الجانب الآخر للمأساة

كانت الأيام «المأساوية» القليلة الماضية، من الأيام النادرة التي اعتززتُ فيها بمصريتي كما لم أعتز بها في حياتي.

منذ بضعة أعوام انقطع التيار الكهربائي عن مدينة نيويورك لعدَّة ساعات، قام السكان فيها وكأنما أصابَهم السعار، يُحطِّمون المحلات، ويَنهبون البضائع، ويَغتصبون وينهبون، وكل هذا وبوليس نيويورك بكافة عدَّته وعتاده وأجهزته سليم وموجود، وغير قادر أن يَضع أو يوقف شيئًا. وفي الأيام القليلة الماضية أُلغي عندنا تمامًا جهاز الأمن المركزي الذي حلَّ محل شاويش الدورية، وعساكر الأمن، والذي كان وحده يقوم بحماية المنشآت والمحلات والسفارات وكل المراكز الحيوية في مصر بما فيها من مؤسسات وبنوك، بل تحول هذا الجهاز من جهاز حافظ للأمن إلى مجموعات تنتهك الأمن وتُحرِّض على ارتكاب جرائم الحرق والنهب والسلب والقتل.

فماذا حدث؟

لم يُنهب محل واحد.

لم تقع جريمة سرقة واحدة.

لم يَقتل مواطنٌ مواطنًا، ولا اغتُصبت مواطنة.

كانت مصر تقريبًا بلا جهاز حراسة أو أمن، مفتوحة الأذرع لأي جريمة قد تقع، فلم يكن هناك أحد باستطاعته أن يَمنع الجريمة، ورغم هذا — كما قلت — لم تقع جريمة واحدة.

إن المقارنة بين الحادثين تُعرِّفنا الكثير جِدًّا عن شعبنا، ذلك الذي لا نزال نذاكر كتابه ولم نَفرُغ من محتوياته وأعماقه بعد.

فالذي حدث أن شعبنا، الشعب المصري، وحتى قبل أو بدون هبوط القوات المسلحة الخاصة شوارع العاصمة، وقف كالديدبان، يحرس المدينة، ويمنع الجريمة، باختصار، أحال كل مصري نفسه إلى جندي أمن وكأنه وحده أصبح المسئول عن أمننا.

في ظلِّ الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة التي نحياها، كان ممكنًا أن تحدث أهوال وأهوال من أي شعب آخر في الدنيا. فأمريكا التي يضربون بها المثل في رقيِّ الحياة فيها وغِناها، حدث فيها ما ذكرت، وأي دولة أخرى في العالم، أقل ثروة وحضارة، كان ممكنًا أن يحدث فيها أضعاف أضعاف ما حدث في نيويورك.

ولكن هنا في مصر، حدَث العكس تمامًا، اللصوص كفوا عن السرقة، والنشالون كفوا عن النشل، وتحول الجميع من شرفاء أو مُجرمين سابقين أو أناس عاديِّين إلى حُرَّاس أمن، أمن مصر.

وهنا لا بد لنا من وقفة سريعة نعرف فيها معنى آخر لكلمة سبعة آلاف سنة حضارة تلك التي طالما ردَّدها البعض كالببغاوات وهم لا يُدركون حقيقة معناها.

إنَّ الحضارة هي إنسان متحضِّر.

والإنسان لا يتحضر بالتعليم فالتعليم يُعلِّم، ولا بالثقافة فالثقافة تُثقِّف، ولا بالثراء فالثراء قد يفسد، ولا بمستوى المعيشة فقد تجد فقراء في حياتهم أكثر «تحضُّرًا» من أغنى الأغنياء.

الحضارة تركيب جيولوجي بشري داخل النفس، تراكم طبقة فوقها طبقة، لكي يَصل إلى المادة الإنسانية الحية الأنضج والأعظم، فمثلما باطن الكرة الأرضية كتلة من النار الملتهبة البدائية، حين نَصعد إلى فوق نجد الكتلة البدائية وقد بدأت تَكتسب صفات أكثر تعقيدًا أي أكثر تحضُّرًا، وهكذا إلى أن تحصل رحلة التحضر إلى أن نصل إلى الحياة نباتًا وإنسانًا وحيوانًا. إنَّ في مظاهر تحضُّر المادة الكونية البدائية؛ إذ هي المادة الزكية التي تحسُّ وتشعر وتنفعل وتتفاعَل وتخلق وتبتكر وتحبُّ وتكره، وهي وحدها والإنسان أرقى مخلوقات الله سبحانه على الأرض، هو الوحيد الواعي بنفسه وبالكون، هو الوحيد الواعي بالله، هو الوحيد الواعي بأنه وُلد وأنه يومًا سيموت، وأن ما بين موته وميلاده يجب أن يحيل الكون والأرض والناس من حوله إلى جنة.

ولقد بدا الشعب المصري مثل غيره من الشعوب، قبائل صيد وقنص، بلغت من التحضُّر حد الاندماج التدريجي، وبهذه القفزة اكتشف شعبنا أول وأخطر اكتشاف علمي عرفته البشرية، الزراعة، وتكنولوجيا أن «تصنع» أنت النبات بدل أن يَنمو من تلقاء ذاته وبالصدفة.

