اللامعجزة، فقط، هنا

وقفتُ أمام السَّير المُلتوي في اتجاهات مستقيمة بحيث يتضاعف طوله، سير «يجمع» أجزاء السيارة، لتبدأ به رفارف وجوانب وأبواب، وتنتهي به والسيارة كاملة، وقد رُكِّب فيها المحرك ومعدات النقل والسرعة والعجلات والفرامل والإطارات. سيارة كاملة في نهاية الأمر، في الجزء الأوَّل من التجميع يتمُّ لحام الأجزاء بواسطة ماكينات آلية، أو ما اصطلحوا على تسميتها ﺑ «الروبوت»، وهو في اللحام جهاز ضخم بارتفاع أربعة أمتار، يُشبه الفيل المدكوك في حركته، ويتحرك آليًّا بحيث تتوقَّف قمة اللحام المدببة أمام البقعة المراد لحامُها تمامًا أو بفارق لا يتجاوز الجزء من العشرة من الملِّيمتر. ويتمُّ اللحام في ومضة، يدخل مشروع الهيكل، محمولًا على السير، وتنقضُّ عليه كل مرة أربعة «روبوتات» هائلة، تَلحم معًا، وبعد أقل من ثلاث انقضاضات كتلك، يُصبح الهيكل المعدني للسيارة كله كاملًا وملحومًا، بعد هذا، يقفز عامل ياباني في خفة الفهد الصغير إلى داخل الهيكل ومعه «التابلوه» وبواسطة آلة تثبيت يثبت التابلوه بأربعة مسامير، وفي الخطوة التالية تُقلَب العربة أوتوماتيكيًّا إلى جانبها، وتركب كل معداتها السفلية، ثم تَعتدِل، ويُركب المحرك، ثم يتم إيصال المحرك بالتابلوه وبعجلة القيادة ومنظم السرعة، وفي النهاية السيارة، وقد طُليَت أجزاؤها في خطوة سابقة، جاهزة للاستعمال. كنت أقف ومعي مجموعة قليلة من كِبار زوار اليابان في العنبر نتفرَّج، والعنبر واحد من ثلاثة عنابر كبرى للتجميع، والمصنع الذي نحن فيه واحد من خمسة مصانع تَملكُها شركة نيسان في اليابان، غير أربعة أخرى تملكها في بريطانيا وغيرها، فقد بدأ الخناق يَضيق على الشركات اليابانية فأخذت تُصدِّر مصانعها نفسها.

هذا المصنع الذي كُنَّا فيه يُنتج سيارة كل دقيقة طوال الأربع والعشرين ساعة، أي حوالي ألف وأربعمائة سيارة في اليوم الواحد في المصنع الواحد. راعني قلة عدد الأيدي العاملة، كان في العنبر الكبير كله عدد لا يتجاوَز العمال العشرة، معظمهم كان يعمل في صيانة الكومبيوترات التي تُحرِّك «الإنسان الآلي»، ولاحظتُ أول علامة من علامات المزاج عند العامل الياباني؛ فقد كانوا يُسمُّون كل إنسان آلي باسم مطربة مشهورة أو مُمثِّلة مشهورة. بصراحة أول وآخر علامة مزاج رأيتها في أحد مصانع اليابان.

وقفت أتأمل …

يا ربي!

