أسس التفكير العلمي

(١) مجالات مختلفة

هذه صفحات أكتبها عن أسس التفكير العلمي موجهة إلى القارئ العام؛ وأول ما أريد لهذا القارئ العام أن يتبيَّنه في وضوح ناصع، لكي يتجنب كل لَبس بين المتشابهات؛ هو أن للإنسان مجالات مختلفة يتحرك فيها بنشاطه الذهني، فليس العلم أو التفكير بمنهج العلم هو مجاله الوحيد، بل إن له لميادين كثيرة أخرى، ولكل ميدان منها موازينه الخاصة؛ فإذا قلنا فيما يلي من الصفحات إن المنهج العلمي يقتضي كذا وكذا من الشروط وقواعد السير؛ فلسنا نعني إلا مجال العلم وما يدور مداره، وأما غير العلم من ميادين النشاط الإنساني فليس هو موضوعنا هنا. إن ما سوف نوجز القول فيه هنا لا ينطبق — مثلًا — على مجال الفن والأدب، ولا على حياة الإنسان الوجدانية بصفة عامة؛ وليس الأمر في حياة الإنسان الشاملة، هو أن نقول له: إما أن تكون ذا منهج علمي في تفكيرك وإما ألا تكون؛ كلا، بل شأن الإنسان في حياته هو أن يكون هذا وهذا وذاك وذلك في حياة واحدة؛ لكنه — مع ذلك — مطالب بأن يلتزم في كل ميدان منهاجه الملائم، على أن نتذكر هنا بأن الملاءمة في هذا الميدان أو ذاك — ليست فرضًا مصبوبًا على الإنسان من حيث لا يدري، فلا حيلة له إلا أن يصدع بما فُرض عليه، بل إنه لفرض وجب التزامه على ضوء خبرة الإنسانية عبر تاريخها الطويل؛ فإذا قيل لنا: إن منهاج العلم هو كذا وكيت؛ كان معنى ذلك أن خبرة الإنسان في محاولاته قد دلَّت على أن هذا المنهاج المعيَّن هو أفضل طريق للسير في مجال البحث العلمي، دون أن يمنع ذلك من أن يُدخل عليه من التعديلات ما يتبين أنه الأصلح.

إنه إذا قال شاعر كأبي العلاء: «ما أظن أديم الأرض إلا من هذه الأجساد» فلا يجوز أن يتعرَّض له عالم الجيولوجيا قائلًا: لقد أخطأت، فسطح الأرض ليس مقتصرًا في عناصره على العناصر التي تتكون منها أجساد البشر، بل فيه ما ليس في هذه الأجساد من عناصر؛ لا، لا يجوز لعالم الجيولوجيا أن يعترض على الشاعر بمثل هذا؛ لأن للشاعر مقياسًا يُقاس به صوابه الشعري، غير المقياس الذي يُقاس به الصواب والخطأ في العلم؛ فعندما قال أبو العلاء إن أديم الأرض — في ظنه — ليس إلا من أجساد بشرية كانت كأجسادنا، لكن جاءها الموت فبليت وتحلَّلت وباتت ترابًا من هذا التراب الذي ندوس عليه بأقدامنا — فإنما أراد أن يحدَّ من غرور الإنسان بنفسه، وهو هدف لا يتَّصل من قريب ولا من بعيد بهدف عالم الجيولوجيا حين يُحلِّل تربة الأرض إلى عناصرها ليعلم ما مكوناتها؛ ولكل من الشعر والعلم ميزان خاص؛ أما ميزان الشعر الجيد فهو من شأن نقاد الأدب، وأما ميزان العلم الصحيح فهو في أيدي من ألموا بأصول المنهج العلمي.

ونحن إذا ما قصرنا أنفسنا هنا على مجال التفكير العلمي وحده، فسرعان ما يتبين لنا — بعد نظرة فاحصة — أن المجال يتفاوت محتواه تفاوتًا بعيدًا، فمن هذا المحتوى ما ليس ينطبق إلا على مجال ضيِّق في دنيا الأشياء، ومنه ما يتَّسع مدى تطبيقه حتى ليشمل كل شيء في الوجود؛ فقارِن — مثلًا — بين حقيقة تقال عن دودة القطن كيف تولد وتحيا وكيف تموت، أو حقيقة أخرى تُقال عن جبل المقطم وأنواع صخوره، أو عن السد العالي وطريقة بنائه والأهداف التي يحققها، قارن أمثال هذه الحقائق بحقيقة عن سرعة الضوء أو حقيقة عن تركيب الذرة وما فيها من كهارِب، أو عن الجاذبية وقانونها؛ فهذه كلها مقارنات تخرج منها بنتيجة، هي أن الحقائق العلمية ليست كلها من درجة واحدة، بل هي درجات تتصاعد من حيث التجريد والتعميم.

ولما كان لهاتين اللفظتين: «تجريد» و«تعميم» أهمية بالغة في تصورنا للأسس التي يُقام عليها التفكير العلمي، فلنقف عندهما قليلًا في هذا الموضع من سياق الحديث: أما التجريد فهو — كما هو ظاهر من المعنى المباشر لهذه الكلمة — خلع للصفات عن الأشياء التي تتَّصف بها، كما نخلع عن اللابس ثيابه التي تكسوه؛ فإذا كان هذا الذي بين يدي الآن قلمًا معينًا خاصًّا، ربما استطعت تمييزه من سائر الأقلام بعلامات فردية أعرفها فيه، فإنه إذن شيء بذاته، مُحدِّد معلوم، له فرديته وخصوصيته، ولا بدَّ أن يكون له في كل لحظة زمنية مكان معروف؛ لكن قلمي هذا ليس هو أول الأقلام ولا آخر الأقلام في هذه الدنيا التي تعجُّ بأشيائها، بل هنالك غيره أقلام كثيرة، كانت وكائنة وسوف تكون؛ وهي إن اختلفت في ألوانها وأحجامها وطرائق صنعها فبينها جانب تشترك فيه، وإلا فما يصح لنا أن نشركها جميعًا في اسم واحد يسميها، وهو الاسم «قلم»، فإذا ما بلغنا الدرجة التي نطلق عليها هذا الاسم الشامل برغم أوجه الاختلاف التي تميز بعضها، فلا بد أن نكون عندئذٍ قد اطَّرحنا بعقولنا عددًا كبيرًا من صفاتها الجزئية التي كانت تختلف فيها؛ لا بدَّ أن نكون قد أطرحنا صفات اللون والحجم وطريقة الصنع، لنُبقي على المهمة التي تؤديها، والتي هي موضع الاشتراك بينها، لكننا حين نخلع عن الأقلام المفردة صفاتها المميزة لها — على هذا النحو — فإنما نكون قد بعدنا عن الواقع الحسي كما يقع فعلًا وكما تدركه حواسنا فعلًا، إذ الواقع الحسي ليس فيه إلا أفراد ومفردات، وحواسنا من بصر وسمع ولمس وغير ذلك — ليس في وسعها إلا أن تتَّصل بتلك الأفراد أو المفردات؛ أما إذا خلعنا عن هذه الأشياء الجزئية الواقعية صفاتها التي تتعيَّن بها، أعني إذا نحن «جردناها» مما كانت تكتسي به من تلك الصفات، بحيث لا يبقى لنا منها إلا فكرة، أو مفهوم ذهني، ليس هو مما يدركه بصر ولا سمع، بل هو مما تتصوره الأذهان — فإن أداتنا عندئذٍ في عملية الإدراك تكون هي «العقل» لا الحواس، برغم أن هذا العقل لم يدرك ما أدركه إلا مستندًا إلى أقلام جزئية في عالم الواقع المحسوس.

