حوار مع زوج مارلين مونرو

وليَعذرني القارئ لهذا العنوان؛ ﻓ «مارلين مونرو» أكثر شهرةً بكثير من زوجها عميد المسرح الأميركي المعاصر «آرثر ميللر»، وكنت وأنا سائر معه في الشارع الخامس بنيويورك، وهو طويل — أطول مما يَجب — وجهه ظاهر لأي عيان، وبالكاد يتعرف عليه أناس قلائل تمامًا، ودائمًا بعد أن نَمضي، أُقارن بيني وبين نفسي وأقول: لو كنت سائرًا مع مارلين مونرو، ألم يكن الشارع كله قد وقف تمامًا عن حركته؟ هكذا الكُتَّاب المساكين، دائمًا يعملون من وراء ستار — بل أحيانًا ستائر كثيفة — ودائمًا أسماؤهم أشهر من أَشخاصهم، وأدوارهم لا تعرف قيمتها الحقيقية إلا بعد ما يرحلون عن هذا العالم إلى الأبد.

وأنا لا أحب في العادة لقاء الكُتَّاب الأجانب أو المَشهورين حين أسافر؛ ذلك أني أعلم تمامًا أن الفنانين الأُصَلاء غالبًا ما يكونون منطوين على أنفسهم لا يُحبُّون أن يَفتحوا ذواتهم لأغراب، وأكثر ما يُضايقهم أنهم ما يكادون يلقون أحدًا إلا ويَنهال عليهم بأسئلة واستجوابات يَصطنعون من أجلها ابتسامات المجاملة التقليدية، وتدفعهم شدة أدبهم أحيانًا — معظمهم مؤدَّبون — إلى أن يضغطوا على أعصابهم كي يُجيبوا وأمرهم إلى الله. صحيح أني قابلت الكثير منهم، ومن الكبار أيضًا «سارتر» (ذلك الذي لم أُرِد أن أراه أبدًا في القاهرة حين جاء) قابلته بالصدفة المحضة في مطعم شبه شعبي في باريس، وقبل هذا قد قابلتُه أيضًا في فيينا في مؤتمر للسلام، وقابلت معه هناك «إيليا إهرنبورج»، و«سيمون دي بوفوار». قابلت بالصدفة أيضًا «أوسبورن وينتر» في إنجلترا، «وإيفنشنكو أوسيمونوف» «وناجيين» الذي كتب مقدمة لبعض كتبي التي تُرجمت إلى الروسية. قابلت وصادفت «دورينمات» أعمق كاتب مسرحي معاصر. قابلت الكثيرين ربما لا أَذكُرُهم الآن في إيطاليا واليونان وتركيا واليابان، ولكن المهم، رغم رغبتي الشديدة أحيانًا في اللقاء، إلا أني أبدًا — وللسبب الذي ذكرته — لم أسعَ أبدًا للقاء، حتى كُتَّابنا المصريون الكبار لم أشأ أن ألقاهم إلا بعد أن أكتب وأنشر؛ فالمهم هو «كارت» الزيارة الحقيقي؛ الإنتاج، أمَّا شخصية الكاتب فربما لا تكون هي خير ما عنده. وربما لأجل هذا أيضًا كنت أتحاشى لقاء الكُتَّاب في أوروبا وأمريكا، فأنا أعرف إنتاجهم ولكنهم هم لا يعلمون إلا القليل جِدًّا عَنَّا وعما نكتب، ولهذا فسوف يكون الحوار دائمًا من جانب واحد، وهذا أمر يَدفعني دائمًا إلى الخجل.

ولكنها الصدف، وأحيانًا المؤتمرات، وشكرًا للندوة التي عقدها نادي القلم الدولي في نيويورك والذي دعيت لحضورها منذ بضعة أشهر، وكان يرأسها «أرثر ميللر» ويُديرها الروائي الأميركي — أو أهم روائي أميركي معاصر — «جون أيدايك». شكرًا للندوة فقد أتاحت لي — دون سعي — أن أقابل عددًا من الأسماء التي كنت أقرأ لها ولا أعرفها، وفي نفس الوقت أتحْتُ للندوة أن تعرف شيئًا عن الأدب العربي والكُتَّاب العرب لم تكن تعرفه.

