودهما الإصلاحية الدينية التنويرية أن يحفزا الشرق إلى مباراة الغرب على ذات أسس النهضة، وهي تأكيد سلطان العقل الذي أقاله السلفيون.

وهذا ما حاوله محمد إقبال وطاغور في الدعوة إلى النهضة وإيقاظ الأمة على اختلاف معتقد كلٍّ منهما، إذ إن كليهما دعوَا إلى ضرورة فتح خزائن السلف ووضع تراثهم في خدمة الحياة، لتكون عونًا للأمة في بناء المستقبل، وأكَّدا أيضًا أن الجديد مستحيل بدون التمثل الإبداعي للثقافة العالمية والنظرة العلمية المعاصرة والإسهام فيها بدورٍ إيجابيٍّ نشط ركيزته العقل والإنتاج.

ولكن الخط الآخر، وهو الخط المناهض للعقل، فهو خطٌّ قويٌّ راسخٌ ممتد ومتصل، إنه على نقيض المعتزلة والفلاسفة أعلام الازدهار الحضاري، وعلى نقيض الأفغاني ومحمد عبده وكل دعاة النهضة المحدثين. وأصحاب هذا الخط هم القائلون بالجبر حاكمًا للفكر والسلوك، وأن ليس للعقل سلطان للحكم على الأفعال، بل إن الخير يمكن أن ينقلب شرًّا والعكس بالعكس، لأن الخير ليس خيرًا بحكم طبيعة الشيء وعلاقته بالإنسان بل لإرادةٍ متعالية، وكذلك الحق يُمكن أن يكون باطلًا والباطل حقًّا، وإن رسالة الإنسان على الأرض عبادة فحسب، وإن العلم علم آخرة فقط، والحاكم أمره متروك للضمير وحساب الخالق. وامتد هذا النهج منذ الأشعرية حتى المذهب الوهابي في عصرنا الحديث، أو التيار الشيعي في إيران، على الرغم من الاختلاف التاريخي بينهما، واستطاع كلٌّ من المذهبَين أن يكسر حدود عزلته، ويستأجر سدنته والمتحدثين باسمه بفضل ثروات النفط وعطائه الوفير.

(٧) الغيب في الحياة والفكر

إذا تأملنا لغة التخاطب أو الكتابة سنجد ارتفاع المعدل التكراري للكلمات الدالة على الغيب، حتى إنه يُمكن القول إن هيكل اللغة ينهار تمامًا — على سبيل الافتراض النظري — إذا سقطت هذه الكلمات. بل سوف يتعثر المتحدث أو الكاتب ويتعذر عليه مجرد استهلال الكلام أو الكتابة. هذا عن لغة التخاطب والتواصل الاجتماعي، والأمر يتضاعف مرات ومرات في لغة العبادة والطقوس والأذكار وفي المحافل الدينية أو ذات الطابع الديني، وما أكثرها في الحياة اليومية! ونجد اللغة هنا لغة استيعاب واستلاب؛ إذ تتلاشى الذات في مدلولات الغيب، وتغشى هذه المدلولات الغيبية كل مظاهر الحياة الثقافية سواء في اللباس أو الرموز والطقوس والشعائر والتزين … إلخ.

والغيب هو الحقيقة المطلقة؛ ومن ثَمَّ فهو لا منطقي ولا عقلاني بالمقياس الإنساني. إن الغيب حسب الاعتقاد فكرة وحقيقةٌ متعاليةٌ أزلية، ومن هنا نجد أن الفكرة — أو الفكر بعامة — في إطار بنية التفكير التقليدية وجودٌ متعالٍ لا زمانيٌّ مجرد، ومستقل ومقطوع الصلة بالواقع، وكأن بين الواقع والفكر هوة لا سبيل إلى الوصل بينهما، ومن ثم يُمكن سرد الأفكار دون رابط أو سببية، وهي — أي الأفكار — ذات معانٍ لا تاريخية ولا اجتماعية — أي غير مشروطة بمجتمع وتاريخ — إنها كيانٌ عقليٌّ صرف، مستقل عن قيود اللغة والمجتمع والسياسة والاقتصاد والتاريخ.

ولهذا يتسم الفكر التقليدي والاعتقاد بالثبات المطلق ولا تاريخية المعنى، ومن هنا أيضًا — واتساقًا مع تعالي الغيب معقل الحقيقة المطلقة — كانت للعلوم الدينية السيادة والأستاذية في مختلف مجالات المعرفة، واحتدم الصراع ضد الفلسفة، وتكفير محاولة الربط بين العلوم الدينية والعلوم العقلية أو الدنيوية، التي هي علوم منطق وتدريب على العقلانية وممارسة لها، كما وأنها إيمان بالتغير في إطار واقعٍ موضوعيٍّ اجتماعيٍّ تاريخي ولغوي. وهذه ممارسةٌ مغايرة تمامًا لممارسات الفكر في مجال علوم الدين، حيث الحقيقة ليست رهنًا بهذا الواقع الموضوعي، بل بانتمائها إلى «واقع متعالٍ»؛ أي إلى الغيب.

والفكر العربي صاغت بنيته عقيدة الغيب، وأن ما وراء الشهادة، واحتواه النص، الذي هو سبيلنا إلى الحقيقة؛ له الحكم والسيادة. وهكذا، تحدد نهج هذا الفكر في تناوله لظواهر عالم الشهادة، أي ظواهر النفس والمجتمع والطبيعة، فهو نهجٌ لا عقلاني، حيث العقلانية احتكام لحصاد فكر الإنسان القائم على قوانين للمنطق، انطلاقًا من إيمانٍ وثيق بأن مصادر المعرفة الحقة هي ظواهر الطبيعة، وأداة المعرفة إنسانية، وأن ذلك الحصاد الفكري — المعرفة العلمية — في تنامٍ مطرد، تغتني وتُثري بمعارفَ متجددة أبدًا، تتحقق بفضل الجهد العقلي الإنساني.

والغيب بأحكامه وبنيته حكمٌ مسبقٌ ملزم، حتى وإن خَفِي مضمونه عن الإنسان أو خفيتْ حكمته. فهو الإرادة القصوى، وهو المشيئة النافذة في أمور حياتنا الدنيا. هذا على عكس ما ذهب إليه مفكرو عصر النهضة والتنوير في أوروبا، إذ رأوا أن علاقة الإنسان مع ذاته، وليست علاقته مع الله، هي محور التصور الكوني من منظور المعرفة والفعل؛ بمعنى أنه دون نفي لواقعية العالم أو التعرض لمسألة الإيمان بوجود الله، فإن الذات الإنسانية قادرة على الفعل الإرادي المستقل، والمنوطة بالتغيير على هدي المعارف المكتسبة والحقائق النسبية، أو لنقل بلغة الدين إرادة الإنسان لها المشيئة في تغيير المجتمع أو تحديثه، وليست مرهونة بإرادةٍ متعاليةٍ متفارقة. فالذات الإنسانية قادرة على الفعل والتغيير، ولم تعد المعرفة حقيقةً مطلقة اكتملت مرة وإلى الأبد، بحيث نفهم الحاضر في ضوء الماضي ومعاييره. بل الحقيقة إنسانيةٌ تاريخيةٌ نسبية. على عكس ما يقضي به التقليد في كل المعتقدات من أن إرادات البشر مجتمعة عاطلة عن إتيان فعل، أيًّا كان غير مقرر في إطار العلم أو التدبير الغيبي المسبق، فحرية الفكر في إطار التصور الكوني الغيبي، حريةٌ مقيدة، لأن المطلق لا يتكرر، وحرية الغيب هي المطلق الوحيد، ويتنافى هذا، مرةً أخرى، مع ما ذهب إليه مفكرو النهضة والتحديث من أن العقل الإنساني حر المشيئة، لا مطلق المشيئة، في بناء حياته على الأرض، وأن حرية الفكر الإنساني هي المعتمد الوحيد في شئون الدنيا، وأن العقل بحريته هذه قادر على فهم وتفسير الظواهر، وبيان أسبابها، والتحكم فيها وإبداع الجديد منها، واتخذوا من هذا الفهم شرطًا وركيزة لتأسيس العلم اجتماعيًّا، أعني إقامة العلم كمؤسسةٍ اجتماعية مطلقة الحرية في تحديد منهج البحث، وبيان أسباب الظواهر، واستكشاف قوانينها، وتسخيرها بإرادة الإنسان حسب مشيئته وغاياته، ويؤكدون أن مؤسسة العلم الاجتماعية لا تقوم لها قائمة في مجتمعٍ أولوية السيادة فيه لأحكام الميتافيزيقا المطلقة؛ حيث إن العلم أساسه الإيمان بالتغير ووضع نظرية لقوانين هذا التطور، والعلم رفض لميتافيزيقا المطلق، وإيمان بالحقيقة النسبية وبالإبداع العقلي.

