ضحك الجنازات

قرأتُ الحديث الذي أجراه ابننا الصحفي الشاب بهاء صلاح جاهين في الأهرام مع الأستاذ العميد الدكتور لويس عوض. كان أهم محتويات الحديث أن الدكتور لويس عوض ينعي في رثاءٍ جليل حركة الكبار في الأدب العربي، وعلى رأسهم أستاذنا الكبير توفيق الحكيم، وعمنا المُبدِع نجيب محفوظ، وشيخ طريقتنا القصيرة يحيى حقي، وكاتب هذه السطور. كذلك لم يَسلم كبار نُقادنا — ضمنًا من النعي — الناقدان الكبيران الدكتور عبد القادر القط، والدكتور علي الراعي.

وقال الدكتور لويس عوض فيما قال: إنه جيل — يقصد هؤلاء جميعًا الذين ذكرتهم — قد انتهى بحلول النكسة أو الهزيمة عام ٦٧، ولم يَعُد لديه شيء يقوله أو يبدعه، وإنه هو شخصيًّا قد مل الكتابة والكلام وفرغت جعبته. والحقيقة أني كنت قبلها بليلة قد فرغت من قراءة كتاب الصديق الموهوب أحمد رجب «كلام فارغ»، وهو كتاب من أعظم ما قرأت خلال الأعوام الماضية، لا لأنه يحتوي على كنوز معرفة غالية، ولا لأن حكمة الكون كله قد تلخَّصت فيه، ولكن لأن أحمد رجب نموذج فريد في الكتابة الساخرة، وإذا كان الكاتب الذائع الصيت «أرت بو كوالد» قد ابتدع طريقة أمريكية فريدة في السخرية خاصةً من الرؤساء الأمريكيين وزوجاتهم — أثناء حكمهم بالطبع — محتويًا في جعبته جدَّه الروحي «مارك توين»، وحتى «شارلي شابلن» كمؤلف، إلا أنها طريقة أمريكية فيها سُخرية ذكية ذكاء العواجيز الخُبَثاء. أمَّا صديقنا أحمد رجب فهو ساخر مصري أصيل، رُوحه من روح عبد الله النديم، وأسلوبه فيه رشاقة الكاتب العبقري الساخر المرحوم محمد عفيفي، فيه نكتة محمود السعدني الفاقعة في مصريتها وطول لسانه، فيه لمسة صلاح جاهين الكاريكاتيرية وتلامذته من رمسيس إلى الليثي إلى محمد حاكم … غير أن ميزة أحمد رجب الكبرى هي في نهايات «نصف كلمة» التي يَكتبها. إنه دائمًا يُجهِّز لك قنبلة مسيلة لدموع الضحك في آخر كل فقرة يكتبها، وهي قنبلة لا تَقتُل ولا تجرح، ولكنها تدفعك حتى للتأمل وكأن فيها كل الحكمة. كنت في الليلة التي قبلها قد انتهيت من قراءة الكِتاب، واستنفدتُ كل طاقتي من الضحك بيني وبين نفسي أوَّلًا، وبصوتٍ عالٍ يكاد يُوقظ من في البيت. وحين طويت الكتاب ووضعته جانبًا، قلت لنفسي: ها أنا ذا قد ضحكتُ بما يكفيني شهرًا بأكمله.

ولم أَكُن أتصوَّر أني — في اليوم التالي مباشرةً — سأَضحك وأنا أقرأ حديث الدكتور لويس عوض كما لم أضحَكْ في حياتي.

وأنا أعرف صديقًا لديه عادةٌ غريبة، هي أنه ما إن يدخل سرادقًا للعزاء حتى لو كان الميت أعزَّ أقربائه، حتى تنتابه موجة ضَحك عاصفة، ولهذا لا يذهب للعزاء أبدًا إلا وهو يتلفَّع بكوفية يلفُّها حول نصف وجهِه الأسفل حتى لا تَحدث مأساة من جراء ضحكِه على هذه الصورة.

أنا أيضًا وجدتُ نفسي في هذا الموقف لدى قراءتي الجنازة التي أقامها الدكتور لويس عوض «لجيلنا» ولنفسه، فقد وجدت نفسي أَنفجِر وأضحك وأضحك حتى كدتُ أختنق.