ذلك هو «التجريد» الذي — إذا ما دخلت مجال التفكير العلمي — رأيته شرطًا في كل فكرة علمية؛ فمعرفتنا لجزئية واحدة لا تكون علمًا؛ لأن الجزئية الواحدة وهي معزولة عما عداها لا تكون من قبيل القوانين العلمية العامة التي تشملها وتشمل غيرها من بنات جنسها، ولعلك قد لحظت في هذين السطرين الأخيرين كلمتَي «معرفة» و«علم» — حين قلنا إن «معرفتنا» للجزئية الواحدة لا تكون «علمًا»، مما يبين لك أن المعرفة بالأشياء أوسع من العلم الخاص بها، فما كل ما «تعرفه» هو من قبيل العلوم، لكن كل حقيقة علمية ضرب من المعرفة، فلقد تعرف خصائص تميِّز أباك أو أخاك أو صديقك دون سائر الناس، فلا يكون ذلك هو ما نقصده بعلم النفس أو بغيره من علوم الإنسان، لأن هذه العلوم «تُجرِّد» المعارف الجزئية من خصائصها الفردية، لتصل إلى فكرة تشملها جميعًا، وها هنا تصبح الفكرة «علمية» ما دامت قد استندت بحق إلى ركائز من معارف جزئية أدركناها إدراكًا صحيحًا.

والفكرة المجردة إذا بلغناها، وجدناها بالضرورة فكرة «عامة» تصدق — لا على فرد واحد، أو موقف جزئي واحد، بل تصدق على مجموعة الأفراد أو مجموعة المواقف المتجانسة؛ وسترى في الصفحات التالية أن من أخص خصائص التفكير العلمي، وصوله إلى «قوانين» عامة نفهم الوقائع الجزئية على ضوئها؛ نعم إن العلم يبدأ بدراسة الحقائق الجزئية المفردة المحددة، غير أن هذه الحقائق لا تكون بذاتها علمًا؛ لأن العلم لا يكون إلا إذا كشفنا عن القوانين العامة التي تكوِّن كل حقيقة من تلك الحقائق الجزئية تطبيقًا أو تجسيدًا لها؛ فأهمية الوقائع الجزئية هي أنها أول الطريق الذي يؤدي بنا إلى قوانين العلوم.

إن حقائق العالم الذي يحيط بنا هي في ظاهرها حقائق مُفكَّكة متفرقة، فقد لا ترى العين العابرة علاقة بين تلك السحابة السابحة في جو السماء، وهذا النهر السالك في مجراه، وحركة الريح التي نسمع حفيفها في أوراق الشجر، وحرارة الشمس التي نتَّقيها في ظل تلك الأوراق، هذه وغيرها قد تبدو متفرقة بعضها عن بعض أمام العين العابرة، حتى يتناولها تفكير منهجي فإذا هو يربط هذه المتفرقات في مجموعة متَّسقة، نطلق على كل مجموعة متَّسقة منها اسم علم من العلوم: فعلم الفلك — مثلًا — مجموعة من قوانين، كل قانون منها يختصر وصفًا لحركات الأجرام السماوية كما شوهدت في جزئياتها وتفصيلاتها؛ وعلم النبات مجموعة من قوانين، كل قانون منها تلخيص نُعمِّم به خصائص لحظناها في أنواع النبات المختلفة؛ وعلم الاقتصاد هو مجموعة الأفكار العامة — أي القوانين — التي استخلصناها من مراقبة عمليات الإنتاج والتوزيع؛ وعلم النفس هو مجموعة القوانين العامة التي استخرجناها من أنماط السلوك التي رأيناها في أفراد الناس وتفاعلهم بعضهم مع بعض، وهكذا.

نعود فنقول: إن الجزئية الواحدة التي تُصادفك في عالم الواقع، لا تكون علمًا، وإن تكن ملاحظتها وإجراء التجارب عليها هي أول طريقنا إلى العلم؛ بل إن تلك الجزئية الواحدة وهي بعد في عزلتها وانفرادها، لا يمكن «فهمها» إلا إذا أدركنا الروابط بينها وبين سواها، واستطعنا صياغة تلك الروابط فيما نسميه بقوانين العلم، فعندئذٍ فقط «نفهم» الجزئية الواحدة على ضوء القانون العلمي الذي يحتويها مع أشباهها، فإذا أمطرت السماء الآن، فإني أعرف أن ثمة قطرات من الماء ساقطة من السماء، بل ربما شاء لي خيالي أن أظن بهذا الماء الساقط مختلف الظنون من حيث مصدره وعلَّة سقوطه؛ حتى إذا ما انتهى بي التفكير العلمي إلى ربط هذا الماء الساقط بغيره من الظواهر المتَّصلة به: بدرجة الحرارة والرطوبة واتِّجاه الريح إلخ، «فهمت» ظاهرة المطر، ولم تعد مجالًا لظنون الوهم أتخبط فيها.

فهمك لظاهرة ما معناه أن تجد الرابطة التي تربط بينها وبين ظواهر أخرى في قانون واحد؛ وإذا لم تجد القانون الذي يضمها مع أشباهها من الظواهر ظلت ظاهرة «غير مفهومة»؛ فالطبيب «يفهم» الظاهرة المرضية التي هو بصدد فحصها، إذا عرف في أي طائفة يضعها؛ والتاجر «يفهم» ارتفاع ثمن سلعة معينة أو انخفاضه، إذا وجد العلاقة بين تلك السلعة وبين حقائق أخرى تلحق بها، كمقدار ما نُتج منها وما عرضته أسواق العالم وهكذا.

ولو عرفت ألوف الحقائق الجزئية عن الطبيعة دون أن تجد الروابط التي تسلكها في مجموعات من القوانين، فليست معرفتك هذه من العلم في شيء؛ فالقروي الذي يرى كسوف الشمس أو خسوف القمر لا يكون بمعرفته لهذه الجزئية الواحدة واحدًا من علماء الفلك؛ لأنه يدرك تلك الحقيقة الجزئية وهي بمعزل عن سائر الحقائق المرتبطة بحدوثها، كوضع القمر بالنسبة إلى الأرض والشمس وما يستلزمه هذا الوضع بناء على قوانين الضوء؛ ومعرفة الحقيقة الجزئية الواحدة لا تساعدنا في التنبؤ بما سوف يحدث في لحظة مستقبلة، أما إذا عرفنا الروابط التي بين مختلف الأشياء، والتي نعممها فتصبح قانونًا علميًّا؛ فحينئذٍ يمكن التنبؤ على وجه الدقة بما سوف يحدث ومتى يحدث وكيف يحدث إذا ما توافرت تلك الروابط في الظروف المعينة، على النحو الذي يحدده القانون العلمي لها.

