سرُّ آسيا وسرنا

ليس في اليابان معجزة إذن، وليس لدينا نحن أيضًا نقص في المعجزات. وكثيرون سيقولون إن مردَّ النجاح هناك إلى ارتفاع الدخل القومي، ومردَّ هذا أيضًا إلى رءوس الأموال الأمريكية التي تدفَّقت عليها بعد الحرب، ثم إعفائها من نفقات الجيش والتسلُّح التي تمتصُّ ميزانيات الدول الأخرى. ولكن أقول لهؤلاء — مع احترامي لكل تلك العوامل — أن قصْر السبب على هذا هروب من مواجهة الحقيقة، وآن الأوان أن نتعلَّم مواجَهة الحقائق. إن الجهد البشري هو الرأسمال الأوَّل لأيِّ شعب، ومهما قلَّت الموارد فإن تنظيم هذا الجهد وتوظيفه هو الوسيلة الأولى لإقامة أي دولة وأي نظام وأي ثورة أو صناعة.

ولقد كان ممكنًا أن تَختار اليابان طرقًا أخرى كثيرة للخروج من مَجاعة ما بعد الحرب وما حاق بها مِن خَراب، وكان مُمكنًا أن تَفشل، ولأنها لم تَفشَل فلا بد أن الأسلوب الذي واجهت به هزيمتها العسكرية ودمارها الاقتصادي كان صوابًا.

لا بدَّ أنهم هناك أدركوا أن اليابان مثلها مثل أي بلد من بلاد العالم، لكي تُقيم صناعة حديثة لا بدَّ أن تفكر كثيرًا وبذكاء شديد؛ فالصناعة ليست هدفًا في حد ذاته إنما هي وسيلة أكثر فاعلية من الزراعة أو الصيد مثلًا في ازدهار الاقتصاد القومي.

وخيرٌ ألا تقوم صناعة بالمرة إذا كانت ستفشل أو ستؤدِّي إلى انخفاض الدخل. ولأن اليابان ليست في فراغ، فإن الصناعة التي ستنشأ فيها لن تقوم في فراغ وإنما ستكون قائمة داخل عالم فيه دول سبقَتْها ودول أغنى، وفيه صناعات راسخة الدعائم وغير قابلة للمُنافسة.

من أين تَنفُذ اليابان إذن إلى الوجود الصناعي العالمي في عالم مُزدحِم بالموجودين؟ كان مُمكنًا أن تفعل اليابان مثل الاتحاد السوفيتي وتبدأ بإنشاء الصناعات الثقيلة ثم الخفيفة وهكذا.

ولكن إنشاء الصناعات الثقيلة في عالم اليوم لا يُمكن أن تقوم به شركات هدفها الربح، بل حتى لا تستطيع الدولة نفسها أن تقوم بتمويله.

ثم إن الصناعة الحديثة تَعتمد على «الأوتوميشين» أو الاستغناء عن العمال وهذا شيء لا يُلائمها. المطلوب إذن هو التركيز أوَّلًا على اكتشاف نوع من الصناعة تنفرد به اليابان وتُتقنه حتى يُصبح سلعة عالَمية مطلوبة ومضمونة، وبالأموال العائدة من تصدير هذه الصناعة تبدأ اليابان تمول صناعاتها الثقيلة وكل الصناعات المُترتبة عليها.

واكتشفَتِ اليابان الترانزستور، ليس مهمًّا أن يكون مُكتشِف الترانزستور نفسه إنجليزيًّا أو أوروبيًّا؛ إذ المُهم أن اليابان اكتشفت هذا الاكتشاف، إنه الصناعة التي بالضبط نحتاجها، إذن ما هو الترانزستور؟

… على رأي صديق لنا: إن هو إلا حفنة من الصفيح والنحاس لا يَزيد ثمنها على ريال، كل ما في الأمر أنه بالجهد البشري الصبور تتحوَّل هذه الحفنة بعد ساعات وعلى يد عامل واحد إلى جهاز ثمنه عشرون أو ثلاثون ضعفًا لثمنِ المادة الخام.