وفي الحقيقة كان لقائي «بميللر» عاصفًا، هكذا شاءت الظروف؛ فقد ألقى «ميللر» في كلمة الافتتاح خطابًا قصيرًا كاد يملؤني بالغضب؛ فقد كان تساؤلًا غريبًا عن أهمية ودور الكلمة في عالمنا المعاصر كاد يَنتهي فيها إلى أن الكلمة لم يَعُد لها دور، أو إذا كان لها دور فهو ثانوي تمامًا وبلا أي فاعلية. وبالصدف المحضة كنت قبل سفري قد كتبت في بابي المفكرة بعنوان: لماذا لا نزال نكتب؟ كانت انطباعًا كله إيمان بأنه لم يَعُد حقيقيًّا في هذا العالم إلا الكلمة الصادقة الطيبة، الكلمة التي تُغيِّر لأنها تصدر عن مُتغيِّر، التي تؤثر لأنها تصدر عن متأثِّر، التي تميت وتحيي لأنها صادرة من إنسان يأخذ قضية قولها وكتابتها مسألة حياة أو موت.

كنت قد أعددت كلمة في الافتتاح، ولكن حين جاء دوري نحَّيت الكلمة جانبًا، ورددت من وحي اللحظة على «ميللر»، ولا أدري لماذا تحمس الحاضرون كثيرًا لما قلته، حتى إن الجرائد في اليوم التالي نشرت المسألة وكأنها مشكلة. كل ما في الأمر أن الظروف كانت تُخبِّئ لي مفاجأة، فقد كان مفروضًا أن نتناول الغداء — بعد الافتتاح — في نادٍ لا أذكر اسمه الآن. وجاءت جلستي بالصدفة بين «أرثر ميللر» والروائي «جون أبدايك». وتحدثت مع «أبدايك» إذ كان قد زار القاهرة وكتب عنها قصة حاولت أن أناقشه فيها، فبدا عليه بعض الانزعاج وقال لي: إنها قصة «غريبة»، وهو استعمال مخفَّف لما تحويه القصة من تصوير لجو خاص شاذ لم أكن أعرف أن له وجودًا في قاهرتنا العزيزة. وتدخَّلَ «ميللر» في الحديث مُبديًا رغبة قديمة أن يرى القاهرة. وهكذا نشأ حوار ثلاثي عن الموضوع الذي أُثير في الصباح عن دور الكلمة. ودعاني «ميللر» لزيارته في مزرعته التي تبعد عن نيويورك ثلاث أو أربع ساعات، ولكنه كان كريمًا في اليوم التالي ودقَّ لي تليفونًا يطلب فيه أن يكون اللقاء في مكتب ناشره في نيويورك حتى لا يكبدني مشقة الانتقال إلى بيته البعيد. كان شاعرنا العربي «أدونيس» حاضرًا، فاتفقنا أن نذهب معًا.

وكما قُلت قبلًا فإن حماسي للفكرة لم يكن كبيرًا؛ ذلك أني لا أُومِن بإجراء هذه الأحاديث الكتابية أو الصحفية، وخاصة إذا كانت من جانب واحد. إني أقرأ الكاتب وأحاسبه على ما يقوله هو إنتاجًا ومن تلقاء نفسه، وليس بناءً على إلحاح أو سؤال. ولكن ثمة حب استطلاع كان يَدفعني لهذا اللقاء، أو بالأصح، حب استطلاعَين أحدهما كبير ولكنه غير مهم وهو مناقشة المشكلة المسرحية في العالم الآن، والآخر صغير ولكن هام بالنسبة لي كرجل وهو أن أعرف «أرثر ميللر» من قرب، وأعرف بالذات كيف اختارته «مارلين مونرو» — رمز الجنس في القرن العشرين — لتتزوجه، تلك التي صاحبَت دون جوانات، ورؤساء جمهوريات، وسناتورات، ماذا أغراها في هذا الكاتب المسرحي حتى لو كان «ميللر» لتختاره وتُعاشره؟ مشكلات المسرح أعرفها ولي رأي فيها، ولا أعتقد أن رأي «ميللر» سيغير من رأيي كثيرًا. ولكن هذا ولكن هذا الاختيار محيِّر لي تمامًا، حيَّرني حين قرأتُ عنه، وحيَّرني وأنا أتابع حياتهما معًا، ثم انفصالهما، ثم هذه المسرحية التي كتبها «ميللر» عن تلك العلاقة وأسماها «بعد السقوط».