وهذا الربط بين المتفرقات التي يتلازم حدوثها معًا أُسٌّ مكين من أسس التفكير العلمي؛ فإذا ترابطت عدة جوانب في مجموعة واحدة متلازمة في حدوثها، كدرجة الحرارة عند مريض، وطريقه تنفسه، ومقدار ضغط الدم عنده، وما إلى ذلك من الجوانب التي يتعقبها الطبيب الفاحص؛ فإنه يستطيع أن يستدل على بعضها من بعضها الآخر، وفقًا للقانون العام الذي يجمعها معًا؛ ولتلاحظ هنا جيدًا، أن التفكير الخرافي بدوره يحاول مثل هذا الربط بين المتفرقات، كأن يربط بين أن ينعق غراب عند السفر، وأن يحدث للمسافر شيء من الخطر، أو أن يربط بين زيارة الأضرحة وشفاء المرضى، ففي حالة التفكير الخرافي، وفي حالة التفكير العلمي على حدٍّ سواء، نرى محاولة الربط بين الحوادث والأشياء ربطًا يساعدنا على التنبؤ بالنتائج، لولا أن التفكير العلمي فيه ما ليس في التفكير الخرافي من دقة المشاهدات وتمحيص النتائج، على الوجه الذي سنفصل فيه القول بعد حين.

وأكرر هنا ما بدأت به هذه الفقرة الأولى من الحديث، وهو أن ما ليس يقبله العلم في مجاله، لغياب الشروط التي يقتضيها منهج التفكير العلمي — قد يكون مقبولًا في مجالات أخرى، لكننا في هذه الصفحات معنيون بالعلم دون سواه.

(٢) وعلوم مختلفة

فإذا دخلنا ساحة العلوم، ألفيناها صنوفًا مختلفة: فهنالك علوم الرياضة بفروعها، كما أن هنالك علوم الطبيعة بأنواعها، وإلى جانب هذه وتلك مجموعة ثالثة يحارون في تسميتها، فأحيانًا يطلقون عليها علومًا اجتماعية، وأحيانًا أخرى يؤثرون لها اسم العلوم الإنسانية؛ فربما كان أول سؤال يفرض نفسه علينا عند رؤية هذه الصنوف المختلفة من العلوم، هو: هل تشترك هذه كلها في نمط فكري واحد هو الذي نريد له أن يسمى بالتفكير العلمي؟ وإذا كانت أنماط الفكر مختلفة باختلاف هذه الصنوف — ففي أي شيء تتَّفق بحيث جاز لنا أن ندرجها جميعًا في مجال واحد؟

الحق أن الجواب عن هذه الأسئلة لم يكن على مدى العصور جوابًا واحدًا؛ فلقد لبث الناس قرونًا طويلة، وهم على ظن بأن منهج التفكير العلمي واحد لا يتعدد، فإذا رأينا هذا المنهج يؤدي بنا أحيانًا إلى نتائج يقينية (كما هي الحال في العلوم الرياضية) وغير يقينية أحيانًا أخرى (كما هي الحال في العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية) وجب على فلاسفة العلم في هذه الحالة أن يحللوا طريقة التفكير الرياضي المؤدِّية إلى اليقين، ما مقوماتها؟ لكي نتوسَّع في تطبيقها بحيث نستخدمها في كل موضوع ندَّعي أنه من العلم؛ وكان مثل هذا التحليل هو الذي أنشأ به الفيلسوف اليوناني أرسطو علم المنطق كما وضعه، وكما دام له البقاء ليكون هو منهج التفكير العلمي الذي لا منهج سواه، حتى سلخ التاريخ من شوطه نحو عشرين قرنًا؛ أي منذ أرسطو في القرن الرابع قبل الميلاد، حتى ما يقرب من القرن السادس عشر الميلادي، مع استثناءات على الطريق، كالتي حدثت على أيدي نفر من علماء العرب.

كانت الفكرة الراسخة طوال تلك القرون العشرين، هي أن للتفكير العلمي منهاجًا واحدًا، كائنًا ما كانت مادة العلم، لا فرق في ذلك بين علم يبحث في الهندسة وثانٍ يبحث في الكمياء وثالث يبحث في طرائق السلوك البشري، ففي كل هذه الحالات جميعًا — لا بد أن يكون بين أيدينا بادئ ذي بدء — مجموعة من المُسلَّمات التي نقبلها كما نقبل الأساس الذي يُقام عليه البناء، ثم تأتي بعد ذلك عملية التفكير العلمي، وهي أن نستنبط من تلك المسلمات ما يجوز لنا استنباطه، وما دامت المسلَّمات الأولى مقطوعًا بصحتها؛ فالنتائج التي نستنبطها منها تكون مقطوعًا بصحتها كذلك.

وفي إطار هذا المنهج الوحيد، لو تقدم صاحب فكرة إلى الناس بفكرته، وأراد الناس التثبت من صوابها — طالبوه بأن يرد فكرته تلك إلى الأصول التي استخرجها منها، شريطة أن تجئ تلك الأصول من المسلَّمات التي يضعها هؤلاء الناس من أنفسهم موضع التسليم؛ ومهما تكثر الخطوات التي يرتد بها المحقق من الفكرة المزعومة إلى أصولها الأولى، فلا بد أن تكون الرابطة وثيقة بين كل خطوة والخطوة السابقة عليها، إلى أن يبلغ المحقق نقطة الابتداء من المسلَّمات؛ وليس علمًا ما يقوله قائل بغير إسناد من هذا القبيل.

لكن مثل هذا السَّير يقتضي من السائر أن ينتقل من الجملة التي صيغت فيها الفكرة المراد تحقيقها، إلى جملة ثانية كانت أصلًا لها، وهذه إلى جملة ثالثة، وهذه إلى جملة رابعة، فكأن طريق العلم هو التنقل بين جمل في صفحات الكتب، وكأنه لا طبيعة هناك تحيط بالإنسان ويريد العلم بظواهرها؛ ومثل هذا السير الذي يظل يشتق جملة من جملة، قريب مما يحدث في مجال التفكير الرياضي؛ لأن بناء العلم الرياضي قائم على مسلَّمات نفرضها لأنفسنا، ثم نستخرج منها ما جاز لنا أن نستخرجه؛ بحيث يكون البرهان الرياضي هو دائمًا رد النتيجة المراد البرهنة عليها إلى الأصل الذي استخرجناها منه. ويبقى السؤال: أيكون مثل هذا السير هو نفسه طريقة العلوم الطبيعية؟ كان الجواب بالإيجاب حتى عصر النهضة الأوروبية، مع استثناءات قليلة ظهرت في جماعة من العلماء العرب؛ وهي قليلة لأنها ليست هي التي تميز الطابع العام للمناخ الفكري في مجموعه؛ فمن جهة هنالك علماء الرياضة، وهم بطبيعة علمهم لا بدَّ أن يسلكوا الطريق الذي يبدأ بالمسلَّمات ثم يخرج منها النتائج؛ ومن جهة أخرى كانت الكثرة الغالبة من أصحاب التفكير العلمي من رجال الفقه ورجال علوم اللغة، ومن علماء الكلام ومن أصحاب المذاهب الفلسفية، وكل هؤلاء — بطبيعة ميادينهم الخاصة — لا بدَّ أن ينتهجوا الطريق نفسه في التفكير، وهو التفكير الذي يبدأ بما ليس هو موضوعًا لجدل، لينصرف جهدهم في استخلاص النتائج فقط دون إمكان الشك في الأصول التي انتزعت منها تلك النتائج.

