من ليالي شهرزاد

رقية محمود الشبيب

الأولى

يُدخل يدَه في أنفه في عملية تقعُّر داخلي لعقله الباطن. يتذبذب الشوق في عينيه، يتذكر، «هذه ليلتي» تُثرثر شهرزاد، حكاياها صفراء، لم يقصر الليل كما تعود، يَتململ شهريار، يتسرَّب الوسن إلى جفنَيه، أحمل زخمًا من المشاعر، لك وحدك. لم يَضِع العمر على أرصفة الانتظار كما يتوهَّم — هو — ويتوهمون.

هناك بقية

ما برحت تبحث عن نواجع الطُّرُق للإقناع، لكن … الفشل … تسكنها الحيرة، أسراب الأماني لم تَزُرها منذ خلفته بين اﻟ «نعم» واﻟ «لا».

البُعد يفرز آلامًا موجعة (يجب أن نتجاوز ذاتنا) هذا ما تُفكِّر فيه يا أنت!

الجرح في كبريائها أكبر من عنفوان رجولته، علمها حديثه سطحية كل الكلمات والحروف ضنين القلب «به».

وهم لا زالوا «يزجون قلاصهم صوب الشمال لأيام أخر». قيثارة الليل تعزف لحن احتضاره، بمُدية النهار يقتل كل يوم. ذوت الكمائم على الأغصان منذ افتقدتك. هل شفك الوجد؟

ببساطة، أنا لا أملك خيال شاعر. امرؤ القيس كان يحب «ليلاه» في كل النساء فتغزَّل بهن «بصفاقة».

وشهريار قتلهنَّ بتوحُّش. كلاهما يفتقد الوفاء في حواء، ويفتقد البطولة. إنها تبيح لنفسها حرية الأحلام فتربح وتخسر واقعيتهما. تذوب الكبرياء المزيفة دائمًا، وَشْوَشَة الليل، ودفق العطاء في أعماق شهرزاد تبحث عن الترياق، لكن …

الثانية

شهر زاد تحكي عن ليالي البطولة، شهريار يبدو ضجرًا، انتهى زمن البطولة يا قدس فيك منذ ابتلعت الأرض بشرة جثة صلاح الدين، نحن في زمن الثرثرة والنوم، والموت غدرًا، «ابن الوليد» كلنا يعرف أمنيته. رائعة الأماني عندما تكون مشاعًا، عندما يكون الإيمان بالله عظيمًا عندها تتحلَّل النفس البشرية من الاهتزازات. يا لبنان «فخر الدين» يا أم «الأبجديات» تُقرَع أجراس كنائسك حزنًا، زمن البطولة أتراه انتهى؟ تراتيل القداس في كنائسك تتعالى لتُعانق أذان مساجدك. أين الحب، يا بلد الحب؟ ثم ماذا يا شهرزاد؟ حديثها يقتل شهريار، لا يحب الدم حديثًا، وهو يَسفكه كل ليلة!

عجيب أيها الإنسان يا صعلوك كل الأزمنة. تتسكَّع في منعطفات الحياة، وتحطُّ لسانك، وتبلع ريقك اللزج، وتبحث عن حكايات شهرزاد، تُثرثر بها إليك، تفتلُ شاربك، تستعرض قواك، يتفصد العرق من جبينك، تنفعل عندما تتصوَّرها، (خيالك واسع) هي تحبك ولا شيء غير هذا.

الثالثة

شهرزاد حدثته عن تاريخ الحب في كل العصر. غرام «دونكيشوت» امتطى جواده، امتشق حسامه، ليُنقِذ «نبيلته» من أنياب العمالقة. خياله عقيم. أيها العاشق المهزوم، طواحين الهواء وسيفك الخشبي، يَصرُخان بك … مجنون، مجنون يا عشاق التاريخ، يا للعار! في زماني يصفونكم بالأساطير.

يلهث شهريار خلف الحكاية وكيف …؟ تبرق عينا شهرزاد بوميض النصر، يا حواء آدم يهزم معك كل يوم ألحان جنائزية تعزف كل ليلة مشيعة الآمال و… و… لم أمارس المشي في الجنائز لسبب واحد، هو إيماني بأن الحب لا يموت.

