الفصل الثاني

العوامل القريبة في أفكار الجماعات

فرغنا من البحث في العوامل البعيدة التحضيرية التي تهيئ نفوس الجماعات لظهور بعض الأميال والأفكار، وبقي علينا أن نبحث في العوامل التي تؤثر فيها مباشرة، وسنرى في الفصل الآتي كيف نستعمل هذه العوامل لنظهر آثارها كلها.

وقد بحثنا في القسم الأول من هذا الكتاب في مشاعر الجماعات وأفكارها ومداركها، ومما عرفناه يسهل علينا غالبًا استنباط الوسائل التي تؤثر فيها، فنحن نعرف مما تقدم أي العوامل يفعل في تصوراتها، ونعرف قوة المؤثرات وعدواها خصوصًا ما جاءها منها في شكل صور ترتسم في الخيال. ولما كانت مناشئ المؤثرات مختلفة كانت العوامل التي لها قوة التأثير في نفوس الجماعات تتنوع كثيرًا تبعًا لها، لهذا ينبغي الكلام في كل واحد منها، وليس البحث غير مفيد، لأن أحوال الجماعات تشبه بعض الشبه طلاسم الأرصاد عند القدماء، فإما أن نتمكن من حل طلاسمها، وإما أن نستسلم لها فتأكلنا.

(١) الصور والألفاظ والجمل

تبين عند البحث في تصور الجماعات أنها تتأثر على الأخص بالصور. وليست الصور ممكنة في كل وقت، لكن من السهل استحضارها في الذهن بالحذق في استعمال الألفاظ والجمل، ومتى كان المستعمل لها بارعًا فلها قوة السحر عند معتقديه في الزمن السابق، فهي التي تثير في نفوس الجماعات أشد صواعق الغضب، وهي التي تسكنها إذا جاشت، ولو جمعت عظام من ذهبوا ضحية الألفاظ والجمل لأمكن أن يقام منها هرم أرفع من هرم خيوبس القديم.

السر في تأثير الألفاظ للصور التي تحضر في الذهن بواسطتها، وليس لذلك التأثير ارتباط بمعانيها الحقيقية، بل الغالب أن أشدها تأثيرًا ما كان معناه غير واضح تمامًا، مثال ذلك كلمات: ديموقراطية، اشتراكية، مساواة، حرية … وهكذا مما أبهم معناه ويحتاج في تحديده إلى مؤلفات ضخمة، والكل يسلم أن لها سلطانًا ينساب في النفوس كأنها اشتملت على حل المسائل الاجتماعية كلها، وفيها تتمثل الأميال اللاشعورية على اختلافها والأمل في تحقيقها.

لبعض الألفاظ والجمل سلطان لا يضعفه العقل ولا يؤثر فيه الدليل، ألفاظ وجمل ينطقها المتكلم خاشعًا أمام الجماعات فلا تكاد تخرج من فيه حتى تعلو الهيبة وجوه السامعين وتعنو الوجوه لها احترامًا، وكثير يعتقدون أن فيها قوة إلهية. ألفاظ وجمل تثير في النفوس صورًا لا كيف لها ولا انحصار، محفوفة بالإكبار والإعظام، إبهامها يزيد في قوتها الخفية، فهي آلهة لا تدركها الأبصار قد احتجبت خلف (المظلة) التي ترتعد لهيبتها فرائص العابد إذا تقدم نحوها.

ولما كانت الصور التي تستحضرها الألفاظ مستقلة عن معانيها كانت مختلفة باختلاف الأجيال والأمم وإن اتحدت صيغها، ولبعض الألفاظ صور تتلوها على الأثر كأن الكلمة منبه إذا تحرك برزت صورته.

ومن الألفاظ ما هو مجرد عن قوة استحضار صورة ما، ومنها ما تكون له تلك القوة أولًا، ثم تبلى بالاستعمال فتفقدها تمامًا وتصير أصواتًا فارغة تنحصر فائدتها في إعفاء المتكلم بها من التفكر والإمعان. ومن السهل على الإنسان إذا حفظ في صغره قليلًا من الألفاظ وشيئًا من الجمل المصطلح عليها أن يجتاز الحياة بها من دون احتياج إلى إجهاد نفسه بالفكر في أمر من أمور الدنيا.