والعقلية الغيبية لا تعتمد المنهج النقدي التحليلي في معالجة الأمور، وهي عقليةٌ إيمانية، تمرَّست على الإيمان بما خفي عن الحس وعزَّت معرفته على العقل، ولهذا أيضًا لا تعرف الشك الذي هو أساس التحليل النقدي في حوار العقل والطبيعة، ويترسخ لديها نهج التسليم والاستسلام دون إيمان بالفاعلية الذاتية. ولهذا نجد الموقف مع المشكلات الطارئة استعاذة بالغيب، واستعانة بالسحر والرُّقى والتعاويذ، واعتمادًا على رفض أو قبولٍ مطلق للحدث دون وعيٍ نقدي. وتسود الأسطورة نظرة كونية متكاملة عن الحياة والوجود والفعل «الإنساني» في صورة نسقٍ ميتافيزيقيٍّ كامل له وظيفةٌ اجتماعية وسياسية تدعمها النزعة المحافظة التقليدية، ونلحظ نزعة الرفض أو القبول المطلق دون وسطية في محاجاتنا للقضايا الفكرية، مثال ذلك ما نلحظه في قضية التناقض المفتعل بين التقليد والتحديث؛ إذ نرى الموقف ينحصر في إمَّا … أو … وأيضًا من ينظر إلى نموذج الغرب وكأنه شرٌّ مطلق غير قابل للدراسة والتأمل والمقارنة والتحليل والانتقاء. أو أن يراه المتغربون بحكم الثقافة الموروثة ذاتها ومن موقع الشعور بالدونية أسطورةً جديرة بالاتباع والمحاكاة المطلقة دون وعي عقلاني نقدي لمقدماته وأسبابه وسياقه.

(٨) الانفصام بين الواقع والأسطورة

وعلم الغيب هو الحق كل الحق وما دونه زيفٌ باطل، وهو مِلكٌ لله وحده، وليس للإنسان منه نصيب إلَّا لمن اصطفاه الله وخصَّه بنعمته ومنحه قبسًا من هذا العلم، وهو لذلك علم لدنِّي ليس للإنسان فضل فيه، وليس للإنسان إلَّا أن يُسلِّم بأن لا حول له ولا قوة، وإذا كان يطمع في معرفةٍ حقة فلينتظر مع المنتظرين شذرةً جزئية لا شمول فيها ولا إحاطة؛ هذا في مجال الغيب المستور، ولكن الشائع توسيع نطاق هذا التصوُّر ليشمل عالم الشهادة (ظواهر النفس والمجتمع والطبيعة)، بمعنى أن ما تيسر للمرء من معارف عن طريق الغيب هو منحةٌ جزئية، وليس له أن يطمع في الوصول إلى نظرية تكشف عن قوانين حركة الظواهر للتنبؤ بالمستقبل؛ فالمستقبل عند علَّام الغيوب وبيده وحده.

والاستسلام للغيب شرطٌ جوهري لصدق الإيمان ومشروعية الوجود الاجتماعي «في نظر المؤمن»، ويقول الطبري: الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ «بالغيب أي ما جاء عن الله من الإيمان بالله والملائكة والبعث والنار مما لم يُرَ وغاب عن الرؤية والمشاهدة.» ثم يستطرد مؤكدًا هذا النهج، مستشهدًا بالآية (الأعراف: ١٨٨): قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ، ويؤكد الطبري أن لا سبيل للإنسان للوصول إلى المعرفة الحقة مستشهدًا بالآية: فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلهِ، أي لا يعلم أحد لِمَ يفعل إلَّا هو، وكذلك الآية: قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللهُ (النمل: ٦٥)، وعَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (الجن: ٢٦).

وكل ما هو منسوب إلى عالم الغيب مقدس أو مرهوب، حتى وإن كان في عالم الجان؛ وكل ما لا ينتسب إلى عالم الغيب فهو دنس وحرام. وعالم الدنيا وشئون الدنيا موضع تحقير، مما يجعل الفريضة الأولى نظريًّا الهرب منها والتظاهر بكراهيتها أو العزوف عنها والزهد فيها وإسقاطها من الحساب، أعني مرةً أخرى أن ينصرف مخاض الإنسان وجهده إلى عالمٍ مستورٍ خفي هو عالم الغيب، وإن ظلَّت أقدامنا على الأرض وحواسنا تغمرها ملذات الأرض الدنسة والمشتهاة في آنٍ؛ أمَّا الفكر والخيال فهما في اشتياق إلى عالم الغيب، ومن هنا لا مجال للتفكير في تغيير الحياة الدنيا من خلال نظريةٍ فكرية، بل هي رداء يأمل في أن ينزعه المرء عن نفسه.

وإذا تأملنا تاريخ العقائد المختلفة في الشرقَين الأدنى والأوسط نجد أن بعض الفرق بالغت وأفرطت في غلوها عند تحديد علاقة الإنسان مع الغيب، بوصفها ركيزة الوجود والمعرفة والحرية، حتى وصل الأمر إلى الغلو والتطرف في الزهد في الدنيا والدعوة إلى التخلي عن الدنيا وشئونها فكرًا وعملًا.

معنى هذا أن يعيش الإنسان واقعيًّا منقسمًا على نفسه، مشدودًا متوترًا بين عالَمَين، أحدهما له الهيمنة يمتصُّه كاملًا، والآخر يجذبه يستجيب له ولكن يحتقره في آنٍ، إنه إنسانٌ فصاميٌّ ممزق الوجدان، عصابي، الإنسان الخطَّاء بطبيعته وابن الخطيئة، ومثل هذا الإنسان الخصي من حيث قدرة الفاعلية مع الطبيعة وفهم قوانينها لا يكون منتجًا، بل مستهلكًا، ولا يكون مبدعًا بل تابعًا، وليس غريبًا أن يكون الإبداع محصورًا في موضوعات الخيال، وأن يكون الإبداع كلمة وإرادة غيبية وليس فعلًا، وأن يأتي الخلق رمز الإبداع الأول ثمرة كلمة. والكلمة أو الفكرة هي من عالم الغيب أو المُثل. أمَّا الفعل أو العمل فهو من عالم الدنيا، ولهذا يزخر تراث حضارة المنطقة بتكريم الكلمة وتحقير العمل اليدوي.