كما الودق … حبُّها … يُحاصرها بشدة واستمرار. تُهاجر الأفراح في كل المواسم، نداء يذوب يتلاشى قبل أن يبلغ الشفاه (عشيات الحُمى أتراها رواجع؟) يرخي الليل سدوله، تحلم بخاتم الحكيم، أحلام عاجز، يا مشلولة الآمال كفى. وابل من الدمع ينهمر.

الرابعة

«حكاية قديمة»، في غابر الزمن.

واحد صنع سيفًا، وآخر قطع الطريق بهذا السيف، وثالث انتصر بالسيف نفسه أيضًا. في زماننا «الهَرِم» جِدًّا، «انقلبت المفاهيم، وتغيَّرت المقاييس، وتلوَّنت الغابات».

كلهم اشتركوا بالنصر وبالهزيمة، ولكن الآباء يأكلون الحصرم والأبناء.

متوازيان، كيف؟!

عملية توازٍ رغم التكافؤ.

الثاني والثالث تحالَفا، والآخر سلك دربًا آخر.

ثم ماذا؟

انتهت الحكاية «القديمة الجديدة» معًا. المسافات تتجذَّر، تتضاءل، قلعة الصمود تدكُّ حصون الانتظار بمِعوَل اليأس، أسوار «قلبي» قوية.

لكن تل الزعتر سقط. البطولة لا تكفي، التضحية لا تصنع واقعًا أفضل.

يمطُّون ألسنتهم كأعمدة مباخر، اللهب يلفح الوجوه، متى يصبح الحب كالخبز اليومي؟ لم تعد تُطربني معاني الهيام بعيونهم الشمالية، فقدت بريقها.

نتناوب ازدراد لقمة العيش هنا من قصعة الغربة.

الخامسة

«بلقيس» يا ملكة التاج، و… أطلقوا البخور، اجمَعوا الكهان، ثم ماذا؟ يا ملكة البلد السعيد، خابت حضاراتٌ حكَمَتها النساء.

حواء لا تُجيد إلا الحب، والعتاب، والشكوى، والدموع، والعناد.

حواء لا تعرف الحياد، لا تملك قانونًا، شريعتها أن تُعطي وتعطي، لكنها تأخذ الأضعاف، تتحمَّلين مرارة البُعد يا نفس، الليل يهذي بحكايات شهرزاد، والمسافات لا تنتج إلا سرابًا.

مُنحنَيات الوقت لم تَعُد عزاءً، يا بلقيس بهرتك دنياه، وتلاشى شموخك، والأمل أتراه فُقِد أم لا يزال مُختبيًا في ركن قصي؟

الذاكرة هرمة.

يا زمان الوصول تكسَّرت النصال على النصال، تَفقس الأيام حلمًا واهمًا.

ويعود «الهدهد» يا بلقيس يحمل البشائر.

قلائد المُلكِ تُلقينها عند أول لقاء، كُهَّانُك وجنودك وقُوَّادك وأموالك لا يملكون ميزة الانبهار، وتَرفضينهم كرجال، وتحكمينهم كرعايا فقط، واعتقدتِ أنكِ انتصرت «يا بلقيس»، لكن تحلَّلتِ من كل شيء، تركتِ العرش والتاج وذهبت إليه.

عُدتِ امرأة ككل النساء.

تغريك الحكمة والحماية، وأشياء تغزل من خيوط الفجر يا شهرزاد وشاحًا للقاء لم يتم.

أيها الزمن، يا مشجب الآمال والآلام!

أين شهرزاد؟

•••

كما لا يستطيع أحد أن يعرف الذرة، إذ كانت تعرف أيام اليونان بأنها أصغر مكونات الكون، بمعنى أن الكون كله ركب من كرات بالغة الصغر، تضع لبنات منشأ الجماد والإنسان والحيوان وكل ما في الكون. هذه كانت نظرية «دالتون» في تركيب الكون، ثم ظلت التغيرات تحدث إلى أن اكتشف أن الذرة ليست هي أصغر مكوِّنات الكون وأن داخل تلك الذرة الصغيرة توجد أجسام أصغر مثل البروتون والإلكترون والبوزيترون والنيوترون … إلخ، ثم أخيرًا جِدًّا اكتشفوا أيضًا أن هذه الجسيمات ليست هي نهاية الصغر في مكوِّنات الكون، دائمًا داخل تلك الجسيمات جسيمات أصغر وأصغر … وهكذا أعود فأقول إنَّ أحدًا لا يستطيع أن يعرف بالضبط ما هي الذرة، كما لا أحد يستطيع أن يعرف بالضبط ما هو الكون الأكبر، كل تلك التعريفات والتقريبات مُحاولات مِنَّا لإعطاء «شكل مفهوم» لأشياء لم نَرَها ولم نَعِرفها، بل من المستحيل أن نراها ونعرفها.