من تأمل في لغة من اللغات وجد أن الألفاظ التي تتركب منها لا تتغير مع الزمان إلا ببطء عظيم، إنما الذي يتغير على الدوام هو الصور التي تلازم تلك الألفاظ والمعاني التي تؤديها، ومن هنا قلت في بعض مؤلفاتي أن ترجمة لغة بتمامها ضرب من المستحيل، خصوصًا إذا كانت لغة أمة ميتة، ونحن إذا ترجمنا إلى الفرنساوية كلمة يونانية أو لاتينية أو سنسيكريتية، أو أردنا فهم كتاب بلُغتنا منذ قرنين أو ثلاثة، فذلك عبارة عن إحلال الصور والمعاني المنتزعة من حياتنا الحاضرة محل صور ومعارف مغايرة لها بالمرة، وكانت معروفة لأمم لا نسبة بين حياتها وحياتنا. نقل رجال الثورة الفرنساوية عن الرومان وعن اليونان ألفاظًا وظنوا أنهم بذلك يقلدونهم في نظاماتهم، وهم إنما أثبتوا لألفاظ قديمة معاني ما كانت لها أبدًا، فأي شبه بين نظامات الإغريق ونظاماتنا، وإن تقابلت الأسماء. ألسنا نعلم أن كلمة جمهورية كانت تدل عندهم على نظام سداه الشرفاء ولحمته الشرفاء، اجتمع فيه أفراد من صغار المستبدين وتحكموا في قطيع من العبيد المسخرين. تلك جمعيات أشراف قروية كان الرق قوامها، ولولا الاسترقاق ما عاشت لحظة واحدة.

وتلك كلمة الحرية أي شبه بين معناها الآن عندنا ومعناها قديمًا عند قوم لم يمر بخاطر واحد منهم طائف الحرية في الأفكار أيام كان أكبر الجرائم النادرة الوقوع تطرق البحث إلى الآلهة أو القوانين أو العادات في مدينة من المدن، فكان معنى وطن عند أهل أتينا أو أهل إسبرطة تمجيد المدينة لا البلاد اليونانية؛ لأنها كانت مدائن متباغضة وفي حرب مستديم، ولم يكن لهذا اللفظ معنى عند أهل الغلوا الأقدمين، وهم قبائل متنافرة وأجناس متغايرة، وأهل لغات متنوعة، وديانات شتى، وقهرهم قيصر بدون عناء إذ كان له من بينهم حلفاء على الدوام، وروما هي التي أوجدت وطن الغلوا بإيجادها الوحدة السياسية والدينية فيها. ما لنا ولذلك الزمن البعيد، فمن قرنين اثنين لم يكن للفظ الوطن في نفوس الأمراء الفرنساويين ما نفهم نحن منه الآن إذ كانوا يحاربون الأجنبي على ملكهم كما فعل البرنس كونديه، ولا في نفوس المهاجرين الذين كانوا يعتقدون أن الشرف وحفظ العهد يقضيان عليهم بمحاربة فرنسا، وكانوا يعملون بهذا الاعتقاد لأن نظام حكم الشرفاء كان يربط التابع بالمتبوع لا بالبلاد التي هو منها، فحيثما كان المتبوع يوجد الوطن.

وما أكثر الألفاظ التي تغير معناها تغيرًا كليًّا من جيل إلى جيل، ولم نعد ندرك معانيها الأولى إلا مع الجهد والمشقة، ولقد أصاب القائل بوجوب الاطلاع على كتب كثيرة للوقوف على ما كان يفهمه آباء أجدادنا من بعض الألفاظ مثل ملك وعائلة ملكية، فما بالك بغيرها مما له معنى دقيق.

