أحمد محرم

١٨٧١–١٩٤٥
figure

شاعر مُلهَم، من شعراء الوطنية والأخلاق، كان أدباء الجيل يضعونه في صف شوقي وحافظ ومطران، وكان شيخ الشعراء إسماعيل صبري يتغنى بشعر هؤلاء الأربعة ويطيب له التحدث عنهم، وامتاز محرم إلى جانب مكانته الشعرية بحرارة العاطفة، وتذوقه للفن والجمال، وقوة إيمانه، وتأملاته العميقة الفلسفية، واستمساكه طول حياته بمبادئه الوطنية؛ فكان شعره كله وقفًا على هذه المبادئ، لم ينحرف عنها يومًا في قصيدة أو في أي بيت من الشعر، ظل مُقيمًا عليها وفيًّا لها في السراء والضراء، فكان حقًّا مثلًا أعلى في الشعر والوطنية، وكان مصطفى كامل يُعجَب به وبشعره، ويُشيد به على صفحات «اللواء»، ويُسميه «نابغة البحيرة»، وبقي أحمد محرم على صلته به ووفائه له ولذكراه، كما ظل وفيًّا لمبادئ الوطنية إلى أن توفاه الله في ١٣ يونيو سنة ١٩٤٥.

كان شاعرًا بفطرته وسليقته، قال الشعر وهو في سن مُبكِّرة، ومُعلَّقته التي يقول في مطلعها:

منازل سلمى لا عدَتكِ الغمائمُ
وإن درسَت بالجزع منك المعالمُ

قد نظمها وهو في السادسة عشرة من عمره.

وطنيته في شعره

تتجلى روحه الوطنية التي ألهمَته الشعر أكثر ما تتجلى حين أصدر الجزء الأول من ديوانه سنة ١٩٠٨، فقد أهداه إلى «النيل»، وكتب كلمة الإهداء في عنوان الكتاب «هدية النيل»، وأعقبها بهذا البيت الذي يُترجِم عن وطنيته الأصيلة مُخاطِبًا النيل، قال:

وهبتُك مُلك القريض العتيد
وذلك أفضلُ ما يوهَبُ
وقال في مقدمة ديوانه يشرح المعنى الذي استوحاه في إهداء ديوانه إلى النيل:

لقد جرى أكثر الكُتاب والشعراء على أن يُهدوا مؤلَّفاتهم إلى من شاءوا من ذوي الثروة والجاه؛ تعرضًا لمؤازرتهم والانتفاع بهم وسط هذا الكساد الآخذ بأكظام الأدب في بلادنا، ولكنني انصرفت بشعري عن تلك المواقف، وبرئت إلى نفسي أن آخذ بهذه الأسباب، على ما أعلم من وعورة مَسلكي، وضيق مضطربي، وما كنت في ذلك إلا جاريًا على سنتي في سياسة نفسي، وتصريف ما آتي وأدع من أمور الحياة، فما استظهرت بغيرِ أخٍ حفِي، أو صديق صفِي، ولا آثرتُ أن أُهدي ديواني إلى غير «النيل»، ذلك الأب الذي وهبني نعمة الحياة، وأفاض عليَّ هذه المِنَح والصلات.

«فيا نيلُ أنت الهوى والحياة
وأنت الأمير وأنت الأبُ»
«ويا نيل أنت الصديق الوفي
وأنت الأخ الأصدق الأطيبُ»
وأنت القريض الذي أقتفي
فيزهى به الشرق والمغربُ
فإن أهب الخصبَ هذه العقول
فمما سننتَ لها تخصبُ
وإن أنا أطربت هذه النفوس
فصوتك لا صوتي المُطرِبُ
تسيل فتندفق الرائعات
وتجري فتستبق الجوَّبُ

إلى أن قال:

لئن فاتني الذهب المستفاض
فما فاتني الأدب المُذهبُ
وهبتُك مُلك القريض العتيد
وذلك أفضل ما يوهبُ

وقد ظهر الجزء الثاني من ديوانه سنة ١٩٢٠.

دعوة الوطنية

قال يدعو مواطنيه إلى الإخلاص لبلادهم والعمل على استعادة مجدها:

دعا فأثار الساكنين دعاؤه
ونادى فراعَ الآمنين نداؤه
أخو وصَبٍ ما إن يحمُّ انقضاؤه
وذو أربٍ ما إن يحين قضاؤه
به من بني مصر عناءٌ مبرِّح
فيا ليت شعري هل يزول عناؤه؟
أمَا إنه لو كان يشفي غليلَه
بكاءٌ على مصر لَطال بكاؤه
تقسَّمها الأقوام لا ذو حمية
فيحمي ولا واقٍ فيُرجى وقاؤه
«وما مصر إلا موطن نحن أهله
عزيز علينا أرضه وسماؤه»

إلى أن قال يستنكر الاحتلال البغيض ويَهيب بالأمة أن تُحارِبه:

ثوى فيه أقوامٌ مللَنْا ثواءهم
ويا رُب ثاوٍ لا يُملُّ ثواؤه
«لقد كان يأبى أن يذل لغاصب
فيا ليت شعري أين ضاع إباؤه؟»
لقد كان يرعاه رجال أعزة
بهم من صروف الدهر كان احتماؤه
همُ ناضلوا عنه فصانوا ذماره
بصارمِ عزمٍ ما يُردُّ مضاؤه

•••

بني وطني لا تُسخِطوه عليكمُ
فليس سواءً سخطه ورضاؤه
بنى وطني خلُّوا التخاذل إنه
بلاؤكمُ يجتاحكم وبلاؤه
سلامٌ عليكم من أخٍ ذي حمية
دعا فأثار الساكنين دعاؤه

لواء الوطنية

وقال يُمجِّد لواء الوطنية ويدعو إلى الالتفاف حوله والتضحية في سبيله:

فداؤك نفسي من لواءٍ مُحبَّبِ
حمى جانبَيه كلُّ ماضٍ مدرَّبِ
إذا ما دعا أنصارَه التف حوله
جحاجحةٌ١ من ذائد ومُذبِّبِ
فمنهم قئول للصواب مسدَّد
يصرِّف صرَّارًا له وقعُ أشطبِ
يدين له الجبار غير مُعذَّل
ويعنو له المغوار غيرَ مؤنَّبِ
ومنهم فعولٌ للمكارم ماجدٌ
يلبي نداه كلُّ داعٍ مثوِّبِ
همُ الصحب صانوا للديار لواءها
وصالوا على أعدائها غيرَ هُيَّبِ
يكرُّون كرَّ الدارعين إلى الردى
إذا الحرب أبدت عن عبوسٍ مقطَّبِ
إذا طلبوا حقًّا تداعَوا فأجلبوا
على سالبيه فانثنَوا غيرَ خُيَّبِ

إلى أن قال:

وما منع الأوطانَ إلا حماتُها
وذادتُها من ذي شباب وأشيبِ
همُ ذخرُها المرجوُّ في كل حادث
وعُدَّتها في كلِّ يومٍ عَصَبصبِ
سلامٌ عليهم من كهول وفتية
وبُورِك فيهم من شهود وغُيَّبِ

كبوة الشرق

وقال تحت عنوان «كبوة الشرق» يستصرخ أهله ليُعيدوا إليه سالف مجده:

متى ينهض الشرق من كبوته
وحتى متى هو في غفوته؟
كبا وكذلك يكبو الجواد
براكبه وهو في حلبته
ونام كما نام ذو كربة
تملَّكه اليأس في كربته
وَهَى عزمُه ما يُطيق الحراك
وقد كان كالليث في وثبته
تجرُّ عليه عوادي الخطوب
كلاكلَها وهو في غفلته
نواهبُ ما كان من مَجده
سوالبُ ما كان من عزَّته

إلى أن قال:

فيا لهف قلبي لمجدٍ مضى
ويا شوق نفسي إلى عودته!
ويا لهف آبائنا الأولين
على الشرق إن ظل في نكبته
همُ غادروه كروضٍ أريض
تتُوق النفوس إلى نضرته
«ونحن تركناه للعاديات
ولم نرعَ ما ضاع من حرمته»
فأذهَبنَ ما كان من حُسنه
وأفنَينَ ما كان من بهجته

•••

فهل يُسمِع القولَ أهل القبور
خطيبٌ فيُسهِب في خطبته
يُناديهمُ فيم هذا الرقاد؟
كفى ما دهى الشرق من رقدته
لقد ضاع بعدكمُ مَجده
وكل المثالب في ضيعته
وأنتم رجال ذوو نجدة
فلا تقعدوا اليوم عن نجدته

يدعو إلى بعث مصر

وقال يذكر مجد مصر الغابر ويدعو مواطنيه إلى النهوض لاستعادة هذا المجد:

أهذي ديار القوم غيَّرها الدهرُ
فعُوجوا عليها نبكِها أيها السفْرُ
محا آيَها مرُّ العصور وكرُّها
إذا مرَّ عصرٌ كرَّ من بعده عصرُ
نُسائِلها أين استقلَّ قطينها
وهل تنطق الدار المُعطَّلة القفر؟
وكائنْ ترى من ذي ثمانين خضَّبت
لِطُول البُّكا من شيبه الأدمعُ الحمرُ
«بكى وطنًا أودَت بسالفِ مَجده
حوادث دهر من خلائقه الغدرُ»
أغارت عليه من جنوب وشمأل
فما برحت حتى أُتيحَ لها النصرُ

•••

ألا إنها مصر التي شقيَت بنا
فيا ويحَ مصر ما الذي لقيت مصرُ؟
مضى عزُّها القُدموسُ٢ ما يستعيده
بنُوها فلا عزٌّ لديهم ولا فخرُ
همُ رقدوا عنها فطال رقادهم
فديتكمُ هبُّوا فقد طلع الفجرُ!

ذكرى ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢

وقال عن ذكرى احتلال الإنجليز القاهرة يوم ١٤ سبتمبر سنة ١٨٨٢:

نلومك يا يوم النحوس ونعذلُ
وأنت على ما أنت تمضي وتُقبِلُ
فلا نحن ما عشنا عن اللوم نرعوي
ولا أنت ما كرَّ الجديدان تحفلُ

إلى أن قال:

لعلك أن تأتي بما تعِد المُنى
نفوس رجال أوشكَت تَتململُ
لحى الله قومًا حمَّلونا من الأذى
بما ضيَّعوا الأوطان ما ليس يُحمَلُ
همُ خذلوها فاستُبيحَ حريمها
وما برحت تبغي انتصارًا فتُخذَلُ

يُهاجِم الاحتلال

وقال سنة ١٩٠٢ ينعى على الاحتلال بغيه وعدوانه، وعلى الإنجليز نقضهم للعهود والمواثيق:

في كل يوم شرعةٌ ونظامُ
ما هكذا الأحكام والحكَّامُ
عشرون عامًا والديارُ مريضة
تنتابها الأدواء والأسقامُ
لم يعرف المتطبِّبون دواءها
فتنوَّعَت في دائها الأوهامُ
إن الأُساة لَتعلَم الداء الذي
ترك العليل تُذيبه الآلامُ
ولربما غشَّ الطبيبُ عليلَه
حتى يعود الداء وهو عقامُ
كيف الشفاء لمصر من أدوائها
أم كيف يُرجى عزُّها ويُرامُ؟
والمُصلِحون كما علمتَ وأهلُها
عنها على زَجر المهيب نيامُ

إلى أن قال مُخاطِبًا بريطانيا:

يا دولةً رفعَت على أوطاننا
علَمًا تُنكَّس تحته الأعلامُ
أين المواثيق التي أبرمتِها
إن كان منكِ لمِوثقٍ إبرامُ؟
لم تحفلي بعهودنا فنقضتِها
يا هذه، نقضُ العهود حرامُ
عشرون عامًا ما كفَتكِ وهكذا
تأتي وتذهب بعدها الأعوامُ
طال المُقام وأنتِ أنتِ ولم يكُن
ليطول لولا الجهل منكِ مُقامُ