وهذا هو بالضبط الوضع في القصة القصيرة وبالذات القصة القصيرة الحديثة، فهما شكل ومضمون فنِّيان لا يُمكن تعريفهما على وجه الدقة، شيء غير مجسَّد ولا يُمكن أن يُقال عنه مثلًا إنه قصة (أي حدوتة) قصيرة أو مجموعة أحداث تؤدِّي إلى نهاية، أيِّ نهاية، أو محاولة للتعرُّف على العالم الداخلي للإنسان، كل تلك الأقوال محاولات ميئوس منها لتعريف ما لا يُمكن تعريفه. وإني لأمسك بكتب النقد، المعاصر، والحديث، وأقرأ عن فلان هذا القصاص الذي بدأ يكتب في كذا وله كذا مجموعة، وكل تلك المعلومات البيبلوجرافية، وأحيانًا أضحك بصوتٍ عال؛ فالقارئ والقصة لهذا الكاتب بالذات يخرج أعماله كلها من أوسع باب للقصة القصيرة ونصْبها في نطاق الحكايات أو الإشاعات أو التمائم أو يضعها في سلَّة المهملات.

وليَعذرني القارئ أني هذه المرة عن عمد، سأُطيل في تقديم قصة العدد؛ لأنَّ المقصود بهذا الباب ليس تقديم كاتب جديد كل مرة أو قصة جديدة، إنما هو باب فكَّرتُ فيه أساسًا لخدمة قارئ القصة وليس كُتَّابها، باب يعرف منه القارئ رأسه من قدميه، يستطيع باستيعابه أن يعرف أن ما يقرؤه فنًّا أو أنه شيء آخر غير القصة والفن.

والقصة من أوائل الفنون التي أفرَزَتها القريحة البشرية، وحكايات جداتنا هي أول فن نتلقاه ونُصغي إليه وينمِّي لدينا كل حواسنا الأخرى من قدرة على الخيال، إلى التفكير في إمكانية تغيُّر الواقع، إلى التسلُّل برفق إلى عوالم الفن الأولى من مسرح ودراما ورواية، بل وفكر خالص.

ولكنها لكي تفعل هذا لا بد أوَّلًا أن تكون قصة، وكثيرًا ما نعترض، نحن الأطفال المستمعين، حين يَشرد خيال جداتنا ويخرج عن الخط الفني للحدوتة، ويأخذ احتجاجنا شكل طلب قصة أخرى لأن هذه «قصة بايخة».

والقصة كفنٍّ بدأت بالحدوتة، ولا يزال للحدوتة سحرها حتى عند الكبار، ثم تطوَّرت الحدوتة إلى النكتة عند الكبار (وحتى عند الصغار) والنكتة هي حكاية قصيرة جِدًّا، حادَّة جِدًّا، لاذعة جِدًّا، لأثرها أو على الأقل أثر النُّكتة الناجحة لا يقلُّ عن أثر رواية من مئات الصفحات.

ثم مع ظهور الصحافة بدأت القصة القصيرة المكتوبة، وبدأت كخطابات مثل مقامات الحريري ونوادر الجاحظ وقصص بوكاشيو الإيطالي، ثم تطوَّرت أكثر على يد موباسان الفرنسي حين أضاف إلى خط الحكاية لمسات التجسيد والتصديق للقصة، ففي الحكايات كنت حين تقول مررت من أمام نافذتها، فأشارت لي فدفعتُ الباب ووجدتُه مفتوحًا ودخلت وكان ما كان، كان الناس يُصدِّقون، ولكن عصر النهضة الفكرية والفلسفية والعالمية في أوروبا وظهور «كانت» بالذات كفيلسوف صناعته الشك إلى أن يَثبت اليقين، وضع على القاصِّ عبءَ أن يَغترف من الواقع قليلًا، ويُقلِّل من الخيال والكذب الأكبر إلى أن وصلنا إلى عصر إدجار ألن بو وتشيكوف بالذات.