نتج من هذا أن معاني الألفاظ غير ثابتة، وأنها عرضية أي وقتية تتغير بتغير الأجيال وتختلف باختلاف الأمم، فإذا أردنا أن نؤثر في الجماعات لزمنا أن نعرف معنى الألفاظ عندها وقت مخاطبتها لا معناها القديم، ولا الذي يفهمه منها من يختلف معها في الفكر والمعقول.

ومن أجل هذا متى تمت الانقلابات السياسية واستقرت معتقدات مكان أخرى وتمكن بذلك نفور الجماعات من الصور التي تحضرها من بعض الألفاظ، وجب على رجال السياسة الجديرين بهذا الاسم أن يسارعوا إلى تغيير تلك الألفاظ من دون أن يتعرضوا لتغيير المسميات؛ لأن هذه مرتبطة بمزاج القوم الموروث ارتباطًا ليس من السهل تغييره.

وقد لاحظ توكفيل منذ بعيد — وكان نقادًا — أن حيل أعمال القنصلية والإمبراطورية (في فرنسا) كان إلباس القسم الأكبر من النظامات القديمة لباسًا جديدًا من الألفاظ، أعني الاعتياض من ألفاظ أصبحت تؤدي في الأذهان صورًا مكروهة بألفاظ لا تثير فيها هذا التأثر لحدتها، فسموا العوائد الشخصية ضرائب عقارية، والعونة ضرائب غير مقررة … وهكذا.

فمن أهم وظائف سواس الأمم تسمية المسميات التي صارت الجماعات لا تطيق سماع أسمائها المعروفة بأسماء مقبولة، أو على الأقل لا مقبولة ولا مكروهة، لأن قوة الألفاظ شديدة حتى إنه يكفي تسمية أشد الأشياء كراهة للجماعات بأسماء مختارة لترضى بها. ومن هنا لاحظ (تاين) أن اليعقوبيين تمكنوا باسم الحرية والمساواة، وهما كلمتان محبوبتان في زمانهما عند الناس، (من إقامة استبداد أحق به بلاد الداهومية وتأليف محكمة شبيهة بمحكمة الاضطهاد، وإحداث مذابح في الناس شبيهة بمذابح بلاد المكسيك).

فالحكام كالمحامين يرجع فنهم إلى اختيار الألفاظ وحسن استعمالها، وصعوبة هذا الفن ناشئة من كون معنى اللفظ الواحد يختلف غالبًا باختلاف طبقات الأمة الواحدة اختلافًا كبيرًا، فهي وإن استعملت الألفاظ بذاتها لا تتكلم مع ذلك بلغة واحدة.

رأينا في الأمثلة التي أتينا عليها أن الزمان هو أهم العوامل في تغيير معاني الألفاظ، وكذلك تختلف المعاني في الزمن الواحد اختلافًا كليًّا عند الأمم التي اختلفت في الجنس وإن تماثلت في المدنية، ومن المتعذر إدراك ذلك لمن لم يسبق له تطواف طويل في الأمم، فلا أطيل الكلام فيه ولكني أشير إلى أن اختلاف المعاني واتحاد الألفاظ عند الأمم المختلفة يكون بالأخص فيما يكثر استعماله منها على لسان الجماعات مثل لفظي ديموقراطية واشتراكية اللذين شاع استعمالهما الآن.

الأفكار والصور التي تتحصل من هذين اللفظين تختلف اختلافًا بَيِّنًا عند الجنسين اللاتيني والإنكليزي السكسوني، فمعنى الديمقراطية عند الأول انزواء إرادة الفرد وإقدامه على العمل من نفسه أمام إرادة المجموع وهمته، والمجموع تشخصه الحكومة،١ فالحكومة هي المكلَّفة بإدارة كل شيء وحصر كل شيء واحتكار كل شيء وصنع كل شيء، وهي التي تلجأ إليها دائمًا الأحزاب بلا استثناء من أحرار إلى اشتراكيين إلى ملكيين. وعلى الضد من ذلك يفهم الإنكليزي السكسوني وبالأخص الأمريكي من كلمة ديموقراطية نمو إرادة الفرد وإقدامه الذاتي إلى الحد الأقصى وانزواء الحكومة بقدر ما أمكن، فلا تكلف بعد الشرطة والجيش والعلاقات السياسية بشيء حتى التعليم. وعليه فاللفظ الواحد يفيد في بلد جمود إرادة الفرد وسكون إقدامه الذاتي واستعلاء كلمة الحكومة، ويفيد في بلد آخر انزواء هذه وارتفاع صوت الأول.٢

