أجهزة التفجير

نعم …

من حق كل مواطن إذا تجمعت لديه أسباب السخط أن يَسخط.

نعم …

من حق كل مواطن إذا تجمَّعت لديه أسباب الغضب أن يغضب.

نعم …

هناك في كل عصر في مصر وفي كل حين بعض ما يُسخط ويُغضب، ولكن الذي ليس من حقه أبدًا أن يفعل كالأطفال إذا سخطوا أو غضبوا أن يُحطِّموا ويحرقوا ويقتلوا وينهبوا.

لأنه في هذه الحالة، حتى لو كانت طفلية أو متخلفة عقليًّا، إنما يُحطِّم ويخرب ويحرق بيته هو وممتلكاته هو، وإذا قتَل إنما يَقتُل أخاه. ومصر الحلوب الذي منها يتغذى، وبفضلها يحيا، وفي ظلها يجد الأمان والمنزل والمستقر، تُصبح هي العدوة، عدوته. وكلنا نعرف وندرك ونرى أن التجنيد في كل دولة أو قطر فترة شاقة وعسيرة على نفس كل شاب، فهي واجب إجباري قسري تفرض على المواطن الشاب ضريبة الدفاع عن أهله وناسِه وأمِّه وشرفه وأخواته وأبنائه من بعده. بلا جند أو تجنيد لا يوجد نظام، وبلا نظام لا توجد دولة، وبلا دولة نعيش كلنا في حالة ذعر أعظم؛ فالذي يُبقينا أحياءً مطمئنين، نعيش الحاضر، ونرنو إلى المستقبل، هو اطمئناننا إلى أنه — رغم ما قد يُصيبُنا من تأزُّم وأزمات، رغم المشاكل والمِحَن، رغم الأخطاء والمظالم، رغم كل شيء — في النهاية نرتكن بظهورنا ونريح رءوسنا، وننام ملء جفوننا، ونصحو لنعمل، ونئوب لنستريح ونستقر. نفعل كل هذا؛ لأننا نُدرك تمام الإدراك، أن وراء ذلك الاطمئنان، وراء الأمان، وراء إحساسنا بالونس، توجد دولة، مهما اختلفنا معها، فهي لنا بمثابة الأب، ومهما اعترضنا على بعض تصرُّفاتها، فإنما هو اعتراض الابن الشرعي على بعض تصرُّفات الأب الشرعي أيضًا.

أمَّا أن يحدث أن نجد فجأة راعينا قد تحوَّل إلى مُرعبنا، وأن حامينا وقد تحوَّل إلى حرامينا، وأن الذين يَسهرون علينا فاجئونا ونحن نائمين بتصرُّفات مذعورين تدعو إلى الذعر، وبهياج أحمق أرعنَ يُثير فينا الرعب والارتباك والفوضى، فتلك مسألة خطيرة جِدًّا.

خطيرة لأنها مفاجأة لم يَسبقها مطالب ولا قامت بناءً على تحذير، خطيرة لأنه حين يَخرق النظام مَن مهمته الأولى حفظ النظام.

حين يحدث هذا لا تتقوَّض الدولة — حمدًا لله — ففي أجهزتها الأخرى ما يكفي لإعادة النظام وحماية أمن المواطنين، ولكنها خطيرة لأنها تجعلنا ندرك أننا وقعنا ضحية غدر، وغدر أبشع أنواع الغدر، لأنه صادر عن حُماتنا من أي غدر. إنني، وكلنا، نعرف الظروف البائسة التي يعيش فيها ذلك الشباب القادم من الريف، الغريب في المدينة، الغريب على المدينة، الجائع في الغالب، الساهر على حراسة سفارات أجنبية لا يعرف عنها شيئًا، وأبنية لا يعرف لماذا ولحساب من يَحرُسها، واقف بلا مكان يَجلس فيه، واقف وكأنه مُذنِب، محروم من كثير من مُتَع الحياة، بل كلها، وأمامه وعلى مرأى منه، فنادق وحياة فاخِرة، يرى نساءها ورجالها، يرى الطعام والشراب، والعربات الفاخرة، وهو بردان، جوعان، يعدُّ الليالي والساعات التي سوف تَنتهي عندها «عقوبة» تجنيده.