إنها إذن الصناعة الأمثل؛ فاليد العاملة الدقيقة مُتوافِرة، والأجهزة لا تحتاج إلى معادن كثيرة؛ فاليابان ليس فيها أيُّ مادة من مواد الصناعة الخام، لا فحم، ولا حديد، لا بترول، لا نحاس، ولا شيء بالمرة.

إنها تَستورد كل المواد الخام، بل حتى تستورد الطعام نفسه. ليس في اليابان إلا شعب كثير تضيق به الجزر الخالية من أي شيء سوى السمك، وبضع مساحات محدودة تَصلُح للزراعة.

ولم يكن اختيار الترانزستور لكل ما ذكرته فقط، وإنما كان لعامل آخر شديد الأهمية. إنه صناعة نسائية تَستلزِم كل صبر المرأة ودقة أصابعها ودأبها على العمل الدقيق، ذلك الذي يتمثل في هوايتها لشغل الإبرة والتريكو. لهذا فلن يكون الترانزستور صناعة ناجحة فقط ولكنه — وهذا هو الأهم — سيؤدي دوره في نقل نصف المجتمع الياباني من موقع العالة على الإنتاج إلى موقع تصبح فيه المرأة اليابانية التي بقيت حتى ذلك الوقت لا عمل لها إلا إرضاء الرجل وخدمته وإحالة البيت الصغير إلى جنة يخلد إليها «السيد» المُنتِج بعد يومه الحافل الطويل، تُصبح فيه مصدرًا أساسيًّا من مصادر الطاقة الإنتاجية. صناعة تجعل الحياة تدبُّ في نصف الأمة المشلولة، تَعتدل به الحياة.

وهكذا — فجأة — تدفق على العالم طوفان الترانزستور، مطلوبًا ومرغوبًا ومنتشرًا، يكتسح أمامه كل أجهزة اللاسلكي التي أنتجَتْها أوروبا وأمريكا والتي كان لا يَقتنيها إلا القادِرون. بحيث لم يَخلُق فقط أسواقًا، وإنما خلق للراديو نفسه جمهورًا هائل الضخامة والحجم.

في قريتنا لم يكن عدد أجهزة الراديو القديمة يزيد على العشرة بأي حال. في قريتنا وحدها الآن — واحدة من أربعة آلاف قرية مصرية في دولة واحدة من عشرات ومئات الدول — أصبح فيها ما لا يقلُّ عن الثلاثة آلاف جهاز ترانزستور.

وربحت أيضًا ٥٠ مليون مصنع بشَري نسائي من عَقلية القرون الوسطى إلى القرن العشرين، جئنَ ووجدنَ، وبما حدث لهنَّ من تغيير بدأنَ يُحدِثنَ هنَّ التغيير، وبالوجه الآخر المظلم وقد أضاء، وبالوجهين معًا قفز المجتمع كله إلى الأمام قفزة لم يكن يحلم بها هو نفسه.

وهكذا بدأت تُرسي دعائم مجتمعها الصناعي الكامل، من صناعة الصلب إلى صناعة الكيماويات. وتَبنيها لا لمجرد أن تفخر بأن لديها هذه الصناعة أو تلك، وإنما بهدف محدَّد مسبق؛ أن تقدم هذه الصناعة أو تلك لتكون الأولى في العالم. لترث كل ما وصلت إليه الصناعة في الغرب أو الشرق، وتُضيف إليها شيئًا هامًّا جِدًّا يُميِّز كل منتجات اليابان، ألا وهو — مثل ديانة الشرق — قربها وتلازُمها مع حياة الناس العادية ومُتطلباتهم وبأزهد ثمن. وإنه لمذهل حقًّا أن تصبح اليابان أول دولة في العالم في صناعة السيارات، وأول دولة في بناء ناقلات البترول. حتى سويسرا التي لم يَجرؤ على منافستها أحد، ساعات اليابان تَكتسِح ساعاتها من السوق وتنافسها حتى في سويسرا نفسها.