والدكتور لويس عوض ليس أستاذي فقط، ولكنه صديق عمري، عرفتُه منذ عام ١٩٥٣، ولا أزال أحبه وأودُّه وأحتفلُ به وبكل ما يقول، وكأن اثنين وثلاثين عامًا لم تمرَّ على معرفتي به. ولكن هناك شيئًا لا بد — لكي أكون صادقًا مع نفسي — أن أعترف له أمام القراء بشيء؛ ذلك أني في مبدأ الأمر كنتُ آخذ الآراء المتطرِّفة التي تبدأ تتدفَّق من قريحته بعد أن «يسخن» تفكيره، كنتُ آخذها مأخذ الجد وأحتدُّ عليه، ويحتد عليَّ، وننخرط في خناقة فكرية ما أنزل الله بها من سلطان. ولكني جربتُ مرة ألا أنفعل بل أكثر من هذا أن «أتفرَّج» على آرائه وألا أندمج في الرد عليها، وكانت النتيجة أني بدأتُ بدل أن أغضب أن أبتسم، بل أن أضحك، بل أحيانًا أضحك كثيرًا وأحيل الموقف كله إلى موقف كوميدي صارخ.

وبالطبع هذا لا يحدث في كل الأحوال، ففي الغالب آخذ حديث الدكتور لويس عوض مأخذًا جادًّا عميقًا — حين يكون الأمر كذلك — أمَّا حين يتطرف ففي الحال أقلبها ضحكًا.

ولقد أضحكني الحديث.

وبدأت الضحك بقوله «جيلنا» مُسبغًا عليَّ شرف الانتماء إلى جيل توفيق الحكيم (٨٧ سنة) ونجيب محفوظ (٧٤ سنة) وزكي نجيب محمود (فوق السبعين) والدكتور حسين فوزي (٨٨) وكلهم أطال الله في أعمارهم جميعًا في سموق أشجار الكافور على شطِّ نيل الجيزة، جذورهم ضاربة في تربة مصر منذ العشرينيات حين بدءوا الكتابة حين كنتُ أنا لا أزال في علم الغيب، حيث وُلدت عام ٢٧، وبدأت الكتابة عام ٥٠، بينما هم عمالقة كبار بالكاد أَصلُح تلميذًا لهم. أضحكني هذا الشرف الذي أسبغه عليَّ الدكتور لويس مثلما كان صديقي الأستاذ محمد عودة أسبغ عليَّ نفس الشرف، ويقول إن أبي رحمه الله قد قيدني في شهادة الميلاد بعد مجيئي بعشر سنوات حتى يتجنب أن أدخل «القرعة» في سن صغيرة.

ثم حين أوغلتُ في المقال — الجنازة — انتابتْني تلك الموجة الأخرى من ضحك الجنازات؛ فالدكتور لويس يبدأ بإصدار حكم باتر لا نقضَ فيه ولا إبرام — إنه انتهى منذ حاقت النَّكسة بمصر — وكذلك انتهى معه ما سماه جيلنا واحدًا واحدًا بما فيهم العبد لله.

ضحكتُ لأنه منذ عام انتهاء الدكتور لويس عوض عام النكسة عام ٦٧ والدكتور لويس قد أبدع وأنتج أهم مؤلفاته على الإطلاق، كتابه المحيط عن اللغة العربية، ذلك العمل الخلاق الذي سيبقى ما بقيَت اللغة العربية، كتابه عن أعمدة الناصرية السبعة، كتابه عن جمال الدين الأفغاني، وذلك الذي أثار من الضجة وكُتِب عنه عدد من المقالات. ورغم أن معظمها كان نقدًا متحيِّزًا يعادل ما كُتِب عن كل الكتب التي طُبعت ونُشرت في تلك الحقبة. ثم على أثر خلاف حول النشر في الأهرام، فجأة قرَّر الاستقالة من الأهرام، واتخذ له مكتبًا في شارع الهرم وراح يقوم فيه بصناعة ثقيلة للحركة الثقافية ولا يزال بكل همة، ينشط ويعمل.

بمعنى أن ما أنتجه لويس عوض — بعد ما انتهى حسبما يقول — يُعادل إن لم يتفوق كثيرًا على إنتاجه قبل أن ينتهي وقت النكسة، فلماذا هذا المَعزى الكبير لينصبه لنفسه ولنا.