إن ما أراه أمامي ليس عملًا مستحيلًا أبدًا، لقد أُنشئ هذا المصنع بعد مصنع شركة النصر للسيارات بخمسة عشر عامًا على الأقل؛ إذ قد أُنشئ في عام ١٩٧٥، أي بالضبط منذ أكثر قليلًا من عشر سنوات، وها هو ذا ينتج ألفًا وخمسمائة سيارة يوميًّا، بينما مصنعنا أُقيم للتجميع فقط، وإلى الآن لستُ أدري بالضبط رقم إنتاجه، ولكني متأكِّد أنه أقل من مائة سيارة في اليوم. وليس الخطأ أبدًا هو خطأ فكرة إنشاء صناعة سيارات في مصر، ولا خطأ المهندس عزيز صدقي منشئ الصناعة، ولا المهندس عادل جزارين مهندس صناعة السيارات في مصر، فأكاد أقسم أن شخصيات مثل عزيز صادق وعادل جزارين قلَّ أن يوجد لها مثيل في اليابان. ولكني لا أعرف بالضبط كارثتنا الوطنية في إنشاء وإدارة المشاريع؛ فالمصنع الذي كنتُ فيه عدد عماله ثلاثة آلاف عامل، وكما قلت ينتجون حوالي ألف وخمسمائة سيارة يوميًّا، أي بمعدل أن كل عاملَين يُنتجان سيارة بأكملها في اليوم، وأعتقد أننا إذا اتبعنا هذه الطريقة في الحساب، ولستُ أدري الرقم بالضبط، ولكني قرأت مرة أن عدد عمال شركة النصر ثلاثين ألف عامل؛ أي أنهم بالمتوسِّط الياباني كان لا بد أن ينتجوا خمسة عشر ألف سيارة يوميًّا! وبعملية مقارنة بسيطة يتضح أن إنتاجية المصنع عندنا لا تكاد تُذكَر بجانب إنتاجية المصنع في اليابان، هذا عن الإنتاجية.

•••

أمَّا المصنع نفسه فلم تكن فيه أي معجزة بالمرة، فهذا السير الآلي باستطاعتِنا أن نصنع مثله في مصر، وحتى الماكينات الآلية من السهل تمامًا عمل مثلها في مصر، ولا أزال أذكر ما ذكره لي ابني سامح عن كيف أنَّ طلبة كلية الهندسة قسم الكهرباء يقومون في مشاريعهم بعمل آلات تحكُّم إلكترونية مبرمجة بحيث تتحكَّم في هذا الإنسان الآلي الضخم. حديد وصاج، لدينا مصانع حديد وصلب وصاج من أجود الأنواع، «فورمات» يَضغط عليها الصاج ويتشكل، حتى في ورش الحرفيين الصغيرة توجد أمثال تلك «الفورمات».

ماديًّا كل شيء ممكن.

وإنسانيًّا يوجد لدينا مهندسون وعمال على أعلى درجة من الكفاءة والقدرة.

إذن ما هي المشكلة؟

المشكلة هي في أسلوب إقامة وإنشاء وإدارة أي مؤسسة صناعية أو غير صناعية في مصر.

إننا نفكر في إنشاء المصنع كما لو كُنَّا نفكر في إنشاء وزارة أو مؤسسة، وبالذات لا بد أن تكون خاضعة لنفس القوانين والمواصَفات التي توارثناها من حكومات العهد العثماني إلى الآن.

نفكِّر في السلَّم الوظيفي قبل أن نفكر في السلَّم الميكانيكي، نُفكِّر مَن سيُدير مَن قبل أن نفكر ماذا سيُديرون.

أكاد من فرط زهقي واحتراق أعصابي، من فرط ما رأيت من تقدم الدنيا كلها حولنا، رأسمالية وشيوعية، عالم أول وعالم رابع، أن أؤكِّد أننا بالذات في مصر مصابون بنوع من السرطان الخبيث المتضخِّم في إدارتنا لأمورنا.

إنَّ المرض في مصر لا وجود له البتَّة في الشعب.

ولا وجود له البتَّة في الفرد مصري.

ولكن وجوده الخبيث الدائم هو في الإدارة المصرية أو الطريقة للإدارة.

إنها ليست سيئة فقط ولكنها لا بد من إبادتها نهائيًّا قبل أن تَخنقنا وتَقتُلنا؛ فقد كبَّلت وجودنا، وقيدتنا، وعرقلتنا، وإذا كُنَّا سنلقى حتفنا يومًا، فإنها حتمًا ستكون السبب.