واسترزق اللهَ مما في خزائنه
فإن رزقك بين الكاف والنون

(إشارة إلى فعل الخلق المطلق كن.)

وهكذا ذهب غلاة التواكليين إلى أن الغيب هو القوة المتحكمة في مصير الإنسان، ولذلك هو القدر أو قرين القدر الذي لا فكاك منه ولا حيلة للإنسان إزاءه، أمره نافذ، وإرادة الإنسان نحوه معطلة؛ مما يفضي إلى خلق إنسانٍ مسيَّر فضيلته الخضوع والطاعة.

(٩) سقوط العقل

ويفضي الإيمان بالغيب، بمعناه العام المعمِّي الذي غرسته تيارات الجبرية المتطرفة، وخلقت حوله عصور الانحطاط السياسي والاجتماعي والفكري نسيجًا أسطوريًّا، إلى الإيمان بكل ما هو خافٍ عن الحس، وكل ما هو منسوب إلى عالمٍ آخر غير عالم الشهادة، وكأن له قوةً فاعلةً حاكمة لكل شئون الحياة الدنيا. بل هو القوة الفاعلة الغالبة وما دونه رافد له. مثال ذلك الإيمان بالأحلام وفاعليتها، والإيمان بالسحر، وهذه القوى لها مصداقيتها قبل ظواهر وقوانين الحياة الدنيا. أو هكذا تكون بنية الأذهان عند العامة من المؤمنين حيث خوارق الطبيعة لها الامتياز على ظواهر الطبيعة وقوانينها.

ويشجع هذا قيمًا أخلاقيةً فرديةً تواكليةً سلبية: «دع الخلق للخالق»، «العبد في تفكير والرب في تدبير»، «المستقبل بيد الله»، «قيراط بخت ولا فدان شطارة»، «اجري جري الوحوش، غير رزقك لم تحوش»، «اصرف ما في الجيب، يأتيك ما في الغيب»، «المكتوب ما منوش هروب»، «من حبه ربه واختاره؛ جاب له رزقه على باب داره» … إلخ. بينما لا نجد قولًا مأثورًا يُمجد العقل وإرادة الإنسان وتحدِّيه.

ويتمثل في الإيمان بالحظ والتطيُّر وتفسير الأزمات بأنها عقاب من الغيب، بل والتعامل مع الظواهر والأحداث دون اعتبار لأسبابها وقوانينها المادية، وكأنَّه مطلق أيضًا. ويكفي أن نتأمل السلوك التلقائي للناس مع مصعد أو سيارة أو أي ظاهرة؛ تراهم لا يضعون في الحسبان الإمكانات المادية للشيء، ولنتأمل أيضًا الكتابات الرائجة لمؤلفين مشهورين، مثل عبد الرزاق نوفل، أو عبد الحليم محمود، أو غيرهما، لنجد الأولوية لعالم الغيب من ملائكة وجان، وتدخلها في سير أحداث الدنيا، والسعيد من الناس من نال رضا كائنات الغيب ومدَّت له يد العون.

ويُهيئ هذا الضرب من الإيمان بالغيب العقل لقبول حكايات وأساطير لا عقلانية تتمثل في الكهانة والسحر والأحداث الخارقة وقدرة الأولياء والصالحين. والانتساب للغيب أساس التميز، وبقدر ما تكون الصلة بالغيب بقدر ما يكون الولي متميزًا ومحصنًا بقدرات الغيب، وسلوك الناس التلقائي نراه صادرًا عن بنيةٍ فكريةٍ لا عقلانية تتجه إلى الغيب، تحتكم إليه، وتتخذ إليه الوسائط التماسًا لتغيير سنن الحياة والتلطف بها، وكم من عبارات تزخر بها الأدعية والمأثورات التي صاغت هذا العقل الموكول له أن يواجه تحديات القرن الواحد والعشرين في عصر ثورة العلم والتكنولوجيا.

وإن الإيمان بالغيب على هذا النحو الشائع والمعيش، يقضي أو يستلزم إيمانًا دون حاجة إلى دليلٍ عقلي، هو تسليم بصدق ما بلغه من مصدرٍ غيبيٍّ خفيٍّ مستور في أمور الدنيا المتغيرة وإسقاط لأداة العقل ولمدلول الحجة. ومن ثم فإن التنشئة الثقافية الاجتماعية على هذا النحو هي تدريب على هذا النمط من الفكر وترسيخ له ليكون نهجًا وخصوصيةً ثقافية، فتصنع إطارًا فكريًّا عاطلًا عن إمكانية استخدام العقل الناقد التحليلي المحاجِّ؛ لا يسأل ولا يتشكك، بل يُسلم تسليمًا.

وإذا كان الأمر كذلك بالنسبة لعالم الغيب، وإذ كانت هذه هي بنية الفكر التسليمي أو الاستسلامي الذي يعبد القوة ويُذعن لها، فإنه في حياة المجتمع استطراد لهذه البنية، اتساق معها. الحاكم شأنه شأن الغيب أو هو ظل علام الغيوب، كلمته قاطعة دون سؤال، ورأيه حكمة يطأطأ لها الرأس، وعنده القول الفصل، وخير الناس من كانت له صلة ما بالغيب؛ إذ يتقرب إليه الناس زلفى، يسترضونه ويخشون غضبه، بل قد تكون له الولاية عليهم، مثل شيخ الطريقة الصوفية، وهو أمرٌ شائع.

ومشروعية الوجود والعمل والكلمة تنبثق من الغيب موضوع الإيمان، لأنه هو الوجود الحق. وقضية الإنسان الوجودية الكبرى هي الوصول إلى معرفة الغيب فيما يخص قدره الفردي، ووسيلته استرضاء الغيب والتذلل له، وحرية الإنسان ليست حرية فعل إرادةٍ إنسانية بل هي طاعة لله وتسليم لإرادة القوة المتعالية، وقضيته الوجودية الأولى هي التحرر من خطيئةٍ أولى حين خالف الأمر الإلهي، ومن ثَمَّ فإن حرية الإنسان هي المشروع الوجودي الأول والأساس الذي يتحقق حين يحرر نفسه من هذه الخطيئة ويحظى بالغفران ودخول ملكوت السماوات. فهذا هو التحدي الأعظم الذي تنكسر عند حدوده جهود الفرد المضنية، ويفني حياته من أجلها. إنه يشكو إلى الإله بلوى وجوده على الأرض طمعًا في الآخرة، إذ ابتلاه ربه بالحياة الدنيا، إذ سوَّلت له نفسه أن يعرف الغيب حسب ما تروي قصة الخلق. وقضيته خلاصٌ فردي. وهذا ما هيأ مكانة كبرى وسلطة اجتماعية سيادية واسعة لا تقهر للكهانة والكهنة على مدى التاريخ، حيث قبضة الغيب صارمةٌ متسلطة، ولا يزال هذا ممتدًّا من خلال الطرق الصوفية وأوليائها الأحياء أو الأولياء الموتى في قبورهم بفضل كراماتهم.