•••

يقع المكتب؛ مكتب الناشر أو بمعنى أصح الوكيل — حبذا لو أصبح لنا في بلادنا العربية وكلاء يتولَّون عن الكُتَّاب والفنانين كل المهام التي لا يجيدها أبدًا أي كاتب أو فنان ومهمة الطبع والنشر والاتفاق والمطالبة بالحقوق — يقع المكتب في الدور الخمسين ربما من عمارة هائلة الارتفاع في قلب نيويورك.

وفي غرفة اجتماعات تقليدية، كراسي عالية الظهور، حاول «ميللر» أن يستعمل فرنسيته مع «أدونيس» الذي لا يتكلَّم الإنجليزية، وسألني عن إنجليزيتي وأين تعلمتها، واستغرب تمامًا أن أكون قد أجدتها على أيدي مدرسين مصريِّين. وشكرًا لجهاز التسجيل الذي سجل المحاورة وإلا لكانت قد ضاعت من الذاكرة تمامًا، وبما أن المسألة كانت إلقاء حوار فقد وجدت أن عليَّ أن أمثل صفة السائل، وها أنا ذا أورد نص الحوار:

أنا: اعذرني يا مستر «ميللر»، ولكن ظاهرة الكتابة للمسرح تُحيِّرني دائمًا، أنا أعرف أن من يُحبُّ المسرح يُحب بالدرجة الأولى أن «يُمثِّل» ويتقمص، أو على وجه أصح «يظهر» على خشبة المسرح. ولكن هذا الكاتب أو ذاك لماذا يحب أن يكتب للمسرح وهو دائمًا خلف ستار أو داخل «كمبوشته» الخاصة، بمعنى آخر أن تَكتشِفَ نفسك ككاتب شيء، أمَّا أن تكتشف أنك تريد الكتابة للمسرح فتلك قضية أخرى. متى حدث لك هذا وكيف؟

بصوته العريض الأجش، وبقامته المنتصبة فوق الكرسي ذي المسند العالي، وبطريقته التي تُشبه طريقة الفلاحين الصرحاء الأقوياء، قال ميللر: أستطيع أن أخبرك كيف حدث هذا؛ كنتُ طالبًا في جامعة متشجان في سنة ١٩٣٠ أو ٣٥، أي منذ مائة عام (قالها دون أن يَضحك، وضحكنا نحن). كانت لدينا إجازة لمدة أسبوع، وفي ذلك الوقت تكون الجامعة كلها في إجازة وكنتُ في السنة الأولى في الجامعة، ولكني قبل الالتحاق بها كنت قد اشتغلت كعامل في نيويورك، ثم كسائق تراكتور، وأيضًا في مصنع صغير، وكجرسون في مطعم، فقد كان عليَّ أن أُوفِّر النقود التي تُمكِّنُني من دخول الجامعة، وحين جاءت الإجازة قررت لسبب مادي محض أن أجرب كتابة مسرحية؛ ذلك أن جامعة متشجان كانت تعقد في ذلك الوقت مسابقة سنوية في القصة القصيرة والمسرحية، ويُعطون للفائز مبلغًا من المال. في تلك الأيام كانت أمريكا تمر بأزمة اقتصادية شديدة وكان الحصول على النقود أمرًا صعبًا للغاية.

