كلمتان للرئيس وللمعارضة

في عقلي وضميري كلمتان، أرجو أن يُعينني الله على قولهما. كان ممكنًا أن أتفادى هذا الموضوع الشائك، وأذهب أتحدَّث عن موضوع من المواضيع التي تَشغل بال رجل الشارع المصري (بالمناسبة هذا التعبير فيما أعتقد لم يَعُد له وجود؛ إذ إن الشارع المصري نفسه لم يعد له وجود، أقصد الأرصفة التي يَمشي أو مفروض أن يمشي عليها رجل الشارع، إنها لا توجد إن وُجدت، إلا في منطقة وسط البلد، ولا توجد إلا مزدحمة خانقة يتضارَب الناس رجالًا ونساءً وأطفالًا وصبيةً في سبيل أن يَنفذ كل منهم من ذلك المُخْتَنق البشري الذي يتكدَّس فيه المارة).

كان ممكنًا أن أتناول مشكلة من مشاكل حياتنا اليومية وأُشَرِّق وأُغَرِّب، كان ممكنًا أن أتناول مشكلة عربية وصلَت إلى نقطة بالغة الحرج، كالهجوم الإيراني على العراق وتقاعُس العرب أجمعين (لولا مصر) عن مساعَدة العراق عسكريًّا. وأنا هنا أتوقَّف حائرًا أتساءل فيما يُشبه الفجيعة: أين كلُّ هذا العتاد العسكري الذي تشتريه الدول العربية بمليارات المليارات من الدولارات، وتُكدِّسه في مخازنها، أو تُعطيه فارغ الذخيرة لجيوشها، وهو سلاح قطعًا لن يُستعمل ضد إسرائيل، وإلا لكان قد استُعمل من زمان بعيد، وبالطبع لن يُستعمل ضد أمريكا أو المصالح الغربية، صاحبته ومورِّدته ورابحة آلاف المليارات من ورائه، ففيم إذن تكديس هذا السلاح إلا للاستِعمال الداخلي؛ أي التمكين للحكم في الداخل، وضرب شعوب تلك الدول أو الصراع المسلح حول السلطة كما حدَثَ في اليمن. هو سلاح إذن استُجلِبَ للمحافَظة على الحكم من المحكومين وليس أبدًا للاستعمال ضد عدوٍّ خارجي معاذ الله، أو حتى لنجدة دولة عربية أنهكتها حرب خمس سنوات تُساوي كل الحروب التي خاضتها كل الدول العربية مُجتمعة بما في ذلك حروبنا الأربع نحن في مصر، وراح ضحيتها لا أقول عددًا من المسلمين على كلا الجانبين، ولكن عددًا من العراقيِّين العرب أكثر بكثير مما فقَدْنا في أي حرب ضد إسرائيل، أو حتى في كلِّ الحروب ضد إسرائيل.

هذه البلاد العربية التي يتكدَّس فيها السلاح تكديسًا، وعلى أحدث طراز، هذه الطائرات التي تَحفل بها أسلحة الطيران في جميع الدول العربية، وهي لو ساهمت كل دولة ببضعة أسراب لأصبحَت قوة سلاح الطيران العراقي من القُدرة والبطش بحيث تُجبَر إيران على عقد الصلح.

ولكن إيران تتوغَّل داخل الأراضي العربية العراقية، صحيحٌ أنه ليس توغُّلًا خطيرًا.