لكن الأمر قد اختلف من أساسه، منذ عصر النهضة الأوروبية التي كانت هي المدخل إلى ما نسميه بالعصر الحديث؛ فها هنا بدأت علوم الطبيعة تتَّخذ لنفسها مكانًا لم يكن لها منذ بدأ التاريخ، نقول ذلك دون أن نتجاهل أقطابًا في تلك العلوم جاءوا قبل عصر النهضة الأوروبية، فمن علماء الإسكندرية القديمة كان «أرشميدس» صاحب قانون الأجسام الطافية، ومن علماء العرب كان «جابر بن حيان» مُنشئ علم الكيمياء؛ لكن هؤلاء جميعًا لم يكونوا من الكثرة، ولا كان لمنهجهم من السيطرة، بحيث تكون لهم الغلبة فيصبحون هم طابع العصر، كما كان لعلماء الطبيعة في عصر النهضة، ولمنهاجهم القائم على دراسة الطبيعة في ظواهرها، لا دراسة الطبيعة كما وردت أوصافها في الكتب، أقول: كان لهم ولمنهاجهم السيادة الغالبة فطبعوا العصر بطباعهم، وأمكن المؤرخين بعد ذلك أن يقولوا: هنا وُلِد علم جديد ومنهج علمي جديد؛ وكان موضع الجدة هو أن استبدل العلماء بقراءة الصفحات قراءة الطبيعة نفسها، وأصبحت الأسناد التي يستندون إليها فيما يقررونه عن الكائنات والظواهر، ليست هي أن يرتدُّوا إلى نص في كتاب؛ بل هي أن يرجعوا إلى ما يمكن مشاهدته في الظواهر الطبيعية كما تدركها حواسهم.

ثم زادت هذه التفرقة بين طريقة التفكير الرياضي الخالص وطريقة التفكير في ظواهر الطبيعة، وضوحًا على وضوح، على ضوء ما انتهت إليه التحليلات المنطقية للحقائق العلمية منذ منتصف القرن الماضي (التاسع عشر)؛ فمنذ ذلك الحين تبيَّنت فروق حاسمة بين الوحدة الفكرية في البناء الرياضي والوحدة الفكرية في بناء العلوم الطبيعية، مما يجعل لكل من البنائين منهجًا لا يصلح للآخر؛ وبالطبع لا ينفي هذا الاختلاف بينهما أن يكون كل منهما معتمدًا على الآخر في سياق بحث واحد.

فبينما وحدة التفكير الرياضي «تحليلية» في طريقة بنائها؛ فإن وحدة التفكير في العلوم الطبيعية «تركيبية» في طريقة بنائها، والمقصود بالبنية التحليلية في العلوم الرياضية، أنها مستندة في صحتها على قانون الهوية؛ أي إن المعادلة الرياضية — مثلًا لا تذكر في شطرها الآخر إلا ما كانت ذكرته في شطرها الأول، مع اختلاف الرموز المستخدمة في كل من الشطرين؛ أي إن الشطر الآخر من المعادلة الرياضية هو هو الشطر الأول بعد أن استبدل ثوبًا بثوب؛ إن قولنا ٣ + ٢ = ٥ معناه أن «٣ + ٢» هو نفسه «٥» برغم اختلاف الرموز الدالة على الحقيقة الواحدة في الحالتين؛ فإذا سأل سائل وقال: ما الذي أدرانا أن هذه معادلة صحيحة؛ لم يكن جوابنا هو أن نطابق له بينها وبين أي شيء من كائنات الطبيعة الخارجية، بل إن جوابنا في هذه الحالة لينحصر في أن نراجع معه الطريقة التي حللنا بها أحد الشطرين تحليلًا يضع عناصره بلا زيادة ولا نقصان في الشطر الآخر؛ وإذن فصدق الجملة الرياضية في طريقة تكوينها، غير مستند إلى أي شاهد من خارجها.

وأما وحدة التفكير في العلوم الطبيعية فشأنها شأن آخر؛ لأنني في هذه الحالة لا أحلل جزءًا من الجملة بالجزء الآخر، بل أضيف إلى الشيء الذي أتحدث عنه معلومات لم تكن لتستنبط منه إذا أخذناه بمعناه المعروف لنا؛ فإذا قلت عن الضوء إن سرعته كذا ميلًا في الثانية، كان هذا الجانب الذي أضيفه جديدًا، ما كنت لأصل إليه لو أخذت أحلل مفهوم الضوء في ذاته كما عرفته في خبرتي المباشرة، أو إذا قلت إن متوسط الدخل لكل مصري هو ما يقرب من مائة جنيه مصري في العام، فها هنا أيضًا ترى أن الخبر الذي أرويه عن متوسط الدخل لم يكن ليُستنبط نظريًّا فقط من مجرد تحليلي للعناصر التي يتركب منها مفهومي للمصري وطريقة تكوينه؛ ولذلك فلو سأل سائل هذه المرة قائلًا: ما الذي أدرانا أن تلك هي سرعة الضوء حقًّا، أو أن هذا هو متوسط دخل المصري؟ لم يكن جوابنا كالذي كان في حالة المعادلة الرياضية، بل إن السند هنا هو أن نخرج مع السائل إلى الحقيقة الخارجية لنراجع الحقيقة المزعومة عليها، فإن طابقتها كانت الحقيقة المزعومة صحيحة، وإلا فهي ليست بحقيقة كما زعمنا لها.

تانكم — إذن — مجموعتان من العلوم، تختلفان موضوعًا ومنهجًا؛ وللتفكير العلمي في إحداهما أسس غير الأسس المطلوبة للتفكير العلمي في الأخرى، وتبقى أمامنا مجموعة ثالثة هي ما قد يطلق عليه العلوم الإنسانية أو العلوم الاجتماعية، كعلوم الاقتصاد والاجتماع والنفس والسياسة وغيرها، وهذه تثير إشكالًا بين فلاسفة العلم إلى يومنا هذا، فمنهم من يريد لها منهجًا خاصًّا بها؛ أي أسسًا للتفكير العلمي تخالف أسس الرياضة وأسس العلوم الطبيعية معًا؛ ومنهم من يرى إدراجها مع مجموعة العلوم الطبيعية؛ لأنها تبحث في الإنسان من حيث هو ظاهرة طبيعية كغيرها من الظواهر، فإذا كانت له جوانب أخرى يتميز بها، فليست هي التي نقصد إليها بالدراسة العلمية، ولعلنا نعود إلى تفصيل ذلك في موضع آخر.