– ولكن لماذا اخترت الدخول في مسابقة المسرحية بالذات؟

ميللر: لا أستطيع الآن أن أُحدِّد بالضبط، ولكن ربما اعتقدت أنها الأسهل في نظري مع أنه لم تكن لديَّ أي فكرة عن كتابة المسرحية. ربما اخترتها اختيارًا غريزيًّا، فلم أكن قد دخلت المسرح أكثر من ثلاث مرات في حياتي كلها، ولم أكن قد عرفتُ أو قابلتُ ممثِّلًا أو أحدًا ممَّن يعملون بالمسرح، بل حتى لم أكن أعرف ما هو طول الزمن الذي تستغرقه أي مسرحية ولكن لأنه كان أمام مسكن الطلاب في الجامعة شخص يقوم بصنع الملابس لمسرح الجامعة ومسرحياته، فقد ظللتُ أكتب لمدة يومين أو ثلاثة ثم ذهبت إليه لأسأله: ما هو الوقت الذي تستغرقه أي مسرحية؟ قال لي: حوالي ساعتَين. وهكذا عدت إلى حجرتي وأحضرت ساعة ورحت أقرأ ما كتبته فوجدته تقريبًا حوالي ساعتَين. وهكذا قدمت المسرحية في المسابقة، ولم أحصل على الجائزة الجامعية عنها فقط، ولكني حصلت على أكثر من خمس جوائز أخرى أيضًا.

– للنقود أيضًا.

ميللر: وأيضًا للمُتعة؛ فقد كانت الكتابة أيامها شيئًا عظيمًا ومُمتعة مثل الذهاب إلى صالة الجمنزيوم.

– هل طبعتها بعد هذا؟

ميللر: لا، ولكن أعجبتني المسألة فَرُحت أكتب لكل عام مسرحية.

– وهل مُثِّلت بعض هذه المسرحيات؟

ميللر: أجل. في متشجان.

– وكيف كان إحساسك بكلماتك وهي تخرج من أفواه المُمثِّلين تحمل معانيك وجملك؟

ميللر: كان انفعالي هائلًا؛ فقد أعجبتني الطريقة، طريقة أن أكتب الخطبة.

– الخطبة؟

ميللر: أجل! إن الكتابة للمسرح هي فن كتابة الخطب الرنانة الجوفاء، وإنها الفن المخطوب. فالكتابة للمسرح هي أساسًا فن شفوي للأذن وليس للعين.

– ولكنهم الآن يُحاوِلون أن يجعلوها فنًّا للعين أيضًا.

ميللر: ولكن هذا خطأ.

– سنأتي لهذا بعد بُرهة.

ميللر: معك حق، هو فن للعين أيضًا ولكنه أساسًا للأذن. إن شكسبير هو الموسيقى، يُمكنك أن تقرأ الموسيقى ولكن الأروع دائمًا أن تسمعها.

– أتسمح لي أن نَقفز قفزة صغيرة؟ كُتَّاب المسرح دائمًا محبون للاستطلاع فيما يختص بتجارب الآخرين في كتابة المسرح، دعنا نأخذ مسرحيتك «وفاة بائع متجول» بالطبع إن مسرحيتك الأولى «كل أولادي» تتبع حقبة زمنية لاحقة، ولكن في وفاة بائع متجول تغيير في الشكل المسرحي. هل أحسستَ بحاجتِكَ الملحَّة إلى هذا التغيير في الشكل؟

ميللر: بالطبع وبوعي أيضًا.

– لماذا؟

ميللر: لأن لي غريزة الاهتمام بالماضي، وكنت أريد أن أجعل الماضي حيًّا في نفس اللحظة التي نحيا فيها الحاضر. مشكلة تداخل الزمن كما تعرف، لكي أحيل كل شيء يقع في نفس الوقت بحيث يُصبح الجمهور بالتدريج يُدركُ أحداث أربعين عامًا مضت في نفس الوقت الذي يُدرِك فيه الأحداث التي تقع أمامه مباشرة. وهكذا اكتشفت تلك الطريقة لكي أحل هذا الإشكال الزمني، إني حينما أرى الرجال الكبار أراهم أيضًا حين كانوا أطفالًا. وحين أرى الأطفال أحاول أن أراهم أيضًا وفي نفس الوقت حين يُصبحون كبارًا. إن التاريخ مُهمٌّ جِدًّا، تاريخ البلاد، تاريخ الإنسان.

– نعم، ولكني أعتقد أن هذا راجع إلى الفلسفة الجدلية التي كنتَ ترى بها الإنسان.

