رفاعة رافع الطهطاوي

١٨٠١–١٨٧٣
figure
مصريٌّ صميم، من أقصى الصعيد، نشأ نشأة عادية، من أبوَين فقيرَين، قرأ القرآن، وتلقَّى العلوم الدينية كما يتلقاها عامة طلبة العلم في عصره، ودخل الأزهر كما دخله غيره، وصار من علمائه كما صار الكثيرون، ولكنه بذَّ الأقران، وتفرَّد بالسبق عليهم، وتسامت شخصيته إلى عُليا المراتب؛ ذلك أنه كان يحمل بين جنبَيه نفسًا عالية، وروحًا مُتوثِّبة، وعزيمة ماضية، وذكاءً حادًّا، وشغفًا بالعلم، وإخلاصًا للوطن وبَنيه، تهيَّأت له أسباب الجِد والنبوغ، فاستوفى علوم الأزهر في ذلك العصر، ثم صحب البعثة العلمية الأولى من بعثات محمد علي، وارتحل إلى معاهد العلم في باريس، واستروح نسيم الثقافة الأوروبية، فزادت معارفه، واتسعت مَداركه، ونفذت بصيرته، لكنه احتفظ بشخصيته، واستمسك بدينه وقوميته؛ فأخذ من المدنية الغربية أحسنها، ورجع إلى وطنه كامل الثقافة، مُهذَّب الفؤاد، ماضي العزيمة، صحيح العقيدة، سليم الوجدان، عاد وقد اعتزم خدمة مصر من طريق العلم والتعليم؛ فبرَّ بوعده، ووفَّى بعهده، واضطلع بالنهضة العلمية تأليفًا وترجمة، وتعليمًا وتربية، فملأ البلاد بمؤلفاته ومُعرَّباته، وتخرَّج على يدَيه جيل من خيرة علماء مصر، وحمل مصباح العلم والعرفان يُضيء به أرجاء البلاد، ويُنير به البصائر والأذهان، وظل يحمله نيفًا وأربعين سنة، وانتهت إليه الزعامة العلمية والأدبية في عصر محمد علي، وامتدت زعامته إلى عهد إسماعيل، ذلك هو رفاعة رافع الطهطاوي.١
وُلِد في طهطا بمديرية جرجا سنة ١٨٠١م/١٢١٦ﻫ، وبدت عليه مخايل الذكاء والنباهة منذ صباه، ودخل الأزهر سنة ١٨١٧، ولم يمضِ عليه به بضع سنوات حتى صار من طبقة العلماء، وتولى التدريس فيه سنتَين، وصنَّف وألَّف ودرَّس وهو في الحادية والعشرين من سنه، ثم عُيِّن واعظًا وإمامًا في أحد آلايات الجيش المصري، ولما جاء عهد البعثات العلمية كان من حسن التوفيق أن اختاره محمد علي ضمن أعضاء البعثة الأولى التي سافرت إلى فرنسا سنة ١٨٢٦؛ فجمع إلى ثقافته الأزهرية ثقافة أوروبا وعلومها وآدابها، فاقتبس منها الشيء الكثير، وازدهرت روحه الأدبية على ضوء الحضارة الغربية. ولما عاد إلى مصر سنة ١٨٣١ تولى عدة مناصب في التعليم، وأنشأ مدرسة الألسن سنة ١٨٣٦، وكانت أشبه ما تكون بكلية الآداب والحقوق في مصر، وكان رفاعة يتولى نظارتها ويُلقي فيها دروسه على الطلبة؛ فكانت أكبر معهد لنشر الثقافة في مصر، وتنقَّل في المناصب العلمية، وكان لا يفتأ يُؤلِّف ويُخرِج من حين لآخر مُصنَّفاته ومُعرَّباته في العلوم والآداب إلى أن أدركته الوفاة سنة ١٨٧٣.٢

