أعصاب النبات

إلى عهد قريب جِدًّا كانت معلوماتنا عن النبات تندرج تحت اسم «علم النبات» أو اﻟ BOTANY وكانت تقتصر على دراسة أنواعه وأشكاله الظاهرية، وتشريحه الداخلي، ودراسة خلاياه وما فيها من كروموسومات الوراثة والتلقيح … إلخ إلخ، بمعنى أننا كنا ندرسه كما لو كان كائنًا حيًّا، هذا صحيح، ولكنه يقع في مرتبة أدنى من الحيوان، وأرفع من الجماد، كما لو كان موضعه في قاع الحياة.

ولكن في السنوات الأخيرة جِدًّا بدأت تطرأ على فهم البشرية للنبات معلومات هامة وجديدة تمامًا؛ فقد اتضح مثلًا أن النبات يحسُّ تمامًا مثل يحسُّ الإنسان والحيوان، وأنه يستجيب للمؤثِّرات الخارجية، حتى للموسيقى يستجيب، ومعنى هذا أن داخل النبات جهاز عصبي وإحساسي لم يكن الدارسون الأوائل والمشرِّحون للنَّبات قد اكتشفوه، بل هم — بعد — لم يَكتَشِفُوه إلى الآن.

والحقيقة أني أدين ببداية اهتمامي بالنبات إلى زوجتي كهاويةِ نبات من الدرجة الأولى، وإلى الصديق راجي عنايت الذي قام بترجمة عدة كتب هامة جِدًّا عن النبات أنصح القُرَّاء بالبحث عنها وقراءتها، فسوف يُذهَلون من كمِّ المعلومات الجديدة التي توفَّرت لدى الباحثين عن المملكة النباتية. أدين لزوجتي لأنها بدأت تربي في شقتنا نباتات، كانت ترعاها بعناية شديدة، وتسقيها بنفسها، وتمسح أوراقها وتقتطع المصفرَّ منها والذي مات، ولاحظت أنا أن تلك النباتات — ومعظمها نباتات ظل — تزدهر بهذه الرعاية وتَكثُر أوراقها ويزدد اخضرارها.

وحدث مرة أن سافرنا سفرة طويلة استغرقت شهرًا، وكان همُّ زوجتي الشاغل هو من سيرعى هذه النباتات. واتَّفقْنا مع قريبة لنا أن ترعاها وتسقيَها كل ثلاثة أيام مرة كما تعوَّدت زوجتي أن تفعل.

وكانت المفاجأة الكبرى أننا حين عُدنا وجدنا معظم النباتات إما ماتت أو هي في طريقها إلى الموت والجفاف، وكادت زوجتي تبكي لما حدث، وسألنا القريبة فقالت إنها كانت دائمًا مواظبة على الحضور والعناية بالشجيرات بالضبط كما أفهمتها زوجتي.

وحينئذٍ أدركنا أن سبب ذبول النبات ومواته يَرجع إلى أنه تعوَّد على أن ترعاه زوجتي، بحيث حين جاءته الرعاية من إنسانة أخرى ذبل ومات.

وهالني الاكتشاف حقًّا.

أيكون لدى النبات القدرة على أن يفرق بين إنسان وإنسان، وبين رعاية ورعاية، أيملك هذه الطاقة الإحساسية التي لا تتوفَّر إلا للكائنات العليا؟

ولم يكن هذا كل شيء.

فصديقات زوجتي — من كثرة ما كانت تُحدِّثهم عن النباتات — قلدوها واشتروا من نفس المشاتل، نفس الأنواع من النباتات.

ولكن، حدث العجب!

فقد ذبلت النباتات عند كثيرات منهنَّ وماتت.

ولاحظنا أن الذبول حدث للنباتات التي كانت لدى العاقرات منهنَّ أو «النمامات» أو من لا يَحملن في قلوبهن حبًّا كثيرًا للناس، بينما السيدات الطيبات الحنونات، ازدهر عندهن النبات، وأفرخ أوراقًا وخُضرة.