ميللر: تستطيع أن تقول هذا أيضًا؛ فأنت لا تستطيع أبدًا أن تفهم أمريكا مثلًا إلا إذا عرفتَ تاريخها، وهكذا بالنسبة لي أو لك أو لأي إنسان. إن المجتمع الحاضر هو في الحقيقة التعبير الآتي عن تاريخ هذا المجتمع. لا يُمكِن أن تعرف ما يحدث الآن إلا إذا عرفت ما حدث منذ عشر سنوات مثلًا أو عشرين سنة.

وليس ما حاولت عمله جديدًا على أية حال؛ فقد حاول «إبسن» أن يفعل نفس الشيء، «وشكسبير» حاول. ولكنَّ هناك طرقًا متعددة للوصول إلى الهدف. لقد حاولت أنا أن أجعله يحدث أمامك وليس أن أرويَه أو «أتكلم» عنه. كله فعل درامي أمامك «الآن».

– ولكني أعتقد أن هذا لا بد أن يستتبعه أداء مسرحي خاص؛ فالممثلون دائمًا يؤدون الدور كما هو حادث «الآن» وليس بما لهذه الأدوار من تاريخ حي واقع.

ميللر: إنه مثل عزف «لسترافسكي». يكون هنا وهناك في نفس الوقت. كل الآلات تعزف في نفس الوقت. إنَّ تركيز الممثل لا بد أن يكون فائقًا جِدًّا. وبمناسبة الأوركسترا أتعرف أن حلمي الأكبر كان أن أصبح مُغنيًا. إني أملك صوتًا جميلًا جِدًّا كما ترى «ولسوء الحظ لم أكن أرى».

ميللر: كان الغناء يتطلب عملًا كثيرًا جِدًّا، وأيضًا كان لدينا مُغنُّون كثيرون، وكانوا — وهذا اعتراف — أحسن مني.

– مستر ميللر أتعرف أن حسًّا كوميديًّا تُخبِّئه دائمًا في تراجيدياتك مثل «كلهم أولادي» و«وفاة البائع المتجوِّل»، ولكنه بدأ يظهر أخيرًا في إنتاجك.

ميللر: هذا صحيح! أتعرف أن أول شيء كتبتُه في حياتي كان قطعة ساخرة كتبتها في سن الخامسة عشرة؟ كنت في ذلك الوقت أقيم مع والدي وكنت في المدرسة الثانوية. لم يكن التليفزيون هناك بعد وكانت وسيلة التسلية الأولى هي الراديو، وفي إذاعات تلك الأيام كان هناك معلِّق سياسي أخباري يَجوب بتعليقاته العالم كله بزمانه وبلاده المختلفة، وكان كل الناس يُصغون إليه باهتمام بالغ؛ فقد كان يتحدث بطريقة خطابية جادة تُرغمك على الإصغاء باحترام، ولكني أنا كنت أراه عبيطًا تمامًا، وكان يَجعلني أحس أني أود كلما سمعته أن أنفجر ضاحكًا. في نيويورك في تلك الأيام كانت هناك الأزمة الاقتصادية الطاحنة كما ذكرت لك، وكان في برامج الراديو ركن للهواة كل أسبوع يَحدُث فيه تنافس بين الهواة من عازفين ومُغنِّين وكتاب برامج، وكان الفائز يربح بضعة دولارات، ولقد دفعتني الحاجة أن أجرب حظي فكتبتُ قطعة أسخر فيها من هذه المعلق. وذهبت إلى المسئولين عن البرنامج وأعطيتهم القطعة فأخذوها وقالوا لي سنتَّصل بك. ولكنني لم أسمع عنهم أبدًا، غير أني ذات ليلة بعد شهرين أو ثلاثة فتحت الراديو ففوجئت بمُمثِّل كوميدي مشهور جِدًّا في ذلك الوقت يؤدِّي شيئًا، وفجأة أدركت أن الكلمات كلماتي وأنها هي نفسها القطعة التي أخذوها مني في ركن الهواة، لقد سرقوها.

وهكذا كان أول لقاء لي مع الحركة الفنية في نيويورك، إنهم سرقوني، وربما لا يَزالون.