(٢) الأوهام

خضعت الجماعات منذ بزغ فجر المدنية لتأثير الأوهام، فأقامت لموجديها أكثر التماثيل والهياكل والمعابد، وما من حضارة تبلَّج صبحُها فوق ظهر الأرض إلا وكانت تلك الملوك الهائلة في طليعة جيوشها. أريد المعتقدات الدينية قديمًا والسياسية والاجتماعية في هذه الأيام هي التي شيدت هياكل الكلدان ومصر، وأقامت المساجد والبيع في القرون الوسطى، وهي التي قلبت القارة الأوروبية من الرأس إلى القدم منذ مائة عام وخاتمها مطبوع في جبين كل ما أبرزه العقل من المستحدثات الفنية أو السياسية أو الاجتماعية يهدمها الإنسان أحيانًا، ولكنه يعاني في ذلك هول الانقلاب العنيس، ثم هو محكوم عليه دائمًا أن يقيمها من جديد، فلولا هي ما خرج من بربرته الأولى، ولولا هي لراح مسرعًا يتخبط في أودية الخشونة والتوحش، نعم هي خيالات باطلة، وهي من نبات الأحلام، ولكنها هي التي ساقت الأمم إلى إيجاد ما في الفنون من رفيع وجميل، وما في الحضارة من عظيم وجليل.

قال (دانيال روزيار): لو أبيد ما في دور العاديات، أو ما في المكتبات العمومية، وكسرت فوق بلاط مماشيها جميع التحف والآثار الفخمة التي أبدعتها الفنون والأديان؛ ما بقي في العالم شيء مما ولدته الأحلام، وما كانت الآلهة والأبطال ولا الشعراء إلا لتحدث في النفوس شيئًا من الرجال وبعضًا من الخيال، إذ لا حياة للناس بغير الأمل والرجاء. حمل العلم هذه الأمانة الثقيلة خمسين عامًا ثم تغلبت عليه قوة الخيال؛ لأنه أصبح غير قادر على الوعد بأدائها كلها عاجزًا عن الكذب إلى النهاية.

اشتد ولع فلاسفة القرن الماضي بهدم الأوهام الدينية والسياسية والاجتماعية التي عاش بها آباؤنا قرونًا وأجيالًا، فلما ظهروا عليها كانوا قد سدوا أيضًا منابع الرجاء وأغلقوا باب احتمال القضاء، وبرزت من خلف الخيال الذي خنقوه قوى الطبيعة العمياء الصماء التي لا تشفق على الضعفاء ولا تحنو على التعساء.

سارت الفلسفة إلى الأمام شوطًا بعيدًا، ولكنها مع تقدمها لم تهيئ للجماعات خيالًا يلذها، والجماعات لا غنى لها عن الأوهام، لذلك اندفعت وراء غريزتها وذهبت إلى تجار البلاغة الذين يبيعونها تجارة حاضرة مثلها كمثل الحشرة تدب حيث يكون الضياء. إن الحقيقة لم تكن أبدًا العامل الأكبر في تطور الأمم، ولكنه الباطل على الدوام. وإذا بحثت عن السبب في قوة مذهب الاشتراكية في عصرنا هذا وجدته ما اشتمل عليه من الخيال الذي لا يزال حيًّا في العقول، فهو يعظم ويتجسم مع تزاحم أنوار العلم التي تبرهن على فساده، ذلك لأن قوته آتية من جهل دعاته بحقائق الأشياء جهلًا كافيًا يجرئهم على وعد الناس بالسعادة في الحياة، والآن أصبح هذا الوهم سائدًا فوق أطلال الزمن الماضي وله الملك آجلًا، فما كانت الجماعات في ظمأ إلى الحقيقة طول حياتها، وإذا تبدت أمامها وكانت تغضبها أعرضت ونأت وراحت تعبد الأوهام التي ترضى الإمرة عليها لمن أضلها، والويل منها لمن هداها.