على يد هذَين الكاتبين خُلق فن القصة القصيرة الحديث؛ فهي قصص صحيح أصلها خيالي تمامًا، ومادتها مصنوعة من الخيال، ولكنه خيال مجسَّد في «واقع» يكاد يُشبه الواقع الذي نحياه، ولقد وضعت «واقع» بين قوسَين؛ لأنه في الحقيقة ليس واقعًا ولكنه شبيهٌ للواقع، توءم الواقع، ولكنه التوءم غير الموجود إطلاقًا بحذافيره مهما فتَّشنا عنه. فمثلًا قصة السيدة ذات الكلب اللعبة، قد تجد مثيلًا لها في الواقع، ولكنها كما حدثت في القصة هي نسيج وحدها ولم تَحدث إلا حين كتبها تشيكوف.

الحقيقة أن ظِلَّ تشيكوف وإدجار ألن بو وبعض الكُتَّاب الأيرلنديين ظلَّ يرزف فوق فن القصة القصيرة ردحًا طويلًا من الزمن، وأثَّر في أجيال وأجيال من الكُتَّاب، منهم كبار جِدًّا مثل هيمنجواي، وصغار جِدًّا مثل بعض من يُحاولون نشر قصصهم هذه الأيام ولا يعرفون أنها ظل باهت لما كتبه تشيكوف في أواخر القرن التاسع عشر.

ولكن بعد الحرب العالمية الثانية حدثت ثورة في عالم القصة القصيرة، بمثل الثورة التي حدثت في الرواية بظهور يوليسوس لجيمس جويس، وبدأت حركة تمرُّد على طبيعية تشيكوف، وشاعريته الرهيفة؛ فالعالم الآن قد أصبح أكثر غلظةً أو الإنسان أصبح في حاجة إلى نخاسات أقوى لتُحرِّكه.

ومن العجيب أنه، في مجال الرواية، نجحت أوروبا في ثورتها، وظهرت الرواية الجديدة على يد الأب روب جرييه، وناتالي ساروت، وميشيل بوفور وغيرهم من أمريكا وإنجلترا.

أمَّا الأمر في مجال القصة القصيرة فقد حلَّ التطوُّر من حيث لم يكن يتوقَّع أحد، هنا من مشرقنا العربي، بل بالتحديد من مصر، وعلى يد جيلنا نحن. ونشأت مدرسة مصرية عربية جديدة تمامًا في كتابة القصة القصيرة، إن كانت قد تأثَّرت بكُتَّاب الغرب فهذا شيء طبيعي ولكنها فعلًا أصلية ومعاصِرة.

حدث هذا في الخمسينيات من هذا القرن، وقد كان حريًّا أن تتسلَّم الأجيال الجديدة الراية وتُطوِّر ما وصلنا إليه وتصل به إلى آفاق أكثر محلية أو أكثر عالَمية، ولكن للأسف حدثت نكسة وعاد فريق كبير من الكُتَّاب المصريين إلى التأثُّر بكُتَّاب الرواية الفرنسيين المحدثين أي عُدنا إلى التأثر والاقتباس وحتى التعريب مرةً أخرى بعد أن كان كل هذا قد انتهى وبدأت حركة إبداعية مستقلَّة لها خصائصها المُميزة وأصولها الشعبية الضاربة في أطناب التاريخ.

ومنذ أواخر الستينيات بدأت تظهر قصص سمَّاها البعض قصص الحساسية الجديدة، وقرأنا تحت هذا العنوان أشياء ما أنزل الله بها من سلطان، أي كلام، أي معنى شعري، أي تخريف، ولم لا؟ هذه هي الحساسية الجديدة وبالصدف البحتة وصلتْني قصَّتان لكاتب واحد. قرأتُهما فدُهشت، فهو أوَّلًا كاتب حساس فيه رهافة منقطعة النظير، ولكن المشكلة أنه تتلمذ على المبشِّرين بالعودة إلى التأثر بالغرب وبالرواية الفرنسية الجديدة، فكانت هذه «القصة» واقرأها معي.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