وقال يَهيب بالأمة أن تهبَّ للجهاد:

يا أمةً خاط الكرى أجفانَها
هُبِّي فقد أودت بك الأحلامُ
هُبِّي فما يحمي المحارمَ راقدٌ
والمرءُ يُظلَم غافلًا ويُضامُ
هبِّي فما يُغني رقادك والعِدى
حول الحِمى مستيقظون قيامُ
غنموا نفائسه وثَم بقيةٌ
ستُنيلها أيديهم الأيامُ

•••

«عجبا لهذا النيل كيف نعقُّه
ويدوم منه البِر والإكرامُ؟»
لو كان يجزينا بسوء صنيعنا
أودى بهاتيك النفوس أُوامُ
لكنها رَحمُ الجدود ولم تزَل
تُرعى لدى أمثاله الأرحامُ

•••

يا آلَ مصر خذوا نصيحةَ شاعر
أبدًا يُكلَّف نصحكم ويُسامُ
لا تغفلوا عنها فليس بغافل
عنكم وعنها ذلك الضرغامُ
«شيئان يذهب بالشعوب كلاهما
نومٌ عن الأوطان واستسلامُ»
إلا يَحِن للراقدين قيام
فعليهمُ وعلى الديار سلامُ

يدعو إلى البذل والتضحية في سبيل مصر

من قصيدة له نظمها سنة ١٩٠٤ لمناسبة إنشاء مدرسة محمد علي الصناعية بالإسكندرية:

من يُسعِد الأوطانَ غيرُ بَنيها
ويُنيلها الآمالَ غيرُ ذويها
ليس الكريم بمن يرى أوطانه
نهبَ العوادي ثم لا يحميها
ترجو بنجدته انقضاء شقائها
وهو الذي بقعوده يُشقيها
وتودُّ جاهدةً به دفعَ الأذى
عن نفسها وهو الذي يُؤذيها
سُبلُ المكارم للكرام قويمة
فعلامَ يُخطئها الذي يبغيها؟
ما أكثرَ المتفاخرين وإنما
فخر الكرام بما حبَت أيديها
يحوي الكريمُ المالَ لا يبغي به
شيئًا سوى أكرومةٍ يحويها
والجود يُحمَد حيث كان وخيره
ما نال أوطان الفتى وبَنيها
«ولَقلَّمها أرضى امرؤٌ أوطانَه
حتى تراه بنفسه يفديها»

•••

يا آل مصر وما يُؤدِّي حقَّها
إلا فتًى يكفي الذي يعنيها
«هي أمكم لا كان من أبنائها
من لا يُواسيها ولا يُرضيها»
«وهبَتكم الخير الجزيل فهل فتًى
منكم بحسن صنيعها يجزيها؟»
سعدَت لعمري بالصنائع حقبةً
دلَّت على عجل فمن يثنيها؟
دار الصنائع خيرُ دارٍ تُبتنى
فالله يجزي الخيرَ مَن يبنيها

يطعن في الملوك، ويستهجن الرتب والألقاب

من قصيدة له بعنوان «الشرف والملوك»، وإذا عرفت أنه نظم هذه القصيدة ونشرها سنة ١٩٠٨ في الجزء الأول من ديوانه، لَرأيت أنه أول شاعر وطني حمل على الرتب والألقاب، وأول من هاجَم الملكية والملوك بهذه القوة والشجاعة، فسبق بهذه القصيدة الخالدة عجلة الحوادث بنصف قرن من الزمان، قال:

«كذبَ الملوك ومن يُحاوِل عندهم
شرفًا ويزعم أنهم شُرفاءُ!»
رُتبٌ وألقابٌ تغرُّ وما بها
فخرٌ لمُحرِزها ولا استعلاءُ
آنًا تُباع وتارةً هي خدعة
تُمني بشرِّ سُعاتها الأمراءُ
كم رتبةٍ نعمَ الغبي بنَيلها
من حيث جلَّلها أسًى وشقاءُ
«لو كان يعلم ذُلها وهوانها
ما طال منه الزهو والخيلاءُ»
يلقى الكرامة حيث كان وفعلُه
جمُّ المساوئ والمقال هراءُ
تلك الجهالة والغرور وباطلٌ
ما يصنع الأغرار والجهلاءُ

•••

«ذنبُ الملوك رمى الشعوب بنكبة
جُلَّى تنوء بحملها الغبراءُ»
«لا المَجد مجدٌ بعدما عبثَت به
أيدي الملوك ولا السناء سناءُ»
«مالوا عن الشرف الصميم وأحدثوا
ما شاءت الأوهام والأهواءُ»
«رفعوا الطغام على الكرام فأشكلت
قِيمُ الرجال ورابت الأشياءُ»
«وإذا الرعاة تنكَّبَت سُبل الهدى
غوَت الهداة وطاشت الحكماءُ»
وإذا الطبيب رمى العليلَ بدائه
فبِمن يُؤمَّل أن يُبلَّ الداءُ؟

•••

لو جاوَر الشرفُ الملوكَ لأورقَت
صُمُّ الصخور وضاءت الظلماءُ
«ظلمٌ يبرِّح بالبريء وغلظةٌ
يشقى بها الضعفاء والفقراءُ»
الحق منتهَكُ المحارم بينهم
والعدل وهمٌ والوفاء هباءُ
رفعوا العروش على الدماء وإنما
تبقى السفينة ما أقام الماءُ!