ومن المُمكن للعراق وحده أن يَجتثَّه ويقضي على الهجوم، ولكن أين هي معاهَدات الدفاع العربي المشتركة، أين هي المساعدات العسكرية العينية التي كان لا بد لكل عربي أن يُساهم بها في المعركة؟ فالعراق لا يُدافع عن أرضه فقط، ولكنه كما يقول العراقيون بحق، يَحمي جبهة العرب الشرقية من هجمة فارسية شَرِسة تتسربَلُ بمعطف الدين، والدين منها بَراء؛ فالدين لم يأمر المسلمين بقتل المسلمين أو احتلال أرضهم، لم يأمُر بإعدام كلِّ مَن يُشتبه في أمره، حتى لقد قُدِّر عدد مَن أعدمهم حكم رافسانجاني وعلي خاميني بما لا يقلُّ عن سبعمائة وخمسين ألف إيراني منذ قيام الثورة. تلك الثورة التي حين قامَت استبشرنا خيرًا، وقُلنا أخيرًا ها قد أُتيحَت لأمة الإسلام فرصة من ذهب للحكم بشريعة الإسلام وسماحة الإسلام وعدالة الإسلام، وإعطاء نموذج لحكم المسلمين يفوق في رقيِّه وتحضُّره كل أنواع الحكم الغربية برأسماليتها واشتراكيتها. وكانت خيبة أملنا مروِّعة؛ فقد انقلب الحكم الإسلامي إلى سلخانة بشرية تجتثُّ رءوس المعارضين، وتجتث رءوسَ بعضها البعضُ، وأصبح «بني صدر»، أول رئيس لجمهورية إسلامية، عدوَّ تلك الجمهورية رقم واحد. باختصار فُجعنا في كل الأحلام التي بَنيناها على حكم إسلامي حق، تمامًا مثلما فُجعنا في حكم نميري حين لجأ إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وإقامة الحد، وقطع يد سارق القروش، كستار لسَرقة ونهب الملايين ومن ألدِّ أعدائنا، نمطًا لأسوأ نوع من الحكم الفاسد العميل لإسرائيل بتهريبه قبائل الفلاشا؛ لتكون عونًا لإسرائيل على ضربنا نحن.

لا أُريد أن أطيل في مأساة إيران أو مأساة السودان، ولكن أعود إلى الموضوع وأقول: كيف تَسكُت الدول العربية والأرض العربية في العراق تُغزى وتُحتل، ولا أحد يُحرِّك ساكنًا، ولولا المساعدات العسكرية الرهيبة التي تُقدِّمها مصر للعراق الشقيق لربما اختلَّ التوازُن في القوى، حتى إن تلك المساعَدات كانت تُقدَّم في عصر الرئيس السادات، ذلك الذي انعقد مؤتَمر في بغداد نفسها؛ ليتَّهمه بما شاء له الرؤساء والملوك العرب من تُهَم، ويُقاطِعوا مصر ويفرضوا عليها حصارًا اقتصاديًّا سياسيًّا ثقافيًّا لم يَحدُث طوال تاريخ الأمة العربية. أقول …

كنت أريد أن أطرق واحدًا من تلك الموضوعات الساخنة التي تَحفل بها الساحة من حولنا، على الأقل موقفنا من المناورات الأمريكية القائمة على حُدودنا في خليج سرت، وعدم احتجاجنا — على أقل الفروض — عليها، مجرَّد احتجاج حتى لو كان المقصود بها ليبيا ونظام حكمها، فليبيا أرض عربية غنية ذات شعب مَحدود العدد، ونحن حُماتها الطبيعيُّون مهما أسرفت القيادة الليبية في معاداتنا وطرد عمالنا.

أقول …

كنتُ أريد أن أتناول موضوعًا من هذه المواضيع.

ولكني لم أستطع.

فالنظر إلى الخريطة الداخلية المصرية طوال الأسابيع الماضية أورثني حسرةً لم أجد بُدًّا معها من أن أقول الكلمتَين اللتَين فرَضَتا نفسيهما على عقلي وقلبي وقلمي.

وأُولى تلك الكلمات إلى الرئيس حسني مبارك.

لقد لمحتُ في تصريحاته ومؤتمراته وأحاديثه المحدودة لهجةَ ضيق شديد بما تقوم به المعارضة من تهييج للرأي العام؛ فكلُّ صحيفة معارضة عبارة عن نقْد شديد واتهامات موجَّهة إلى بعض أجهزة الحكم وإلى سياسته، من أول كلمة إلى آخر كلمة.

