الباب العاشر

زيارةٌ متحفية وسهرةٌ سينمائية

انتهى الأمس بأحداثه المريحة وغير المريحة، وأَقبل صباح يوم الأحد الموافق ١٧ من يوليو. صحَوتُ من نومي وقد ارتاحت أعصابي تمامًا. كانت الحجرة رقم ٣٣٥ هادئة جدًّا كأنها معزولةٌ عن الدنيا وما فيها. وأعتقد أنني نمتُ في وضع واحد طول الليل حتى أقبل الصباح … فرُحتُ أشكر، من كل قلبي، الشاب لويس الذي أهداني هذه الحجرة، وصيَّر إقامتي في مدريد محتملةً بعض الشيء. لقد أنساني ما حظيتُ به من نومٍ هادئ عذب لذيذ، كل ما ضايقني بالأمس في ذلك المطعم اللعين، وما ضاع منِّي فيه من نقود أنا في أشدِّ الحاجة إليها لأنفقه فيما هو أجدى وأنفع. قد تبدو كلماتي هذه غريبةً عليك أيها القارئ العزيز، وقد تظنني بخيلًا أو شحيحًا. لا يا سيدي، ليس الأمر كذلك بالمرة؛ فأنت أيها المصري إذا ما تعرَّضتَ للغربة في أي بلدٍ أوروبي، هالك وضايقك جدًّا ارتفاع الأسعار المخيف الذي ستُواجهه ولا حيلة لك إزاءه. الفنادق مرهقةٌ والطعام مرهقٌ والمواصلات مرهقة والبضائع مرهقة بالنسبة لك فقط، ولكنها ليست مرهقةً للأمريكي أو الإنجليزي؛ فأنت كمصري، لا يُسمح لك بأن تأخذ معك أكثر من ١٢٧ دولارًا بالسعر التشجيعي، وهذا مبلغٌ ضئيلٌ جدًّا في مواجهة متطلبات الحياة في أي بلدٍ أوروبي، فأذكر، وأنا في فرنسا، أن التاكسي الذي حملَني من المطار إلى فندق أفيدينا تقاضى مني ٤٠ فرنكًا؛ أي حوالي تسعة دولارات؛ أي ما يوازي سبعة جنيهاتٍ مصرية تقريبًا.

تناولتُ طعام إفطاري الهزيل في قاعة المائدة بالدور الثالث قدَّمَته لي عجوزٌ شمطاء مُتصابية تضع كميةً كبيرة من أحمر الشفاه والكُحل فتخالها شابة، غير أنك إذا نظرت إلى يدَيها المعروقتَين وإلى ساقَيها النحيلتَين والمعروقتَين أيضًا أيقنتَ أنها لا تقل بحالٍ ما عن الستين وربما عن السبعين خريفًا.

بعد أن فرغتُ من شرب القهوة الساخنة التي أحضرَتْها لي تلك العجوز الدردبيس، كان عليَّ أن أمُرَّ بمكتب الاستعلامات وأنا في طريقي إلى السُّلم كي ارتقيه إلى الدور الخامس، فوجدتُ لويس يعمل، فحيَّاني بابتسامة حلوة، وسألني: كيف حالك في الحجرة الجديدة؟ قُلت: على خير حال. أنعم فيها بالهدوء الكامل؛ ولذا تجدني عاجزًا عن شكرك. وإذ كنتُ قدَّمتُ له سوارًا به جعارين مصرية زرقاء وخاتمًا من الصناعة المصرية علاوةً على سلسلة مفاتيح بها جعران أزرق كبير هديةً له، قال: على فكرة، شقيقتي تشكرك كثيرًا على السوار والخاتم وتقول إنهما جميلان حقًّا. ودخلنا في حديثٍ طويل تناول عدة موضوعات، جاء الكلام عنها عفوًا؛ تكلمنا عن أشهر الأطعمة والمشروبات الموجودة بمدريد. قال: الطبق الشعبي عندنا اسمه بإيليا Pealla وهو عبارة عن أرز مخلوط بالدجاج والسمك مع قليل من الصلصة والزبد، وسعره لا يزيد على ٢٠٠ بيزيتا حسب الطبق.
عندنا أيضًا طبقٌ شعبيٌّ آخر اسمه كايوس Callos عبارة عن قطع من اللحم والسجق المخلوطَين بالصلصة الحارة. وهذا الطبق واسع الشهرة جدًّا في مدريد وثمنه ٢٠٠ بيزيتا فقط.
أما الشراب الشعبي عندنا فاسمه سانجريا Sangria. وهو عبارةٌ عن خمرٍ مخلوطة بشراب الليمون مع الثلج وعصير الفواكه وقليل من السكَّر، وسعره ١٥٠ بيزيتا للكوب.

وسألتُ لويس عن العمل الحكومي ومتى يبدأ. كنتُ أتوق دائمًا إلى أن أسأله هذا السؤال بعد أن علمتُ، بصفةٍ قاطعة، أن دور السينما لا تنتهي قبل الواحدة والنصف صباحًا، وأن الكباريهات الليلية لا تبدأ إلا بعد الثانية عشرة مساءً ولا تنتهي قبل الرابعة أو الخامسة صباحًا، فقال: يبدأ العمل الحكومي في إسبانيا، في الساعة التاسعة صباحًا، ويستمر حتى الثالثة بعد الظهر. لا بد للموظف من أن يعمل ثماني ساعاتٍ في اليوم؛ هذا هو المفروض. إلا أن هذا لا يحدث أبدًا. ثم سألتُه عن مرتَّبات الموظفين في إسبانيا، فقال: تتراوح المرتَّبات عندنا بين ١٥٠٠٠، ٢٠٠٠٠ بيزيتا في الشهر الواحد. ثم استطرد يقول: عندنا تضخُّم في إسبانيا؛ فعدد الخِريجين من الجامعة يزيد على حاجة العمل عندنا. على كل خِريج أن ينتظر حتى يجيء دوره؛ ولهذا السبب، قد يقبل خِريج الجامعة أي عمل دون مستواه ولا يتفق مع تخصُّصه وشهادته الجامعية. ومما يزيد المشكلة تعقيدًا في بلدنا أن هناك وظائفَ لا يعمل بها سوى الرجال، ووظائفَ أخرى لا يعمل بها إلا النساء. ولعلك تُدرِك الأزمة التي تُحدثها النساء في طريق الرجال؛ فقد تكون الوظيفة شاغرة ولكنهم يُصِرُّون على أنها للفتاة وليست للفتى. فسألتُه عن دَوْر الشباب في إسبانيا، قال: يعيش الشباب في دنيا أخرى، مختلفة تمامًا، ومنعزلة جدًّا عن دنيا كبار السن. آراء الشباب تختلف تمام الاختلاف عن آراء الآباء والأمهات. يسعى الشباب هنا إلى مزيد من الحرية والانطلاق. يريدون التحرُّر من آراء الأجيال القديمة السابقة التي لا تتمشَّى مع آراء العصر الحديث. وسألتُه عن الطلاق في إسبانيا، قال: لا يُوجد طلاق في إسبانيا، بسبب الدين والقانون؛ فكلاهما لا يُساعدك على الطلاق. فضلًا عن أن الطلاق ممنوع في الديانة الكاثوليكية. وسألتُه عما إذا كانت الفتاة الإسبانية تُحافظ على عذريتها، قال: البكارة هامة جدًّا لدى الآباء، أما الشباب فلا يُعيرها اهتمامًا خاصًّا؛ فالحب هو الحب بجميع مستلزماته وعواقبه. ثم سألتُه عما إذا كانت اللغة الإسبانية تستعمل كلماتٍ عربية، قال: جميع الكلمات الإسبانية التي تبدأ بالحرفين «ال» أصلها عربيُّ صميم. وسألتُه عن نظام الوجبات، قال: ليست وجبة الإفطار عندنا ذات بالٍ ولا نُعيرها أي اهتمامٍ، أما الوجبة الرئيسية عندنا فهي وجبة العشاء. ولا تخلو المائدة الإسبانية من قليل من النبيذ؛ فهذا أمرٌ عادي مألوف في جميع البيوت وكافة العائلات مهما تكن فقيرة.