يرثي مصطفى كامل

قال سنة ١٩٠٨ من قصيدة له في رثاء مصطفى كامل:

ما زِلتَ تقتحم المصاعب مجهِدًا
نفسًا موطَّنةً على الأهوالِ
حتى طواك الموت غيرَ مُجامِل
شعبًا يُجلُّك أيَّما إجلالِ
أحييتَه وقتلت نفسك بالذي
حمَّلتها من فادحِ الأثقالِ
هلا رحمتَ نفوسنا فرحمتها
وبقيت تكفينا أذى المُغتالِ

وختمها بقوله:

إن كان قد حُمَّ الفراق فوقفةٌ
تشفي نفوسًا آذنَت بزوالِ
هيهات ما جزع النفوس لراحل
سارت به الحدباء غيرُ خيالِ
سِر فالحياة كما علمت رواية
محتومة الأدواء بالآجالِ

يُدافِع عن حرية الصحافة، ويلوم الخديو عباس

قال من قصيدة له سنة ١٩٠٩ ينعى على الحكومة تقييدها حرية الصحافة، وفيها يُوجِّه اللوم إلى الخديو عباس الثاني في خذلانه للأمة:

صُبوا المداد وحطِّموا الأقلاما
واطوُوا الصحائف وانزعوا الأفهاما!
وخذوا على الوجدان كل ثنية
واقضوا الحياة مزملين نياما
ودعوا البلاد تذوق مِن عنت العِدى
ما شاء خادمها الخئون وناما

•••

اليوم نُمنَع أن نئنَّ لمُؤلِم
أو نشتكي الإعنات والإرغاما
واللهِ لا ندع الشكاية منهم
أو يمنعوا الأوصاب والآلاما
كيف القرار على الإساءة والأذى
أم كيف نكتم في القلوب ضراما؟
ومتى رضينا أن نعيش أذلة
فنُطيق مسكنةً أو استسلاما؟

إلى أن قال يُخاطِب الخديو عباس الثاني ويلومه:

ماذا بدا لك فاعتزلت صفوفنا
أفأصبحَت حرب الغزاة سلاما؟
الحرب دائرة وجيشك قائم
يُنضي السيوف ويرفع الأعلاما
والمُلك مُضطرِب ومصر كعهدها
تدعو الحماة وتشتكي الأقواما
إن كنت خاذلها ولست بفاعل
فحُماتها لا يخفرون ذماما٣
أتخون مصر وما تحوَّل نيلها
سمًّا وما انقلب الضياء ظلاما
نبغي لها الشرف الأشمَّ مؤيدًا
بالبأس يُؤيس صرحه الهداما
ونُعِز رايتها ونمنع حوضها
ونزيد صادق حبها استحكاما
عباسُ رأيك في البلاد وأهلها
أن الأذى يستضرم الأوغاما
إن كان عسف فالزمان مؤرِّخ
يُحصي لنا الحسنات والآثاما

•••

قلمي، كتابي، أمتي، وطني، متى
نشفي نفوسًا تستطير أُواما؟

يُندِّد بملوك الشرق

من قصيدة له سنة ١٩١٢ بعنوان «الملك الزائل» يُندِّد فيها بملوك الشرق لمناسبة ضياع مراكش بعد توقيع السلطان عبد الحفيظ المعاهدة التي قبِل فيها وضع بلاده تحت حماية فرنسا:

هوَت العروش وزُلزِلت زلزالا
عرشٌ هوى وقديمُ مُلكٍ زالا!
رِيعَت لمَصرعه المَشارق إذ مشى
فيها النعيُّ وأجفلت إجفالا
سلب المُغيرُ حياته واستأصلت
أيدي الجوائح عزَّه استئصالا
«تنجو الممالكُ ما نجا استقلالها
فإذا اضمحلَّ أعارها اضمحلالا»
«أين «الخليفة» ما دهاه وما له؟
أرضى المُغيرَ وطاوع المغتالا»

•••

ما قام شعبٌ نام عنه حُماته
واستشعر التفريط والإهمالا
«تأبى العناية أن تُصافِح أمة
ترضى الهوان وتألف الإذلالا»

•••

قد كان يأنف أن يكون قرينهم
ويعُدهم لجلاله أمثالا
لعب الغُرورُ به فضيَّع مُلكه
واعتاض منه مَذلة وخبالا
وإذا أراد الله شرًّا بامرئ
تبع الغواةَ وطاوَع الجهالا

•••

أخليفةٌ يُعطي البلاد وآخر
يهوى القِيان ويعشق الجريالا؟
أغُرورُ مفتون وصبوة جاهل
بئس «الخلائف» سيرةً وفعالا

فظائع الإنجليز في مصر إبان الحرب العالمية الأولى

من قصيدة له سنة ١٩١٨ يُندِّد بفظائع الإنجليز في مصر إبان الحرب العالمية الأولى:

أيها الجند ظافرًا يتمشى
في الجماهير مُعجَبًا مختالا
يوم غاب الحماة واستصرخت مصـ
ـر تُنادي الرجال والأبطالا
أقتلتَ الكماة في الحرب غُلبًا٤
أم قتلت النساء والأطفالا؟
أنصِفي «الظالمين» يا «دولة الفا
روق» منا وعلِّمي «الجُهالا»
علِّمينا كيف الحياة نُعانيـ
ـها وصُوني النفوس والآجالا
«خفِّفي الفتك إننا قد عَيِينا
ولقِينا في ظلك الأهوالا»
اقبضي ظلك «المُحبَّب» عنا
واجعليها عقوبة ونكالا

إلى أن قال يُندِّد بغدر الاحتلال:

ما ذكَرْنا لكم من الخير شيئًا
ما رضينا لكم على الدهر حالا
نذكُر الحُكم ظالمًا ما رأينا
فيه عدلًا ولا وجدنا اعتدالا
«نذكُر العهد سيئًا ما عرفنا
فيه حرية ولا استقلالا»
نذكُر الشر والبلاء جميعًا
فاذكروا عهدكم وشُدوا الرحالا
رصِّعوا «التاج» بالوفاء وحلُّوا
بحِلى الصدق «عِزه والجلالا»
لا تُريقوا دم الضعيف عليه
وانظروه من فوقه كيف سالا
أكرِموا التاج إنكم إن أبَيتم
زاد فينا مهانة وابتذالا
طال عهد احتلالكم فحسِبْنا
أن يوم الحساب يُدعى احتلالا

إلى أن قال مُنذرًا الإنجليز بسوء العاقبة:

هل من الله مَهرب أو نجاة
حين يُزجي جنوده والرعالا٥
يأخذ البَر والبحار عليكم
ويُريكم نزاله والدحالا٦
تلك عقبى الأذى فلا تُنكِروها
جاءكم يومكم فذوقوا الوبالا!