وإذا أخذنا بقية الجيل فستجد ما أنتجه الدكتور زكي نجيب محمود خلال السبعينيات فقط يُعتبَر في رأيي أهم كتبه على الإطلاق. أمَّا الأستاذ نجيب محفوظ فله كل عام رواية أو أحيانًا روايتان، وتُعتبَر رواية الحرافيش أو ملحمة الحرافيش في رأيي عملًا يرقى فوق مستوى العالمية، ويكفي أن يكتب كاتب في حياته عملًا واحدًا كملحمة الحرافيش ليَخلُد أبد الدهر. و«دي سيرفانتس» لم ينتج إلا رواية واحدة عظيمة هي دون كيشوت، و«دانتي» أنتج الجحيم، وأنشأ بها فنَّ الرواية الإيطالية ولغتها، وكذلك «جوته» في فاوست، ونجيب محفوظ لم يتوقَّف، وإنتاجه من ناحية الحجم والانتظام أكثر بكثير من إنتاج أيٍّ من «تولستوي» و«دستوفسكي».

فلماذا هذا الحكم بالإعدام يا أستاذ؟

أمَّا إذا تركنا جيل الكبار هؤلاء وجئنا إلى الجيل الحائر؛ جيلي، فإنتاجه أيضًا لم يتوقف. فكتابة المقالة اكتسبت خصائص القصة، وكتابة القصة حفَلَت ببعض سخونة المقالة، وربما يكون ما أكتبه في الأهرام نوعًا جديدًا من «الأوتشرك» على رأي أستاذنا المرحوم الدكتور مندور. ورغم ذلك أيضًا لم أكفَّ عن كتابة القصة، فقد أصدرت منذ «بيت من لحم» مجموعتين من القصص: «أنا سلطان قانون الوجود» و«اعقلها وتوكَّل». ورغم المأساة التي تحياها الحركة المسرحية كتبت ما أعُدُّه في رأيي أهمَّ مسرحيةٍ كتبتها على الإطلاق، وهي مسرحية «البهلوان»، تلك التي لم ترَ النور للتسوُّس الذي حدث لمسرح القطاع الخاص والعام على حدٍّ سواء والقائمين عليه.

إذن هذا الجيل الذي حكمت عليه بالفناء رغم أنه في السن التي يجب أن يئوب فيها إلى الشيخوخة الجميلة والتأمل الأعمق للحياة، ولا يَزال ينتج ويبدع ويناضل ويخوض المعارك كأي كادِح شاب.

ولو كنتَ مثلي يا دكتور تتلقَّى إنتاج الشبان الجدد، كل عام شبان جدد موهوبون خلاقون يكتبون ويصرفون على ما يكتبون لكي يطبعوه ويوزعوه بأنفسهم، وهو إنتاج عالي المستوى تمامًا، أيُّ قصة منه حتى لو كانت لمبتدئ تفوق ما كان يكتبه الأوائل في العشرينيات «في عز ازدهار فن القصيرة آنذاك».

إذن موضوعيًّا لا يوجد ما يستدعي حكمًا بالإعدام أو إقامة جنازة؛ فالحركة الإبداعية تمشي ببطء هذا صحيح، وليس لها توهُّج الستينيات، هذا صحيح، ولكن الحركة الإبداعية غير منفصلة أبدًا عن حركة الإنتاج في المجتمع ككل. فالخلق نوع من الإنتاج، ومجتمعنا بعهد انفتاحه الملوَّث كاد يئد حركة الإنتاج في المجتمع ككل. وإذا كان هذا لم يَحدث، وإذا كانت هناك حركة عارمة تريد إعادة الإنتاج إلى سابق عهده، فلا بدَّ أن يُصاحبها حركة أشد فاعلية لإعادة الإنسان المُنتِج إلى سابق عهده. وهذا هو دور الفن والأدب والثقافة. فنحن نحيا في حالة مجاعة ثقافية وأحوج ما نكون إلى أن نُبقي على أفران الفن القليلة التي لا تزال تقدم لنا رغيف الثقافة والإبداع. وكلمة منك أيها الناقد المعلم كانت كفيلة باستنهاض الهمم وفتح أبواب إنتاج مُغلَقة ورعاية حركة تَسبح ضد تيارٍ عنيف بَشِع يُريد أن نظلَّ نحيا في ظل التبعية البضائعية والثقافية.