وواقع الأمر أن هذه المكانة التي يحتلها علماء الدين وشيوخ الصوفية والأولياء، بحكم تميزهم لانتمائهم إلى الغيب، جعلت منهم قوَّامين على العامة في سلوكهم وتوجهاتهم، أولًا هم أهل الحل والعقد أي المؤتمنون على المشروعية — أي على الطريق إلى الجنة — وإليهم تُردُّ أمورها. وهم مرجع العامة لتحديد الحلال والحرام في معيشتهم وواجباتهم السلوكية، ويمارس العلماء وشيوخ الصوفية، وهم بمثابة ظل الغيب على الأرض، تأثيرًا بالغ الأهمية على النموذج الاجتماعي العام، فهم لجام العامة، ويبدو واضحًا أن العامة يؤثرون شيوخ الطرق الصوفية على علماء الدين، ويرون الشيوخ على علاقة أوثق بالغيب؛ إذ يلتمس عندهم العامة إشباعًا روحيًّا، وإجابةً واضحة على أسئلتهم أقرب إلى مزاجهم الذي صنعه التراث الثقافي على مدى التاريخ دون الاكتفاء بترديد النصوص كما يفعل رجال الدين، فضلًا عن أن العامة يلتمسون لدى شيوخ الصوفية والأولياء «البركة»، والتي تعني أنهم على صلة بالغيب، تضفي عليهم قيمةً رمزية وفاعلية على مستوى الممارسة الاجتماعية، وتنبه الحكام والسلاطين على مدى التاريخ للدور الاجتماعي للشيوخ والأولياء وقدرتهم على توجيه العامة ولجم عقالهم باسم الغيب حتى يأمن السلاطين جانبهم؛ ومن ثم يصرف الشيوخ جهود العامة وغضبهم إلى عالم الغيب. وتكفي نظرة إلى ظاهرة انتشار الطرق الصوفية التي يزيد عددها في مصر وحدها عن خمسين طريقة، وقدرتها على البقاء والاستمرار قرونًا، ودورها السياسي الاجتماعي الخفي على مدى التاريخ.

(١٠) الغيب بطل التراث الشعبي

والخلاص في القصص الشعبي وفي المخيال الاجتماعي يكون على يد شخص تيسَّرت له مثل هذه القدرة أو الصلة بالغيب. وهو ما يوازي الشخصية الكاريزمية التي ينشدها الناس لخلاصهم، ويتواكلون عليها، ويُضفون عليها من مخيلاتهم صفات حددها الموروث الشعبي. إنه القدر. وهذا هو الثوب الذي يرتديه الحاكم دائمًا، والذي يُسبغه عليه العامة دائمًا أيضًا.

فالبطل في السيرة الشعبية هو من أوتي قبسًا من علم الغيب، ومن القوى الخارقة التي يواجه بها قوى الشر، ويعينه ويؤازره الغيب في معاركه، فالنصر ليس من عنده، ولا من تدبير عقله وحكمته، ولا حصاد تعاون جهود مجتمعه وأنصاره، ولا بفضل عدته وعتاده، بل النصر من عند قوى الغيب. ليس الإنسان هو الفاعل، بل الفاعل قوى الغيب التي هيَّأت له أسباب النصر، ربما في صورة كلمة تؤكد صله الإيمان بالغيب، ينطقها المؤمن فتخرُّ لها الجبال، ولهذا نجد اللاعقلانية هي القسمة السائدة والمشتركة في كل عناصر الموروث الشعبي، الذي صاغ — بالتالي — عقول أبناء هذا الموروث، وهكذا أيضًا لا نرى الأدب الشعبي أدب ملاحم، محوره تحدي الإنسان أو البطل للقدر، بل هو أداة للقدر أو لتجلي القدر.

وأفضى الغيب — الذي هو في الأدب الشعبي جزء من الفانتازيا والإبداع الإنساني — إلى تحليق في الخيالات لتحقيق الذات والتعويض عن النقص في الدنيا. أحلام الدنيا تتحقق في الخيال الشعري أو الطقسي مثلما تتحقق في الفلكلور الشعبي، فكلاهما له وظيفةٌ اجتماعيةٌ واحدة ومن نبعٍ واحد. فالنصر ليس مردودًا إلى الإنسان، وليس له فيه حتى فضل الاستعداد، والهزيمة يجري تعويضها وموازنتها في عالم الخيال بنصر تتهيأ أسبابه من عالم الغيب، ويأتي نصر بغير عناء. ويتمحور الأمل والهدف في انتصار العقيدة أو تحقيق الذات من خلال انتصار العقيدة أو باسمها ضد أعداء العقيدة، إن تحقيق الذات هو العمل للآجلة الباقية، وهو ما يُفضي إلى تحقير الدنيا.

وحيث تغيب الأسباب الموضوعية في الحياة الدنيا، وحيث تنتفي قواعد البحث العقلاني لأسباب الظواهر، من أزمات أو نكسات، تتركز بؤرة الاهتمام والانتباه حسبما تقضي بنية الفكر على أسبابٍ نابعة من الغيب، وهكذا نجد التفسير اليسير والسريع لكل ما يحلُّ بالإنسان من كوارث وأزمات القول جزافًا بابتعاد الإنسان عن خصوصية الاعتقاد، وأن الحل هو العودة أو الردة إلى هذه الخصوصية؛ أي إلى الغيب، في تواكلٍ مطلق دون اعتبار لظروفٍ موضوعية كانت علة وسببًا. ويغدو الإيمان بالغيب — في غير أمور العبادات — تغييبًا عن أمور الدنيا، وليس غريبًا أن يتواتر أبطال الموروث الشعبي، ويتواتر السلاطين والحكام، والكل يستمد مشروعيته من ذات الوعاء، والكل شعاره التسليم المطلق للغيب والانتصار له، والذي فيه تتحقق الأحلام والرؤى، ويتبدد مخاض الإنسان.

(١١) الفردية والتطرف

والغيب مطلق، إنه أبدي لا نهائي، غير مشروط ولا منطقي، وهو الحق المطلق، والكمال المطلق، لا يحدُّه حد، ولا يخضع لعوامل التغير، أو لا يعتريه تغيير، ولهذا فإن المطلق جعل قيم الخير والشر مطلقة. بل إن صياغة البنية العقلية المرجعية على هذا النحو تجعل من العسير إدراك النسبية والتغير. فالمجتمع الخيِّر واحد وأبدي، ومقولة التغير والتطور مقولة نشاز لا تتلاءم مع هذه البنية، الإنسان أو المجتمع إمَّا شرير أو خيِّر تمامًا، وفي جميع المجالات ينطبق مبدأ الكل أو لا شيء، والفكرة صحيحة أو خاطئة، صواب أو خطأ مطلقًا في كل زمان ومكان لا وسط ولا وسطية، ولا نسبية أو تناسب، والحق مطلق ليس نسبيًّا. والحق واحد عند الجميع، ويتوحَّد معه الجميع وفي كل زمان ومكان.

وهكذا ينزع المرء نفسه من أرض الواقع المتغير، ولا يبقى لديه ثابتًا وحقًّا مطلقًا غيرُ الكلمة دون سواها، فالكلمة والرمز دون الفعل والعمل، النص دون الممارسة، وأضحى النص هو السيد، وبات الحق كلمة والخير كلمة. والكلمة بديل الواقع أو الفعل، إذ يوجد الغيب في الكلمة والرمز والشعيرة والطقوس.