فظائع الإنجليز في ثورة سنة ١٩١٩

ومن قصيدة له سنة ١٩١٩ يُندِّد بفظائع الإنجليز في إخماد الثورة، وما ارتكبوه من القتل والتنكيل بالأبرياء:

يا سوءَ ما حمل البريدُ ويا لها
من نكبةٍ تدع النفوس شَعاعا!
يا ربِّ ما ذنبُ الذين تتابَعوا
يسترسلون إلى المنون سراعا
جرحى وما حملوا السيوف لغارة
صرعى وما سألوا العدوَّ صراعا
قالوا «الحياة» فعُوجِلوا أن يقرعوا
عند النداء بتائها الأسماعا
«عزريل» نُبِّئ ما أصاب جموعهم
فارتاب ثم رآهمُ فارتاعا!
مَرأًى يشق على العيون ومشهد
يُدمي القلوب ويقصم الأضلاعا
لما أطلَّ الظلم فيه بوجهه
ألقى عليه من الحياء قناعا
ودعا ﺑ «نيرون الرحيم» فما رنا
حتى تراجَع طرفه استفظاعا
وصفوا المصاب ﻟ «دنشواي» فكبَّرت
ﻟ «المصلحين» مقابرًا ورباعا
واستيقنت أن الأُلى نكبَت بهم
كانوا أبرَّ خلائقًا وطباعا

•••

يا مصر خَطبُك في الممالك فادح
ومُصاب أهلك جاوَز المُسطاعا
قومٌ يَروعهم البلاء مُضاعَفًا
وتُصيبهم نُوَب الزمان تباعا
لاذوا بحُسن الصبر حتى زلزلت
هوجُ الحوادث ركنَه فتداعى
حملوا القلوب تفور مما تصطلي
وتمور مما تحمل الأوجاعا
إن هاجَهم طمع الحياة رمى بهم
خَطبٌ يروِّع منهم الأطماعا
وإذا أرادوا نهضةً نفرَت لهم
حمرٌ خلا الوادي فكنَّ سباعا

•••

سفكوا الدماء بريئةً وتنمَّروا
يرمون شعبًا لا يُطيق دفاعا
لم يذكُروا إذ نحن نبذل قُوتنا
ونظل صرعى في البيوت جياعا
بئس الجزاء وربما كان الأذى
عدلًا لمن يألو العدو قراعا
جاءوا فقومٌ يُضمِرون مودة
ورضًا وقومٌ يُظهرون خداعا
فتكافأ الحزبان في حالَيهما
ومضَت حقوق العالمين ضياعا

إلى أن قال يهيب بالشعب أن يذود عن حقوقه بالمُهَج والأرواح والإقدام والشجاعة:

«لا يستقلُّ الشعبُ يترك حقه
ويرى البلاد تجارة ومتاعا»
يخشى العدوَّ فلا يُطيق تشددًا
ويهال منه فلا يريد نزاعا
إن الحياة لأمةٍ مقدامةٍ
تُعيي العدو شجاعة ومصاعا
تُزجي إليه من الحفاظ جحافلًا
وتُقيم منه معاقلًا وقلاعا
إن شامَها في الحادثات تفرقًا
عقدت على خذلانه الإجماعا
وإذا أراد بها الهضيمة أرهقت
هِممًا يضيق بها الدهاة ذراعا

•••

يا ربَّ مصر تولَّ مصر وهَبْ لها
شعبًا يريد لها الحياة شجاعا
«لو سِيم يومًا أن يبيع بلاده
بممالك الدنيا معًا ما باعا!»

يرثي فريدًا

من قصيدة له سنة ١٩١٩ يرثي محمد فريد:

أترى الكنانة كيف تعبث بالدمِ
الله للشهداء إن لم ترحمِ!
أدنى المراتب في الصبابة عندها
تلفُ المحب وطولُ وجدِ المُغرمِ
تُزجي تحيتها فيكذب دونها
أمل الملول ومطمعُ المُتبرمِ
ضل امرؤٌ قتلَته «مصر» فلم يصُن
عهد الولاء لها وحقَّ المُنعمِ
معشوقةٌ يجري مع الدم حبُّها
في قلبِ نصرانيِّها والمسلمِ
بعثَته «مصر» مجاهدًا ورمَت به
فرمَت بجيش للفتوح عرمرمِ
خاض الغمار يهدُّ كل كتيبة
ويهز راياتِ الكميِّ المعلمِ
مُتجردًا لله يطلب حقه
ويُقيم جانب شعبه المُتهدمِ
فإذا القياصر بالأرائك تتقي
وإذا الأرائك بالقياصر تحتمي
كلٌّ به فزع وكلٌّ جازع
يبغي القرار ولا قرار لمُجرمِ

إلى أن قال:

«يا سيد الشهداء بعد رفيقه
أرضَيتَ ربك في جهادك فاغنمِ»
ليس الذي بدأ الجهاد فلم يمت
إلا كبادئِ حجةٍ لم يختمِ
والناس في شرف الحياة وعزها
ضدان من ماضٍ وآخرَ مُحجمِ
وأجلُّ ما رُزق الرجال همامة
تنفي غرامَ المطلبِ المُتهجمِ
تتجشم الصعب المَخوف وعندها
أن المنية مركبُ المُتجشمِ
مأوى الممالك والشعوب ومالها
وصفوك ظلمًا بالغريب المُعدمِ
لك من يقينك ثروة إن قُدِّرت
قِيسَت كنوز العالمين بدِرهمِ
إيمانُ ذي الإيمان أعظمُ ثروة
ويقينُ ذي الوجدان أفضلُ منجمِ
ضج النعاة فضج كلُّ موحِّد
وارتجَّ ما بين الحطيم وزمزمِ

