علي الغاياتي

figure

من شعراء الوطنية ومن المجاهدين القدامى، اعتنق مبادئ مصطفى كامل منذ أن استمع إلى خطبته الكبرى التي ألقاها بالإسكندرية في ٢٢ أكتوبر سنة ١٩٠٧، وصار من تلاميذه وأنصاره الأوفياء الحافظين لعهده طوال السنين.

انضم إلى أسرة الصحافة منذ صباه، وعمل في صحف الحزب الوطني المُتعاقِبة واتجهت نفسه إلى الشعر، فنظم قصائد تفيض وطنيةً وإخلاصًا، وقد جمعها في ديوانٍ أصدره سنة ١٩١٠ بعنوان «وطنيتي» وله مقدمتان؛ إحداهما بقلم محمد فريد، والثانية بقلم عبد العزيز جاويش، وكان لهذا الديوان قضيةٌ أثَّرَت في مجرى حياة الشاعر؛ فقد أُقيمَت عليه الدعوى العمومية وحُوكِم على قصائد من هذا الديوان عدَّتها الحكومة وقتئذٍ عيبًا في ذات ولي الأمر (الخديو عباس الثاني) وتحريضًا على كراهية الحكومة والازدراء بها، وتحبيذًا للجرائم (السياسية)، وحُكِم عليه من محكمة جنايات القاهرة في أغسطس سنة ١٩١٠ بالحبس سنة، وقد صدر الحكم عليه في غيبته؛ إذ كان قبل محاكمته قد ارتحل إلى الآستانة، ثم إلى سويسرا حيث أقام في «جنيف»، وأصدر بها سنة ١٩٢٢ جريدة «منبر الشرق» بالفرنسية، وجعلها وقفًا على الدفاع عن قضية مصر وقضايا الشرق عامة، وظل في منفاه حتى عاد إلى مصر سنة ١٩٣٧ واستأنف فيها إصدار صحيفته «منبر الشرق» بالعربية حتى اليوم — مد الله في حياته — وهي صحيفة وطنية شرقية إسلامية أخلاقية، تُدافِع عن القضية الوطنية وقضايا العروبة، وتُناضِل عن الحرية والاستقلال للشعوب الشرقية جمعاء.

إلى مصطفى في حياته

من أول شعره الوطني قصيدةٌ نظمها سنة ١٩٠٧ وقدَّمها إلى مصطفى كامل عقب خطبته بالإسكندرية، قال فيها مُخاطِبًا الفقيد:

اصدع بقولك إن أرَدتَ مقالا
فالقوم جندك إن دعوتَ رجالا
لم تدرِ مصر سوى حِماك تؤمُّه
فترى به آلامها آمالا
أقبِل على الوطن العزيز بصارمٍ
لا تُدرِك الأعداء منه كلالا

وختمها بقوله:

فادأب على إنهاض أمتك التي
ترجو وراء خُطاك الاستقلالا

وطنٌ يناجي ربه

قال من قصيدة له بهذا العنوان:

ربِّ إن البلاد أرهقها الظلـ
ـم وحاقت بأهلها البأساءُ
ربِّ إن الصدور أحرجها الوجـ
ـد وأودت بحلمها الأرزاءُ
فتدارَكْ بلطفك النيل حتى
لا تُجاري حياةَ مصر دماءُ

قصائد حُوكِم من أجلها سنة ١٩١٠

من قصيد له بعنوان «طيف الوطنية»:

وعُدَاةٍ ملَكوا الأمر ولم
يحفظوا للشعب في حقٍّ ذماما
وولاةٍ أقسموا أن يسجدوا
كلما رام العِدى منهم مَراما
ربِّ ماذا يصنع المصري إن
جاوَز الصبر مدى الصدر فقاما
طال يوم الظلم في مصر ولم
ندرِ بعد اليوم للعدل مقاما
هل يرى المحتل أنَّا أمة
مذ عرفنا السِّلم لا ندري الخصاما
أو يرى الظالم فينا أننا
نحمل الخسف ولا نبغي انتقاما
زعموا زورًا فما من أمة
سامها العسفَ ظلومٌ ثم داما
كُتِب النصر لشعب ناهض
في سبيل المجد لا يخشى الحِماما

ومن قصيدة له يندِّد بالخديو عباس الثاني:

أعبَّاسُ هذا آخر العهد بيننا
فلا تخشَ منَّا بعد ذاك عِتابا
أيُرضيك فينا أن نكون أذلة
ننال إذا رُمنا الحياة عِقابا
ونيئس من آمالنا فيك كلما
قضيتَ علينا أن نكون غِضابا
وأرضيت أعداء البلاد وأهلها
وأصلَيتنا بعد «الوفاق» عذابا
رويدك يا عباسُ لا تبلغ المَدى
ولا تستمع للظالمين خطابا
فما يبتغي «جورست» إلا مكيدة
تحوِّل أقلام السلام حِرابا
وها قد رمى حرية القول رمية
بسهمك تجني للبلاد خرابا

يُهاجِم الوزارة

وقال في هذه القصيدة يُهاجِم وزارة بطرس غالي التي كانت تتولى الحُكم وقتئذٍ:

ألَا أمطر الله الوزارة نقمة
ولا بلغت مما تروم مراما
تُحاوِل أن تقضي علينا بإثمها
ولكن ستلقى دون ذاك أثاما
وزارةُ خدَّاعٍ أقامته بيننا
يد الحاكمين الآثمين فقاما

ومن قصيدةٍ أخرى له يندِّد بهذه الوزارة على أثر امتناعها عن حضور جلسات مجلس شورى القوانين فرارًا من مناقشات الأعضاء:

يا أيها الوزراء ماذا نابَكم
حتى هجرتم صورةَ النوابِ

إلى أن قال:

فتزلزلت أقدامكم من هولها
وهرعتمُ فزعًا إلى الأبوابِ
ورضِيتم الهرب المَعيب لأنه
خيرٌ من الإفلاس عندَ حسابِ
عارٌ عليكم أن يُقال وزارة
لم تدرِ إن سُئلت بيانَ جوابِ

ومن قصيدة أخرى له سنة ١٩١٠:

طال ليل البلاد والشعب سار
لا يرى غيرَ هذه الظلماتِ
ظلماتٌ من المظالم أودت
بضياء الحياة بعدَ الحياةِ
يشتكي الشعب والقضاة خصوم
فلِمَن يشتكي خصامَ القضاةِ

ومن قصيدةٍ له يُخاطِب الشيخ عبد العزيز جاويش عندما حُكِم عليه لأول مرة سنة ١٩٠٩، ونشرها في ديوانه «وطنيتي»:

يا ساكن السجن الكريـ
ـم وأنت نعمَ الأكرمُ
ما السجن للشرفاء إلا
رفعةٌ وتنعُّمُ
أنت البريء ومن يَخا
لك مُجرمًا هو مُجرمُ

هذا ما وعَته الذاكرة وما وسعني الجهد في استقصاء الشعر الوطني، ولعلي بإخراج هذا الكتاب أحقِّق أمنيةً كانت تجول في خاطري منذ عدة سنوات، ولا زِلتُ أكرِّر اعتذاري عما عسى أن يكون قد فاتني تدوينه من الشعر الوطني، وإني لَمُتداركٌ هذا النقص في المستقبل القريب إن شاء الله.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