(٣) التجارب

التجارب هي على التقريب الوسيلة الفعالة لتقرير الحقيقة في نفوس الجماعات، وإزالة الأوهام التي عظم ضررها، إنما ينبغي أن تكون عامة ما أمكن وأن تتكرر؛ إذ تجارب جيل لا تؤثر غالبًا في الذي يليه، ولذلك لا تصلح الحوادث التاريخية للدليل، بل تصلح لبيان أنه يجب تكرار التجارب من جيل إلى جيل ليكوِّن بعض الأثر وليتوصل بها إلى زعزعة الوهم المتأصل في نفوس الجماعة.

ومن المحقق أن مؤرخي العصور الآتية سيكثرون من ذكر حوادث هذا القرن، والذي تقدمه لاحتوائها على تجارب لا مثيل لها؛ لأن الناس لم يباشروا نظائرها في زمن من الأزمان.

وأكبر هذه التجارب ثورتنا الفرنساوية؛ لأنها تدل على أننا احتجنا إلى قتل عشرة ملايين من الرجال وإضرام نار الفتن والقلاقل في أوروبا كلها مدى عشرين عامًا، لنعرف أن الأمة لا تخلق خلقًا جديدًا بإرشاد العقل وحده. وقمنا بتجربتين منهكتين في خمسين عامًا لنثبت من طريق التجربة أن القياصرة تكلف الأمم التي تمجدها كلفة باهظة، ومع أنهما كانتا مشرقتين بالحجة على ما أرادوا يظهر أنهما لم تعتبرا كافيتين للإقناع، والأولى اقتضت بضعة ملايين من النفوس وغارة أجنبية على البلاد، والثانية أدت إلى سلخ إقليم عنها وضرورة إيجاد جيش مستديم مع ذلك، وكانت الثالثة على الأبواب من عهد قريب، وهي واقعة لا محالة يومًا من الأيام، وبالجملة كان لا بد من تلك الحرب الهائلة التي استنزفت ثروتنا لكي تقلع الأمة كلها عن الوهم بأن الجيش الألمان العرمرم لم يكن إلا عبارة عن حرس ملي٣ لا خوف منه كما كانوا يوحون به عندنا منذ ثلاثين عامًا.

ولو أردنا أن نبرهن للأمم التي تعمل بمذهب حماية التجارة الوطنية لتقييد التجارة الأجنبية، للزمنا القيام بتجارب ضارة بثروتنا مدة عشرين عامًا، ومن السهل الإكثار من الأمثلة على ما تقدم.

(٤) العقل

لولا الحاجة إلى بيان أن لا تأثير للعقل في الجماعات ما احتجنا إلى ذكره بين العوامل التي تؤثر فيها؛ لأنا قدمنا أن البراهين والأدلة لا تأخذ من نفوس الجماعات، وأنها لا تعقل إلا بالمشابهات الردئية. ولهذا فإن الخطباء الذين عرفوا كيف تتأثر إنما يخاطبون شعورها دون العقل، لأنه لا سلطان لقواعد المنطق عليها٤ فلأجل إقناع الجماعة ينبغي الوقوف أولًا على المشاعر القائمة بها والتظاهر بموافقتها فيها، ثم يحاول الخطيب تعديلها باستعمال مقارنات بسيطة عادية تشخص أمامها صورًا مؤثرة، وينبغي أن يكون مقتدرًا على الرجوع القهقرى متى وجد المقتضى، وأن يتفرس في كل لحظة أثر كلامه في نفس سامعه حتى يغير منه كلما مست الحاجة، وهذه الضرورة التي تلجئ الخطيب إلى سرعة تغيير الكلام بحسب الأثر الحاصل في نفس السامع، هي التي تدلنا على ضعف الخطابة بالكلام المحضر من قبل، لأن الخطيب يتبع في هذه الحالة سلسلة أفكاره لا حركة فكر سامعيه، فلا يكون لكلامه أقل تأثير عندهم. أما المناطقة فلأنهم تعودوا الاقتناع بالأدلة المتسلسلة الدامغة لا يمكنهم الخروج عن عادتهم هذه في مخاطبة الجماعات، لذلك يدهشهم على الدوام عدم تأثير استدلالهم، قال بعض هؤلاء المنطقيين: «إن للقياس المنطقي، أعني الجمع بين الشيء ونظيره، في الاستدلال نتيجة لازمة لا تتخلف عنه، وهذا اللزوم يقتضي التسليم حتى من المادة لو أن فيها قدرة على أن تتمثل النظائر»، وهو مسلم غير أنه لا فرق بين الجماعة والمادة في عدم إدراك النظائر، بل في عدم القدرة على سماعها، ومن لم يصدق فليجرب إقناع الهمجي أو المتوحش أو الصبي بالحجة العقلية والدليل المنطقي، وهو يقتنع بضعف تأثير هذه الطريقة في إقناعهم.