ثم قال:

يا مصر حسبُك ما رضيتِ من الأذى
وبرئت من ماضيك إن لم تنقمي
إن التي رمَت الممالك باعدت
بين المضاجع والشعوب النوَّمِ
الأرض تركض بالشعوب حثيثة
فامشي على آثارها وترسَّمي
إن كان قيدك لم يُحلَّ فإنه
خُلقُ المريب وشيمةُ المُتوهمِ
سِيري فما بك غير تلك وما بنا
إلا مراقبةُ العِدى واللوَّمِ

•••

يا نازحًا لم نقضِ حق بلائه
الله جارك فاغتبِط وتنعَّمِ
وانفض همومك عن فؤادك إننا
نلقى الهموم بكلِّ أغلبَ أضخمِ
إن المناكبَ والنفوس بأسرها
لفداء «مصر» من المُهمِّ المُؤلمِ
ماذا حفظت لأهلها من حرمة
وقضيت من حق عليك مُحتمِ
حيَّتك «مصر» على البعاد فحيِّها
ودعَت مسلِّمة عليك فسلِّمِ
جاوَزتَ حُسن الصنع في خدامها
وكفَيت سوءَ الذِّكر من لم يخدمِ
كذب المُضلِّل لن ينالك سعيه
إلا إذا نال السماءَ بسلَّمِ
أقسمتُ ما لك في جهادك مُشبِه
والحُر مُؤتمَن وإن لم يُقسمِ
ما زِلت تُسرِف في المغارم دائبًا
حتى جعلت النفس آخرَ مغرمِ
أي القواضب بعدما قطع الظبا
ولوى الأسنَّة في الوغى لم يُثلَمِ
ردَّدتُ صوتي في الرثاء وإنما
ردَّدتُ من صوت الكنانة في فمي
حيَّتك في الملأ العليِّ وأزلفت
حورُ الجنان إليك شعرَ «محرمِ»
أسفي لأوبةِ راحلٍ لم تقضِها
عِدَة المُنى وتحيةٌ لم تُنظَمِ

ذكرى فريد

وقال سنة ١٩٢٢ في ذكرى محمد فريد:

ألا فاذكروا من قومنا كلَّ مقدامِ
ففي هذه الذكرى حياة لأقوامِ
وما الناس إلا الخالدون على البِلى
وصرف اللياليَ من هداة وأعلامِ
همُ ثروة الإجيال لولاهم انطوت
على فاقةٍ ما تستطاع وإعدامِ
إذا المرء لم يعمل لما بعد يومه
طوى كلُّ حيٍّ ذِكره بعد أيامِ

•••

سلامٌ على الحي المُقيم وإن طوى
إلى المنزل الأقصى ثلاثةَ أعوامِ
على الكوكب الطافي على لُجة الردى
إذا ما طوى الأقمارَ طوفانُه الطامي

•••

ألا فاذكروا الأبطال وابتذِروا الوغى
وكُونوا أُولي بأس شديد وإقدامِ
هي الوثبة الأُولى وإن وراءها
لما يستجيش الوثب من كلِّ ضرغامِ

•••

وقال سنة ١٩٢٥ من قصيدة له في ذكراه:

جدِّدوا الذكرى لأهلِ المشرقِ
وصِفوا المجدَ لشعبٍ شيِّقِ
يعشق المجد فإن لجَّت به
لوعة الوجد تنحَّى يتَّقي
علِّموه كيف يقضي حقَّه
نابهَ الموقف حرَّ المصدقِ
وأرُوه السُّبل نارًا ودمًا
من يهَب فيها المنايا يُصعقِ
مزِّقوا الأوهام عنه إنه
لَيظنُّ السُّبل من إستبرقِ

إلى أن قال:

يا «شهيد النيل» لو ناجَيته
لَشفاه منك عذبُ المنطقِ
شاقَه الصوت البعيد المرتمي
والمقام الكسرويُّ الرونقِ
وشجاه أن يرى صمصامه
غير وضَّاح السَّنا في المأزقِ
جاشَت الأحداث تستقصي المَدى
وارتمت من كلِّ صوبٍ تلتقي

إلى أن قال يُندِّد بانقسام الأحزاب وبمساوئ الحكم القائم وقتئذٍ (نوفمبر سنة ١٩٢٥) حكم الرجعية والسراي:

سائِل الأحزابَ ماذا عندها
غيرَ ترجافٍ وهمٍّ مُقلقِ
وتأمَّل هل ترى اليوم سوى
دولةٍ فوضى وحكمٍ أخرقِ
فات «نيرون» رجالٌ رُزقوا
من فنون الظلم ما لم يُرزقِ
لو جرى «فرعون» أو «هامانه»
يتعاطى شأوَهم لم يلحقِ
سجنوا الدستور طفلًا ناعمًا
واستبدوا بالسجين المُوثقِ
لا جرى «النيل» على الوادي ولا
بُورِك الشعب إذا لم يُطلقِ

•••

تلك ذكرى «النيل» للنفس التي
عكف «النيل» عليها يستقي
هي عينٌ من حياة عذبة
في يفاع من سناءٍ مُشرقِ
فزعَت مصر إلى أبطالها
فالبَس النقع وسِر في الفيلقِ
سائِل القومَ أمَا من غضبة
لذمام صادق أو موثقِ
لا أرى النجدة إلا في الأُلى
هم أولو العهد الأبر الأصدقِ
ننصر الله ونحمي أمة
نحن منها في الصميم المُعرقِ
همةُ المقدام من آلائها
وبيان العبقري المُفلقِ

الحالة السياسية سنة ١٩٢٥

في سنة ١٩٢٥ عيَّن اللود جورج لويد معتمدًا (مندوبًا ساميًّا) لبريطانيا في مصر خلفًا للمارشال أللنبي الذي استقال من منصبه، وقد حضر المعتمد الجديد إلى مصر في أكتوبر سنة ١٩٢٥، فنظم أحمد محرم قصيدةً يُخاطِبه فيها ويُحذِّره مغبة السياسة الاستعمارية، وفيها يُندِّد بانقسام الزعماء وتنكبهم سبيل الإخلاص والسداد، ويهيب بالأمة ألا تقع في شَرَك الاستعمار ومناوراته، وأن تصمد في الجهاد، قال:

أتسأل مصر ما حمل «العميدُ»
وهل عند الرماة لها جديدُ؟
هو السهم الذي عرفَته قدمًا
وجرَّب وقعَه الشعبُ الوئيدُ
تمرَّد مُبدئ وطغى مُعيد
ولم تزَل الرمية تستزيدُ
«مسيحَ الهند» إن بمصر شعبًا
يشق عليك إن خضع الهنودُ
فما نظر المُسالِم أين تبغي
ولا عرف المُساوم ما تريدُ
«دع الزعماء إن لهم لَدِينًا
يدين بغيره الشعبُ الرشيدُ»
إذا ذكروا الزعامة فهي دعوى
يكيد بها «الكنانة» من يكيدُ
ولا تبقى البلاد إذا أُصيبَت
بمن يبغي الزعامة يستفيدُ
«لمن تتألب «الأحزاب» شتى
وما هذي الصواعق والرعود؟»
«تداعَوا للوغى فهوى صريعًا
على أيديهم الوطنُ الشهيدُ»
مضَت أسلابُه تُزجى إليهم
فمأتمه لدى الأقوام عيدُ
إذا ساد التخاذلُ في أناس
فأعوزُ ما ترى شعبٌ يسودُ

إلى أن قال:

عميدَ «الغاصبين» نزلتَ أرضًا
يبيد الغاصبون ولا تبيدُ
يذود الواحد القهار عنها
إذا قهرت جنودك من يذودُ
أتذكُر إذ لقومك ما أرادوا
وإذ ﻟ «كرومر» البطش الشديدُ
تطوف جنوده فتصيد منا
ومن سِرب الحمائم ما تصيدُ
أتذكر «دنشواي» وكيف كادت
جوانبها بأهليها تميدُ
تضج من العذاب ولا سبيل
إلى غير العذاب ولا مَحيدُ

إلى أن قال مُشيرًا إلى طغيان كرومر وكيف أكرهَته مصر على الاستقالة من منصبه:

سيوفُ الجند مظهرُ كل حق
ورأيُ «كرومر» الرأي السديدُ
أتذكُر إذ نُعاتِبه فيطغى
ويهدر في مقالته الوعيدُ٧
أخذناه بقارعةٍ ألحَّت
عليه فزال واشتفَت الكبودُ
صدعنا ركنَه فانقضَّ يهوي
وذاب الصخر أجمع والحديدُ
هوى جبلٌ من العدوان عالٍ
وزُلزِل للأذى صرحٌ مَشيدُ
ونحن القائمون بحق مصر
إذا ما استسلم القوم القعودُ
ونحن المُقبِلون على المنايا
إذا الأبطال كان لهم صدودُ
نضنُّ بمصر إن عدَت العوادي
ولكنا بأنفسنا نجودُ
هي الذِّمم المصونة والعهود
فما يبغي «كرومر» أو «لُوِيدُ»

•••

أخا «السكسون» هل نُبئتَ أنَّا
جلاوذة لقومك أو عبيدُ
لقد كذبوا عليك فليس فينا
لمن يبغي الهضيمة مُستقيدُ
إذا سعت «الوفود» إليك فاحذر
عواقب ما تقول لك «الوفودُ»
فما أحد بمالكِ أمرِ مصر
وما بالشعب جبنٌ أو جمودُ
مضَت دنيا القيود وتلك دنيا
تُذمُّ بها وتُحتقر القيودُ
حمَينا ما حمى الآباء قدمًا
وصان لنا وللنيل الجدودُ
بلادٌ ما تُباع وباقيات
من الآثار معدنها الخلودُ

يدعو إلى اليقظة السياسة، ويُندِّد بالتراخي في الوطنية

قال سنة ١٩٢٧ من قصيدة له في «الشعر السياسي»:

تسعى الشعوب ونحن في غفلاتنا
نأبى الفعالَ ونُكثِر الأقوالا
ركِبوا متون العاصفات وشأنُنا
أن نركب الأوهام والآمالا

•••

يا باعثَ الموتى ليومِ معادها
تنساب من أجداثها أرسالا
أعِد الحياة لأمةٍ أودت بها
غفلاتُها فثوَت سنين طوالا
وأضِئ لها سُبلَ النجاة ليهتدي
من زاغ عن وضحِ الطريق ومالا
وتولَّها بالصالحات ولقِّها
منك الأمان ووقِّها الأوجالا
وامنُن عليها من لدنك بقوة
تُوهي القيود وتصدع الأغلالا
واجمع على صدق الإخاء فضاضنا
فلقد تفرَّق يمنةً وشمالا
أودى بنا بين الشعوب تباغضٌ
صدع القلوب ومزَّق الأوصالا
تستفحل النكبات بين ظهورنا
ويزيد مُعضِل دائنا استفحالا
الله يحكم في الممالك وحده
ويصرِّف الأقدار والآجالا

إلى الشعب

وقال سنة ١٩٢٧ في هذا المعنى مُوجهًا الخطاب إلى الشعب:

ادفع بنفسك لا تكُن مُتهيبًا
ما اعتز في الأقوام من يتهيَّبُ
شرف الحياة وعزها لمُغامِر
يمضي فلا يلوي ولا يتنكبُ
اشرع لأمتك الحياة ولا يكُن
لك في حياتك غيرَ ذلك مأربُ

•••

مصر الحياة وحبها الشرف الذي
بطرازه الغالي أُدِل وأُعجبُ
نفسي وما ملكَت يداي لأمتي
وسراة آبائي ومن أنا مُنجبُ
أبنيَّ إنك للبلاد وإنها
لك بعد والدك التراثُ الطيبُ
شمِّر إزارك إن نُدبتَ لنصرها
إن الكريم لمثل ذلك يُندَبُ
ما المرء إلا قومه وبلاده
فانظر إلى أي المواطن تُنسَبُ
ليس التعصب للرجال معرَّة
إن الكريم لقومه يتعصبُ
للمرء من شرف العشيرة زاجرٌ
ومن الخلال الصالحات مُؤدبُ

