رجاءان

كنت جالسًا على بحر المعمورة ذات مرة مع مجموعة من الأصدقاء ورنَوت إلى شاطئ المعمورة من أول سور حديقة المُنتزه؛ حيث يبدأ إلى أن ينتهي بشقق الحرس الجمهوري، ثم امتد بي البصر بعد هذا طويلًا وكثيرًا إلى أن وصل إلى شاليهَي أو قصرَي الرئيسَين الراحلين؛ جمال عبد الناصر، وأنور السادات، فوجدت أن المسافة ما بين المعمورة والشاليهَين أكبر من طول شاطئ المعمورة نفسه. وحينذاك عنَّ لي سؤال: ترى ما هي مساحة تلك الحدائق التي يقع في وسطها القصران، وكان معنا أحد كبار المسئولين عن شركة المعمورة، فذكَر لي رقمًا مخيفًا، إنها حوالي أربعمائة فدان؛ أي ضعف مساحة المعمورة! أربعمائة فدان بشاطئ أطول بكثير من شاطئ المعمورة نفسه، يعني شاطئًا يَصنع معمورتَين ولا أقل. أربعمائة فدان، أي مليون وستمائة وثمانين ألف متر مربع، وحيث إن شركة المعمورة — وهي شركة قطاع عام — تَحتسِب المتر في المعمورة، حتى البعيد عن البحر بما لا يقلُّ عن ألف جنيه، فيكون ثمن الأرض المقام عليها شاليها الرئاستَين السابقتين مبلغًا خرافيًّا ربما يتعدَّى المائة مليار جنيه. ليست كافية لتسديد ديون مصر فقط، ولكنها تكفي لإنهاض الاقتصاد المصري كله نهضة تُغنينا عن سؤال اللئيم وتُنجز مشروعات المجاري، والطرق، والمصانع، وتصنع المعجزات.

هذه المليارات العديدة مخصَّصة لاستعمال عائلتَين فقط، تَحُلان فيها ربما شهرًا أو أقل من شهر في العام ولا يَستعملان من هذه الحدائق كلها إلا ربما ملاعب التنس.

وأنا أعرف أن عائلتَي الرئيسَين لا تقلان وطنية عن أي مصري كادح يتبرَّع لسداد ديون مصر من عرق جبينه، ولهذا فإلى هاتَين العائلتين الكريمتين أتوجه بالرجاء، ومصر الحبيبة التي صنعت من عُمدائهما رؤساء وزعماء، تُعاني القحط والحاجة، لماذا لا تَقتصر كل عائلة على الفيلا التي تقيم فيها وحولها حديقة معقولة المساحة ولتكن فدانًا مثلًا، ويُباع الباقي للمواطنين مصريين أو غير مصريين أو تُقام لاستغلاله شركات مصرية أو عالَمية كما يحدث في اليونان وإسبانيا والبلاد المطلَّة على البحور والمحيطات، ويُصبح دخلها هو عماد تلك الدول والعمود الفقري لاقتصادها. إنه مجرد رجاء من كاتب، لا أُلزم به العائلتين أو أُطالب به الحكومة بشيء، إنما أعتمد في التقدُّم به على الحافز الوطني لدى العائلتَين وأصهارهما، خاصة وهم والحمد لله أناس مستورون.

أجل مِن حقنا أن نجعل عائلات الرؤساء السابقين يَحيون حياة مُحترَمة لائقة، ولكن أن نحجز لهم أرضًا مساحتها أربعمائة فدان لتَستعملاها شهرًا أو بضعة أيام كل عام فهذا هو السفه الذي لا نظير له في العالم كله.

لقد كنتُ في السويد مرةً أيام كان الملك العجوز السابق مريضًا مرض الموت، ووضعوه في المستشفى العام كأيِّ مُواطن، كل ما في الأمر أنهم حجزوا له حجرتَين، حجرة له وحجرة لمرافقه، وقامت قيامة الصحافة السويدية، حتى إذاعتها الناطقة بالإنجليزية إزاء هذا «الحدث» الرهيب. كيف يُخصَّص للملك حجرتان بينما المواطن العادي تُخصَّص له حجرة مستشفى واحدة.