سألتُه: هل الإسباني لا يغضب أبدًا؟ قال: الحال على عكس ذلك؛ فالإسباني عصبيُّ المزاج سريع الغضَب وحامي الطبع إلى درجةٍ كبيرة؛ أي شيء يُثيره ويثير غضبه، لا سيما فيما له اتصال بالعلاقات النسائية. وسألتُه: كيف وأين يتم التعارف بين الجنسين؟ قال: يتم التعارف في الحانات والبارات والكافيتيريات، ولكنه من المُحال أن يتم في الطريق العام لأن الناس دائمًا في عجلة. وسألتُه عما إذا كان البغاء مسموحًا به في إسبانيا، قال: البغاء ممنوعٌ في إسبانيا، ولكن عندنا شوارع خاصة تُمارَس فيها الدعارة بصفةٍ غير رسمية.

وفجأة راح لويس يُحدِّثني عن نظام الاحتجاج بالمظاهرات قال: تعلن الجهة التي ستقوم بالإضراب عن تاريخ الإضراب؛ إمَّا في الجرائد اليومية أو بالملصقات في كل أنحاء المدينة. وهكذا يكون لدى الشرطة والسلطات علمٌ مسبق بهذه التجمهُرات الشعبية التي يكون سببها غلاء المعيشة، مثلًا. والمتظاهرون هنا لا يفكِّرون إطلاقًا في استخدام العنف أو قذف الأحجار أو تحطيم نوافذ المتاجر أو الأوتوبيسات أو السلب أو النهب. وإنما يكتفون بحمل اللافتات التي تُعلن عن مطالبهم ومواضع شكواهم.

وسألتُه عما إذا كان يجري في مدريد نهرٌ ما، فقال: عندنا نهر مانثاناريس، ولكنه نهرٌ قصير ضيق عديم الفائدة. وتعيش مدريد على المياه التي تأتيها من بحيرتَين كبيرتَين صناعيتَين موجودتَين بالقرب من الجبال.

ولما سألتُه عن حكم فرانكو والذي دام أربعين عامًا، قال: يعيب الفقراء على حكم فرانكو؛ لأنه خلَق منهم فقراءَ مُعدمين، بينما يُثني الأغنياء على حكمه؛ لأنه جعلهم أثرياء من أصحاب الملايين. ثم استطرد يقول: وقد أوصى فرانكو، قبل موته، بأن يخلفه على عرش إسبانيا، الملك كارلوس، ولعل هذه هي المَحمدة الوحيدة التي خلَّفها الجنرال فرانكو وراءه.

سألتُه عن التعداد الحقيقي لمدريد عاصمة إسبانيا، فقال: يبلغ عدد سكان مدريد حوالي ثلاثة ملايين ونصف مليون نسمة، والنساء أكثر عددًا من الرجال. غير أن هذه الزيادة لا تسبب لهن مشكلة أو أزمة زواج. وحتى ولو كانت هذه المشكلة موجودةً بالفعل، فليست هي موضوع الساعة ولا نفكِّر فيها إطلاقًا.

قلتُ له: إنني لم أرَ شخصًا واحدًا ثملًا في شوارع مدريد أو في أي بارٍ بها، فهل الإسبان لا يشربون الخمر، رغم أنني أراها منتشرة في كل البارات والمقاهي والمطاعم صغيرها وكبيرها؟ قال: السُّكْر والعربدة ممنوعان في شوارعنا، ولكنك قد تجدهما في الملاهي الليلية في الساعات المتأخرة من الليل، وحتى هذا محظورٌ أيضًا. والشرطة هنا صارمةٌ جدًّا إزاءه، فلن يُفلِت السُّكارى من العقاب إذا ما أثاروا شغبًا، أو أحدثوا إزعاجًا للسكان، أو إقلاقًا لراحة الأهلين، أو اعتداءً على المارِّين في الطرقات. هذا والإسبان مولَعون بشرب النبيذ أكثر من أي نوع آخر من الخمور؛ ففي شمال إسبانيا مثلًا، يشرب السكان هناك نوعًا من النبيذ اسمه ريبييرو Ribeiro سواء أكان أحمر أو أبيض، وسعره معتدل في متناول كل الطبقات، ويُقبل على شُربه عامة الشعب هناك. أما في جنوب إسبانيا فالشراب المألوف الذي يُقبل عليه عامة الشعب فاسمه موريليس Moriles. وهناك نوعان آخران من النبيذ يحبهما الناس جدًّا، هما المونتيجا Montilla والمانثانيجا Manzanilla.
أما منطقة شمال شرق إسبانيا فلا يشرب أهلها إلا نبيذ البريوراتو Priorato وشرابًا آخر اسمه ريوخا Rioja. وهناك عداهما شراب البالدبيناس Valdepenàs. وكل هذه أنواعٌ مختلفة من النبيذ، يُقبل عليها سكان ذلك الجزء من إسبانيا.
أما منطقة وسط إسبانيا فتُشتهر بأنواع أخرى مثل السيدرا Sidra وتشاكولي Chacoli.