•••

والغريب أن آخر من يستهلك الصناعات اليابانية هم اليابانيون. إن عدد من يملكون سيارات أقل من مثيله في أي بلد آخر، كذلك الكاميرات والريكوردارات. كثيرًا ما راودني ذلك التعريف الذي استوحيتُه من مظاهر التقشُّف التي تحفل بها حياة المواطن الياباني العامل، أن الفرق بيننا أنهم ناس طموحهم الأكبر أن ينتجوا السيارة من لا شيء لا أن يَمتلكوها، بينما نحن طموحنا الأوَّل أن نمتلك السيارة، وبالذات حبَّذا لو كانت من إنتاج غيرنا.

والصناعة أوَّلًا وأخيرًا إنسان.

والإنسان أوَّلًا وأخيرًا موقف من الحياة. وموقف الإنسان الآسيوي — بشكل عام — من الحياة موقفٌ جاد.

وكارثتنا الحقيقية أن موقف إنساننا من الحياة موقف هازل.

يَمتلك شعبنا خاصية غريبة لم أكن أتصوَّرها، كنتُ أناقش ذات يوم في لندن أخصائيًّا كبيرًا في اختبارات الذكاء بمستشفى «هامر سميث» حيث كان طفل مصري يُفحَص من إصابة، وحين أُجرِيَت عليه اختبارات الذكاء كانت نسبة درجاته أعلى بكثير من المُعتاد في هذه السن!

وحسبتُ الطفل نابغة أو فلتة، ولكن فوجئت بالأخصائي يقول إن هذا في الواقع هو الطفل المصري العاشر الذي يَفحصُه، وهو ليس أول الحاصلين على هذه النسبة، إنه السابع، واعتمادًا على خبرتي أستطيع أن أقول إن هذا ربما أعلى نسبة للذكاء بين أطفال العالم.

وأحسستُ بفرحة حقيقية، كان كلامه كالخبر المفرح المفاجئ، وقبل أن أعلق كان هو يهزُّ رأسه أسفًا ويقول: ولكن الغريب أن أطفالكم يظلُّون كذلك إلى حوالي الخامسة، ثم تبدأ نسبة ذكائهم في الهبوط! بينما تأخذ نسبة قرنائهم الإنجليز أو غيرهم في الارتفاع بحيث يتفوَّقون عليهم بمراحل، وتراجعت فرحتي واحتَرْت، واحتار معي هو الآخَر. ولكنَّا بالنقاش وصلنا إلى ما يُمكن أن يكون السبب؛ فحتى هذه السن يكون ذكاء الطفل مستمدًّا من مخزونه الوراثي من الذكاء، ولكنه بعدها يعتمد ذكاؤه على مدى تفاعل ذكائه الموروث مع بيئته وعلى أثر البيئة في تنمية الذكاء، تمامًا كأي عضلة تولد بقوة معينة، ولكن قوتها تبدأ تعتمد على التداريب والتمارين التي تُزاولها.

أنحن إذن نُولد أذكى؟

هذه حقيقة.

الحقيقة الأخرى لمستُها في تجوالي بين حضارات آسيا. كثيرًا ما سمعتُ ذلك التعبير يرنُّ في أذني: ألا تعرف أنك من مصر موطن أول الحضارات؟

وهذه حقيقة أخرى.