(٣) وقفة عند التفكير الرياضي

عندما يسأل السائلون عن أسس التفكير العلمي، فكثيرًا جدًّا ما تنصرف الأذهان إلى نوع واحد من نوعَي هذا التفكير، وهو ذلك الذي يجري في ميدان العلوم الطبيعية التجريبية، وقلَّما يتنبَّه السائلون أو المجيبون أن ثمة نوعًا آخر، يخالف منهج العلوم الطبيعية اختلافًا جوهريًّا من رأسه إلى قدمه، وأعني به التفكير الرياضي، آخذين لفظة «الرياضة» هنا بأعم معانيها، التي تشمل مع علوم الجبر والحساب والهندسة وما إليها، علومًا أخرى، ليست الأرقام لغتها، ولكنها مع ذلك تنهج النهج نفسه في خطوات السير من الفروض الأولى نزولًا إلى النتائج التي تتولد من تلك الفروض.

ذلك أن التفكير الرياضي يتميَّز بسيره على خطوتين؛ أولاهما خطوة تُوضع فيها فروض يطلب التسليم بها، لا لأنها في ذاتها لا بد من التسليم بها في كل الظروف وعند كل إنسان؛ بل لأن الباحث يريد أن يقيم عليها نتائجه، بحيث لا يجوز للناقد بعد ذلك أن يوجه نقده إلى الفروض نفسها، بل عليه أن يحصر نقده عندئذ في طريقة استدلال النتائج من تلك الفروض؛ فإذا لم يكن البناء الفكري كله مقبولًا عند ناقديه، فسبيلهم هو أن يعيدوا هم البناء على فروض أخرى يضعونها ليُخرجوا منها نتائج مختلفة عن نتائج البناء المرفوض؛ ونسوق لذلك مثلًا من الحياة الجارية قولنا: إذا كان الفرض هو أن دخل المصري الواحد في المتوسط مائتا جنيه في العام، ثم إذا فرضنا أيضًا أن عدد المصريين أربعون مليونًا؛ كانت النتيجة الحتمية هي أن الدخل القومي في مصر ثمانية آلاف مليون جنيه؛ فيلاحظ القارئ في هذا المثل كيف أن هذه النتيجة المذكورة لا تُوصف بأنها صواب أو بأنها خطأ إلا على أساس الفروض التي وضعناها واشتققنا النتيجة منها؛ فالبناء الفكري هنا سليم ما دامت الفروض محل اتِّفاق، وما دامت النتيجة قد جاء استدلالها بطريقة رياضية صحيحة؛ وأما إذا أراد ناقد أن يضع فروضًا أخرى، كأن يجعل دخل المصري في المتوسط المطلوب ثلاثمائة جنيه في العام، مع موافقته على تعداد المصريين أربعين مليونًا، فإن نتيجته سوف تختلف؛ إذ ستكون هذه المرة أن الدخل القومي في مصر لا بدَّ أن يبلغ اثني عشر ألفًا من ملايين الجنيهات.

النقطة الهامة جدًّا في هذا الحديث، والتي نريد استرعاء الأنظار إليها، هي أن الفروض التي يضعها صاحب التفكير الرياضي — أيًّا كان موضوعه — ليست هي محل النقاش والجدل؛ لأن الفروض بطبيعة تسميتها هذه ليست من قبيل القضايا المطروحة للبحث، بل هي بمثابة قولنا: «إذا» كان الأمر كذا وكذا فإن الناتج يكون كيت وكيت، والجملة المسبوقة بأداة الشرط «إذا» لا يدَّعي قائلها أنها دالة على حقيقة فعلية، فقولك — مثلًا: «إذا نزل المطر فسأضطر إلى المكث في منزلي»، يرتب نتيجة على فرض نزول المطر، دون أن يزعم بأن المطر قد نزل أو أنه سوف ينزل حتمًا؛ بل إن النتيجة مرهونة بحدوث هذا الفرض «إذا» حدث.

ولقد كان النموذج التاريخي للتفكير الرياضي طوال قرون، هو علم الهندسة كما وضعه إقليدس؛ ففيه بدأ ذلك الرياضي الرائد بمسلَّمات ليبدأ بها البناء الفكري الرياضي، وقسم تلك المسلَّمات ثلاثة أنواع: فأولًا — أورد عددًا من التعريفات التي يُحدِّد به ما يعنيه بالكلمات ذات الأهمية في سياقه، كالنقطة والخط والسطح، وهكذا؛ وثانيًا — ذكر عددًا من الحقائق المطلوب قبولها بغير برهان، وأسماها بالبديهيات، وثالثًا — وضع عددًا آخر من الحقائق المطلوب التسليم بها مُقدَّمًا، وأسماها بالمُصادرات؛ وكان الفرق الرئيس بين مجموعة البديهيات ومجموعة المصادرات — وكلتاهما مطلوب التسليم بهما بغير برهان — هو أن البديهيات تدور حول أفكار ليست من مجال الهندسة ذاتها، وأما المصادرات فأفكار مأخوذة من مجال الهندسة الذي هو مجال البحث الذي يهم «إقليدس» تناوله، فبينما البديهيات تذكر لنا حقائق عن المقادير الحسابية أو عن المفهومات الواردة في علم الحساب، كمفهوم الجمع أو مفهوم التساوي، ترى المصادرات قائمة على مفهومات هندسية مأخوذة من الميدان نفسه الذي هو موضوع البحث، كالخطوط المتوازية مثلًا.

ولبث الناس منذ عهد إقليدس نفسه (وهو من علماء الإسكندرية حوالي سنة ٣٠٠ قبل الميلاد) إلى القرن التاسع عشر، لا تأخذهم الريبة في أن الفروض التي بنى عليها إقليدس «نظرياته» الهندسية، ليست مجرد فروض قابلة للتغيير، بل هي في الوقت نفسه دالة على حقائق الطبيعة الخارجية كما هي واقعة بالفعل، فإذا قال «إقليدس» — مثلًا — في تلك الفروض إن الخطين المتوازيين لا يتلاقيان مهما امتدا؛ فلأن هذه هي حقيقة الخطين المتوازيين في الوجود الخارجي؛ ولا غرابة أن كانت المشكلة الرئيسة التي أدار حولها الفيلسوف الألماني العظيم عمانوئيل كانط فلسفته كلها (ولد كانط سنة ١٧٢٤م ومات سنة ١٨٠٤م) هي هذا السؤال: ما دامت المسلَّمات في هندسة «إقليدس» قد أنتجها العقل الخالص غير مستمد إياها من تجارب الحواس، ومع ذلك فهي مطابقة لما يجده الإنسان في الوجود الخارجي كما تدل عليه تلك التجارب، فكيف أمكن العقل المحض أن ينتج من ذاته حقائق تُطابق ما هو واقع بالفعل!