وهو أول رائد لنهضة العلم والأدب في النصف الأول من القرن التاسع عشر، كان شاعرًا رقيقًا بالقياس إلى عصره، أُشربَت نفسه الوطنية منذ نعومة أظفاره، تلقَّاها من إيمانه الصادق (وحب الوطن من الإيمان)، ومن فطرته السليمة، وخلوص نيته. وقد استثار رحيله عن مصر إلى فرنسا عاطفته الوطنية العميقة المُتأصِّلة في نفسه الحساسة؛ فجادت قريحته وهو في باريس بقصيدة عبَّر فيها عن الحنين إلى الوطن وأهله، والإشادة بمفاخره، قال في مطلعها:

ناح الحمامُ على غصون البانِ
فأباح شيمةَ مُغرَمٍ وَلهانِ

وانتقل إلى التغني بمصر وذكر محاسنها وقال:

هذا لعمري إن فيها سادةً
قد زُيِّنوا بالحسن والإحسانِ
يا أيها الخافي عليك فخارها
فإليك أن الشاهد الحسنانِ
ولئن حلفتُ بأن مصر لَجَنةٌ
وقطوفها للفائزين دوانِ
والنيل كوثرها الشهي شرابه
لَأبرُّ كلَّ البر في أيماني

وله قصائد ومنظومات وطنية قالها في مناسبات مختلفة.

فانظر إلى القصيدة الآتية تجدها تُعبِّر عما يجيش في نفسه من أكرم العواطف وأنبلها، وقد قدَّمها هو بقوله: «وقلت أيضًا وطنية.» فالروح الوطنية تتمشى حتى في تقديمه لقصائده، قال:

يا صاحِ حُبُّ الوطنِ
حِلية كل فطِنِ

•••

مَحبة الأوطانِ
من شُعَب الإيمانِ
في أفخر الأديانِ
آية كل مؤمنِ

•••

مَساقط الرءوسِ
تلذ للنفوسِ
تُذهِب كل بُوسِ
عنا وكلَّ حزَنِ

•••

ومصر أبهى مَولدِ
لنا وأزهى مَحتدِ
ومَربعٍ ومعهدِ
للروح أو للبدنِ

•••

شُدَّت بها العزائمُ
نِيطَت بها التمائمُ
لطبعنا تُلائمُ
في السر أو في العلنِ

•••

مصرُ لَها أيادِ
عُليا على البلادِ
وفخرها يُنادي
ما المجد إلا ديدني

•••

الكون من مصر اقتبسْ
نورًا وما عنه احتبسْ
فخرٌ قديمٌ يُؤثَرُ
عن سادة ويُنشَرُ
زهور مَجد تُنثَرُ
منها العقول تجتني

•••

دار نعيم زاهيه
ومعدن الرفاهيه
آمرة وناهيه
قِدمًا لكل المدنِ

•••

قوة مصر القاهره
على سواها ظاهره
وبالعمار زاهره
خُصَّت بذِكرٍ حَسنِ

•••

أبناؤها رجالُ
لم يُثنِهم مُحالُ
وجُندُهم صنديدُ
وقلبه حديدُ
وخصمه طريدُ
بل مُدرَج في كفنِ

وقال من قصيدة أخرى يدعو إلى افتداء الوطن بالنفس والمال:

وعزيز الموطن نخدمُهُ
برضًا في النفس نُحكِّمُهُ
مالُ المصري كذا دمُهُ
مبذول في شرف الوطنِ
تفديه العين بناظرها
والنفس بخير ذخائرها
تُهدى في نيل نظائرها
بِشِرا العليا أعلى ثمنِ

وقال يصف الجيش المصري ويشيد بمفاخره:

نُنظِّم جندنا نظما
عجيبًا يُعجِز الفهما
بأُسدٍ تُرعِب الخصما
فمن يقوى يُناضِلنا؟

•••

رجالٌ ما لها عَددُ
كمال نظامها العُددُ
حُلاها الدرع والزردُ
سنان الرمح عاملنا

•••

وهل لخيولنا شَبهٌ
كرائم ما بها شُبهٌ
إليها الكل مُنتبِهٌ
وهل تخفى أصائلنا؟

•••

لنا في الجيش فُرسانُ
لهم عند اللِّقا شانُ
وفي الهيجاء عنوانُ
تهيم به صواهلنا

•••

فها الميدان و«الشقرا»
سقَت أُذُن العِدى وَقْرا
كأنا نُرسِل الصقرا
فمن يبغي يُراسِلنا