•••

والمسألة أبدًا بعد هذا ليست صدفة، وليس معنى زوال الحضارة عن شعب وتسليمها لشعب آخر أنه يرتدُّ إلى الوراء مثلًا أو يبدأ يُصبح أقل حضارة. إن زوال معالم الحضارة عن البلاد لا يعني أبدًا زوالها من الإنسان نفسه، وإذا كان الذكاء المصري هو الذي أحدث في العالم القديم ما يُشبه ثورة الصناعة والتكنولوجيا في العصر الحديث باكتشافه لأول ثورة في العالم وأول تكنولوجيا؛ الزراعة وآلاتها الزراعية، إذا كان ذكاؤنا هو أول مَن بدأ يصنع الذكاء البشري، فمعنى هذا أنه الآن أعرق ذكاءٍ وأخصبه وأطوله عمرًا.

كل ما في الأمر أن الذكاء كي يُصبح فعَّالًا يَكفي أن يكون صفة موروثة أو مُكتسَبة، إنما التحضُّر والتقدم يَصنعه الذكاء الجماعي لا التفوُّق الفَردي. نحن أول «مجتمع» ذكي عرفه الإنسان، كل ما في الأمر أن عُمر هذا المجتمع الذكي لم يَدُم طويلًا، وما لبث النظام الذي كان يُتيح استثمار الذكاء جماعيًّا أن تَوقَّف عن التطور وانفرط عقده، وأصبحنا ومنذ تلك اللحظة وإلى الآن أفرادًا أذكياء فقط. في مجتمع لم يَنجَح في تجميع هذا الذكاء واستثماره، أو بالأصح في مجتمع غبي ومتخلِّف، أطفالنا يولدون عباقرة بالقياس إلى أطفال العالم، ومفروض أن يتسلمهم نظام حياة يُنمي هذا الذكاء الفردي ويربيه ويدربه على تكوين مجتمع ذكي يعمل طول الوقت، ويطور نفسه بحيث يستطيع باستمرار أن يستوعب ذكاء أفراده، وبذكائهم الجماعي يحيا ويتقدَّم ويخترع وينتج؛ بحيث يجد الفرد الذكي نفسه في حالة صدام مع مجتمع قاصر عن استيعاب ذكائه، حيث يتحوَّل بذكائه لخدمة ذاته أو بالأصحِّ الدفاع عن ذاته وهكذا.

ولم ألمس هذه الحقيقة الغريبة بقدر ما لمستُها في آسيا. إن الفرد المصري كما قلت قبلًا، أذكى، ولكن ميزة الذكاء الآسيوي المتوسِّط أنه موجود في مجتمع ذكي، مجتمع يَعرف قيمة الذكاء، ويهيئ له كل السبل، ويعرف كيف يَخلق النظام الذي يُتيح لأذكياء كثيرين أن يعملوا معًا، أن يحدث هذا التعاون الذكائي الكامل، ذلك الذي يَصنع في الحقيقة أي حضارة أو صناعة أو حتى فن؛ وبالتالي يَصنع الإنسان ويُدربه ليكون أذكى وأذكى، بحيث يعوض بالإرادة ما افتقَدَه بالوراثة؛ بحيث يُصبح ذكاء المرء محسوبًا له، وليس كالحال هنا محسوبًا عليه، بحيث يَكتشِف في كل فرد مَكمَن طاقته وتفرُّده وقُدرته، وفي مكانها الصحيح يُجيد استخدامها.

•••

وذلك في رأيي سرُّ أي مجتمع ناجح، سر أي تقدم علمي أو صناعي أو حضاري أو ثقافي وفني، خاصةً ونحن لم نَعُد في عصر الفلتات الفردية، نحن في عصر المجتمعات الذكية، وكما بدأ العالم يَنقسِم إلى أغنياء وفقراء، فكذلك بدأ يَنقسِم إلى مُجتمعات أذكى ومُجتمعات أقل ذكاءً أو أغبى، والهوة بينها أيضًا تتَّسع، فالذكاء ثروة ذكاء، حتى القوة الفيصل فيها هو الذكاء، والجيش الأقوى اليوم هو الجيش الأذكى!