أقول إن الناس قد لبثوا طوال هذه القرون، وهم يرون في مسلَّمات الرياضة لا مجرد فروض يمكن تغييرها بسواها فتتغير النتائج تبعًا لذلك؛ بل يرون فيها ما يدل على حقائق الوجود الفعلي؛ إلى أن حدث إبان القرن التاسع عشر أن تساءل الرياضيون: ألا يمكن تغيير هذه المسلَّمة أو تلك من مسلمات الهندسة الإقليدية (= الهندسة التي خلَّفها «إقليدس») وإذا نحن بدَّلنا في تلك المسلَّمات فماذا تكون «النظريات» الهندسية الجديدة؟ وقام هؤلاء الرياضيون بالفعل بمثل هذا التغيير (وخصوصًا في المصادرة الخاصة بالخطين المتوازيين اللذين لا يلتقيان، أو بالخطين غير المتوازيين اللذين لا بدَّ أن يلتقيا إذا امتدا)، فكان ذلك إيذانًا بمولد عصر جديد في علم الرياضة، أهم ما يميزه — من وجهة نظرنا الفلسفية — هو أن العلم الرياضي لا يدل بذاته على الواقع الخارجي، ولكن صحته منحصرة في صحة الاستدلال من الفروض المسلَّم بها، مع إمكان تغيير تلك الفروض إذا أردنا أن نقيم بناء رياضيًّا ثانيًا، ثم تغييرها مرة أخرى لنقيم بناء رياضيًّا ثالثًا، فرابعًا، فخامسًا، فأي عدد شئت من البناءات الفكرية الرياضية، وكلها صحيح، ما دام استدلال النتائج (أي «النظريات») قد جاء استدلالًا سليمًا من المسلمات المفروضة لتكون أساسًا يُقام عليه البناء؛ ومعنى ذلك أن الحقائق الرياضية تتعدد بتعدد الأنساق الرياضية التي نقيمها، ومن هذه الأنساق في ذاتها لا نستطيع أن نقطع بأيها هو الذي ينطبق على الطبيعة الخارجية؟

قلنا إن ما يميز التفكير الرياضي هو سيره على خطوتين، كانت أولاهما مسلمات يفترض صوابها بغير برهان، وأما الأخرى فهي «النظريات» أو النتائج التي نشتقها من تلك المسلَّمات، وهي نظريات نُقيم عليها البرهان؛ وطريقة البرهنة عليها هي أن نستند إلى المسلَّمات، فكل حقيقة نراها مشتقة من إحدى المسلَّمات أو من بضع مسلَّمات مأخوذة معًا، نعدها حقيقة مُبرهنًا عليها لا لأنها حتمًا تنطبق على الواقع الطبيعي إذا أردنا تطبيقها، إذ قد لا تكون كذلك، ولكن لأنها اشتُقَّت من الفروض اشتقاقًا سليمًا.

وليس هذا المنهج الرياضي بخطوتيه مقصورًا على العلوم الرياضية بالمعنى الضيق لهذه العبارة، بل إنه منهج يستخدمه العقل البشري في مجالات أخرى كثيرة، من شأن الباحثين فيها أن يبدءوا السير مما هو مسلَّم بصوابه، إما تسليمًا قائمًا على مجرد افتراض، وإما تسليمًا قائمًا على أسس أخرى، ثم نرى هؤلاء الباحثين يصرفون جهودهم الفكرية بعد ذلك في عملية استخراج النتائج التي تلزم عن تلك البداية التي كانت موضع التسليم أول الأمر؛ وفي أمثال هذه الحالات كلها، ماذا يكون معنى «التفكير العلمي» إلا أن يكون هو القدرة على استخلاص النتائج من مقدمات مفروض فيها الصواب، بحكم الفرض. إن «التفكير العلمي» هنا لا شأن له بالكون وما فيه؛ إذ لا شأن له بمطابقة الأقوال على الوقائع، بل شأنه، كل شأنه، هو في إحكام العلاقة الاستدلالية بين الأصل وما يتفرع عنه.

ولنأخذ أمثلة لهذا الضرب من «التفكير العلمي» الذي يُساق على نهج الطريق الرياضي دون أن يكون موضوعه هو العلوم الرياضية بمعناها الضيق، فلقد شهدت الفلسفة الإنجليزية في القرن السابع عشر صراعًا على النظرية السياسية بين رجلين، هما «جون لوك» (١٦٣٢–١٧٠٤م) و«تومس هوبز» (١٥٨٨–١٦٧٩م)؛ أولهما يذهب إلى أن الملك مختار من الشعب، ومن ثم يكون من حق الشعب أن يعزله إذا لم يجده قد أدَّى الأمانة على الوجه المنشود، والآخر يذهب إلى أن الملك في الأصل التاريخي للملكية لم يجئ نتيجة اختيار من الشعب المحكوم، بل جاء نتيجة قوته التي فرضها فرضًا على ذلك الشعب، ومن ثَم فليس من حق الشعب أن يعزله أو أن يحاكمه؛ وكان كل من الفيلسوفين قد انتهى إلى مذهبه السياسي اشتقاقًا من فرض فرضه لنفسه عن أصل المجتمع الإنساني كيف كان عند نقطة ابتدائه؟ قال «لوك» في ذلك: إن أفراد الناس قد أرادوا لأنفسهم الأمن فاختاروا من بينهم حكمًا يحكم بينهم بالعدل إذا ما نشب اختلاف، وإذا كان هذا هو الفرض، تولدت عنه النتيجة اللازمة، وهي أن الشعب الذي اختار له حق الرجوع في اختياره، وأما «هوبز» فقد قال غير ذلك؛ كان الفرض عنده في قيام المجتمع بادئ ذي بدء هو أن رجلًا يمتاز دون سائر الأفراد بقوته، ففرض سلطانه على الجميع، وجعل من نفسه حكمًا بينهم، فتكون النتيجة الاستدلالية التي تلزم عن ذلك؛ هو أن يكون ذلك الرجل هو واضع القوانين؛ ومن ثَم فليس من حق أحد من رعيته أن يحاسبه على فعل يؤديه أو على حكم يقضي به.

فماذا نقول نحن عن هاتين النظريتين في سياسة الحكم؟ أيمكن القول أيهما صواب وأيهما خطأ؟ إن «التفكير العلمي» هنا هو أن نأخذ كل نظرية من حيث اشتقاقها من فرضها، فإذا كان الاشتقاق سليمًا من الناحية المنطقية، كانت النتيجة صحيحة من الوجهة النظرية؛ لكن ماذا نحن صانعون إذا بحثنا الموقف فوجدنا كلتا النظريتين على صواب من حيث سلامة الاشتقاق من القروض؟ إنه لا يسعنا في هذه الحالة إلا الاختيار على أساس المنفعة العملية للجماعة المعينة في مرحلة معينة من تاريخها، دون أن يكون من حقِّنا «علميًّا» أن نتهم النظرية الأخرى بالخطأ. إن الأمر هنا كالأمر في عدة بناءات رياضية أقمناها على مجموعات مختلفة من المسلَّمات، كل بناء رياضي منها صادق في ذاته، حتى لو وقع الاختيار على إحداها دون سائرها عند التطبيق العملي — فلن يكون معنى ذلك أن بقية البناءات التي لم نخترها خاطئة من الناحية الرياضية الخالصة؛ أو قل — بتشبيه آخر — إننا في هذه الحالة كأننا ننظر إلى أهرام الجيزة الثلاثة، كل هرم منها له بناؤه الخاص به، وليس الحكم على أحدها بذي دلالة بالنسبة للحكم على الهرمين الآخرين، فإذا كان أحدهما على شيء من الخطأ في أساسه المعماري، فلا يدلُّ ذلك على شيء بالنسبة للآخرين، إذ قد يكون هذان — أو أحدهما — على خطأ كذلك، أو قد يكونان على صواب.