إدارة وإدارة وإدارة، ومديرون ومديرون، ومديرون عموم، ومديرو عموم، ومفتِّشون، ورؤساء ورؤساء ورؤساء، ورأس هائل الضخامة، كرأس ذلك الإنسان الآلي الذي أراه، ولكنه لا يتحرَّك، وغير قادر على الحركة مطلقًا، بل وهو رابض فوق ساقين كعودي الكبريت هما المواطنون والشعب عليهما أن يَحملانه من الآن وإلى الأبد كما في قصة العجوز الذي تحايل على الشاب أن يَحمله لينقله من مكان إلى مكان في الغابة، وما إن اعتلى كتفَيه حتى استمات عليهما لا يريد أن يهبط!

وثمَّة قصة عظيمة كتبها الدكتور حسين مؤنس اسمها إدارة عموم الزير، هي النموذج الحي للسرطان الإداري في مصر. أكاد من فرط ما رأيت من سهولة الإدارة وانضباطها ودقتها وموافقتها التامة لمُقتضى حال الإنتاج واحتياجاته أن أصرخ في ميدان التحرير، وبالذات حيث مجمع التحرير، الوكر السرطاني لمئات الإدارات البيروقراطية الكريهة، أقول: أيها الناس، لسنا في حاجة إلى ثورة اشتراكية أو ناصرية أو ساداتية أو رأسمالية، ولسنا حتى في حاجة إلى ثورة إدارية، فيا أيتها الثورة الإدارية كم ارتُكبت باسمك أبشع الجرائم والخطايا في حق الإدارة والإنتاج.

دعونا تمامًا من كلمة ثورة.

فقد مصرنا كلمة الثورة أيضًا بحيث أصبحت تعني الفوضى الكاملة في القاموس المصري، في حين أن الثورة في مفهومها العلمي هي عمل علمي دقيق ومنظم غاية ما يكون التنظيم «لتغيير» واقع مريض إلى واقع صحيح. على هذا فهي تُشبه «الثورة» الدقيقة التي يقوم بها العلم أو الطب لعلاج مرض أو مريض.

•••

أقول بملء الصوت: نحن في حاجة إلى إدارة جديدة لأمورنا في مصر. ولنترك الآن السياسة جانبًا، والصراع حول الأغلبية، والأقلية والتزوير والتشكيك وصحُف المعارضة وصحف الحكومة، فكَمُّ الصراع في مصر هائل، وهو للأسف حول قضايا بعيدة تمامًا عن آلام المواطنين الحكومية. تمامًا مثلما كم الميكروفونات والاصطدامات باسم الدين هائل، والدين منها براء. إنَّ الداخل لمصلحة حكومية لقضاء مصلحة، الداخل إلى مصنع أو شركة إنتاج، الداخل إلى وزارة، بالذات الداخل إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون، أو بالأصح، المُراقب للخارجين والداخلين إلى مبنى الإذاعة والتليفزيون وغيره من المباني الحكومية لا بدَّ يُصاب بالهلع من كثرة الموظَّفين، وكثرة المتردِّدين، وقلة بل وندرة الإنتاج.

والمُواطن المصري محتاج إلى وزاراته ومصالحه وأجهزة حكومته في كل كبيرة وصغيرة من أمور حياته، حتى للحصول على شهادة حسن سير وسلوك، هو مُحتاج إلى شيخ مزعوم لحارة مزعومة وختم مزعوم للنسر العظيم يُتوِّج تلك الورقة ليكون مسموحًا للمُواطن بعد هذا أن يعرف بأنه حسن السير والسلوك!