بل إنَّ التعليم ذاته لا يحلُّ المشكلة.

وجيش الفيتناميين كان مكونًا من فلاحين بعضُهم أُمِّي، ومع ذلك لأنه الأذكى فإن فرق الجيش الأمريكي الأكثر تعليمًا كانت تتساقَط في كمائنه كما يتساقَط الذباب.

ولكن الذكاء وحده ليس كل شيء؛ فبجانب الذكاء لا بد من أشياء أخرى، فلكي تلوي عنق التاريخ لا بد من عملٍ شاقٍّ.

والتصدِّي للعمل الشاق طموح إنساني مشروع.

ولكن الطموح في حاجة إلى قوة وقدرة ورصيد.

أنا لم أكن بالطبع في رحلتي إلى آسيا تلك، أنوي اكتشاف قارَّة، أو حتى اكتشاف طريقة مُختلِفة للحياة، كان كل طموحي أن أنجح في اكتشاف سر إنسان يَلوي عنق التاريخ ويقاوم. والأنظمة في آسيا تختلف من الشيوعية — وهي في قمَّتها في الصين مثلًا — إلى الرأسمالية المحضة في اليابان. ولكن مقاومة الإنسان لا ترتبط بالنظام الذي يحيا في ظلِّه؛ إذ إنه إذا أراد المقاومة يقاوم، سواء قاومَ النظام الذي يحيا في ظله ليعيش أو تضامن مع النظام ليُقاوم شرًّا خارجيًّا يهدِّد بقاءه. إن الأصل هو الإنسان، صحيح أن للنظام الأثر الأكبر في نتيجة مقاومته، ولكن ما فائدة النظام إذا قاوم النظام وحده بلا إنسان؟ نعم الأصل هو الإنسان.

وآسيا بلاد شاسعة وأهلها كثيرون، وليس كل شعب فيها يلوي عنق التاريخ ويُقاوم، ويعيش كل نظام فيها متحالفًا مع الإنسان في مقاومته، ولكن الشيء الذي لا يُمكن إنكاره أن المقاومة هناك مُعدية، وأنها تتكاثَر، وأنها خطيرة إلى درجة أننا سنَجد أمريكا بعد قليل إذا أرادت أن تستمر تعمل ضد الإنسان الآسيوي، فعليها أن تُجنِّد الشعب الأمريكي كله وتسخر إمكانياتها الصناعية كلها وتَرصُد كل مَخزونها من الرأسمال.

والإنسان لا يُولد يُقاوم؛ إنه يُولد كالصفحة البيضاء التي يتولى المجتمع ملئها بالمضمون. وحسب المجتمع يُصبح الإنسان، إذا وُلد في مجتمع يُقاوم نشأ مقاومًا، وإذا وُلد في مجتمع راضِخ نشأ كذلك، المجتمع القوي المُقاوم إذن هو ذلك الذي يَستطيع أن يصنع من أفراده مجتمعًا قويًّا مقاومًا، مثلما يَصنع المجتمع الذكي بأذكيائه.

وهذا هو سرُّ آسيا الأكبر! إنها قارة المُجتمعات، مجتمعات مُتباينة متأرجِحة بين القمة والسفح، ولكنها باستمرار مجتمعات. حتى التفرُّد والفردية ليست وليدة انفصال عن المجتمع بقدر ما هي وليدة استخدام واستعمال لهذا المُجتمع.

وإنسانها جادٌّ؛ لأنَّ مجتمعاتها جادة.

والهند خير مثال على هذا.