ومن هنا أيضًا تترسخ ثقافة الواحدية دون التعددية والتنوع في شئون المجتمع. البنية الذهنية لا تستسيغ التعددية، حتى وإن دعت إليها لفظًا، لأن المرء أحادي أو توحيدي الذهن، وينعكس هذا في مجال العمل الاجتماعي متمثلًا في الفردية دون روح الفريق، ويغدو المثل الأعلى هو الإرادة المطلقة، إرادة حاكم أو مسئول، والمثل الأعلى للمحكوم الصالح هو الطاعة والخضوع، وهل التاريخ الاجتماعي السياسي يشهد بغير ذلك في التطبيق؟

(١٢) الزمان والتاريخ والمجتمع

والغيب المطلق لا زماني؛ لذلك ليس الزمان امتدادًا أو متصلًا لأحداثٍ متعاقبة مترابطة الأسباب، وليس تطورًا قائمًا على التغير؛ تغير الظواهر والأحداث والكائنات بفعل الإنسان، فلا الإنسان فاعل ولا الأحداث مترابطة الأسباب. وانعكس هذا الفهم واضحًا في مجالات البحث والفكر المختلفة.

ففي مجال التاريخ على سبيل المثال نجد قيمة الحدث في انتسابه إلى الغيب، فالطبري المؤرخ، شأن غيره من المؤرخين التقليديين والاسكولائيين، يكتب تاريخ العالم منذ بدء الخليقة ونراه يعنى أساسًا بعلاقات المخلوقات بالخالق، ومحور تقسيمه للمخلوقات هو الطاعة والإيمان، أو العصيان والجحود، ونقطة البدء عند المؤرخ عادة ليس الواقع والواقعة في ترابطها، بل الرواية، دون اعتبار لمفهوم الزمان وتتابع الأحداث والعلاقة السببية، بل يُمكن التنقل من حدث إلى آخر، وليس الحدث التاريخي فعلًا إنسانيًّا إراديًّا.

وتنتفي فكرة التقدم بانتفاء فكرة الزمن، ويقف المرء موقف اللامبالاة تجاه الزمن، بحيث لا يرتب أحداث يومه أو عمره وفقًا لجدولٍ زمني، وهذا ما نراه في سلوكنا التلقائي، مثال ذلك أننا لا نُثبت على كتاب عند نشره تاريخ إصداره، ولا نعنى بتوثيق الأحداث وتسجيلها وترتيب تسلسلها، ونجد الشهور العربية هي شهور مناسبات وأحداث لها علاقة بالغيب، ولا علاقة لها بفصول السنة، ولا بالعمل ونظامه، أو بالنشاط الاجتماعي في تواتره.

وفاعلية الغيب وهيمنته المطلقة وسابق تدبيره، يجعل الناس غير عابئة ببحث أسباب الفشل أو التماس هذه الأسباب في ظروفٍ موضوعيةٍ راهنة أو تاريخية، وإنما يقنع المرء برد الفشل إلى أسبابٍ خارقة للطبيعة، ومن هنا نلاحظ أن البنية الذهنية لا تستسيغ البحث في سوسيولوجيا الفشل في تاريخنا، وإنما نكتفي بالقول إن فشلنا راجع إلى ابتعادنا عن روح العقيدة، أو إن الفشل عقاب، استحقه المرء أو المجتمع لخطيئة بالمعنى الغيبي لا خطأ بالمعنى الدنيوي، ويُعبر المثل العامي عن هذا في الممارسة الحياتية: «تبات نار تصبح رماد، لها رب يدبرها.» و«السعد وعد.» وهكذا استسلام للأمر الواقع بل وتحذير من محاولة تغييره، وإبطال لفاعلية إرادة الإنسان، ولهذا لم يكن غريبًا أن يطلع علينا فقيه من فقهاء الدين، سلب عقول المسلمين، ويقول بتحريم نقل الأعضاء، أو إبدال كُلية مريضة لإنقاذ حياة إنسان. النجاح والفشل مكتوبان، بمعنى أنهما محددان مسبقًا في الغيب، مما يوفر للمرء تبريرًا للفشل. ليس الجد والمتابعة والمعرفة، ولا الكسل والجهل أو سوء التقدير.

ولهذا أيضًا نهمل تقليديًّا الحس التاريخي، إذ لا وظيفة له في إطار البنية الفكرية الحاكمة؛ ما هو الماضي؟ وما هو الحاضر؟ وما هو المستقبل؟ ليست هناك علاقةٌ سببية بين الثلاثة، بل وليست هناك علاقة وحدة أو اطراد، لا نؤمن بأن المستقبل كامن في الحاضر والماضي مضافًا إليه جهد ومعرفة الإنسان.

وهكذا تمضي الكوارث والأزمات، وكأن كلًّا منها حدثٌ مفردٌ مقطوع الصلة بأي أسباب، أو كأن النازلة تقع بدون مقدمات أو نتائج، ثم يطويها النسيان، ونمضي مع الحياة، أو تمضي بنا الحياة، وكأن لا علاقة بين السابق واللاحق. وهكذا تسود آلية النسيان حياتنا الاجتماعية لفقدان الرابطة السببية بين أحداث التاريخ، وأننا لسنا علة الأحداث وإنما ننسبها إلى الغيب.

والمستقبل مجهول، إنه بيد الله وليس للإنسان من سبيل إلى معرفته، بله التخطيط له؛ إنه المكتوب على نحو ما يشيع في معتقد العامة، إنه بعض الغيب من حيث معرفته أو صياغته أو التدبير له. وينسى أصحاب هذا التأويل سندًا آخر لتأويلٍ مناهض تمثله مقولة: «اعقلها وتوكَّل.» أو «أنتم أعلم بأمور دنياكم.» ويدفعنا هذا إلى أن ندع الملك للمالك؛ ولذلك أتيحت مساحة للسحر أو شفاعة الأولياء، بغية التحكم في أحداث المستقبل، وهذا إيمان يُضعف من عزم الإنسان على صوغ مستقبله والتخطيط له أو التحدي من أجله، فضلًا عن أنه يُثير الشكوك في المستقبل المجهول فننظر إليه في وجل وريبة، ونرهب التجديد والإبداع والتغيير، بل ويرى الإنسان أن المستقبل الحقيقي هو الحياة بعد الموت ليعود إلى عالم الأزل، ومن ثم يتبدل اتجاه الزمن، وتغدو الحركة إلى قلب الماضي.

وإذا كانت الحقيقة المطلقة موطنها الغيب، وما عداها زيف وبهتان، وإذا كان العقل لا سلطان له، بل ولم يرد ذكره أداة لمعرفةٍ موثوقٍ بها؛ مما حدا بكثيرين من علماء الإسلام إلى الحط من شأنه والتشكيك في دوره وقدرته، على نحو ما فعل حجة الإسلام أبو حامد الغزالي، وإذا كانت القضية الوجودية للمؤمن هي الاشتياق إلى عالم الغيب والتذلل له واسترضاءه واسترحامه إلى حين المثول في حضرته، فإن من العبادة أيضًا تأمل الوجود، ولكن بوصفه آية لإبداع الخالق، وليس تأمله أيضًا قصد فهم الظواهر، ولهذا ليس غريبًا ألا نجد للعلم، بمعنى علم الطبيعة، وجودًا في ثقافتنا، ولا نجد للفضول المعرفي مكانًا في حياتنا؛ إذ ما جدوى معرفة ظواهر الطبيعة لغير تأمل إبداع الخالق. وهكذا كان العلم قديمًا لخدمة العالم الآخر والتقرب زلفى إلى الآلهة، واقترن لفظ العلم تقليديًّا بالعلوم الدينية، والعالم هو المتفقِّه في الدين، والقيمة الاجتماعية لهذا العلم الأخروي، والكتاب المنزل من عالم الغيب هو الحق دون سواه، ليس من أمور العبادات وعالم الآخرة، وإنما في أحداث الحياة الدنيا؛ مما يعزز حالة الانكفاء على النفس، ففي الغيب الكفاية والأمل، ولا خلاص إلا به، ونرفض كل ما خرج عن محتواه، ولا خير في علم لا يدعم الإيمان ويقرب الإنسان من الله.