والرئيس إنسان، يَضيق بالنقد مثل أي إنسان آخر، وقطعًا لو كان إبراهيم شكري أو خالد محيي الدين أو فؤاد سراج الدين أو عمر التلمساني في موقفِه وجاءته صحُف المعارضة في الصباح وقرأ كل هذا الذي يُكتَب فيها لانتابته حالة غضب؛ فالواحد مِنَّا يغضب إذا وُجه إليه أو لعمله نقد على مستوى محدود جِدًّا، فما بالك والنقد لا يترك كبيرة ولا صغيرة إلا أوردها من أول أي خطأ في محافظة قنا إلى مجاري الإسكندرية. وصحيح أن كثيرًا من الانتقادات لها ما يُبرِّرها، ومعظمها صحيح في حدِّ ذاته، ولكن «منظر» الصحيفة المعارضة يَبدو مغيظًا لأي رئيس أو حاكم. وقد كانت الحكومة المصرية — كما قال بحق الأستاذ مصطفى أمين — سيئة الحظ خلال الشهور الثلاثة الماضية؛ فقد توالت الحوادث والنكبات بطريقة وكأنما دبرها شيطان رجيم، فمن أول الغارة على تونس إلى خطفِ الباخرة الإيطالية، إلى خطفِ الطائرة المصرية، إلى حادث سليمان خاطر، إلى وفاته، كله وراء بعضِه البعض، وكله مجال بارح لأشد أنواع النقد والانتقاد. ثم جاءت حكاية شقيق رئيس مجلس الشعب وبقية عصابة النقْد لتُضيف حطبًا جديدًا إلى النار الموقَدة، مما جعل المعارضة تعيش «أمجد» أيامِ نَقدِها ومعارضتها.

وغضب الرئيس، ولم تخلُ غضبته من لهجة تهديد لهؤلاء الذين في رأيه «يُريدون أن يُفشِلوا التجربة الديمقراطية ويُصبح بعدها الخيار مخيفًا مخيفًا.»

وللرئيس، وقد حدَث هذا كله، واستغلَّته صحف المعارضة إلى آخر قطرةٍ إثارةً ونقدًا، أن يغضب.

ولكني لست مع الرئيس في غضبه.

فمعظم الأحداث التي تدينها المعارضة ليسَت من صُنعِه، ولا بعلمه، وتمَّت من أجهزة كان يثق فيها وخانَت ثقته، فلماذا يَحمل الرئيس خطايا غيره وكأنه المسيح يُريد أن يحمل خطايا كل رجالات الحكم، وهذا شيء لا يستطيع بشر واحد أن يتحمَّله. لماذا لا يُحاسَب كلُّ مخطئ على خطئه، ويُدان، مثلما حدث في قضية عصابة النقد. إنَّ الحكم الذي صدر بالأشغال الشاقة على أربعة من كبار رجال المال، والقضية المقدَّمة الآن للمحكمة وفيها كبار رجال الصناعة بتهمة اختلاس خمسة ملايين ونصف من الجنيهات، هذه الجرائم لا علاقة لها بالرئيس من قريب أو بعيد؛ فالرئيس لا يستطيع أن يأمُر الناس جميعًا أن يكونوا شرفاء، فيكونوا شرفاء. إن الضعف البشري كامن في النفوس، كل النفوس، بعضُها يستطيع أن يَقوى عليه، وبعضها يستجيب لهذا الضعف ويُوسوِسُ له شيطان الثروة والرشوة واستغلال النفوذ ويُجرم، فماذا يُغضب الرئيس في أن تَكشِف المعارضة عن هذا، وفي أن يُقدَّم هؤلاء المجرمون للمحاكم ويُحكم عليهم؟ بالعكس، إن ما حدث ويحدث ليس دليل ضعف الحكم، بل أكبر دليل على قوَّته واقتداره ونظافة قيادته، إنه سند للرئيس، وليس سهمًا موجَّهًا ضده. إن المعارضة هنا تعمل كما لو كانت مُفتِّشًا عامًّا للشعب المصري، تبحث وتُنقِّب عن أوجُهِ الفساد والأمكنة المُستَتِرة للبعض منه وتَكشفُها للناس، وأيضًا، وهذا هو الأهم، تكشفها للرئيس وأجهزة القضاء المَعنية؛ بمعنى أنَّ المعارَضة هنا وسيلة تنظيف وكشف للمَساوئ المخبوءة، حتى لو أخذت تلك الوسائل شكل التَّشهير، فهي لا قدَّرَ الله لا تُشهِّر بمؤسسة الرئاسة، ولكنها تُشهِّر بأناس يَستحقُّون التشهير فعلًا، وإذا ثبَت أن تشهيرَها كاذب فإنها تُقدَّم للمحاكمة ويُحكَم على بعضها بالإدانة والغرامة.