وفجأة سألني لويس، بدوره، عما إذا كنتُ أحب شرب النبيذ، فقُلت: ليس دائمًا، وفي الشتاء بنوع خاص أحيانًا. قال: أرجو أن تقبل مني زجاجة من نبيذ إسبانيا العتيق هديةً متواضعة مني. ثم استطرد يقول: لن أنسى أن أقدِّمها لك اليوم؛ لأنني سأبقى في عملي هنا اليوم حتى الرابعة. هل ستتأخر في الخارج إلى ما بعد الرابعة؟ قُلت: إنني أفكر في زيارة متحف برادو؛ إذ قيل لي إنه رائعٌ وجدير بالمشاهدة، فأيَّد لويس ما قيل لي، وأخذ يشرح لي طريق الوصول إليه سيرًا على الأقدام.

سرتُ في الطريق الذي وصفه لي لويس، غير أنني لاحظتُ وأنا سائرٌ أن الشوارع غير آهلةٍ بالمارِّين كما شَهِدتُها في الأيام السابقة. لعل هذا راجع إلى أننا في يوم الأحد، يوم العطلة الأسبوعية، وجميع المتاجر مغلقة.

استعنتُ مرةً واحدة برجلٍ إسباني عجوز كي يرشدَني إلى الشارع الصحيح المتفرِّع من الميدان الذي ساقَتْني إليه قدماي. فهم الرجل كلماتي الإنجليزية وأخذ يُرشدني مسرورًا سعيدًا. وفجأة، تقدَّم منِّي شابٌّ أسود البشرة كلمني بالفرنسية يسأل: أين الكنيسة؟ أريد أن أحضُر القدَّاس في أية كنيسة. فترجمتُ كلماته إلى الإسباني المُسن. وكم كانت دهشتي عظيمة أن الرجل الأسود البشرة كان يسألني عن الكنيسة وهو واقفٌ أمامها تمامًا وعلى بُعد خطوات وليس أكثر! فأخبرتُ الزنجي بأننا واقفون أمام الكنيسة، وأشرتُ إلى بابها وكان مفتوحًا لاستقبال الناس، وكانت مملوءة بجموع المصلين يؤدون فريضة الصلاة.

استرشدتُ بكلمات العجوز الإسباني وقطعتُ مسافةً لا بأس بها. ولما وجدتُ نفسي في شارع مُقفِر لم يكن به سوى فتًى وفتاة يمشيان معًا، سألتُهما عن المتحف وعن مكانه، فقالا: إننا ذاهبان إليه. وطلبا منِّي أن أكون ثالثهما. عرَّفتُ هذَين الحبيبَين باسمي، فقالت الفتاة، وكانت مُلمَّةً ببعض الفرنسية: أنا كونستيا وهذا صديقي هنريكي. أنا أدرُس علم الأحياء وهو يدرُس الطب بجامعة سان جاك كومبوستيلا في مدينة جاليثيا. وسألَتني: هل هذه أول مرة تأتي إلى هنا؟ قُلت: نعم. قالت: وهنريكي أيضًا، يزور مدريد الآن لأول مرة. أما أنا فجئتُ إلى هنا أكثر من مرة، ومع ذلك فلا أعتقد أنني أعرف مدريد كما ينبغي.

وصلنا إلى المتحف، فأبرزَت كونستيا من حقيبتها بطاقة، وهكذا فعل هنريكي. قالت: بما أننا طلبة بالجامعة، فبطاقة الجامعة تُعفينا من دفع رسم الدخول. قلت: أما أنا فسأدفع هذا الرسم. هل تعرفان مقداره؟ قالت: اليوم يوم الأحد، والدخول إلى المتحف اليوم بالمجَّان. فسُرِرتُ أولًا، ولكنهم طلبوا مني خمسين بيزيتا رسمًا للدخول. أول ما يقابل الداخل بهوٌ فسيح أنيق، حوائطه كلها مُغطاة باللوحات الفنية العتيقة والطريفة، التي لا يمكن أن تُقدَّر بثمَن.

اتجهَت كونستيا وهنريكي إلى المصعد مباشرةً فتبعتُهما. صَعِدنا إلى الدور الثالث من المتحف؛ حيث وجدنا أنفسنا داخل قاعاتٍ فسيحة جدًّا غاصَّة باللوحات الزيتية البديعة الرسم المتقنة إلى أقصى ما يمكن الإتقان، لدرجة أنك تُحسُّ بأن الأشخاص المرسومين بها يكادون يتكلمون، وهذه اللوحات كلها بريشة مشاهير الرسامين العالميين. غير أن القاعة الأولى التي دخلناها، كانت جميعُ لوحاتها البديعة بريشة الفنان «جويدوريني»، الذي عاش في الفترة من عام ١٥٧٥م حتى عام ١٦٤٢م. ومن أجمل اللوحات التي رسمَها هذا الفنان، والتي لا تدخل في نطاق الشخصيات الدينية ولا في أحداث التوراة والإنجيل، هي لوحة «أتالانتا»، وهي تجري في سباقها الأسطوري المعروف، فتنحني كي تلتقط التفاحة الذهبية، وبذا خسرَت السباق وفاز به الفارس المتيَّم بهواها بعد أن هَزمَها في السباق بهذه الخدعة البارعة.

الشيء بالشيء يُذكر. ذكَّرَتني هذه الصورة التي تكاد تتكلم بما رأيتُه في متحف الشمع «مدام توسو» بلندن. كل ما في ذلك المتحف رائعٌ. تماثيل الأشخاص بالحجم الطبيعي وبملابسهم التي كانوا يرتدونها أيام حياتهم، تنظر إلى الشخص وقد ظهرَت التجاعيد الدقيقة جدًّا ببشرته ومسام الجلد والعروق، وأهداب العيون، والشفاه بلونها الطبيعي وبتشققاتها، والأسنان طبيعيةٌ تمامًا، تخال الشخص منهم حيًّا سيكلمك أو أنه يتكلم مع زميل له، لدرجة أنني رأيتُ أحد الحراس واقفًا منتصب القامة في حُلَّته الزرقاء، فحسبتُه واحدًا منهم، فأمعنتُ النظر في وجهه فضحك وضحكتُ أنا وقُلت له: والله لقد التبس عليَّ الأمر، فما عُدتُ أعرف الأحياء من هؤلاء الجموع الزائرة، وأظن التماثيل منهم لولا أنها لا تتحرك. فأخبرني بأنني لست أول من التبس عليه الأمر؛ فكثيرٌ جدًّا من الزائرين يظنون أي شخصٍ واقفٍ لا يتحرك، يظنونه من هذه التماثيل المتقنة الصنع إلى درجة تفُوق كل ما يتصوَّره العقل البشري.