وها هو ذا أبو حامد الغزالي في رسالة «أيها الولد» التي يعرض فيها معنى العلم، وحدود العلم المطلوب لنجاة الإنسان من هذه الحياة الدنيا، حيث القضية الأولى والوحيدة عند الإنسان هي الخلاص، يسأل «الولدُ المحب» معلمَه وهو الشيخ الغزالي: «فالآن ينبغي أن أعلم أي نوع من العلوم ينفعني غدًا، ويؤانسني في قبري؟» ويقول الشيخ المعلم الذي كانت كتاباته إيذانًا بسقوط العقل، ومعْولًا لهدم أركان الحضارة الإسلامية وأُسسها العقلية، ويؤكد في إجابته أن لا جدوى من علوم الدنيا فهي مضيعة للوقت، قمينة بالندم على تحصيلها: «أي شيء حاصل لك من تحصيل علم الكلام والطب والدواوين والأشعار والنجوم والعروض والنحو والصرف غير تضييع العمر بخلاف ذي الجلال؟» وهذا هو أيضًا الشيخ محمد بن عبد الوهاب يؤكد في رسالته «الأصول الثلاثة وأدلتها» أن العلم هو معرفة الله، ومعرفة نبيه، ومعرفة دين الإسلام، دون أن يُضيف شيئًا آخر من العلوم، مؤكدًا أن الإنسان خلق فقط لهذا العلم والعمل به والدعوة إليه، وليس لأي شيءٍ آخر، هذا على النقيض تمامًا من علماء وفقهاء مسلمين ازدهرت بهم حقبة الحضارة الإسلامية قديمًا، من أمثال المعتزلة والفارابي وابن سينا وابن رشد وابن الهيثم وابن خلدون، وغيرهم، ممن كان لعلمهم فضل النهضة في أوروبا وبداية طورٍ حضاريٍّ إنسانيٍّ جديد، ونزهو بهم في معرض التفاخر بأمجادنا إزاء الغرب. وهو على النقيض ثانية مع ما ذهب إليه أيضًا أئمة فقهاء الدين في عصرنا الحديث من أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده؛ لذلك ليس غريبًا أن يُفضي فكر الغزالي والأشعرية ومن سار على دربهما إلى حالة انحسارٍ حضاري لا تزال ممتدة حتى الآن، وأن يُسفر الفكر الوهابي عن نظام حُكم يُسخِّر أمواله لمهامَّ سلفية تحميه من تطلعات النهضة والصحة الحقة، التي ترتكز على مقوماتٍ أساسية يقتضيها عصرنا وهي العقل والعلم والإنسان صاحب الإرادة الواعية الحرة.

وكذلك حال الفلاسفة، يرون وظيفة الفلسفة دعم العقيدة، وحين يفكرون في موضوع حرية الإنسان، فإنهم لا يطرحونها من حيث هي قضيةٌ إنسانية في مواجهة الواقع وضروراته وفهم قوانينه وقيود المجتمع، بل يطرحون مفهوم الحرية في مواجهة القدر، حرية الاختيار والمسئولية أم الجبر والخضوع الأعمى لتدبيرٍ مسبق؛ أي نطاق حرية عبد للقدر لا إنسانٍ فاعل تحكمه شروطٌ اجتماعية وبيئية يُمكن فهمها ويكون العقل ملكةً فاعلة تحريرية.

وكذلك الحال في مجالات البحث العلمي. وليس غريبًا والحال كذلك، أن نشهد ثنائية وانقسامًا في فكر الباحث العلمي. محاولة تطبيق المنهج العلمي عند بحث الظاهرة في تجاور مع رفضٍ مطلق للعقلية المنطقية. وينعكس هذا في الممارسة الحياتية العادية، إذ نجد هذا الباحث عضوًا في مركز بحوث، وأيضًا مُريدًا لشيخ يتزعم طريقةً صوفية. ويتجسد هذا النهج بصورةٍ واضحة في رفضٍ مطلق لعلمنة المجتمع والعلوم، ذلك لأن العلمنة هي في جوهرها التماس العقل المفكر الحر للسببية في الأحداث الاجتماعية وتكرار الظواهر الطبيعية باعتبار هذا أمرًا من شئون دنيانا وليس من صلب العقيدة.

ويتمثل هذا أيضًا فيما يُمكن أن نُسميه صدمة العلم لدى شباب الجامعة، خاصة في الكليات العملية. ورث هؤلاء بنيةً ذهنيةً غيبيةً متخلفة بحكم التنشئة الاجتماعية، عوَّدتهم أن يردوا الأسباب إلى غير أسبابها الموضوعية، وتلقَّوا تعليمًا يدغدغ هذه البنية ويفرز روح التخلف العلمي العقلي، إذ لا يُربي العقول على مناهج البحث العلمي وإعلاء شأن العقل والعلم، بل يتلقى الشباب في المدارس دراسات تؤكد روح الازدواجية والانقسام في الفكر، وتعطي الأولوية والمرجعية القدسية في أمور العلم لإطارٍ فكري غير علمي، وتضع الفكر العقلاني النقدي موضع الاتهام والتشكيك. ويُغذي مناخ المجتمع هذا الوضع الانفصامي المتخلف، فضلًا عن إكراهاتٍ اجتماعية أخرى، ومن ثم يدخل الشباب إلى كلياتٍ علمية مسلَّحين ببنيةٍ فكريةٍ رافضة لمنهج البحث العلمي، وتضع العلم في مرتبةٍ متدنية. وهكذا يقبلون على العلم، أو يتلقونه، بنفسٍ عازفةٍ رافضة، ويعيشون وبينهم وبين الفكر العلمي سدٌّ نفسي وعقليٌّ منيع، وتدفعهم صدمة العلم إلى ردة أو نكسة يعززها فقدان الدور الاجتماعي، وفقدان الرؤية المستقبلية، ومناخٌ اجتماعي مناوئ للعلم، ووضعٌ اقتصاديٌّ مأزوم، وشعور بالاختناق وأن لا خلاص على الأرض.

وهكذا يحسم أسلوب توظيف البنية الفكرية الغيبية سلوك الناس ومكانتهم في المجتمع العلمي، وتوجههم إزاء العلم وإزاء المجتمع معًا، والإيمان بأن الغيب مصدر الحقيقة المطلقة هو في جوهره نفي لإنجازات الفكر العقلاني، ونفي لأن الفكرة منتجٌ اجتماعي. ويُفضي هذا الإيمان، كما نشهد عند هؤلاء الشباب، إلى دجماطيقية أو نظامٍ عقيديٍّ ثنائيٍّ جامد، يعيش الشباب أسيرًا له، عاجزًا عن التعامل في مرونة مع أي فكرٍ آخرَ مغاير أو مع متطلبات الواقع المتغير؛ إذ يرى في الفكر الآخر تهديدًا لذاته ولقدسياته، وتبرز الأحكام الثنائية المطلقة؛ إيمان أو كفر. وحيث إن الغيب المطلق ثابت لا يتغير، لا زماني ولا مكاني، فإن الشباب يؤمن بالتالي أن لا جديد تحت الشمس، ويرفض الحديث عن التغير والتغيير الاجتماعي، إلا إذا كان التغيير في اتجاه السلف، فحقائق الغيب هي الحقائق الاجتماعية الفاعلة، وهي الصدق الاجتماعي والإطار المرجعي. ويُحاول الشباب معالجة مشكلاته من منطلق النظرة الثباتية إلى المجتمعات والحياة وظواهر الطبيعة، وهي النظرة المتسقة مع البنية المفاهيمية للغيب، ومن ثم نراه يؤكد أن ما صلُح للسلف يصلُح للخلف، وأن الحضارة التي ينتمي إليها واحدة على مر الأزمان، وصالحة لكل الأمم؛ إنها حضارة هذا الغيب ولا تعددية. العالم أمةٌ واحدة، تُصلح حاله نظريةٌ واحدة لا زمانية، وهي رؤية تتعارض مع ما يتلقاه في سلبية، أو ما يعرضه العلم، فيزداد لها رفضًا وكراهية.

