الدائرة الذهبية

بقلم  منى حلمي

حينما كانت أصابع يدي خالية من الدوائر الذهبية، كان يَزورني في مكان عملي. يجلس مواجهًا لمكتبي مأخوذًا بمكانتي بين الزملاء والزميلات.

بدقتي في مراجعة الأوراق، ويَندهِش لتلك الأهمية التي تكتسبها فور توقيعي عليها. يقول وهو يَشرب القهوة: «تُعجبني المرأة العاملة ذات الوضع المتميز.» وأتذكَّر مرةً جاءني بعد خلاف وقع بيني وبين رئيستي في العمل، فإذا به يُشجِّعني على التمسُّك بموقفي. وحين أكدت له أنني لن أتراجع، حتى لو اضطررت للاستقالة قال: «أحترم المرأة التي تدافع عن رأيها الحر.»

كُنَّا نلتقي مرتين كل أسبوع، وفي إحدى المرات اتصل تليفونيًّا يسألني تغيير الموعد بسبب ظرف طارئ واقترح يوم الأربعاء. قلت: «أُقدِّر ما حدث، لكنني أخصص يوم الأربعاء للجري والسباحة، لا أستطيع تأجيل رياضتي، هل تقبل أنت الآخر اعتذاري؟» بعد لحظةِ صمتٍ رد قائلًا: «أقدر وأفهم جَيِّدًا. تُعجبني المرأة التي تمارس الرياضة، الآن عرفتُ سرَّ رشاقتك ونضارة وجهك.»

وقبل استقرار الدائرة الذهبية الحاملة اسمه في يدي اليمنى بأسبوع واحد، رآني في الطريق مع آخر. عرفته به قائلةً: «هذا فلان صديقي كُنَّا في ندوة أدبية نُناقش قصتي الأخيرة. والآن نحن ذاهبان إلى نادي السينما، لمَ لا تشاركنا إذا رغبت؟»

في اليوم التالي قال وهو يحتضن يدي: «أحسدك على هذا التنوع الخصب في حياتك. تعجبني المرأة التي تفصل بين الحب والصداقة، المثقَّفة، تُعجبني المرأة الفنانة.» سعدت به وقلت: «منذ زمن أبحث عن رجل مثلك.» سألني: «هل تزوجينني؟» قلت: «أتزوجك.»

وفي مثل هذه الليلة بالتحديد، انتقلت الدائرة الذهبية الحاملة اسمه إلى يدي اليسرى. عام مضى، ليس وقتًا طويلًا، لكنه كان كافيًا لإطفاء لمعانِ الدائرة المحاصِرة مِعصَمي.

جاء الرجل المأذون في أحوال الناس الشخصية بدفتر كبير وعينين منزعجتَين من أبغض الحلال عند الله. قال بنبرة امتزج فيها السعال بالدهشة والشفقة وإن تفوَّقت نسبة السعال: «أعوذ بالله من غضب الله! ليه بس الطلاق؟ الستر كويس يا ناس!»

فعلًا، له حق، ليه الطلاق؟ أحببته واخترته من دون كل البشر. من أجله فعلت ما كنت أعتقد أنه مستحيل، من أجله لم أصدِّق أمي لأول مرة في عمري. قالت حينما قررت الزواج منه: «أنتِ دائمًا حرة، لكنني لا أرتاح لعينيه.» واستلزم الأمر عامًا لأعرف لون عينيه الحقيقي.

فعلًا، ليه الطلاق؟ وقد عشنا وقتًا طويلًا معًا قبل تنقلات الدائرة الذهبية. لم يمضِ إلا عام. وها أنا بالرغبة نفسها والإصرار نفسه أطلب من الرجل نفسه إبطال مفعول الدائرة الذهبية. قال زوجي للمأذون: «أكَّدت لها مرارًا يا سيدنا الشيخ أنها لا تستطيع فك الارتباط.» يردُّ المأذون بنبرة سعال صافية: «يا سيدي المهم الزوج، أي أنت، هل تريد الانفصال؟» بنظرة موجهة إلى شرودي يردُّ زوجي: «وهل أنا مجنون؟ أنا لم أشعر بعد أنني تزوجتُها.»