وأعتقد أن كل حكومات أوروبا وأمريكا وروسيا مجتمعة لا تَستطيع حتى إذا تكاتَفَت واتَّفقت أن تصنع شيئًا كما صنعناه في المعمورة.

حتى الملك فاروق نفسه حديقة قصرَيه في المُنتزه ورأس التين لا تزيد عن بضعة فدادين.

إني أتوجه إلى أصدقائي الأعزاء الدكتور خالد عبد الناصر والدكتورة هدى عبد الناصر وعبد الحكيم وعبد الحميد، ولا أقول السيدة منى عبد الناصر؛ فهي لا تُقيم في مصر ولا تستعمل الشاليه أو الفيلا أو القصر، كذلك أنتظر من المهندس جمال السادات أن ينضمَّ لهم، ويتبنوا هذا الرجاء ويأخذوا زمام المبادرة، ومن تلقاء أنفسهم يُقرِّرون ما ذكرت، فإني أعرف تمامًا أن الرئيس حسني مبارك لن يأخذ هذا الإجراء بالعنوة أو القانون؛ فالوفاء يمنعه، أمَّا أنتم يا أولاد رئيسَينا السابقَين، فالوفاء لمصر هو الذي يجب أن يدفعكم ويهيب بكم أن تعينوا مصر في شدتها.

•••

وثمَّة رجاء آخر أتقدم به إلى المشير عبد الحليم أبو غزالة، طوال السير في طريقي إلى مصر الجديدة أسير بجوار مساحات هائلة من الثكنات، وتلك الثكنات كان قد بناها جيش الاحتلال البريطاني لتكون خارج القاهرة، ولكن القاهرة العامرة أكثر مما يجب زحفت حتى أصبحت تلك الثكنات في موقع القلب منها، ولدينا أزمة إسكان رهيبة، فلماذا لا تُنقَل الثكنات إلى الصحراء الممتدة شرقًا وغربًا، وتُقام مساكن للمواطنين الذين يَحيون في القبور وفي الأحواش وفوق السطوح المكشوفة وعشش الصفيح. لو حدَث هذا لما حلَلنا فقط جزءًا كبيرًا جِدًّا من أزمة الإسكان، ولكن لدخل للدولة عائد، يكاد وحده يُسدِّد ديون مصر الذي احترنا في تسديدها، بل ولأمكن بواسطة هذا الرأسمال الكبير أن نَستصلح مساحات شاسعة من أرضنا الصحراوية التي تُكوِّن أكثر من تسعين بالمائة من مساحة مصر، أو على الأقل نزرع الوادي الجديد كله أو نُقيم مشروعًا لمنخفض القطَّارة، أو نشقُّ فرعًا آخر للنيل، بحيث ينفتح هذا الشريط الضيق من الوادي الذي يتكدَّس فيه المصريون تكدس السردين في العلب المحفوظة.

•••

وإذا نحن تلفَّتنا حولنا ودقَّقنا لوجدنا آلافًا من المال الفاقد؛ أرضًا فضاءً أو مُساءً استغلالُها، وما ذكرته لا يتعدى مثَلَين لاحظتُهما بنفسي، وما أنا إلا فردٌ واحد، فماذا لو انتبَهْنا نحن الملايين الواعية من المصريين إلى الفاقد من دخلنا وقدرتنا.

للمرة الثالثة سأَروي هذه القصة: قال لي ذات مرة فلاح عجوز من بلدتنا: مصر يا بني مافيهاش فقر، مصر فيها قِلَّة رأي.

فلتكن قلَّة الرأي أو فقر فكر أو ما شئت من أسماء، ولكنِّي أعتقد أن العجوز كان على حق، ولا يزال قولُه حقًّا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