(١٣) البحث عن دور للعقل

ما سبق لا يعني أن العقل ليس له حضور ألبتة في تاريخ حياتنا الثقافية، فما من ثقافةٍ متجانسة النسيج تمامًا؛ عقلانية خالصة أو غيبية نافية نفيًا مطلقًا وصريحًا للعقل. وإنما كل ثقافة لها ثنائيتها النقيضية، والغلبة لأحد طرفَي التناقض وهي غلبة لها قابلية للحركة، فتأتي ظروف وأحداث الحياة وترجح كفة هذا حينًا وكفة ذاك حينًا آخر. وكلما كانت دواعي التغيير لها الغلبة على الإطلاق اتجه الميزان ناحية العقل للتعامل الموضوعي مع متطلبات الواقع. وكلمَّا كان الكساد الاجتماعي والكسل الفكري والانحطاط الحضاري مع استبداد السلطة وهنت معها عزيمة التغيير، وغلبت نزعة التماس الخلاص من خارج الذات؛ وهنا يميل الميزان إلى الاتجاه المعاكس.

وحيث إن عصور الانحطاط والاستبداد في حياتنا الاجتماعية، ومن ثم الفكرية، هي القاعدة المطردة والمتصل الذي لا ينقطع، إلَّا من صحواتٍ عابرة، فإن العقل في ثقافتنا منقوص القدر أو منتقصه، محدَّد الدور والفاعلية، محدود المساحة، له إجلال ولكن وهو في قفص الاتهام، متهم دائمًا بقابليته للزيغ والمروق والانحراف. لا نأخذ بشهادته إلا على أساس قاعدة الاتساق أو مبدأ التسليم بسلطةٍ أعلى لها الحاكمية والمرجعية والحكمة المطلقة. لذا فإن العقيدة، كما وصفها حجة الإسلام الغزالي في كتابه «المنقذ من الضلال»، هي لجام العقل. ومن هذا المنطلق عاش الغزالي في حياتنا، ومات ابن رشد العقلاني في فكرنا، وأحيا مواتًا في النهضة الغربية المعاصرة. كل من دعا إلى العقل إيمانًا بفاعليته وسلطانه انزوى في ركن من أركان التاريخ، وطُويت صفحاته، وطُمست كلماته، إلَّا إذا جاء الحديث عنه في معرض إحياء الذكرى تفاخرًا وادعاءً، لا افتخارًا واقتداءً. وبدت كلماتنا أقرب إلى التأبين عند ذكر محاسن موتانا، ولنسأل أنفسنا: مَنْ مِن المفكرين العقلانيين في تاريخنا عاش فكره نابضًا بالحياة، هاديًا للسلوك من الأقدمين أو المحدثين؟ جميعهم في قفص الاتهام!

ولكن أعود لأقول قد تختلف الآراء في تحديد الخصوصية الثقافية، ولكن مناط الأمر النظر بعين الاعتبار في دور الخصوصية الثقافية في حياتنا وتاريخنا في ضوء العمل من أجل التحرك إيجابيًّا نحو المستقبل الذي يستلزم تأويلًا إبداعيًّا جديدًا، تسمح به دينامية كل تراثٍ ثقافي من أجل حشد الطاقة، وحفز الإرادة، وإعمال العقل.

ومن ثم ليست القضية في جوهرها نفيًا للغيب أو إثباتًا؛ فهذا ليس موضوع حوار، فضلًا عن أن جميع الحضارات تؤمن بالغيب على نحو أو آخر، وإنْ تبايَن نطاقه ومجال سلطانه، ولكن القضية هي مساحة حرية الفكر المسئول المتاحة للإنسان في تناوله لعالم الشهادة أو شئون الحياة الدنيا، إنها مسألة توزيع اختصاصات، أو فصل بين السلطات، وإيمان بالعقل أيضًا، الذي لم يكن له اعتبار في الماضي، ولم يرد له ذكر وتوظيفٌ واضح المعالم والمسئوليات في الكتب المقدسة. وإذا قلنا فصل التخصصات، فإن المقصود هو أن المنحازين إلى التأويل القديم من دعاة الجبر السلفيين لنطاق سلطة الغيب إنما يفرضون رؤيتهم لهدفٍ سياسي. ثم إن التراث الثقافي؛ أي تراثٍ ثقافي، له آليته الخاصة التي تسمح له وتهيئ إمكانية استمراره من خلال قابليته للتأويل، فهو حمَّال أوجه، ويبرز الوجه الثوري الداعم للتغيير بفضل الإنسان ذاته، المؤمن بقدرة الإنسان على صنع حياته على الأرض، ويختفي هذا الوجه ليبرز وجهٌ استسلاميٌّ تواكلي في عصور الردة والانحسار.

قد تكون خصوصية الاعتقاد مسألةً نظرية، ولكن الذي يعنينا نزع القناع السياسي عن دورها الاجتماعي الذي ساد قرونًا طويلة، وبيان كيف استثمر أصحاب السلطان في التاريخ هذه الخصوصية لصالح الحفاظ على السلطة ضد كل من ناهض سلطانهم وسطوتهم، ودعا إلى التغيير وإلى اعتماد العقل أساسًا لتدبير شئون الحياة والثقة فيه مرجعًا وهاديًا للبحث في ظواهر الطبيعة والنفس والمجتمع، ونظرًا لأن القاعدة العامة على مدى التاريخ في الشرقين الأوسط والأدنى، أن السلطة الدنيوية تستمد مشروعيتها من الدين لا من المواطنين، كان رجال الدين المنوط بهم تفسير الدين أصحاب كلمة إزاء بيان مشروعية أو شرعية السلطة.

وتؤكد أحداث التاريخ أن ثمَّة تحالفًا تراثيًّا بين السلطة السياسية والسلطة الدينية، أو بين رجال الحكم وفقهاء الدين، وهو تحالف ظلَّ دائمًا ضد التغيير لصالح الكافة، ونحن بحاجة إلى دراسةٍ سوسيولوجيةٍ معمقة تكشف جوهر هذا التحالف وأسلوب توظيفه وآثاره المدمرة على العقل، باعتبار أن هذا التحالف الذي استهدف — دائمًا — خدمة الساسة والسياسة، كان العلة الأساسية وراء الانهيار الحضاري، نريد أن نعرف كيف قام وتدعَّم تاريخيًّا حتى بات تراثًا، ونكشف لخدمة من كان هذا التحالف على مدى التاريخ؟ كيف تناقل الأباطرة والملوك والسلاطين في الشرقَين الأدنى والأوسط السلطة قهرًا واغتصابًا، الكل يزعم أنه يحكم باسم الدين، ويروِّجون تأويلات على لسان رجال الدين تدعم سلطانهم، ويتهمون كل داعية إلى العقل بالمروق والهرقطة. وتحوَّل هذا التأويل الذي ترسخ في أذهان العامة إلى سدٍّ منيع يحول دون استنهاضهم وحفزهم إلى التغيير بإرادتهم ودفعهم إلى دائرة السلبية. إن البحث السوسيولوجي لأسلوب توظيف خصوصية العقيدة اجتماعيًّا وسياسيًّا يستلزم جرأة على كشف العلاقة الحقيقة المعيشة بين الإنسان المعاصر والتأويل الشائع، أو الرسمي، للنص الديني والذي استهدف إقالة العقل أو إزاحته عن ساحة الفعل الاجتماعي والعلمي.