أفيق من شرودي على صوت المأذون الغليظ، المُمتزج هذه المرة بنسبة أقل من السعال ونسبة كبيرة من القسوة: «يا ستي لا يُمكن أن يُطلِّقَك لمجرد عدم رغبتك في البقاء زوجته.» قلت: «إنك لا تفهم الأمر. أنا لا أريده أن يُطلقني، بل أنا التي تريد أن تُطلِّقه!» بنبرة خالية من السعال، من الشفقة ومن القسوة، مُمتلئة فقط باندهاش غاضب ومُستاء، يرد ناظرًا إلى زوجي: «مزاح هذا أم ماذا؟ رغبتُكِ ليست كافية، ليست قانونية. وقبل أن تُتعبونا معاكم يا ناس ادرسوا القانون كويس، سلام عليكم.» نهض واقفًا، أسند استياءه على الدفتر تحت إبطه ورحل مرسلًا نظرة ساخرة إلى زوجي.

يجلس على المقعد باسترخاء ويقول لي: «لا تحاولي، ستبقين زوجتي.» داخلي انفجار لا يَنفجِر، في عيني دموع تأبى السقوط. شيء ما في أعماقي أنهى الأمر ويُريدني أنا الأخرى إنهاءه.

ووجدتني أنتفض فجأة. تذكَّرتُ شيئًا كان على المأذون معرفته. نسيتُ أن أقول له: «إنني أعيش مع غريب، رجل آخر غير الذي رآه معي منذ عام.» الكلمة تُدهشني، تؤلمني. أستعيد الماضي فتقل الدهشة ويزداد الألم.

بدأت الغربة بنوعٍ من التلميح المغلَّف ببعض الحياء، ثم انتهَت بالسفور غير المبالي بأبسط الأشياء. سألني: «لمَ تعمَلين؟ أنا لا أحتاج إلى عملك، إيرادي يَكفي ويفيض.» أصابني ذهول، فهو يتكلَّم وكأن عملي فقط من أجل الاحتياج المادي. وحتى لو أنني لا أحتاج مرتَّبي كيف يتخيَّل أنني أقبل أن يُطعمني أحد. والأغرب أنه وكأن عملي شيء خاص به، وبالتالي يُمكن أن يقع في نطاق ما يحتاجه وما لا يحتاجه!

ويوم الأربعاء، اليوم في الأسبوع الذي يُجدِّد حيويتي، أصبح موعدًا منتظمًا للشجار. يسألني بمنطق يُعكِّر نضارة وجهي: «لماذا أمارس الرياضة، لمن أحافظ على رشاقتي طالَما حصلتُ على الضمان (يعني زواجنا)، مع مَن أمارس السباحة وأشرب الشاي بعد الجري؟!»

ويمتد الحصار ويكتمل ذهولي حين يرتفع صوته بعد كل مرة تُنشَر لي قصة أو مقال أو قصيدة. يقضي طول الليل في مناقشةٍ لا يُوقفها إلا إصابته بالإرهاق أو زوال صوته أو سماع أذان الفجر الذي يحرص على صلاته حاضرًا. تُعذِّبه التساؤلات: مَنْ يا تُرى إلهامي، أهي تجربة خاصة، هل عشتها قبل معرفته، بعد معرفته أم أعيشها الآن، لمن تلك المشاعر المتوهجة في القصيدة؟

لم يَعُد يفهم صداقتي بزملائي الفنانين من الرجال، بل لم يَعُد يتقبَّلها. بعد كل تليفون من زميل، بعد كل لقاء مع صديق في ندوة أدبية أو في نادي السينما، يتساءل باندهاش يدهشني: «لماذا تُصادقين رجلًا وأنا موجود؟» وعرفت ويا لقسوة المعرفة أحيانًا، عرفت أنه لا يتصور صداقة بين المرأة والرجل إلا لأربعة دوافع محدَّدة. إمَّا للتخطيط للزواج، للتسلية، أو فرصة لبيع الجسد، أو قتل ملل الزواج. بالطبع أستبعد الدافع الأوَّل، لأنني لا أستطيع ممارسة تعدد الأزواج. وظلَّت الدوافع الثلاثة الأخرى تُحاصرني بالشكوك. والأخطر من هذا أنه يُحاول إقناعي بأن كلًّا من الرجل والمرأة لا يُمكِن أن يجتمعا إلا على المستوى البيولوجي.