هناك تماثيل بالحجم الطبيعي لعظماء الملوك والقوَّاد والشعراء والرؤساء وغيرهم. تجد تمثال شكسبير بملابسه الطبيعية، كما تجد نابليون ونلسون وملكة إنجلترا الحالية وزوجها وأولادها في جلسة عائليةٍ طبيعية جدًّا وبملابسهم الحقيقية، وتجد تمثال الملك جورج الخامس وكثيرًا من الملوك. كما تجد تمثال الرئيس جمال عبد الناصر بحُلَّته البُنية اللون والمنديل الأبيض في جيب جاكتته، فتخاله حيًّا يكاد يُكلم الملك حسين الواقف إلى يمينه بحُلته الزرقاء الطبيعية. وفي اعتقادي أن هذا المتحف يحصل على تلك الملابس من أصحابها أو من ورثتهم بطريقةٍ ما.

هناك قاعةٌ فسيحةٌ جدًّا أنوارها خافتةٌ تكاد تكون مظلمة، حوائطها مطلية كلها باللون الأسود، ويُطلق عليها «قاعة الرعب»؛ إذ تضم مشاهير المجرمين كل واحدٍ منهم في مقصورة عليها لافتةٌ خشبية كُتب عليها ما اقترفه من جرائم وتاريخ اقترافه لها وتاريخ إعدامه؛ فهناك تمثال رجلٍ مُجرم اعتاد أن يُغرق زوجته في بانيو الحمام ويضغط على جسمها تحت الماء حتى تختنق وتموت، فيُبلغ قسم الشرطة أنه عاد إلى بيته فوجد زوجتَه غارقة في البانيو وهي تستحم، وبذا يتزوج غيرها. ولما تكرَّر هذا منه شُرِّحَت جثةُ آخر زوجة فبانت طريقتُه في قتل زوجاته، وحُكم عليه بالإعدام. وتجد إلى جانبه البانيو أداة الجريمة، وربما كان هو البانيو نفسه.

في مقصورةٍ أخرى تمثال رجل كان يُغري الناس بالمجيء إلى بيته، فيكتم أنفاسهم بوسادةٍ حتى يفارقوا الحياة، ويحمل الجثة ليلًا إلى طلبة الطب فيبيعها لهم ليدرسوا عليها. وهكذا تجد في هذه القاعة عددًا لا يُحصى من المجرمين العالميين. ولا أدري لماذا لم يصنعوا تماثيل لرية وسكينة المصريتَين الشهيرتَين باستدراج النساء إلى بيتهن، فيقتلهن زوجاهما، ويسلبان ما معهن من مصوغات. وربما كانت لهما تماثيلُ هناك وأنا لم أرَها أو ربما رأيتُها ولم أفطن لها بسبب كثرة تلك التماثيل وتنوُّع الجرائم.

الحق يُقال، إنني أُثني على من صنعوا تلك التماثيل التي تبدو بدمها ولحمها كأنها حية تمامًا.

نعود إلى متحف مدريد. انفصلتُ عن كونستيا وهنريكي إذ كانا يُدققان النظر في كل لوحة ويقفان أمامها مدةً طويلة، فخشيتُ أن تفوتَني رؤية محتويات المتحف، لا سيما وأن المتحف يقفل أبوابه في الساعة الواحدة تمامًا بعد الظهر.

انتقلتُ إلى قاعةٍ أخرى طولها لا يقل عن ٢٥ مترًا، ولا يقل عرضها عن عشرة أمتار، تُجمِّل حوائطها ١٤ لوحة، لا يقل مقاس اللوحة منها عن ٥ × من الأمتار والبعض الآخر مساحة اللوحة منه ١ × من الأمتار — معظم اللوحات عن موضوعاتٍ دينية من رسم الفنان «ماتيابريتي» الذي عاش في الفترة من عام ١٦١٣م إلى عام ١٦٩٩م، وبرناردو ستروزي (١٥٨١–١٦٤٤م).

ومن أروع اللوحات التي لفتَت نظري تلك اللوحة التي رسمها الفنان دانييل كريستي (١٥٩٨–١٦٣٠م) والتي تُمثِّل السيدة العذراء تحمل السيد المسيح بعد أن أنزلوه من فوق الصليب، ونزعوا الحربة من جانبه، وقد أغمض السيد المسيح أجفانه وأمه تتطلع إلى السماء.

كذلك هناك لوحةٌ أوقفَتْني أمامها مدةً رسمها مرقاش الفنان فيزنتشيو كامبي (١٥٣٢–١٥٩٠م) وتُمثِّل صلب المسيح واليهود يدقُّون المسامير في كفَّيه.

أنا الآن في الدور الثاني من المتحف. أمامي بهوٌ مستدير في وسطه تمثالٌ ضخم من البرونز اللامع، يمثِّل قائدًا مهيب المنظر وقد عاد من الحرب مُظفَّرًا يجرُّ وراءه الأسرى مكبَّلين بالسلاسل والأغلال وأحدهم واقع فوق الأرض يتأوَّه. الحقيقة أن هذا التمثال في مُجمله وموضوعه يستحق وقفةً طويلة للتأمل والدراسة.

بهذا الدور الثاني قاعاتٌ كثيرة فسيحة امتلأَت حوائطها بلوحاتٍ مختلفة ولكن ما من واحدةٍ منها يصل حجمها إلى الحجم الضخم لتلك التي شاهدتُها في الدَّور الثالث. معظم اللوحات دينية؛ إما تُصور جزءًا من حياة السيد المسيح، وإما تُمثِّل الملائكة الهابطين من السماء، أو تصوِّر السيدة العذراء في أوضاع مختلفة أهمها وهي تحمل السيد المسيح طفلًا.

أمامي الآن لوحةٌ فريدة في صدقها، حاول الرسام فاندر فويدون (١٤٠٠–١٤٦٤م) أن يصوِّر فيها قصة خروج آدم وحواء من الجنة عريانَين، يستُران عورتَيهما بأوراق التوت والندم يرتسم على وجهَيهما.

ولنفس الرسام لوحةٌ أخرى في غاية الروعة، تمثِّل صعود السيد المسيح إلى السماء متدثرًا بعباءةٍ حمراء تُغطي كتفَيه وساقَيه ليس غير، بينما السيدة العذراء جالسةٌ في استسلام تُصلِّي.

هبطت الدَّرَج إلى الدَّور الأول من المتحف. يضمُّ هذا الطابق مزيدًا من اللوحات الدينية أيضًا، لفت نظري منها لوحةٌ تصوِّر العشاء الرباني، بريشة المصور جوان دي جوانيس، الذي عاش في الفترة من ١٥٢٣–١٥٧٩م.