– دعنا نقفز قفزة أخرى أكبر هذه المرة يا مستر «ميللر». لقد بدأتَ ككاتب ملتزم تمامًا في «كلهم أولادي» و«وفاة بائع متجول»، فما هو موقفك الآن؟ ألا تزال ملتزمًا؟ وما هو بالضبط كنه التزامك الآن، وقبل من؟ أم هل عدلت عنه؟

ميللر: بالطبع الآن المسائل تبدو أكثر تعقيدًا مما كانت تبدو في تلك الأيام. المجتمع الآن معقد جِدًّا، والمشكلة الأساسية هي أن تجد بعض الأمل وبعض الرمز للأمل. في شبابي كان هناك خطر النازية والفاشية وكان هذا يُجسِّد الشر في رمز واضح وصريح، الآن من الصعب أن ترمز للشر برمز واحد. وهكذا من الصعب أن نقول في جملة واحدة ما هي المشكلة الآن، فالمشاكل كثيرة جِدًّا. إن بلادنا الآن «أمريكا» تجتاز مرحلة تطور هائل وتتغير بسرعة شديدة.

ملحوظة: أحسستُ أن الفلاح العجوز ذا الصحة الجيدة تمامًا يحاول أن يزوغ من الإجابة الصريحة الواضحة، وحاولت بحُسنِ نية شديدة أن أتتبعه.

– تتطور إلى ماذا يا مستر ميللر؟

ميللر: لا أحد يستطيع الجزم إلى أين، وأي إنسان يزعم لنفسه أنه يستطيع فهو ساذج جِدًّا. أنت لا تستطيع الجزم إلى أين. أحيانًا نستطيع أن نقول إننا نسير إلى اليمين بشدة، وأحيانًا أخرى أشعر أننا أصبحنا أكثر حرية من أي فترة أخرى من فترات تاريخنا. حقيقة عندنا الآن كم كبير من الحرية.

– أتعتقد حقًّا أن هناك الآن حرية فعلًا في أمريكا؟

ميللر: بالتأكيد نعم. هناك حرية أكثر من الماضي، وفي نفس الوقت «الكاتب المسرحي يلعب الآن»؛ فإن المؤسسات الهائلة والمال الكثير نفوذهما أيضًا يَتعاظم.

– حسن جِدًّا. كما في الدراما، لقد حدَّدنا الآن طرفَي الصراع؛ الحرية، أكثر ونفوذ المؤسسات أعظم، فما هي محصلة القوى في رأيك؟ وإلى أين تتجه الريح ويتجه المستقبل، هل إلى مزيد من نفوذ المؤسسات أم مزيد من الحرية للمواطن؟

ميللر: هذه هي المشكلة، بالضبط كما حددتها هذه هي المشكلة، إن من الصعب تمامًا على المواطن الآن أن يكون مستقلًّا تمامًا عن هذه المؤسسات مثلما كان باستطاعته أن يفعل في السنين الماضية. المحلات الصغيرة تُغلق، أصحابها يتحوَّلون إلى عُمال وموظَّفين في المؤسسات. الاستقلال حلم صعب المنال، ولكن في نفس الوقت فإن أوجهًا كثيرةً قد تحرَّرت من ذي قبل، إنهم لا يُطيعون الآن بسرعة ولا يَخضعون بسهولة ويَميلون إلى التشكُّك في مصدر الأقوال والأفعال، باختصار لا يُصدِّقون إلا كل شيء يُقال لهم بسهولة.

بصعوبة ونعومة كان «ميللر» يقود الحديث إلى خارج منطقة المواجَهة المباشرة والاحتكاك. ولكني كنت لا أزال مُصرًّا أن أعرف رأي هذا الكاتب العملاق «قيمةً وجسدًا» في بلده وموقفه منه اليوم، والموقف بالنسبة لي صعب؛ فاللعبة بالحوار أصبحت أسخن، ونحن أصبحنا أكثر اندماجًا، ثم لا نَنسى أنه «ميللر»، ذلك الذي كان مِن أوائل من قرأتُ له عن المسرحيِّين، ومِن بُعدِ ستة آلاف كيلو كنتُ أتحمَّس له وأتخيله، ناهيك عن موضوع «مارلين مونرو».

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