إن هذه النقطة — عندي — بالغة الأهمية في أسس «التفكير العلمي»؛ لأننا إذا تبيَّناها أجلى بيان، وإذا هضمناها وتمثَّلناها — كانت خير عون لنا على إقامة النظرة العلمية السديدة القويمة المتسامحة بطبعها؛ وذلك لأن البناءات العقائدية كلها قائمة على هذا الأساس «الرياضي» في نهج التفكير؛ إذ لكل بناء منها فروضه الأولى الخاصة به، ومن تلك الفروض المسلم بصوابها عند أصحابها، تنتج النتائج؛ فإذا وجدنا أنفسنا إزاء عدة بناءات عقائدية (في دنيا السياسة أو الاجتماع أو غيرهما) لكل منها أساسه الأول الذي اشتقَّت منه مجموعة الاعتقادات أو مجموعة الافكار أو القواعد، ثم وجدنا في الوقت نفسه أن كلا منها على حدٍّ سواء قد أصاب في الاستدلال المنطقي، فاستخرج نتائجه من أصوله استخراجًا سليمًا — كان من غير الجائز بعد ذلك علميًّا أن نُفاضل بين البناءات من الوجهة النظرية الصرف، وإنما تكون المفاضلة — إذا شئنا — على أساس المنفعة العملية بالنسبة إلى حالات جزئية بعينها.

وابتغاء مزيد من التوضيح نقول: افرض أن أديبين من أدباء القصة، كتب كل منهما قصته عن جزيرة غير مأهولة، فاختار أحد الأديبين لقصته أن ينزل بها رجل واحد ثم راح يتعقب حياته على الجزيرة ليرى كيف تكون أحداثها، على حين اختار الآخر أن ينقطع الطريق — لا برجل واحد — بل بركاب سفينة يبلغ عددهم بضع عشرات من الأفراد؛ وراح بدوره يتقصَّى بخياله تفصيلات حياتهم على الجزيرة المعزولة كيف يمكن أن تكون، ثم أراد ناقد أدبي أن يقوِّم دقة الخيال عند كل من الأديبين؛ فهل يجوز لمثل هذا الناقد أن يحاسب كلًّا من الأديبين إلا على أساس فرضه الأول؟ فالأديب الذي افترض وجود رجل واحد عليه أن يلتزم هذا الفرض فيما يعرض له من تفصيلات قصته، فإذا زعم — مثلًا — أن هذا الفرد الواحد قد أقام على الجزيرة هرمًا كهرم خوفو في الجيزة، قال الناقد عنه إنه مختلُّ الخيال؛ لأن رجلًا واحدًا لا يستطيع ذلك بمفرده، وكذلك الحال بالنسبة للأديب الآخر الذي جعل نقطة ابتدائه مجموعة كبيرة من الأفراد، فإن الناقد يضع ذلك الإطار العام في اعتباره، عندما ينظر إلى إمكان ما يحدث أو عدم إمكانه.

(٤) ووقفة أخرى عند المنهج التجريبي

وها هنا قد نُطيل الوقوف بعض الشيء؛ لأن هذا الضرب من التفكير، الذي هو محور العلوم الطبيعية وما يجري مجراها من حيث منهج السير، هو عادة ما يشغل أذهان الناس إذا ما ناقشوا أمرًا يتَّصل «بالتفكير العلمي»؛ إنهم قلَّما يتذكرون أن عملية استخلاص النتائج من الفروض، أيًّا كانت تلك الفروض، أيضًا تفكير علمي ذو أهمية بالغة في تاريخ الإنسان العقلي، وفي مواقفه العلمية في شتى الميادين؛ أقول إن الناس قلما يتذكرون ذلك، ولا يشغلهم في المقام الأول إلا ذلك الضرب من التفكير العلمي الذي ينصبُّ على الطبيعة وظواهرها، وإنه لمما يسترعي النظر، أنه بينما كان التفكير الرياضي (بالمعنى الواسع لهذه العبارة؛ أي المعنى الذي يصدق على أية عملية فكرية تشتق نتائج من فروض) أقول إنه بينما التفكير الرياضي ضارب في القِدم إلى جذور التاريخ، نرى التفكير العلمي بمعناه التجريبي الطبيعي حديث الولادة، حديث الظهور؛ فيمكن القول بصفة عامة إن الفكر اليوناني القديم بأسره، وما تلاه على مدى قرون العصور الوسطى، كان «رياضيًّا» في منهجه؛ بمعنى أنه كان فكرًا يضع بين يديه أصلًا أو أصولًا مسلَّمًا بها، ثم يأخذ في استخراج ما يترتب عليها من حقائق مستنتجة.

فهكذا كان التفكير الفلسفي عند اليونان الأقدمين وعند من جاءوا بعدهم حين كان على الفيلسوف أن يضع لنفسه «مبدأً» يتخذه بمثابة الينبوع الذي تنبثق منه كل أجزاء النسق الفلسفي الذي يقيمه؛ على أن هذه الأجزاء إنما يكون صوابها أو بطلانها بالنسبة إلى لزومها أو عدم لزومها عن الأصل المبدئي المفروض؛ وعلى هذا الأساس نفسه أقام أرسطو أصول «منطقه» الصوري؛ فما المنطق الأرسطي في صميمه إلا عملية قياسية تتصدَّرها مقدمات لننتزع منها النتيجة، فلا نقول عن هذه النتيجة إنها صحيحة إلا إذا وجدناها مولدة من تلك المقدمات تولدًا يلتزم قواعد القياس؛ وإذا قلنا «المنطق الأرسطي» فقد قلنا — على وجه التقريب — الفكر البشري كله على مدى ما يقرب من عشرين قرنًا بعد أرسطو؛ فلا غرابة أن دراسة هذا المنطق الأرسطي كادت تكون شرطًا ضروريًّا لكل مثقف في تلك العصور، كائنًا ما كان اتجاهه، طبيبًا كان، أو فقيهًا، أو ناقدًا أدبيًّا، أو ما شئت من منحًى في حياة الناس الفكرية.

كان التفكير على النهج الرياضي — إذن — قديمًا قِدم التاريخ الفكري، وأما التفكير على النهج التجريبي، فلم يتبلور في تيار تكون له السيادة الشاملة في الحياة العلمية كلها، إلا خلال النهضة الأوروبية في القرن السادس عشر أو ما يقرب منه، وأعود فأكرر ما أسلفت قوله، من أن استثناءات فردية قد سبقت ذلك التاريخ، وعلى الخصوص في الحضارة العربية، التي شهدت أعلامًا بارزين في ميدان العلم التجريبي من طب وكيمياء ومِلاحة وغير ذلك، لكن ذلك كله لم يصبغ العصر في عمومه بطابعه، ولبث العصر مطبوعًا بالطابع الرياضي الذي يشتق النتائج من المسلَّمات، في أهم الجوانب التي كان لها أعظم الشأن في حياة الناس، كاللغة والفقه وعلم الكلام؛ وإن القرون الأربعة الأخيرة، التي نطلق عليها اسم «العصور الحديثة» إنما تتميز بتلك النقلة في منهج التفكير العلمي الخاص بالطبيعة وما فيها، من نهج رياضي إلى نهج آخر تجريبي يقوم أول ما يقوم على مشاهدة ما يجري في عالم الواقع؛ ليقترح العلماء نظريات في ضبط الطريقة التي تطرد بها أحداث ذلك العالم الواقعي؛ فتكون منها قوانين العلوم.