•••

وبعد أن طال ضحكي مع حديث الدكتور لويس عوض، بدأت دموع تتجمَّع في أركان عيني، ذلك أني أدركتُ المشكلة وعرفتُ أن الدكتور لويس عوض يُعاني من حالة من حالات اكتئابه وما أكثرها؛ فالرجل يحسُّ أنه يعيش في مجتمع يظلمه ويَضطهده، وهذا ليس شعورًا خاصًّا، ولكنه حقيقة موضوعية؛ فالدكتور لويس عوض هو الوحيد الباقي من العمالقة الذي لم يَنَلْ جائزة الأدب التقديرية فقط، ولكنه حتى لم يُرشَّح لها. ولو كنتُ من بعض من نالوا هذه الجائزة عن غير حق وعن غير جدارة إلا علو الصوت واحتلال المقاعد والمنابر والوجود، ولو بالقوة في الصورة كما يقولون، لو كنت واحدًا من هؤلاء لرفضتُ أن أنال جائزة الأدب بينما لويس عوض ذلك الذي لا يقلُّ دوره عن دور مندور وطه حسين والعقاد في النَّقد لم يَنَلْها وغير مرشح لها.

وأنا شخصيًّا لا أعترف ولا أَعتبِر أن جائزة الدولة في الأدب تعني شيئًا بالمرة؛ فهي لا تصنع كاتبًا، وعدم نوالها لا يَهبط بكاتب، ولم أُعِرْها التفاتًا منذ أن أُنشئت إلى الآن، ولن أُعيرَها، ولكن الأمر بالنسبة للدكتور لويس عوض مسألة مُختلفة، فإن الجامعات لا تُرشِّحه لأن الجامعيِّين لا يُكنُّون له حبًّا كثيرًا، والمجلس الأعلى للثقافة أغلب أعضائه كُتَّاب لم يكتب عنهم لويس عوض شيئًا ذا بال، ولذلك فهم يُعادونه بل ويتمنَّون زواله، أمَّا هو نفسه فهو لا يُمكن بكبرياء مصري جميل أن يَطلُب لنفسه جائزة وحتى يتطلع إليها.

الأمر إذن أمرنا نحن، نحن وزارة الثقافة ووزيرها، نحن المسئولين في هذه الدولة، نحن الكُتَّاب الذين تعلمنا من لويس عوض وسوف نتعلم عليه، كيف نسكت على أمر كهذا وكيف نبقي ماردًا مثله يُعاني من حالة اكتئاب قصوى يتمنى معها ولو حطَّم وتحطَّم معه المعبد؟ أفَقَدْنا إحساسنا بالآخرين إلى هذه الدرجة؟!

أم أن العُملة الرديئة هي التي سادت الحركة الثقافية تمامًا، وهي التي أصبح بيدها تقدير كل شيء وكل كاتب وكل مُبدِع وإنشاء كُتَّاب كخيالات المَقاتة وسلب المكانة والرُّوح من كُتَّاب عِظام أحياء، وكأنهم بالقضاء على المُبدعين الحقيقية سوف يحتلُّون هم مكانتهم دون منافس أو منازع. فلنُظهِر لهذا الرجل العظيم الذي يحيا بينَنا بعضًا من التقدير وبعضًا من الحب، فهو مِنَّا ونحن منه، حتى مع أولئك الذين يَختلفون معه في الرأي لا ضير عليهم من حبِّه وودِّه، وإلا لما قال الأقدمون: إن الخلاف في الرأي لا يُفسد للود قضية.

أم كان الأقدمون أحكم مِنَّا وأنضج وأكبر نفوسًا وأرحب صدورًا؟!

مهزلة دورينماتية

تلقَّيت من السفير السويسري خطاب شكر موجَّهًا إلى الأستاذ إبراهيم نافع رئيس مجلس إدارة الأهرام ورئيس التحرير، وفيه يَشكُر الأهرام على المأدبة الحافلة واللقاء التاريخي الذي استضاف فيه الأهرام الكاتب الكبير «فردريتش دورينمات» والعائلة المسرحية المصرية على غداء كما يقول الخطاب «غداءً ملكيًّا».

والحق أني وأنا جالس بين دورينمات وزوجته المخرجة الألمانية «شارلوت»، وأمامنا الحركة المسرحية الصوتية من كُتَّاب ونُقَّاد ومديري فرق ونجمات ونجوم، لم أَملِك نفسي من الإحساس بالسعادة؛ ذلك أن هذا الحدث، حدث أن تَجتمِع العائلة المسرحية كلها لتحتفل بأكبر كاتب مسرحي أوروبي معاصر في زيارته للقاهرة، مسألة ليست من قبيل البذخ كما تفضَّل بعض صغار الصحفيين وذكروا، ولا هي من قبيل الأبهة الكاذبة، ولكنَّها هي بالضبط ما نعنيه بكلمة «الثقافة». فالثقافة ليست كتبًا يَكتبها أناس ليقرأها أُناس، الثقافة بالأساس إحساس قوي يربط المُهتمِّين بمصير البشرية والذين يَكتبون لأنهم مُرتبِطون بهذا المصير يربطهم في مختلف أنحاء العالم بفكرة إنسانية واحدة.