دافعت عن نفسي المُتهَمة، دافعت عن قناعات عقلي. أدافع دون سلاح، دون اقتناع أنني حقيقة في هذا الموقف. وحين امتدَّت جرأته إلى السؤال لماذا أنا هكذا، لماذا أصلًا أكتب، لماذا لا أطيع؟ عرفتُ أنني رغمًا عني استُدرجتُ إلى معركة، تُجبرني على التسلُّح.

ما زال جالسًا أمامي مُشعلًا سيجارة كرهتُ رائحتها، تُصيبني بغثيان ودُوار لكنني لا أتهاوى.

تماسكتُ، فكرتُ، تذكرت شيئًا، أشياء، قررت.

نزعت الدائرة الذهبية، رفع رأسه باندهاش، ألقيتُها في منفضة السجائر. دهشته تتحول إلى ملامح غاضبة. التقطتُ حقيبتي واتجهتُ نحو الباب قائلةً: «ليس كافيًا وليس قانونيًّا أنني لا أريدك أليس كذلك؟ بالنسبة إلى قانوني أنا، فالأمر كافٍ.» لم أنتظر تحوُّل غضبه إلى أمر آخر وأسرعتُ بالنزول.

على الطريق الممتد مع النيل، تمضي بي سيارتي الصغيرة. إحساسي أفتقده منذ زمن يداعبني. أعرف أنني أنهيتُ الأمر. أعرف أنني لن أتردَّد كعادتي أحيانًا بعد الاستقرار على قرار، وأنها الليلة الأخيرة في بقائي زوجته وفقًا لقانوني الخاص في الأحوال الشخصية.

وأعرف أنني أمتلك هذه السيارة الصغيرة، وأمتلك الشقة التي نسكن فيها، وأمتلك دخلًا معقولًا، وأمتلك رصيدًا كبيرًا في البنك، وأمتلك قطعة أرض في الريف، وأمتلك سُمعة أدبية مميَّزة. لكني لا أعرف هل في هذا الزمن يكفي امتلاك الإنسان للأشياء ليمتلك حريته؟! هل هو أمر متعمد. زمن يُسهِّل علينا امتلاك الأشياء، ليُعوِّض بها عجزه عن ضمان امتلاكنا لحريتنا؟

لا أعرف إلى أين أنا ذاهبة الآن، بيت أسرتي، بيت أخي، بيت أختي. غرفة مفردة في أحد الفنادق. أم أستمر في القيادة حتى أصل إلى بيت الأسرة في الريف وأظل هناك فترة.

لا أعرف لماذا وكيف تغيَّر بهذا الشكلِ المخيف، المُضرِّ له. لا أعرف كيف؟

لا أعرف إن كانت فكرتي عن المشاعر والزواج قد تأثَّرت، لا أعرف إن كنت سأثق برجل آخر بعد ذلك، لا أعرف لو كان العام الماضي شيئًا آخر غير الحب، لا أعرف أشياء كثيرة تداخَلَت داخلي في لحظة واحدة.

لكنني على الأقل أعرف شيئَين بمُنتهى الدقة والتأكد:

أعرف أنه بالرغم من تبعثُر وفوضى أفكاري ومحاولتها البحث عن ترتيب، إلا أن مبادئي ما زالت مرتبة، لم تَفقد مكانها. والشيء الآخر الذي أعرفه بل وألمسه، أن أصابعي عادت — كعادتها — خالية من الدوائر الذهبية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