لماذا جعلنا من التجنيد، وفي قوات الأمن بالذات، ما يشبه العقوبة؟

إذ لا بد كانت تستحيل هذه الفترة إلى فترة تهذيب، وتثقيف، وتدريبِ شَباب شجاع، وإفهامهم المسئولية العُظمى التي يقومون بها، حينذاك، يعرفون ويعون بدورهم الذي لم نحفل كثيرًا بإفهامهم خطورته وأهميته وتقديرنا لتضحيتهم في سبيله.

إذن هناك — ما في ذلك شك — ضرورةٌ لتغيير أسلوب التجنيد وطريقة المعاملة، وحتمية أن تتدخل الإنسانية والإحساس بالشرف والكرامة والمواطنة والتقدير لطريقة معاملة هؤلاء المواطنين.

ولكن هذا هو الخطأ الأصغر الذي كان ممكنًا، بل لا بد من إصلاحه.

أمَّا الخطر الأكبر، الخطأ الذي لا يُغتفر، الخطأ الذي لا يقلُّ عن جريمة الهروب من صفوف المقاتلين في الحرب، أو التحول لقتال المواطنين الذين كان مفروضًا أن يُدافعوا عنهم، فذلك هو الشيء الذي جدَّ علينا خلال الأيام الماضية، والذي أعتقد أنه ليس تصرفًا تلقائيًّا من هؤلاء الجنود الشبان الفلاحين الجدعان، الذين كانوا يَعتبرون لباس الجندية حين يعودون من الإجازة إلى قُرَاهُم علامة فخر، وشرف ونيشان، يتباهون به على أبناء بلدتهم وفتياتهم.

نعم، إنها فتنة، كان هؤلاء الشبان ضحيتها ووقودها الملوَّثة أيديهم بجرمها.

وعلينا، وعلى وزارة الداخلية، أن تبحث عن رأس الفتنة، تلك التي عرفت وأدركت لماذا على وجه خاص كان عليها أن تُفجِّر سور سجن طرة بالذات، ذلك الذي يحوي قيادات وعناصر معروف تمامًا دورها، ومعروف لماذا حُبست، وماذا يمكن أن يحدث لو هربت أو هُربت، وأي جحيم في بلادنا ممكن أن تشعله لو أُطلق لها العنان.

إني لا أحضُّ على حبس أو عقاب، ولكني أطلب، وبشدة، إدراك الأسباب، وما وراء الأسباب، ومن وراء الأسباب.

فأمس كان الطلبة، واليوم جنود الأمن المركزي، وإذا استطاعوا ونحن غافلون أن يضمُّوا هؤلاء إلى هؤلاء إلى الآخرين، انتهت القصة، وتقوَّض البيت (الدولة) الذي نحيا في كنفه، وحكم الطاغوت الذي يتربَّص بنا، ولن يَيئَس.

•••

إن ما حدث قد يكون انفجارة تلقائية، ولكني، ولا قوانين العلم كلها، تُقرُّ أن الأشياء أو الناس يَنفَجِرون من تلقاء ذاتهم، هناك دائمًا أجهزة تفجير، ورءوس تفجير، وقيادات تفجير، وخطط تفجير. هناك هذا كله دائمًا وراء أي انفجار، ولهذا فالمعركة ليست فقط منْع تجوُّل، أو حبْس ناس، أو تصوير هؤلاء الشباب وكأنهم الشياطين. المعركة معركة خوض حرب فكرية ضروس، لإخراص دعاة الفتنة، لاجتثاث الأفكار التي استُزرعت في المجتمع المصري ووفدت إلينا من بلاد أخرى يهمها أن يتقوَّض البناء الحضاري الثقافي والسياسي المصري، مُتنكِّرين في أشكال، أو مجيدة للتنكر، وأجسادها الظاهرة هي تلك الجماهير الطيبة العريضة، سواء كانت منظمة كطلبة أو كجنود، أو مستغلِّين حسن نيتها وانقيادها ما دام مدبروها رافعين شعارات براقة وكلمات حق يقصد بها باطل خبيث.

وقد لا يبدو ما أقول مفهومًا.

ولكننا، وهذا هو المضحك المؤسي، كلنا نعرف، وندرك، ومتأكِّدون تمامًا مما نعرف، ولا نصنع شيئًا.

حكومةً أو شعبًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