ولقد كنتُ في سويسرا، قد قضيتُ ساعات مع «دورينمات» نتحدَّث في شتى المواضيع، ونشرت بعض الحديث على صفحات الأهرام، ولا أذكر إن كنتُ قد كتبت في نهاية تلك الأحاديث أني قد دعوته لزيارة القاهرة أم لم أذكر. فالواقع أني كنتُ قد وجهت الدعوة فأجابني بطريقته التي تبدو غير متحمِّسة، إنه قد قبلها، وإنها من المنتظر أن تتمَّ في نوفمبر، خاصةً وأن زوجته المخرجة في الشبكة التليفزيونية الألمانية الأوروبية تُريد أن تصور فيلمًا عن مصر القديمة والحديثة.

لم أكن متأكدًا أن الدعوة ستتم، ولكني حين عُدت إلى القاهرة اتصل بي مستر «أرزمان» القائم بالأعمال السويسري، كان السفير غير موجود وذكَر لي أنه تلقى خطابًا من «دورينمات» يؤكد فيه على أنه سيَحضُر إلى القاهرة في نوفمبر.

وهنا وقعتُ في حيص بيص؛ فعلاقتي بالسيد وزير الثقافة السابق كان مجالها محكمة باب الخلق، ولستُ في سعة من الرزق تَسمح لي باستضافة «دورينمات» على نفقتي الخاصة ولا أستطيع الاقتراب من مؤسَّسة المسرح أو حتى الثقافة الجماهيرية لتبنِّي تلك الدعوة، فماذا يا رب أفعل؟

بعد بضعة أيام كنتُ في المركز الثقافي الفرنسي في زيارة لمعرض الكِتاب، أو بالضبط الكتب التي أُلِّفت بالفرنسية عن مصر والبلاد العربية والإسلامية، وهالني عدد الكتب التي تبدأ من كتاب «وصف مصر» إلى الآن.

وفي المركز وجدتني وجهًا لوجه أمام الدكتور ممدوح البلتاجي، رئيس هيئة الاستعلامات، وخطر لي أن أُحدثه بالمشكلة التي أوقعتُ نفسي فيها، فإذا بالرجل وبحماس زائد يقول لي: لا مشكلة، ولا شيء من هذا القبيل، ستتولى هيئةُ الاستعلامات دعوة الكاتب الكبير واستضافته وعمل كل شيء من أجل أن يأخذ هذا الكاتب العالَمي فكرة حقيقية عن بلادنا، ولكني قلت له إن هذا عمل وزارة الثقافة وأنت تعرف الوضع.

قال: من قال هذا؟ إنه من صميم عمل هيئة الاستعلامات، فعندنا إعلام داخلي للمصريين وإعلام خارجي نتولى به دعوة كبار الكُتَّاب والصحفيين، وهناك ميزانية وبرامج لهذا كله. وأن يأتي كاتب كدورينمات لمصر حدثٌ عالمي لا يُمكن أن نتركه يمر. فإني متأكد أنه إمَّا أن يكتب كتابًا أو سلسلة مقالات أو حتى مسرحية عن مصر، فمصر بالنسبة للعقلية الإبداعية الأوروبية تشكِّل مهبط وحي لا يُمكن أن تمر عليه قريحة خلاقة دون أن يُؤثِّر فيها بطريقة ما. وبعد أسبوع واحد كان الدكتور ممدوح البلتاجي قد نظَّم برنامجًا متقنًا للرحلة والإقامة، وأرسل باسم الهيئة دعوة لدورينمات وزوجته، وكان القائم بالأعمال السويسري عندي في مكتبي يُناقش معي تفاصيل الندوات التي سيعقدها «دورينمات» في القاهرة: واحدة في الجامعة، والأخرى في لقاء مع العائلة الثقافية في الأهرام، والثالثة ندوة مفتوحة في فندق شيراتون الجزيرة حيث يُقيم، والرابعة في معهد جوته الألماني. كان هذا الكلام في يوليو من هذا العام، وكنت قد وعدت «دورينمات» أن نقدِّم له عملًا من أعماله التي تُرجمت وقُدمت على مسارح القاهرة (أربعة أعمال)، وهكذا اتصلت بالمسئولين في هيئة المسرح لتحضير عمل يُعرَض أمامه باللغة العربية، واخترتُ المخرج الفنان سمير العصفوري ليُقدِّم هذا العمل باعتباره أول من أخرج مسرحية لدورينمات في مصر، واختار سمير أن يقدم مسرحية «الشهاب» لقصرها من ناحية ولمحدودية ممثليها من ناحية أخرى.