ومنذ هذا الاكتشاف بدأ التحضُّر المصري يتسارع حتى تشكل من القبائل دولتان ضمهما مينا في دولة واحدة، والمسافة الزمنية بين وجود الإنسان كقبيلة ووجوده كمُجتمع أو كدولة قد تأخُذ آلاف السنين، فما بالك ونحن قد قطعنا تلك المسافة قبل عصر مينا، بمعنى أن حضارتنا ليس عمرها سبعة آلاف عام، ولكنها بالأقل عشرة أو خمسة عشر ألف عام. والحضارة الزراعية التي بدأناها منذ فجر التاريخ ولا نزال نحياها إلى الآن واحدة من أرقى الحضارات البشرية، فهي لا تعتمد على القوة الغاشمة أو الاغتصاب أو العدوان، إنما تَعتمد على التعاون والتكاتُف وتنظيم جهاز حكم عادل ومحو كل آثار البدائية والقبلية، وتعليم الناس الغيرية ومساعدة الآخرين. وفي ريف مصر لا يزال إلى الآن نظام يُسَمَّى نظام «المزاملة»، بمعنى أن الفلاح يُساعد جاره حين يكثر العمل لدى جاره في مقابل أن يعمل الجار عنده حين يَكثُر عنده العمل.

•••

إذن نحن، وإن كانت الأمية سائدة والمعيشة صعبة والتكنولوجيا بدائية ومتخلِّفة، إلا أننا أكثر تحضُّرًا من الشعوب التي لا يوجد بها أُميٌّ واحد وتَملِك أرقى أنواع التكنولوجيا وأكبر قدر من الثروة والقمح والطاقة والأسرار العلمية العليا.

وأذكر أني كنتُ قد كتبتُ هنا في مجال زيارة الرئيس محمد حسني مبارك لافتتاح مسرح الأزبكية ومسرحية إيزيس، وضقت باحتلال الأمن المركزي لقلب المدينة قبل المَوكِب بساعات، وقلت إن الذي يحافظ على الرئيس ويرعاه ليس الأمن المركزي وإنما هو قلوب الشعب وحسه ونبضه، وارتباطه بذلك الرجل الذي اختاره رئيسًا.

ذلك الرجل …

لو كنتُ من الرئيس حسني مبارك لاعتبرتُ أن الأيام القليلة الماضية أيامٌ من أمجد أيام حياتي؛ ذلك أنها لم تكن فقط أيام تمرُّد وتدمير، ولكنها كانت بالدرجة الأولى أيام انتخاب. أجل، انتخاب دون تدخُّل وزير الداخلية ليُزوِّر أو وزير الحكم المحلي ليضغط، بل دون تدخل جهاز أو هيئة أو بوليس، بل برغم تدخل الأمن المركزي ضد الحكومة وقف الشعب وقفة رجل واحد يَنتخِب بمطلق حريته وإرادته بكامل قواه ورشده، فينتخب حسني مبارك ونظام حسني مبارك ويقول له: نعم، أريدك أنت. ويقولُها بأصوات لا تقل حقيقة عن ٩٩ في المائة صحيحة، كلها صحيحة وممهورة بإمضاء الشعب وتوقيعِه وبصماته. قالها الشعب ولا يزال يقولها وحافَظَ للرئيس على نظامه بدون تدخل حزبي أو قيادات حزبية، وأسلمه البلاد طائعًا مختارًا لأن في هذا الرجل نفس ما في قلب كل مصري على مصري، نفس الود والمحبة والإخلاص، وإن كانت العقبات أكبر، والظروف أصعب، فهذا ما دفعنا لانتخابه أكثر؛ لأنه في المِحَن تجتمع القلوب على القلوب وتصفو النفوس إلى النفوس، ويتبدى كل ما في نفوس المواطنين من خير وحق وعدل وإنسانية وتواصُل.

أُهنئك أيها الرئيس مبارك بهذه النتيجة التي لم يُحقِّقها حاكم قبلك، وفي نفسي أُحمِّلك ومعي الشعب كله مسئولية هذه النتيجة، فها هو الشعب كله معك، وها هو يحميك بقلوبه وأرواحه وانتظامه، ويُحيطك. هذا شعب يستحق منك أن تفعل من أجله ما لا طاقة لك به؛ فقد فعل من أجلك ما لم يفعله شعب لحاكم على مدى التاريخ.

يدنا في يدك أيها الرئيس، لنجعل من انتكاسة الأمن المركزي نقطة بداية لاستقرار حكم يثق في المواطنين ويمنحهم الحرية، فهم لا يستعملونها أبدًا في تخريب أو تخريف، وإنما يستعملونها ليجعلوا من بلادهم مكانًا أفضل للحياة وللبقاء وللأولاد والبنات من بعدهم.

يدنا في يدك.

يد شعب عظيم في يد رئيس يُحبُّه، ويهيب به أن يمضي قدمًا دون خشية من هؤلاء أو أولئك؛ فالشعب معك، والشعب هو الأقوى وأكثر قوة بك، فامض يا رجل وغيِّر إلى الأحسن، وردَّ على حب الناس بالثقة فيهم، والرعاية الأكثر لهم، والطموح الأكبر من أجلهم.

يا شعبنا.

يا رئيسنا.

مصر لم تَمُت، ولن تموت، مصر قائمة وقادرة وستقوم وتقدر. مصر ستصحو لأنها لا تزال صاحية وأبدًا لم تَنَمْ، ولن تنام حتى تحقق الغد الأمجد.

ولا أملك في نهاية تلك الكلمة العاجلة إلا أن أفعل كما كنت أفعل في الثانوي والجامعة والدموع تترقرق في عيني، وأهتف وأقول:

يحيا الشعب المصري.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