ومن اللوحات التي تركَت أثَرها العميق في نفسي لوحةٌ أخرى من رسم الفنان السابق، تُمثِّل رجم أحد القديسين بالحجارة والطوب بينما الدماء تسيل بغزارةٍ فوق جبينه. وهو راكعٌ على ركبتَيه يُصلي إلى الله في خشوع وقد استسلم في إيمان خارقٍ لضرب الضاربين وكأنه يستمدُّ من الله القوة التي قد تُعينه على تحمُّل الآلام الشديدة التي تسبِّبها له تلك الأحجار الضخمة.

دخلتُ أكبر قاعةٍ بالمتحف، وربما كان طولها ١٥٠ مترًا وعرضها ٢٠ مترًا. القاعة غاصَّةٌ باللوحات النادرة الجمال. اللوحات كلها تصوِّر موضوعاتٍ دينية.

أستطيع الآن أن أجزم بأن متحف برادو بمدريد هو تصوير باللوحات المصوَّرة الناطقة لقصة السيد المسيح والرسل والأنبياء. إنه موسوعةٌ للإنجيل مُدعمةٌ بالصور التي رسمَها أشهر فناني القرون الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر والسادس عشر. ذخيرةٌ لا تُقدَّر بمال. واللوحات كلها تزدان بإطاراتٍ مُذهبة ضخمة رائعة الجمال والتصميم، وتُعتبر وحدَها ثروةً قائمة بذاتها.

التمثال الوحيد الذي شاهدتُه بالمتحف كان مُعلَّقًا على إحدى الحوائط يمثِّل السيد المسيح مصلوبًا وقد وضع التاج فوق رأسه. ألم يكن ملك الملوك؟

تجد في قاعةٍ جانبية مجموعةً من التماثيل المرمرية الرخامية تمثِّل حقبة من تاريخ الرومان العظيم وأشهر أساطيره. هناك تمثال لجوبيتر يحمل الصاعقة، وكذلك تمثال للربة هيرا زوجته. وهاك تمثالًا آخر للرب جوبيتر في وقفةٍ مختلفة. وهذا رأس أثينا ربة الحكمة بخوذتها المشهورة. وهذا رأس البطل هرقل الخارق القوة.

في قاعةٍ جانبية أخرى عرضٌ هائل لبعض اللوحات النادرة التي رسمَها بمرقاشه الفنان المبدع فرانسيسكو دي جويا (١٧٤٦–١٨٢٨م). من الأفكار الجميلة والطريفة التي أخرجها هذا الرسام جويا إلى حيِّز التنفيذ، أنه صوَّر فتاةً مليحة الوجه فاتنة التقاطيع ساحرة المنظر وهي مستلقيةٌ على فراشها الوثير متدثرة بملابسها الفضفاضة. وفي لوحةٍ تُجاوِرها تمامًا رسم نفس الفتاة، في نفس الوضع بالضبط وعلى نفس الفِراش، وهي عاريةٌ ومجردة تمامًا من كل ملابسها. الخيال فوق التصور. أما جسم تلك الفتاة الحسناء فقد صُوِّر عاريًا بحيث لو أنها ارتدَت ملابسها نفسها لبدت بالضبط كما هي مصوَّرة في الصورة المقابلة.

إلى هنا انتهت زيارتي للمتحف؛ شاهدت كل جانب فيه، ولكن من الجائز أن أكون قد تركتُ بعض القاعات دون أن أراها؛ إذ كان الازدحام شديدًا في المتحف. هناك كثير من اللوحات كان يجدُر بي أن أصفه وأُسجِّل محاسنه ومواضع جماله الفني، ولكن الغموض وجهلي بقصص التوراة والإنجيل جعلَني أعجز عن الكلام عنها لئلا أُخطئ في تفسير شيء، وأنا أمقت أن أتكلم عن شيءٍ لا أعرفُه معرفةً تامة أو أفهمُه فهمًا أكيدًا وأُلِمُّ به إلمامًا صحيحًا صادقًا.

عُدتُ إلى الفندق ماشيًا على قدمي، مُتبعًا خط السير الذي سبق أن قطعتُه في الذهاب إلى المتحف. وجدت لويس لا يزال يعمل في مكتبه. استقبلني ببشاشة؛ فقد قامت بيني وبينه صداقة وألفة ومودَّة أكاد أُحِس بها جميعًا في نظراته. إن معرفة لويس للإنجليزية هي التي جعلَت التفاهم بيننا سريعًا ووثيقًا. اللغات هامة، ويجب على الشباب المصري الذي يخرج إلى أوروبا للعمل أو للسياحة أن يُجيد الإنجليزية أو الفرنسية؛ إذ بدون ذلك سيكون ﮐ «الأطرش في وسط الزفة»، أو كما قال المتنبي:

ولكنَّ الفتى العربيَّ فيها
غريبُ الوجهِ واليدِ واللسانِ
ملاعبُ جِنَّةٍ لو سارَ فيها
سليمانٌ لسار بترجمانِ

يجب عليه أن يعرف إحدى هاتَين اللغتَين وخصوصًا الأولى؛ فجميع مواني العالم ومطاراته تتكلم اللغة الإنجليزية، وإلا ألفى نفسه تعيسًا غير قادرٍ على تحقيق أي هدفٍ من أهدافه. أتذكَّر أنه حدث بالأمس عندما دخلتُ المطعم أتناول عَشائي، أن جلسَت إلى المائدة المجاورة لمائدتي فتاتان إسبانيتان ابتسمتا لي وهزَّتا رأسَيْهما، فردَدتُ التحية بأحسنَ منها. وفجأةً اكتشفتُ أنهما لا تعرفان غير الإسبانية. عندئذٍ تعذَّر سبيل التفاهم بيني وبينهما، بل وانعدم تمامًا. كل ما استطعتُ أن أحظى به منهُما بعد جهدٍ جهيد أن إحداهما تُدعى «أخيلينيس» والأخرى «ماري تريز»، وأنهما مُدرِّستان للأطفال في إحدى مدارس الحضانة. ولو كنتَ معي، أيها القارئ، وأبصرتَ المجهود الشاق الذي بذلناه نحن الثلاثة لنخرج بهذه المعلومات التافهة التي لا تُقدِّم ولا تؤخر، لما وسِعَك إلا أن تضحك ساخرًا أو تبكي راثيًا؛ فجهلي بالإسبانية جعل إقامتي هنا فاشلة. كذلك الجهل بالإنجليزية أو الفرنسية، سيجعل الإقامة في أي بلدٍ أوروبي ضربًا من المُحال، أو قل إقامة هي والجحيم سواء.