فالهند ليست دولة واحدة، إنها قارة بمُفردها. وليس هناك ما يُمكن أن يُسَمَّى بالمجتمع الهندي، فهو مُجتمَع مكوَّن من عديد من المُجتمعات، كل لغة تكون مجتمعًا، كل دين يكون آخر، كل طائفة، كل وحدة جغرافية، كل درجة من درجات الفقر أو الغِنى. إن الهند على عكسنا تمامًا هنا؛ فإذا كان مجتمعنا هو مجتمع التوحُّد والتوحيد، فمجتمع الهند هو مجتمع التعدُّد والاختلاف، وقد يظن البعض أن التعدُّد يؤدي إلى مجتمع ضعيف، وأن التوحيد يؤدِّي إلى مجتمع واحد قوي. ربما العكس هو الصحيح. إن التوحيد التام يؤدي إلى فقدان الخصائص المتفرِّدة، نفس الخصائص التي تؤدي بوجودها وتأكيدها إلى قوة المجتمع الأكبر، في حين أن إلغاءها في سبيل التوحيد يؤدي إلى طمس معالم التفرد والامتياز، وبالتالي إلى وحدة كوحدة المتشابهين كوحدة الأصغار.

•••

ولهذا فالمجتمع الذكي لا بد أن يكون نابعًا من وحدات أصغر ومن مجتمعات صغيرة كثيرة ذكية، وكذلك المجتمع المقاوم هو أيضًا مكون من مجتمعات كثيرة صغيرة مُقاومة.

وإنما يَكمُن عيب أي مجتمع في هذه النقطة البسيطة المحدَّدة، تلك المجتمعات الصغيرة التي منها ينشأ الفرد الواحد ومنها أيضًا وبتلاحُمها ينشأ المجتمع الكبير.

وهنا في بلادنا تستطيع أن تضع يدك على الداء بسهولة. في قرانا نحن تكون المجتمعات الصغرى هذه وتَنشأ منها، وبها تُنشئ المجتمع الأكبر. كذلك كانت مدننا في العصور الوسطى مكوَّنة من أزقَّة وحوارٍ تُكوِّن حيًّا، والأحياء تُكوِّن مدينة، والمدن تُكوِّن دولة. في العصر الحديث وحين أحدثَت الهجرة الهائلة من القرية إلى المدينة، ومن الزراعة والتجارة إلى الصناعة، فقَدَ إنسانُنا القادم قدرته على تكوين المجتمعات الأصغر، امتلأت مدننا بآلاف العائلات أو حتى الأفراد الذين لا يَربطهم رابط ولا يُسألون أمام مجموعة ولا يُحسُّون بالانتماء. ومن السهل أن يبدأ الإنسان يَفقد كثيرًا من خصائصه الأصلية حين يَنفرِط عقدُه ويُصبِح وحدَه يُفكِّر، ووحده يستهدف، ووحده يَصنع لنفسه القيم التي تلائمه، إنَّ من يفقد الانتماء يفقد الأصالة، والفرد حين يفقد خصائص مجتمعه الأصغر يفقد تمامًا خصائص المجتمع الأكبر.

هكذا نشأ لدينا المجتمع العريض الفريد في نوعه، المُكوَّن من أفراد لا يجمعهم إلا العمل مرة، أو القهوة، أو أحيانًا السكن في مكان واحد، يُنجبون أبناءً يُنشئون أفرادًا هم الآخرون، والنتيجة أن الكتلة بدلًا من أن تكون بناءً قويًّا تتفتَّت وتتسطَّح، ويُصبح في مكان البناء سطح من الرمال الصغيرة المُتراكمة، بل حتى الأشكال الحديثة للمجتمع مثل النقابات والنوادي والجمعيات نشأت في ظل استعمار لوَّثها عن عمد، وأخمد فيها الروح، وتحولت من مجتمعات جديدة مفروض أن تكون أداة الوجود والمقاومة، إلى أشكال من التجمع وظيفتها كبح جماح أفرادها واحتواؤهم وتقييد حركتهم وشلُّها ليس إلا.

نعم سرُّ آسيا الأكبر أنها لا تزال تحيا في عصر المجتمعات المحكمة الصغيرة القادِرة على التكافل والتعاون وإقامة مجتمع الدولة أو الشعب الأكبر.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