والنص الديني دائمًا وأبدًا حمَّال أوجه، قابل للتأويل، والمفروض أن يكون تأويلًا حسب المصلحة الاجتماعية العامة في الأساس، لا المصلحة السياسية، غير أن السؤال المطروح دائمًا هو كيف وظَّف أصحاب السلطة ومعهم رجال الدين هذا النص لصالحهم؟ مثال ذلك التأويل الذي شاع بأن المسيحية عقيدة سلام، بمعنى الاستسلام والانصراف عن الدنيا، بينما أغفل من انتزعوا لأنفسهم حق التأويل ما قاله المسيح في تحدٍّ دنيوي صارخ «ما جئت لألقي سلامًا على الأرض، بل سيفًا.» وغير ذلك من تعاليم اشتملت على قيم تنظم شئون الحياة.

لهذا، فإن البحث لن ينصب على صيغة النص لغويًّا ونحويًّا، بل هو بحثٌ سوسيولوجيٌّ معرفي ينصبُّ على تأويل النص، أي كيف فهمه الإنسان وفاعليته في المجتمع، وعلى أي وجه روَّج له أصحاب الحل والعقد، ولمصلحة من شاع على هذا النحو؟ أعني مدلول خصوصية الاعتقاد على النحو الذي شاع بين العامة وروَّج له أصحاب السلطان في عصور الانحطاط التي عشناها، وأصبح إطارًا معرفيًّا قيميًّا فاعلًا اجتماعيًّا. إذ إنه على مدى هذه العصور، ولأنها عصور انحطاط، راج تأويل يطمس كل مساحة لحرية إرادة الإنسان في شئون الحياة الدنيا، ويهدر كل إمكانية لتغيير الواقع اعتمادًا على العقل الحر، والتفاعل الثقافي بين الحضارات، وإنما عمد أصحاب السلطان، ومن تبعهم من الفقهاء، إلى إشاعة التأويل الذي يجرد الإنسان من حقه في إعمال العقل بحرية، ويكرس ظاهرة التواكل والعزلة الحضارية والانكفاء على الذات وترك أمور السلطة، أي السياسة، لأولي الأمر، وتحقير علوم الدنيا، التي هي أساس الإعمار. وليس غريبًا، والحال كذلك، أن يعتمد كل أصحاب السلطان على الطرق الصوفية ويعملوا على استرضائها.

ولهذا نجد عصر الازدهار الحضاري اليتيم في ظل الحقبة الإسلامية، وما أقصره! هو العصر الذي راج فيه تأويل يدعم استقلال العقل وحريته، وما محاولات علماء الكلام وفلاسفة الإسلام، خلال هذه الحقبة، إلَّا جهدًا متميزًا في هذا الصدد، وكانت إنجازاتهم عاملًا مهمًّا ورئيسيًّا في تخصيب الحضارة الغربية إبان نهضتها، ونحن غافلون غارقون مع تأويلات شاعت وتخفَّت وراء وجهٍ ديني، وهو في الحقيقة قناعٌ سياسي يلزم انتزاعه، وهذا ما حاوله بعضهم، من أمثال الشيخ رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والشيخ علي عبد الرازق، وغيرهم، إذ حاولوا الكشف عن تأويلٍ إبداعيٍّ جديد يُلائم مقتضيات العصر ومقومات الحضارة العصرية، بحيث يحفز الإنسان على النهوض وخوض غمار الحياة الدنيا، متحديًا على أسسٍ عقلانيةٍ نقدية لتكون النهضة صحوةً حقيقية. إن من دعوا إلى تحقير علوم الدنيا أو أغفلوها، إنما سلبوا الإنسان مقوماته الحضارية، وباتوا نوعًا من الطاغوت الذي يرسخ أسباب التخلف، ونجد في مواجهتهم من يستندون في تأويلهم إلى الدعوة الصريحة لطلب العلم ولو في الصين، أي الانفتاح العقلي والفكري على ثقافات العالم. وطبيعي أن طالب العلم هنا حين يستجيب لهذه الدعوة فإنه لن يلتمس في «الصين» — بمعناها الرمزي — علوم أصول الدين، بل علوم الدنيا.

ومن ثم فإن جوهر القضية وضوح الرؤية بشأن التغيير الاجتماعي الشامل، وأن ينعكس ذلك في مجالات نشاط الحياة المختلفة للمجتمع: مؤسسات علمية ودستورية وتعليم واقتصاد وسياسة وثقافة، يواكب هذا تأويلٌ إبداعي للتراث الثقافي يُعزِّز السبيل إلى الهدف المنشود، لا أقول انسلاخًا عن التراث، بل تغييرًا يواكب التغيير المنشود ويقضي على حالة الانفصام، وأن نرد للعقل اعتباره، ونؤكد الثقة النسبية فيه، فلا شيء مطلقًا غير حرية الفكر، وهذه هي الخطوة الأولى، وهي بداية الطريق إلى العلمانية، التي هي اختصارًا إعمال العقل في شئون دنيانا.

١  معجم ألفاظ القرآن الكريم، مجمع اللغة العربية، ٢ مجلد، ط٢، الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر، ١٩٧٠م.
٢  تكرر «القلب» في القرآن معرفًا بأل، أو اسمًا مضافًا مفردًا، ومثنًّى، وجمعًا ١٣٧ مرة، و«فؤاد» ١٦ مرة، وقيل عن قلوب المنافقين المكابرين: إن الله ختم عليها أو طبع عليها؛ أي جعلها غير مستعدَّة لقبول الموعظة فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ ولَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا. وعلم القلب هداية من الله، وليس علم نظر عقلي ومنهج منطقي: وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ (التغابن: ١١). أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (الحج: ٤٦)، ولا غرابة؛ إذ نجد حُجَّة الإسلام الغزالي في رحلته من الشك إلى اليقين يؤكد، هو ومن سار على دربه من جمهرة السلفيين، أن العقل بمعناه عند أهل الفكر والفلسفة والعلم لم يهده إلى اليقين، بل كان سبيله إلى الشك والخوف وانحلال رابطة التقليد، بينما القلب سبيله إلى اليقين. ولنا أن نستطرد معه قائلِين: القلب سبيل اليقين أو الإيمان، أمَّا العقل فله شأن آخر هو علوم الدنيا والحياة والواقع المتغير، وهو هنا وافٍ لكمال الغرض. هو سبيل الإنسان إلى معرفة الحياة الدنيا، له قواعده ومنهجه، وله مجال اختصاصه واستقلاله، إلَّا أن نذهب إلى ما ذهب إليه الغزالي وننفض أيدينا من كل علوم الدنيا؛ لأنها علوم لا تنفع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