سألَني لويس عن رأيي في المتحف وعما إذا كان قد أعجبَني، فقُلت: «إنه لمُتحفٌ عظيم جدًّا بحق.» فانبسطَت أساريره. ولم تمضِ سوى لحظاتٍ قلائل حتى فُتح باب الفندق ودخل منه رجلٌ يحمل زجاجة من النبيذ كبيرة الحجم. قال لويس: أُعرِّفك بجدِّي. والآن أرجو أن تقبل منِّي زجاجة النبيذ هذه تحيةً مني ومن إسبانيا. فوضعتُ يدي في يد الرجل العجوز الذي حسبتُه في بادئ الأمر والد لويس، ورُحت أكلمه على هذا الأساس، ولكن لويس قاطعَني قائلًا: هذا جدي، جاء كي يراك ويتعرف بك. إنه يكتب مثلك. وهو الذي يشجِّعني على الكتابة. كان اللقاء حارًّا بيني وبين الجد. ولو أردتَ الحق، كان الجد في صحةٍ طيبةٍ وقوةٍ بدنيةٍ ظاهرة. ولم يكن لويس قد أخطأ كثيرًا لو أنه تركَني على نظرتي إليه على أنه أبوه؛ فقد كان أصغر من أن يكون جدًّا.

انصرف الجد في بشاشةٍ وحيويةٍ حلوة، فاتصل الكلام بيني وبين لويس من جديد، فأبديتُ له إعجابي بشخصية جدِّه، ثم عنَّ لي أن أعلم شيئا عن الأسرة الإسبانية، فطلبتُ منه أن يشرح لي — من خلال أسرته — الطريقة المتبعة في تربية النشء، وكيف تقوم العلاقات العائلية بين الأولاد والآباء. أُعجِب لويس بهذه الفكرة أيما إعجابٍ وراح يشرح لي، بالتفصيل، كل شيءٍ عن الأسرة الإسبانية، فقال: لا يمكن أن يزيد عدد أفراد الأسرة الإسبانية على خمسة أو ستة أفراد بما فيهم الأب والأم. يعامل الآباء الأبناء، كلًّا حسب سنِّه. وعادةً ما يستخدم الأبوان الشدة والصرامة في تربية الأولاد. وتظل الرعاية العائلية قويةً من جانب الأبوَين حتى يبلغ الأولاد العشرين أو الحادية والعشرين من عمرهم، ثم تزول بعد ذلك هذه الرعاية أو سمِّها الوصاية الأبوية العائلية. يعامل الآباء والأمهات الابنة برقةٍ وسماحة ودعةٍ كبيرة مع الحذَر والرقابة الشديدَين؛ فهم لا يريدون لها أن تتعرض في الطريق لمعاكسات الشباب، فتتعلم ما لا يجب أن تتعلمه قبل الأوان. وعلى العموم، لا تخرج الفتاة إلا مع أمها أو بصحبة أبوَيها كلَيهما. أما الولد فقد يُسمح له باللعب مع أصحابه، ولكن في حرصٍ شديد؛ فلن يسمحا له بمصادقة كل من هبَّ ودبَّ من الأولاد والرفاق. لا بد أن يكون الصديق معروفًا لديهما بحُسن الخُلق وكرم المنبت.

والتعليم في إسبانيا، يُفرِّق بين الجنسَين. هذا وإن كان الاتجاه الأخير يميل إلى التعليم المختلط. تطيع الفتاة والدَيها وهي صغيرةٌ، ولكنها عندما تبلغ السادسة عشرة من عمرها تعتقد أنها كبرَت بما يكفي، وتودُّ لو تستطيع الإفلات من رقابة الوالدَين، وهي تفعل المستحيل كي تصل إلى تحقيق ما يُساوِرها من رغبات وما تودُّ هي أن تفعله، لا ما يريده لها الوالدان. عندئذٍ ينشب صراع بين الطرفَين، يفوز فيه الشاطر منهما. ومع ذلك يمكن القول بأن الفتاة الإسبانية لم تصل بعدُ في حريتها إلى ما تتمتع به الفتاة الباريسية مثلًا أو الأوروبية عمومًا. إن تقاليد الأسرة الإسبانية قوية تحكُم الفتاة ولا تجعلها حرةً تمامًا في تحركاتها أو تنقلاتها. إنها في هذا المضمار تُشبه الفتاة الشرقية إلى حدٍّ كبير. يخاف الوالدان كثيرًا على مستقبل الفتيات عندما يحين يوم الزواج؛ فالفتاة السيئة السمعة لا يُقبل عليها الشباب الإسباني. ومن هنا يقلق الآباء كلما وجدوا رغبةً جامحة من ابنتهما نحو التمرد؛ لهذا كان التصادُم دائمًا بين رغبات الفتاة والقيود التي يريد الآباء فرضها عليها قبل الزواج.

والأم الإسبانية هي التي تقوم بطهي الطعام للأسرة، وهي التي تنظِّف البيت وتغسل الأطباق والثياب وتكويها، وقد تستخدم الغسالة الكهربائية أو تغسل الملابس بيدَيها حسب مستوى المعيشة والقدرة المالية للأسرة، وهي التي تقوم أيضًا برعاية الأولاد، والإشراف عليهم في مرضهم، كما تُساعِدهم في استذكار دروسهم وعمل واجباتهم المدرسية.

أما الأب الإسباني، فيخرج من المنزل في السابعة صباحًا، فيذهب إلى عمله ويبقى فيه إلى الثالثة أو الرابعة بعد الظهر، ثم يعود إلى بيته متعبًا ليجد زوجته وأولاده في انتظاره، ويجد أيضًا المائدة مُعدَّة، فتبدأ الأسرة في تناول وجبة العشاء في السادسة أو السابعة مساءً على الأكثر. وفي الصباح يكتفي الأب بتناول وجبةٍ خفيفة تُمسِك عليه الرمق أثناء وجوده في العمل. أما وجبة العشاء فهي الوجبة الرئيسة لدى الأسرة الإسبانية. إنها الوجبة التي تجمع بين كافة أعضاء الأسرة حول مائدةٍ واحدة. وبذا تشعُر الأسرة بجمال الحياة العائلية، فيُصغي الأب إلى مشاكل زوجته وأولاده، ويحاول أن يحلها في هدوء وبقَدْر الإمكان. ومما لا شك فيه أن معظم المشاكل المالية تُعرض أيضًا حول مائدة العشاء هذه. هنا يستطيع الأب أن يعرف ما عليه من واجبات والتزامات مالية قِبل زوجته وأولاده.