على أنه لا داعي للتجربة في الهمجي لمعرفة عدم تأثير الأدلة العقلية متى عارضت الشعور، ويكفينا أن نذكركم من القرون أمسكت الأوهام الدينية بالعقول على ما بها من مخالفة قواعد المنطق الابتدائية، وأن أكبر الناس عقلًا وأسماهم فكرًا أتوا تحت حكمها ألفي عام وبقي الحال هكذا حتى جاء هذا الزمان وأمكن البحث في صحتها. ولقد كان أصحاب العقول النيرة كثيرين في القرون الوسطى وزمن النهضة الفكرية، ومع ذلك ليس منهم من هدته الحجة وأرشده الدليل إلى ما كان في الأوهام التي استولت على قلبه من الهزء والشطط، أو شك يومًا في صحة إساءة الشيطان، أو في ضرورة إحراق الساحرين.

رب سائل أممًا يوجب الأسف أن العقل ليس هو الذي يهدي الجموع على الدوام، نحن لا يسعنا أن نقول به، بل نرى أنه لو كان الهدى للعقل ما اندفعت الإنسانية في سبل المدنية والحضارة بالهمة التي أوجدتها الخيالات والأوهام، فليس لنا غنى عن الأوهام لأنها نبات الغرائز.

كل شعب يحمل في كيانه العقلي نواميس مآله في الوجود، والظاهر أنه يسير محكومًا بتلك النواميس، وأنه ينقاد لحكمها بفطرة لا مقدور له فيها حتى في نزعاته التي يرى أنها خارجة عن كل معقول، كذلك يظهر أحيانًا أن الأمم مدفوعة بقوى خفية مثل التي تجعل بذرة البلوط شجرة كأمها، أو التي تدور بها (ذوات الأذناب) في دائرتها.

على أنه لا يسعنا أن نعرف إلا قليلًا من تلك القوى، وذلك بالبحث عنها في حركة تطور الأمة العمومية لا في الحوادث الفردية التي يخال أنها سبب ذلك التطور، إذ لو قصرنا النظر على هذه الحوادث لظهر أن التاريخ يتكوَّن من مصادفات غير معقولة بالمرة، فلقد كان مما لا يصدقه العقل أن نجارًا جاهلًا هو (غاليليه)٥ يصير مدة ألفي عام كإله جلت قدرته يؤسس باسمه أهم أركان المدنيات في الدنيا. وكان مما لا يصدقه العقل أن عصابات من العرب تندلع من صحاريها وتبسط فتوحاتها على القسم الأكبر من الدنيا القديمة التي عرفها اليونان والرومان وتختط مملكة فاقت ضخامتها مملكة الإسكندر. كذلك كان مما لا يتصوره العقل أن يقوم ضابط صغير في أوروبا التي لها قدم راسخة في التاريخ وأهلها طبقات منظمة بعضها فوق بعض، ويتمكن من السيادة على جميع أولئك الملوك وتلك الأمم.