وهذه هي العملية الديمقراطية كما يجب، وكما لا بد أن تكون عليه. نفْس العملية التي دفعَت هيزلستين وزير الدفاع البريطاني — وهو عضو بارز في الحزب المحافظ الحاكم — إلى كشفِ صفقة وستلاند ومعارضتُه رئيسةَ وزرائه معارضة بالغة العنف. إن كشف هذه العملية، ومن عضو وزارة حاكمة، أفاد الشعب البريطاني بأَسرِه؛ فقد كان فرصة هائلة لكشف الحقيقة عن هذه الصفقة المستورة التي كانت تُدبَّر في الخفاء، وبالتالي كان الطريقة الوحيدة لمعرفة الحق والحقيقة وإطلاع الناس والمساهِمين على ما فيه خير لهم وخير لبريطانيا.

أجل، تلك هي العملية الديمقراطية التي اقتضَت وجود حكومة ومعارضة، حتى لا ينفرد أيٌّ من الطرفين بالحكم ويعيث فيه فسادًا دون أن يجد أحدًا يعترضه أو يُقدِّم أدلة على سوء أو خطأ قصده.

وكنتُ أرجو من الرئيس أن يكون أول من يفرح بهذا الجهاز المُفتِّش الكاشف، جهاز المعارضة؛ لأنه يسعى معه إلى تنظيف الحكم، وإلى أن يكون النظام نظام طهارة وقدوة ووسيلة توجَّه إلى الأحسن والأكمل والأكثر تقدُّمًا وشرفًا.

•••

الكلمة الثانية أُريد أن أوجهها إلى المعارضة.

لقد تتبعتُ كل عدد من كل جريدة معارضة صدرَت إلى الآن، وحضرتُ كثيرًا من الندوات التي قامت بها الأحزاب، ولي عدة ملاحظات أرجو أن يتَّسع صدر إخواننا المعارضين لها.

للآن لا تزال صحف المعارضة صحفَ إثارة مشاكل وقضايا ونقْدٍ لأشخاص في الحكم أو خارجه. والحزب المعارض لا يقوم لمجرَّد أن يَنقُد الحكومة في تصرفاتها أو رجال الحكم أو الأجهزة في مناصبهم وحتى في تصرفاتهم الشخصية.

هذا جانبٌ واحد من جوانب المعارضة، لعلَّه أتفه جانب.

أمَّا الجانب الأهم فهو أن الحزب المعارض يقومُ ليُعطي «رؤية» مختلفة عن رؤية الحكومة لحل مشاكل الشَّعب، رؤية مُتكامِلة منظرة، مدعومة بالإحصاءات والدراسات والأرقام؛ بحيث حين تقرؤها جماهير الشعب تَقتنِع بها وتُفضِّل برنامج ذلك الحزب عن البرنامج الذي تُنفِّذه الحكومة أو تتبناه. بهذه الطريقة، وبهذه الطريقة وحدها، يصل الحزب المعارض إلى الحكم بناءً على برنامجه وليس بناءً على أشخاصه، بناءً على ما يُقدِّمه من حلول لمشاكل شعبنا وليس بناءً على ما يكيله من نقد إلى الأجهزة الحاكمة الحالية؛ فالنقد مهما عَلا أو انخفض نقد، ولكن الأهم من النقد هو تقديم «المسطرة» التي يقيس بها الشعب تصرفات الحكومة، ويقول هو — الشعب — هذا خطأ وهذا صواب. بمعنى أن دور المعارضة أن تُعلِّم الشعب وسيلة أخرى لرؤية المشاكل وللتَّفكير في حلها.

ولقد كنتُ أفرح حين أقرأ في الأهالي مثلًا رؤيةً ناقدة خلاقة لمُشكلة التعليم في مصر، وكنت أفرح وأنا أقرأ في الوفد تاريخ الوفد مع الجامعة العربية ومع الوحدة العربية، فهذه كلها أشياء طمَسها التاريخ. وأنا أفرح الآن بجريدة الأحرار؛ لأنها تُعيد فتح ملفات الجاسوسية الإسرائيلية تجاه مصر والبلاد العربية. وكذلك «الشَّعب»، هذه البحوث الاقتصادية التي كان قد بدأها عادل حسين، ومقالات أستاذنا الكبير فتحي رضوان التي تُوسِّع من آفاق المواطن المصري، بل وأحيانًا تخرج عن واقعنا لتُطلِعه على رؤية لعالَمنا العربي والإسلامي، جديدة أيضًا، ومعلِّمة، ومفيدة.