•••

مَدافعنا القضا فيها
وحُكم الحتف في فيها
«وأهونُها وجافيها
تجود به مَعاملنا»

•••

لنا في المدن تحصينُ
وتنظيم وتحسينُ
وتأييد وتمكينُ
مَنيعاتٌ مَعاقلنا

وهذه الأبيات لَمن خير ما قيل في وصف الجيش المصري، ولا شك أن رفاعة قد استلهم شعره من مفاخر الجيش في عهده؛ فهو يُصوِّر العصر الذي عاش فيه تصويرًا صحيحًا، لا مبالغة فيه ولا إغراق، وإن قصيدته لتُشبِه أن تكون لوحة فنية يُخيَّل لمن ينظر إليها أنه يلمح فيها كتائب الجيش المصري تسير إلى ميادين الحرب، تحفُّ بها أعلام النصر والظفَر، تخوض غمار القتال، بقلوبٍ ملؤها الشجاعة والإقدام، وتُجابِه الأخطار قوية الإيمان، ثابتة الجنان، مُجهَّزة بالسلاح والمَدافع «تجود به مَعاملنا». ولو لم يشهد رفاعة مفاخر الجيش المصري في ذلك العصر، لما جادت قريحته بهذا الشعر، وهكذا يتأثر الشاعر والأديب بالعصر الذي يعيش فيه، والبيئة التي تُحيط به، ويُصوِّر الحياة على عهده، فكأنما هو قطعة من عصره، أو مرآة تنطبع فيها مشاهد الحياة السياسية والاجتماعية، ومظاهر الحالة الفكرية والأخلاقية.

وإنك لتلمح أيضًا عظمة الجيش المصري من قول رفاعة في قصيدة أخرى يُخاطِب فيها الجنود:

يا أيها الجنودُ
والقادة الأُسودُ
إنْ أمَّكم حسودُ
يعود هامي المَدمعِ
فكم لكُم حروبُ
بنصركم تئوبُ
لم تَثنِكم خُطوبُ
ولا اقتحامُ مَعمعِ

•••

وكم شهدتم مِن وغى
وكم هزمتم مَن بغى
فمن تعدَّى وطغى
على حِماكم يُصرَعُ

وتتجلى روحه الوطنية المُتطلِّعة إلى الحرية في تعريبه نشيد الحرية (المارسلييز)؛ فإن النفس لا تميل إلا إلى ما هو مُحبَّب إليها، فهذا النشيد قد استثار ولا شك إعجاب رفاعة رافع، حتى مالت نفسه إلى تعريبه، وإظهار ما احتواه من العواطف الوطنية الفدائية في حُلة عربية قشيبة.

وإذا تأملت في شعر رفاعة رافع الذي نقلنا طرفًا منه وجدت فيه تقدمًا نسبيًّا إذا قارنته بأسلوب شعراء المدرسة القديمة التي سبقته، كالشبراوي والعطار والخشاب وغيرهم، ويُعَد شعره دور الانتقال إلى دولة الشعر الحديثة التي حمل لواءها البارودي، وإسماعيل صبري، وشوقي، وحافظ.

حقًّا إننا إذا وضعناه إلى جانب شعر شوقي مثلًا، لَجاء في المرتبة الثالثة، أو الرابعة، ولكن يجب ألا ننسى أن رفاعة رافع نشأ في عصر كانت اللغة العربية وآدابها في دور تأخُّرها واضمحلالها، فله على نهضة الشعر والأدب فضل لا يُنكَر.

١  عن ترجمته في كتابنا «الحركة القومية» (الجزء الثالث: عصر محمد علي).
٢  راجع ترجمته تفصيلًا في كتاب «تاريخ الحركة القومية» (الجزء الثالث: عصر محمد علي).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