فهل خُلقت الأجهزة الحكومية لتعذيبنا أم خُلقت لقضاء مصالحنا؟ الواضح للآن، ومنذ أن خُلقت، أنها أُقيمت لتعذيبنا على ذنب لا نَعرف كيف اقترفناه، وهي ماضية في تعذيبنا قبل الثورة وبعد الثورة، قبل الهزيمة وبعد الهزيمة، قبل نصر أكتوبر وبعد نصر أكتوبر، قبل كامب ديفيد وبعد كامب ديفيد وطابا، ولا يبدو أنها أبدًا ستكفُّ عن تعذيبنا!

وهي لا تُعذبنا فقط، ولكنها تقتل طاقتنا وقدراتنا، وتعرقلنا، وتجمدنا. ودعونا من اليابان؛ ففي زيارة لتايلاند، وهي دولة حين زرتُها في عام ١٩٧١ كانت أحوالها أفقر من مصر بكثير، حين زرتها هذه المرة وجدت فيها أجود أنواع المنسوجات القُطنية التي تُصدِّر منها بما قيمته ٥٠٠ مليون دولار إلى أسواق أوروبا وأمريكا. وتايلاند ليس فيها قطن ولا تزرع القطن، وإنما تستورده من الصين وغيرها وتصنعه وتغزله وتنسجه وتُعيد تصديرَه.

ونحن دولة نزرع القطن، وتغزله وتنسجه.

أرقى أنواع القطن في العالم.

ولا زلنا نُصدِّره خامًا للأسف!

ولا نُصدِّر إلا ببضعة ملايين قليلة من الأنسجة غير المصنَّعة، وحُجاجنا الكرام يَشترون الجلاليب القُطنية من السعودية من صنع الصين، جلاليب مصنَّعة ومُفصلة حسب المزاج العربي تمامًا!

والعيب ليس فينا أبدًا.

العيب في الطريقة التي نُدير بها أمورنا.

•••

في مصنع السيارات ذاك، لم أجد مشرف عمال ولا مفتش حركة ولا نائب مدير ولا كل تلك الأهرامات من الألقاب والوظائف، تكاد لا ترى للمَصنع إدارةً أو مُديرًا، إنما هو العامل، وإنتاجيته والمواد الخام لإنتاجه، والحد الأدنى من التنظيم الكفيل بتجميع إنتاج هذا إلى إنتاج ذاك، والحصول في النهاية على مُنتَج كامل، حتى السيارات الصغيرة التي تقوم بنقل الأجزاء من مكان إلى آخر، استُغنيَ فيها عن السائقين بواسطة شريط ممغنَط موضوع تحت بلاط الأرضية يقود السيارة إلى حيث يجب أن تكون!

وليس هذا هو الحال في ذلك المصنع وحده، ولا في اليابان وحدها، إنما هو الحال في كل مكان وُجدت به الصناعة أو التجارة أو الزراعة، ولا أَعتقِد أن المسألة في حاجة إلى إعجاز إداري أو ثورة إدارية أو خبراء أجانب، أو بيوت خبرة بيضانية أو غير بيضانية، لكي نُدرك مشاكلنا ونصمم الأجهزة البسيطة القادرة على حلها.

إننا فقط في حاجة إلى «رؤية» أخرى لواقعنا ولمسائلنا ولصناعتنا ولزراعتنا ولحياتنا، رؤية لم تتلوث داخل الهرم الوظيفي والبيروقراطي وتترهل وتتعفَّن، رُؤًى طازجة لا يحجب عنها الرؤية ضباب الأفكار الفقيرة والطموحات الصغيرة والقفز فوق الأكتاف.

رؤية أناس يفكرون في «حل» الأشياء وليس في إصدار القرارات.

رؤية تتعامل مع بشر وليس مع انطباق أو عدم انطباق اللوائح مع البشر.

فالمعجزة التي أراها في الدول المتقدِّمة أنه لا توجد فيها معجزات بالمرَّة.

كل ما في الأمر أن عدم المعجزة وانعدامها وحتمية أن لا توجد أبدًا وأن تُستأصل لو وجدت، هو وفقط الموجود عندنا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