وفي نفس الوقت فاتحت الأستاذ إبراهيم نافع في حفل غداء نُقيمه على شرف الرجل في الأهرام عندنا، وقد أسعدني حقًّا أن قال لي: إنَّ كل إمكانيات الأهرام تحت تصرفك.

هكذا ترتب كل شيء.

وبدأت الشهور تتوالى: أغسطس ثم سبتمبر ثم أكتوبر، وكان وزير الثقافة قد تغيَّر وجاء الصديق الكبير الدكتور أحمد هيكل وزيرًا جديدًا ومتحمِّسًا.

وذَهبت للقائه وأعدتُ عليه قصة «دورينمات» والمسرحية التي يجب أن تقدم، فذكر لي أن الدكتور سمير سرحان اتفق مع سمير العصفوري على كل شيء، وأن بروفات المسرحية قائمة على قدم وساق.

وبعد أسبوع اتصل بي الأستاذ سمير العصفوري وقال لي: إنه رأى أن عرض الشهاب غير مُمكن، وأنه اختار مخرجًا من تلاميذه ليقدم عرضًا يستغرق ساعة يستعرض فيه مقطعًا عرضيًّا لكل أعمال «دورينمات».

الحقيقة فدورينمات كتَب ما لا يقل عن الثلاثين عملًا، وكيف سنضع هذا المقطع العرضي لكل تلك الأعمال، ولكن لثقتي في قدرة سمير العصفوري قلت: أنت المسئول، وأنت وما تراه.

وقبل وصول «دورينمات» بأسبوع لعب الفأر في عبي، فاتصلت بالدكتور سمير سرحان أطمئن على العرض، فإذا به يَذكر أن سمير العصفوري قد ذهب ليحضر مهرجان قرطاج في تونس، وأن العرض لن يُقدَّم.

وأحسستُ بجانب كبير من كارثتنا المسرحية يتبدى على أبشع صورة.

كارثة كانت قد بلغت «دورينمات» نفسه وهو لا يزال في سويسرا، فقد كانت أول كلماته لي حين قابلته في المطار أن قال إنه حزين لأن العرض المسرحي أُلغي، فقد كنتُ فعلًا أريد أن أتفرج على «دورينمات» بالعربية.

وغرقتُ في خجل لما آلت إليه أمورنا المسرحية والثقافية.

وغرقتُ في خجل أكثر حين عرفتُ أن أحدًا لم يُحاسَب على ما حدث ولا وُجِّه لومٌ لأحد، ومرت المسائل وكأنها لعب عيال نأتي بكاتب عالَمي من النادر أن يُغادِر بلده أو يحضر عروضه في البلاد الأخرى ونعدُه بتقديم عمل مسرحي له، ثم إذا بنا في آخر لحظة وبكل استهتار هكذا نقول له: معلش، تتعوَّض المرة الجاية إن شاء الله.

لقد كانت الزيارة ناجحة تمامًا من الناحية الثقافية والاجتماعية، فاشلة تمامًا من الناحية المسرحية والمناقَشة المسرحية. وربما كان الخطأ خطئي؛ إذ اعتمدت على أن لدينا مسئولين عن هذا كله، وعملهم أن يضعوا هذا ولا أقوم أنا أو غيري بكل العمل. لقد حرصت على أن أحضر أقل عدد من الندوات والحوارات التي أجراها «دورينمات» مع التليفزيونيين ومع الجامعيِّين ومع المثقفين؛ لأني اعتقدت أنني بدعوتي «دورينمات» للقاهرة وتلبيته الدعوة يُصبح من عدم اللياقة أن أحشر في كل كبيرة وصغيرة.

عُذرًا أيها الكاتب العظيم.

وقلبي معك يا دكتور هيكل في وزارة اختلط فيها كل شيء بكل شيء، ولم يَعُد فيها مسئول واحد تستطيع أن تطمئنَّ إلى كلامه أو إلى وعده.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