إذن لندع العقل للحكماء ولا نطلبن منه أن يتداخل كثيرًا في حكم الأمم، فما بالعقل، بل على الرغم منه في غالب الأحيان تولدت مشاعر مثل الشرف وإنكار الذات والإيمان بالدين وحب المجد والوطن، وهي الصفات التي كانت ولا تزال أقوى دعائم المدنيات كلها.

هوامش

(١) الحكومة هنا عبارة عن مجموع السلطات التي بيدها زمام الأمر في البلاد.
(٢) شرحت القول بإسهاب في كتابي (ناموس تطور الأمم النفسي) على الفرق بين الديمقراطية عند الأمم اللاتينية والأمم السكسونية، وجاءت نتيجة بحث موسيو (پول بورجيه) في كتابه (بحر آخر) مطابقة على التقريب لما ذكرت وإن كان بحثه مستقلًّا بذاته.
(٣) كان رأي العامة في هذا الموضوع مبنيًّا على اجتماع النقيضين في ذهنها لما فصلناه من قبل، فكان حرسنا الملي في ذلك الزمن مؤلفًا من صغار الباعة أهل الدعة الذين لا يعرفون للنظام معنى، ولا يمكن لذلك الاعتداد بهم، فكان كل مسمى باسم كهذا يرتسم في الذهن على الصورة التي عرفها من قبل، ولا يتوجس الناس منه خيفة، وكان خطأ الجماعات متعديًا إلى قوادها كما يقع ذلك غالبًا بالنسبة للأفكار العامة، فقد رأينا موسيو (تيرس) يقول ما يأتي ضمن خطابه الذي ألقاه على مجلس النواب في ١٣ ديسمبر سنة ١٨٦٧، ونقله موسيو أوليفيه في كتاب نشره حديثًا، وكان ذلك القطب السياسي يتبع دائمًا أفكار الجماعة إلا أنه لم يسبقهم في فكر أبدًا؛ قال ناقلًا: «ليس لبروسيا غير جيشها العامل المساوي لجيشنا على التقريب إلا حرس ملي يشبه الحرس الذي كان لنا، وعليه لا أهمية له»، وهي رواية تبلغ صحتها ما بلغه رأى السياسي في ضعف مستقبل السكك الحديدية.
(٤) ترجع ملاحظاتي في فن التأثير في الجموع وضعف قواعد المنطق في هذا الموضوع إلى زمن حصار (باريس)، رأيت ذات يوم أناسًا يسوقون أحد قواد الجيش العظام إلى سراي اللوفر حيث مقر الحكومة، والناس أكداس من حوله يزمجرون ويتميزون غيظًا وهم يتهمونه بأنه كان يأخذ رسم أحد المعاقل ليبيعه للبروسيانين، فلما وصلوا به خرج أحد أعضاء الحكومة وكان خطيبًا ذائع الصيت ليخطب في الناس، وهم ينادون الموت الموت عاجلًا، وكنت أنتظر منه أن يبرهن لهم على فساد التهمة بقوله إن الفريق المتهم هو أحد المهندسين الذين أقاموا الحصون، وأن رسومها تباع في المدينة عند جميع باعة الكتب، غير أني بهتُّ — كنت شابًّا في ذلك الحين — إذ سمعته على نقيض ما ظننت يقول وهو يتقدم نحو الجموع: «سيأخذ منه العدل أخذًا لا رحمة فيه فاتركوا حكومة الدفاع عن الأمة (هو اسم الحكومة في ذلك الحين) تتم التحقيق الذي بدأتموه، وسنزجه في السجن حتى حين»، قال هذا، فرأيت الثورة قد سكنت وتفرق الجمع، ولم يمض ربع ساعة إلا والفريق في داره، ولو أنه خاطبهم بما جال بخاطري من الأدلة المنطقية التي اعتقدتها دامغة لمزقوه إربًا.
(٥) كذا في الأصل لأنه ولد سنة ١٥٦٤ وتوفي سنة ١٦٤٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