لا يتمُّ زواج الفتاة الإسبانية إلا بمعرفة والدَيها فهذا ضرورةٌ حتمية. يتقدم الشاب إلى الأسرة طالبًا يد ابنتها. وقد تُجيب الأسرة طلبه وقد ترفضه. أما إذا كانت الابنة على علاقة بشابٍّ معيَّن وتريد هي أن تتزوَّجه، فعليها أن تُطْلِع والدَيها على رغبتها في الزواج من هذا الفتى بالذات. عندئذٍ يطلب الوالدان منها أن تأتي به إلى المنزل كي يلتقي بهما ويُناقشاه ويدرُسا أحواله المالية ومكانته العائلية وعمله بالمجتمع، فإن وجد الوالدان أن الفتى الذي تُحبه ابنتهما مقبول شكلًا وموضوعًا وافقا في الحال على الزواج. أما إذا لم يقتنعا بذلك، وظهر لهما أنه غير كفءٍ لابنتهما، رفضاه في إصرار، وقاوما مثل هذا الزواج بعنف، وأرغما الفتاة على الابتعاد تمامًا عن هذا الشاب.

ليس في الزواج الإسباني مَهر؛ كل ما يُقدمه الشاب لخطيبته «دبلة» من الذهب، ثم يتعاون الخطيبان معًا على تأثيث البيت. وأغلب الظن أن الرجل هو الذي يشتري الشقة أو البيت الذي سيعيش فيه مع زوجته، وربما قدَّمه هديةً لعروسه.

يظل الخطيبان مدة سنتَين على الأقل مخطوبَين كي يعرف ويدرُس كلٌّ منهما أخلاق الآخر خلال تلك المدة التي قد تنتهي بالانفصال، ولكن متى تمَّ الزواج فلا يمكن الطلاق بعد ذلك بأية حالٍ. إنه زواجٌ كاثوليكيٌّ لا رجعة فيه إطلاقًا.

إلى هنا شُغِل لويس في بعض الأعمال الخاصة بالفندق، فاستأذنتُ منه، وذهبتُ إلى حجرتي أنشُد بعض الراحة، ولكني اتفقتُ معه على أن ألتقي به في الساعة العاشرة والنصف من صباح اليوم التالي تدعيمًا لأواصر الصداقة التي تمَّت بيننا فجأة وبشدة.

خرجتُ أنشُد الطريق مرةً أخرى في السادسة والنصف بعد الظهر، فوجدتُ الشوارع غاصةً بالناس بصورة تفوق الوصف، كأنني انتقلتُ فجأةً إلى شوارع القاهرة المزدحمة. كنتُ بحاجة إلى قدَح من الشاي الساخن؛ إذ أحسستُ بصُداع يكاد يفلق رأسي. ربما كان سببه حرارة شمس الصباح. جلستُ على أحد المقاعد الموجودة على طوار الشارع والتابعة لكافيتيريا مطعمٍ فاخر. وبعد قليل جاءت سيدتان مُسنتان وجلستا إلى جواري، وشرعَتا تتكلمان بصوتٍ عالٍ مزعج، وكان صوت إحداهما أجشَّ تعافُه الأذن وتتأذى به. كان من أنكر الأصوات مجرَّدًا من النبرات.

جلستُ أراقب الناس عسى أن أخرج بشيءٍ جديد. الشارع مملوءٌ بفتياتٍ صغيرات في سن الورود غادياتٍ رائحات في حركةٍ دائبة. أصوات القُبلات هنا وهناك بين الأحبة من الصغار والكبار. الفتاة الصغيرة هنا تمسك السيجارة بين أصابعها علانية وتدخِّنها بملء فمها وهي سائرةٌ مع صديقاتها أو مع حبيبها، في غير ما حياء ولا استحياء. الفتيات جميعًا وبدون استثناء يُدَخِّنَّ. وليت الأمر يقف عند هذا الحد، وإنما يمزحن في الطريق بشكلٍ سمج ملحوظ؛ فهذه تضرب تلك بركبتها بلا حياء، ولكن ما من أحدٍ يرى في هذا العبث السخيف عيبًا ولا خروجًا عن حدود الأب. ليست الفتاة الإسبانية على شيءٍ كثير من الجمال والملاحة، ولكنها على العموم أنيقة، تهتم بملبسها الذي يغلب فيه طابع البساطة، ولا تميل كثيرًا إلى الحُلي، بل تكتفي بأقل قدْرٍ ممكن من هذه الكماليات، رغم أن المتاجر زاخرةٌ بالحُلي والمصوغات التي لا يشتريها سوى القليلات. تكاد محلات المجوهرات، وما أكثرها! أن تكون بلا زبائن. يكتفي الإسبان بالنظر إلى الحُلي في معارض المتاجر، وكان الله يحب المحسنين. وحتى الحُلي العادية المصنوعة من خامات غير الذهب والفضة مرتفعة الأسعار إلى درجةٍ لا تُصدَّق، كما أنها ليست جميلة الشكل وإنما أقل من العادية، ويُوجد في مصر ما يفوقُها ذوقًا وجمالًا ورخصًا.

تركتُ الكافيتيريا بحثًا عن مطعمٍ أتناول فيه عَشائي، فسِرتُ في شوارعَ جانبية كثيرة ورأيتُ مطاعمَ عديدة تكاد تكون كلها متشابهة في طريقة العرض. هناك نَضَد خشبيٌّ مستدير أو مستطيل تُعرض فوقه المأكولات في أطباقٍ كبيرة، إما مطهوةٌ أو نيئة، فيأتي الزبائن ويختارون منها ما يروقهم. الإسبان لا يعرفون الطبق الأوروبي المشهور «أورديفر» الذي يحتوي على تشكيلة من كل صنف. حاولتُ جاهدًا أن أفوز بمثل هذا الطبق كي أذوق أكبر عددٍ ممكن من الأصناف وأتعرَّف على طعم المأكولات الإسبانية جميعًا أو أغلبها على الأقل، ولكن دون جدوى. وأخيرًا ساقَتْني قدماي إلى مطعمٍ لم يكن به سوى نفرٍ قليل. لم تكن الأطباق المعروضة كثيرة، ولكني لما شرحتُ للنادل طلبي، بدا لي أنه فهم قصدي؛ إذ هزَّ رأسه وانصرف. وفعلًا جاءني بطبقٍ متوسط الحجم به شيء من البطاطس المسلوق وعددٌ قليل من البساريا أو السردين وقطعةٌ واحدة من السجق. كان هذا هو كل ما في الطبق، ثم جاءني بثمرة طماطم واحدة بعد أن قطَّعها شرائح، وقطعةٍ صغيرة من الخبز وقليلٍ من النبيذ. وعند الدفع طلب مني ٣١٠ بيزيتا. كان مقلبًا جديدًا. لم يكن بالطبق قطعةٌ واحدة من اللحم. وكانت الكميات المقدَّمة متواضعة جدًّا. حقًّا، ما أرخص مطعم الأمس الذي — والشهادة لله — قدَّم لي كميةً لا بأس بها من اللحوم والجبن!