حكم التاريخ

مِن أنعُمِ التاريخ أن حسابه
حقٌّ وأن قضاءه لا يُشجبُ
تقف الخلائق تحت راية عدله
فيُقام ميزان الحقوق ويُنصبُ
في موقفٍ جللٍ تجيش جموعه
فيُداس فيه متوَّج ومعصَّبُ
ملك الزمان فما لعصرٍ موئلٌ
يحميه منه وما لجيلٍ مهربُ

يُخاطِب النيل

يا نيل والمُوفُون فيك قلائل
ليت الزعاف لمن يخونك مَشربُ
قُتِل الوفاء فما غضبتَ وإنما
يحمي الحقيقةَ من يغار ويغضبُ
تهبُ الحياة له وليس لقاتل
في غير حكمك من حياةٍ تُوهبُ
مَن لي بشعبٍ في الكنانة لا القُوى
تنشق منه ولا الهوى يتشعبُ
متألِّبٌ يبغي الحياة كأنه
جيش على أعدائه يتألبُ
أين الرجال العاملون فإنما
تبقى الممالك بالرجال وتذهبُ

وطنٌ يعذَّب في الجحيم: فلسطين الشهيدة

من قصيدةٍ نظمها سنة ١٩٣٨ عن مأساة فلسطين:

لبَّيك يا «وطن الجهاد» ومرحبًا
لبَّيك من داعٍ أهابَ وثوَّبا
لبَّيك إذ بلغ البلاء وإذ أبى
جِد الزمان وصرفه أن نلعبا
من ذا يرى دمَه أعزَّ مكانة
من أن يُخضَّب من «فلسطين» الرُّبى
وطنٌ يعذَّب في الجحيم وأمةٌ
أعزِزْ علينا أن تُصاب وتُنكبا
بقلوبنا الحرَّى وفي أحشائنا
ما شبَّ من أشجانها وتلهَّبا
وبنا من الألم المبرِّح ما بها
وأرى الذي نلقى أشدَّ وأصعبا
نتجرع البلوى وندَّرع الأسى
نرعى لإخوتنا الذِّمام الأقربا
«إنا لَنعلَم أن آكِل لحمهم
سيخوض منا في الدماء ليشربا»
جعلوا الكفاح عن العروبة حرثهم
وتعهَّدوه فكان حرثًا طيِّبا
يسقون ما زرعوا دمًا في مخصب
لولا الدم الجاري لَأصبح مُجدِبا
«البيت» يطرب من أنين جراحهم
أرأيت في الدنيا أنينًا مُطرِبا؟

وقال يحمِّل ساسة بريطانيا وأمريكا مسئولية مأساة فلسطين:

إن الذي زعم السلام مُرادُه
جعلُ الدماء سبيلَه والمركبا
إن كان قد غمر الزمانَ وأهلَه
كذبًا فمِن عاداته أن يكذبا
أرأيت إذ سكب الدموع غزيرة
يأبى الحياءُ لمثلها أن يُسكَبا
متصنِّعٌ باسم الضعيف يُرِيقها
وهو الذي ترك الضعيف معذَّبا
ما كان أصدقَ نُسكه لو أنه
رحمَ البريءَ ولم يُحابِ المُذنبا
«يهذي بذِكر العدل في صلواته
أرأيت عدلًا بالدماء مُخضَّبا؟»

وقال يهيب بالأمم العربية أن تهبَّ لنجدة فلسطين:

رُسلَ العروبة هل أسَيتم جُرحها
ما باله استعصى وماذا أعقبا؟
جُرحٌ تقادَم عهده وتفتَّحت
أفواهه تدعو الأُساة الغيَّبا
أنتم أُساة الجُرح فاتخِذوا له
من طبِّ شيخ أُساتكم ما جرَّبا
وصفَ الدواء لكم وخلَّف عِلمه
فيكم فأين يريد منكم مَن أبى؟

•••

يا قومُ لستم بالضعاف فغامِروا
وخذوا مطالبكم سراعًا وُثَّبا
أفما كفاكم قوةً من دينكم
ما جمَّع الإيمان فيه وألَّبا
يا «آل يعرب» مَن يُريني «خالدًا»
يُزجي الخميس ويستحث المِقنبا
مَن شاء منكم فليَكُنه ولا يقُل
ذهب القديمُ فإنه لن يذهبا
السرُّ باقٍ والزمان مجدَّد
والسيف ما فقد المضاءَ ولا نبا

•••

رُدوا المظالم عن محارم أمة
ردَّت ظنون ذوي الجهالة خُيَّبا
«لم يُعطِ أوطانَ العروبة حقَّها
مَن كان يطمع أن تُباعَ وتوهَبا»

يُشفِق على الفلاح

ومن قصيدة له بعنوان «رحلة عابسة» سنة ١٩٤٠، وقد مر ببعض القرى وتحرَّكت شاعريته إشفاقًا على الفلاح، قال:

وَيْلي على فلاح مصر أمَا كفى
ما ذاق من عنت ومن إرهاقِ
يُغني ألوف المُترَفين بماله
ويعيش في فقر وفي إملاقِ
سبحان من شرع السبيل لخلقه
أكذا يكون تفاوتُ الأرزاقِ؟
١  جحاجحة: جمع جحجاح؛ السيد المُسارِع في المكارم.
٢  القدموس: القديم.
٣  يقصد بحماتها أبناءها المجاهدين.
٤  غلبًا: جمع أغلب.
٥  الرعال: جماعة الخيل.
٦  الدحال: الامتناع.
٧  يُشير إلى خطبته سنة ١٩٠٧ قُبَيل رحيله عن مصر وقد توعَّد فيها المصريين ببقاء الاحتلال.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