ولكن هذا كله لا يكفي. إن الأحزاب ليست جرائد ومقالات وأخبارًا مثيرة. الأحزاب أسلوب الشعب لحكم الشعب بواسطة برامج تتقدَّم بها الأحزاب وتُبرز بها برامج الحكم القادم، الأحزاب مدرسة يتعلم فيها الشعب كيف يزاول السياسة، وكيف يفكر سياسة، وكيف يَحكُم سياسيًّا وليس إثاريًّا أو تشنيعيًّا على عمل أو جريمة. الأحزاب هدفها باستمرار تحليل الحادث الفردي للوصول به إلى الظاهرة العامة، وبهذا يَرتفِع من حادث فردي إلى رؤية سياسية تُعلم الشعب كيف يرفع حتى مشاكله اليومية إلى المستوى السياسي الذي بدونه لا يكون ثمَّة حل.

ولست في مجال محاضَرة — عفوًا — أُلقيها على الأحزاب السياسية في مصر عن كيف تكون الأحزاب، ولكنَّها مجرد كلمة أقولها للمعارضة؛ لأن لي رؤيتي الخاصة للوضع في مصر، وهو أننا نمر بمرحلة في تاريخنا من أدقِّ المراحل وأحرجها، ونكاد نكون مَمسوكين من «زمارة رقبتنا»، وللخروج من هذا المأزق الوجودي الخطير، لا أجد مخرجًا آخر إلا بأن تضع المعارضة يدها في يد الرئيس مبارك. فالرجل إلى الآن، يَعتقِد أن الاستقرار، حتى ولو هناك بعض التجاوزات، هو الطريقة الوحيدة للخروج من المأزق، في حين أني أرى أن الاستقرار الحقيقي لا يتمُّ إلا باجتثاث جذور الفساد، وتغيير المُفسِدين، ليكون الاستقرار حينذاك على نظافة، وعند هذا فقط يلتئمُ الجرح، وتتمُّ شفاء أزمات واختناقات وجودنا.

أجل، لنضَع جميعًا يدَنا في يدِ الرئيس؛ فلقد قرأت مقالة أخيرة للأستاذ حسن دوح، وقد كان زعيم الجامعة ونحن طلبة، وكان من الإخوان المسلمين، وكنا نُزوِّغ من المحاضرات في كلية الطب ونعبر النيل لنذهب نستمع إلى خطبه في الجامعة وفي كلية الهندسة. هذا الزعيم السابق للطلبة الذي يقول عن نفسه إنه تجاوز الستين ولم يَعُد له من مطمح في الحياة لا منصب ولا جاه ولا طموحات فردية كثيرة أو صغيرة، كتب مقالًا دعا فيه إلى أن نلتفَّ حول مبارك؛ فالبديل عنه مخيف مخيف، وأنا مع الأستاذ دوح في هذا قلبًا وقالبًا.

وأعتقد أننا كلما التفَفْنا حوله — لا أقول إننا سنَكفُّ عن النقد ولا حتَّى عن الإثارة — ولكن سنأخذ ذلك الرئيس العفَّ اليد الوطني المُخلص إلى جانِبِنا ضد الفساد والمُفسدين. ليكن مبارك سلاحنا لمُقاوَمة الفساد وإخراجنا من عنق الزجاجة، ولن يحدث هذا إلا إذا أحسَّ وتأكَّد أننا معه ولَسْنا ضدَّه، وأننا كلنا في مركب واحد، إذا غرقَ غرقنا وإذا غرقنا غرق، وبهذا تطمئنُّ مِنَّا القلوب، قلبه وقلوبنا، ونتكاتَف معه من أجل إنقاذ أنفسنا؛ فنحن حقيقةً وصدقًا في خطر ماحق، والمخرَجُ صعب، وهو لا يُمكن أن يَحدث بمعزل عن تكاتُف حقيقي صلب بين عناصر المعارضة الوطنية الصادقة وبين ذلك الرئيس الذي أعتقد أنه لا يقلُّ صدقًا أو وطنيةً عن أيٍّ مِنَّا، كل الفارق أن يده هي التي في النار، وأن الضغوط عليه ثقيلة وخانقة ولا يجب أن نُضيف إلى ضغوطه ضغوطًا من عندنا، بل يجب أن نُوجِّه ضغوطنا إلى من يَضغطون عليه ومن يَنصِبون له الشراك ومن يودُّون التخلُّص منه ليخلوَ لهم جو التبعية والعمالة بل والخيانة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