تركتُ المطعم وقد عوَّلتُ على أن أدخل إحدى دور السينما لأرى فيلمًا إسبانيًّا. كنتُ أريد أن أقف على مدى تقدم صناعة السينما في إسبانيا. لم تُكلفني التذكرة سوى ١٢٥ بيزيتا. آثرتُ أن أدخل بأرخص الأسعار؛ فنقودي لا تسمح لي بتذكرة ثمنها ٦٢٥ بيزيتا؛ أي ما يعادل ستة جنيهات مصرية وخمسة وعشرين قرشًا. اسم الفيلم هو: «الرجل المثير للشهوات»، كان هذا الاسم غريبًا، وكانت الأفيشات تُوحي بأن الفيلم جنسيٌّ؛ ذلك لأن الإعلان يصوِّر طبيبًا ينظر في دهشةٍ إلى عورة الرجل المريض الواقف أمامه عاريًا. الإخراج الإسباني جيدٌ ومتقدم. كان الفيلم ملونًا وفي غاية الجمال والإبداع والإمتاع. تدور أحداث الفيلم كله في قصرٍ منيف لرجل واسع الثراء، لا يُمانع في أن تلهو زوجته ما شاءت أن تلهو ومع من تُحب. والبطل الذي أحبَّته هذه الزوجة، كما أحبَّته كل صديقاتها الثريَّات مثلها، هو الخادم الجديد، الذي التحق بخدمتها أخيرًا. والذي كشف عليه الطبيب وأخبر صاحب القصر بأن ذلك الخادم له قوةٌ خارقة عن العادة. وما إن علمَت زوجة الثري وصديقاتها بهذا النبأ الغريب حتى اتجهَت أنظارُهن إليه ورُحن يتنافسن على التقرُّب من ذلك الخادم. وباختصار لم يترك الخادم سيدة هناك، ولا حتى زوجة الطبيب، إلا وحظي معها باللذة المحرمة. وشاع في أنحاء القصر نبأ خطورة ديمتريوس هذا على الجنس الناعم. وتنتهي القصة بموت إحدى السيدات الثريات وهي بين ذراعَيه فلفظَت روحها بينما كان يضمَّها إليه بشدة. وعندئذٍ أُصيب ديمتريوس نفسه بعقدةٍ نفسية جعلَته كلما حاول، بعد ذلك، الاقتراب من سيدة، تذكَّر في الحال منظر السيدة التي ماتت بين ذراعيه وفي أحضانه، فيُحجِم من فَوره فزعًا، ويتركها نافرًا منها كأنها جَذْوة نار. وإلى هنا ينتهي الفيلم.

الفيلم شيقٌ جدًّا وغير مملٍّ فيما عدا لقطةً واحدة تكرَّرَت أكثر من مرة، وهو منظر السيدات الثريات مجتمعات سويًّا، وكل واحدةٍ منهن تُدلي برأيها وتعليقاتها على قوة ديمتريوس البهيمية وقوة احتمالها هي في صبر وجلد واستمتاع. هذا ما استنتجتُه من حركاتهن ونظراتهن؛ لأن الفيلم ناطق بالإسبانية، ولم يكن على الشاشة أي ترجمةٍ إلى أية لغةٍ أخرى من لغات العالم.

من المؤكد أن هذا الفيلم ليس نظيفًا كله؛ فلم يَحرم المخرج المشاهدين من رؤية مناظر الحب والغرام ولكنه كان يُسلِّط الكاميرا على الجزء العلوي من الجسم؛ على الرأس والصدر فحسب، وعلى ما يصدُر عن المرأة من تأوهاتٍ مثيرة.

نجح المخرج في انتقاء جو البذَخ المفرط الذي أوجدَنا فيه طوال الفيلم. وفعلًا، إذا لم أشاهد هذا الفيلم فما كنت أتخيَّل أن هناك في العالم من يعيشون في قصورٍ جميلة بهذا الشكل، وينامون على أسرَّة كهذه تطير في فضاء الحجرة أو أن هناك سياراتٍ بمثل تلك الضخامة والأبهة ومزوَّدة بكل لوازم الجلسات الغرامية. إنني أعتبر نفسي محظوظًا إذ شاهدتُ كل ما حواه ذلك الفيلم من بذَخ وعظمة وفخامة؛ لأنه شيء يَخلب اللب ويُطير العقل. حتى المأكولات التي قُدِّمَت في الحفلات لم أرَ مثلها في حياتي يقدَّم بمثل هذه الأرستقراطية الراقية البذخ، وفي مثل تلك الأطباق الغريبة الشكل والصُّنع. هذا فضلًا عن الملابس الفاخرة والجميلة بحق، التي كانت ترتديها مجموعة الفتيات الساحرات الفتنة والبارعات الجمال.

أما دار السينما نفسها فلم تكن فاخرةً أو تضُم شيئًا من البذَخ أو الترف، وإنما كانت شبيهة بسينما راديو بالقاهرة مع فارقٍ واحد وهو أن جميع مقاعدها التي تزيد على الألف مقعد، كانت كلها سليمةً نظيفة مكسوَّة بالمخمل الأخضر. لم أسمع صوتًا واحدًا ولا صفيرًا واحدًا أو تعليقًا من أحد، ولكن كل ما سمعتُه غير أصوات الفيلم، هو الضحكات اللطيفة من بعض المتفرجين في أدبٍ واحتشام. لم أسمع كلمةً واحدة حتى أحكم بأن الألفاظ النابية والتعليقات الجارحة البذيئة قد صدَرَت عن النظارة أو تُبودلَت بينهم.

لم أُبصِر أحدًا يأكل داخل السينما أو «يقزقز» لبًّا. كانوا يشربون الكوكاكولا أو يلعقون الآيس كريم في صمتٍ كامل وهدوءٍ شامل دون إحداث إزعاج أو تشويش. وهذا في فترة الاستراحة ليس غير.

أما دورة المياه الملحقة بالسينما فكانت في أتمِّ نظافة؛ كلها مكسوةٌ بالقيشاني البُني الجميل ومنافض السجاير المفضَّضة والتي في شكل الأصداف البحرية فكلها لامعةٌ برَّاقة، ومثبَّتة بطريقةٍ مبتكرة. كانت مثالًا للذوق الرفيع. كانت تلك الدورة آيةً من آيات الفن المعماري السامي التي تُبهر الأنظار، ودليلًا واضحًا على ما يتحلَّى به الشعب الإسباني من تقدمٍ ملموسٍ في عالم النظافة والآداب العامة والسلوك الاجتماعي العصري.

استمرَّ عرض الفيلم إلى الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، ولكني غادرتُ السينما وأنا مرتاح الجسم ولم أكن متعبًا بالمرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٣