وهنا أيضًا أدركنا عن النبات حقيقة لم نكن نَعرفها. إنَّ النبات «يحسُّ» عواطف الإنسان أو الإنسانة من الداخل، ولا تصلح الرعاية الخارجية أو العناية في جعله ينمو ويزدهر، إنما هو يحسُّ باطن المرء ويَنفعِل ويتأثر به ولا يُخدَع بالمظاهر مطلقًا.

وفي قريتنا لنا بضعة فدادين ورثناها عن أبي، وبيتُنا يقع في وسط هذه الفدادين، وكان يزرع أرضنا فلاحان: إبراهيم وعبد المجيد، وكانت الزراعة قطنًا، نفس الأرض ونفس التربة ونفس الخدمة، ولكن قطن إبراهيم كان محصوله ضِعف قطن عبد المجيد، وكان هذا يحدث كل عام، وبطريقة تدعو فعلًا للاستغراب.

وكنتُ ذات يوم واقفًا أستمتع بمنظر القطن الأخضر، تلك المساحة الشاسعة من الشجيرات، وكان إبراهيم يجوس خلال القطن وقد انحنى. كان الحقل بالنسبة لي مساحة هائلة من الخضرة لا أكثر، فنادَيتُ على إبراهيم وسألته عما يفعل، فقال إنه يعتني بشجرات القطن ويقلب في أوراقها لتُواجه الشمس. وهنا سألته: أمعنى هذا أنك تعرف خطوط القطن خطًّا خطًّا؟ فقال: بل إني أعرف كل شجرة من أشجار الفدادين الأربعة التي لا بدَّ تتجاوز عدة آلاف، وأعرف أن تلك في حاجة إلى سماد أكثر، وتلك معوجَّة ولا بد من عدلها، وتلك لم يَطلْها الماء وفي حاجة إلى ري.

وهنا فقط عرفتُ سرَّ تضاعف محصول إبراهيم.

•••

المحير للعلماء للآن أنهم لا يعرفون بالضبط كيف «يحسُّ» النبات، فهو لا يملك كما قلت جهازًا عصبيًّا مُطلَقًا، أو إن كان يملك جهازًا عصبيًّا فلا بد أنه جهاز خاص، لا يُرى، حتى بالميكروسكوب، وأنه من نوع غريب مختلف عن الأجهزة العصبية للحيوان وللإنسان، وكأن خلاياه توصل الإحساس لبعضها البعض عن طريق إفراز مواد كيماوية تشعر بالخطر أو تستجيب للرعاية أو الموسيقى أو حتى للجو، وتقوم مقام الأجهزة العصبية المعقدة بما فيها المخ في بقية المخلوقات.

وكأن هذا كله لم يكن غريبًا عليَّ، فمنذ أكثر من عشرين عامًا فكَّرتُ في كتابة قصة عن طفل شريد لم يجد مأوًى له إلا شجرة من أشجار أم الشعور التي يُوجد في سيقانها فجوات تسمح للإنسان الصغير أن يتَّخذها ملجأ. وهذا ليس شيئًا جديدًا، أمَّا الجديد في القصة فهو أني في ذلك الوقت المبكر، وقبل أن أعرف عن النبات هذه الخواص الفائقة الحساسية، فكَّرتُ أن الشجرة ستُحس بالطفل الشريد وتدفئه وتُصبح له مثل الأم، وفعلًا وفي العام الماضي فقط كتبت القصة وأسميتها: «أُمُّه»، ونُشِرت في الأهرام.

•••

من أجل هذا أرجوك أيها الصديق القارئ، كلما رأيت شجرة، أو شجيرة، أو حتى نباتًا شيطانيًّا، أن تدرك أنك أمام كائن حي يُحس، وينفعل، بل ويكاد يراك رؤيا العين، وليس رؤياك من الخارج فقط، وإنما ما تَحفل به نفسك في داخلها من خير أو من شر، من حبٍّ أو مِن كُرْه.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