فما أهم خصائص هذا الضرب من التفكير العلمي؟ لقد ذكرنا منها اثنتين فيما سبق، هما: التجريد والتعميم، وهما ضفتان لا تثيران المجادلة بين الناس كلما كان النقاش دائرًا حول التفكير العلمي وأسسه، فنتركهما لننتقل إلى خصائص هامة أخرى:

(٤-١) تحويل الكيف إلى كم

من حق القارئ علينا — قبل أن نمضي في الحديث عن هذه الخاصة من خصائص التفكير العلمي — أن نحدد له المعنى المقصود بهاتين الكلمتين الهامتين في ميدان الفكر الفلسفي كله (وأحد جوانبه «فلسفة العلوم» التي نحن الآن بصدد الحديث عنها)؛ أما «الكيف» فنشير به إلى صفات الأشياء التي قد نذكرها إذا ما سئلنا عنها سؤالًا يبدأ بكلمة كيف؟ لكن ذلك القول وحده غير كافٍ للتوضيح، فنقول:

هنالك مستويان لإدراك الإنسان لبيئته، يرتبط أحدهما بالآخر ارتباط الأدنى بالأعلى، أو ارتباط الخطوة الأولى بالخطوة التالية في مراحل السير، وهما مستوى الإدراك الذي نتعامل على أساسه في حياتنا العملية، ومستوى الإدراك الذي نرتفع إليه في حياة البحث العلمي في صُوَره المتقدمة، كالتي نراها في علوم الفيزياء والكيمياء. وأما في المستوى الأول الذي يتعامل الناس فيه بعضهم وبعض في حياتهم اليومية، فإن المدار عندئذٍ يكون هو الإشارة إلى الأشياء والحوادث بأوصافها الظاهرة للحواس، أو بمنافعها وطرائق استخدامها في الحياة العملية، فيُقال: ماء، وكرسي، وشجرة، ومِلعقة، ومِلح، وورق، وهواء، وثياب، وطعام … إلخ إلخ، فإذا أمعنتَ في النظر في هذه الأسرة الضخمة من ألفاظ اللغة كما يستخدمها الناس في شئون حياتهم اليومية — وجدتها في حقيقة أمرها ذوات دلالات تتناول الأشياء والكائنات في جملتها لا في عناصرها التحليلية، فيُؤخذ «الماء» وكأنه كائن لا ينحل إلى عُنصرَيه من أوكسجين وهيدروجين؛ لأنه وهو «ماء» مُركَّب على نحو ما نألفه في حياتنا يستخدم في أغراضنا المختلفة المتعلقة به، كالشرب والغسل والري والسباحة وغير ذلك؛ حتى إذا ما تناوله علم الكيمياء، لم يجعله «ماء» على النحو المُركب الذي نعرفه، بل يظل به تحليلًا في أنابيبه ومخابيره إلى أن يصل إلى وحداته الكيماوية البسيطة، وطرائق تفاعلها التي عن طريقها يصبح الماء ماء؛ فقد نقرأ كتب الكيمياء وكتب الفيزياء فلا تعثر فيها على كلمة «ماء»؛ لأنها كلمة غير علمية، مع أنها هي الكلمة التي لا كلمة سواها في ميدان استعمالها اليومي، فإذا قلَّت في حديثك «ماء» كنت تشير إلى هذه المادة من جانبها «الكيفي»، أما إذا حولها العلم إلى «٢ يد ١» (أي إلى ذرتين من الهيدروجين وذرة واحدة من الأوكسجين تفاعلت كلها معًا فكونت ذرة من الماء) فها هنا يكون التناول من الجانب الكمي؛ والجانب الأول للحياة الجارية، والجانب الآخر للبحث العلمي.

وكذلك ليس من لغة العلم المُتقدم أن يقول: كرسي، وملعقة … إلخ، فهذه عنده إنما هي آخر الأمر مركبات من عناصر يستطيع علم الكيمياء أن يُعيِّنها، كما يستطيع علم الفيزياء أن يردها إلى ذرات تختلف باختلاف كهاربها؛ فإذا قلنا عن لغة الحياة الجارية إنها تعتمد في إشارتها إلى الأشياء على كيفياتها؛ أي على طرائق وقعها على الحواس وقعًا مباشرًا، وطرائق استخدامها والانتفاع بها في الحياة المشتركة بين الناس — فإننا نقول عن لغة العلم إنها تعتمد أول ما تعتمد، لا على «الأشياء» في جملتها، ولا على «الكائنات» وهي مُركَّبة، بل على تحليلها إلى مقوِّماتها، مُدخِلة في تلك المقومات مقاديرها التي دخلت بها في حالة التركيب؛ وواضح أن زاوية الإدراك الكيفي للأشياء لا تفيد أحدًا في صنع هذه الأشياء إذا أراد صنعها؛ وأما زاوية الإدراك الكمي للمقادير التي أُضيف بها كل عنصر في تركيب الأشياء — فيمكن من أراد، ومن كانت له الدراية والقدرة، تُمكِّنه من صنع الشيء إذا أراد صنعه؛ فمثلًا لو أخذ الناس يُكررون كلمة «ماء» في دنيا الاستعمال اليومي، ملايين المرات بعد ملايينها، فلن يستطيع عالم الكيمياء، من هذه الكلمة وحدها، أن يصنع في معمله ماء إذا شاء؛ أما إذا استبدلنا بكلمة «ماء» اسمها العلمي المؤسس على التحليل وعلى معرفة الكم، فقلنا «٢ يد ١» عرف عالم الكيمياء كيف يصنع قطرة الماء، بأن يضيف هذه العناصر المذكورة، وبمقاديرها المحددة، وفي تفاعلها، فإذا بين يديه قطرة الماء المطلوبة بعد أن لم تكن.

ليس مما يُفيد البحث العلمي في شيء أن تقول مثلًا (كما نقول في أحاديثنا الجارية) إن أوجه النقص في مجتمعنا هي «الفقر» و«الجهل» و«المرض» لأن هذه الألفاظ الثلاثة، على أهميتها في الأحاديث اليومية، وفي البيانات السياسية، وفي التحقيقات الصحفية، هي في تلك المجالات «اللاعلمية» توقظ الانتباه وتثير الاهتمام؛ وأما حين يبدأ العلم في معالجة موضوعاتها؛ فإن اللغة الكيفية المذكورة في مجالات الإثارة والإيقاظ، لا بدَّ لها أن تتحوَّل إلى لغة كمية حتى يُمكِّن العلم المنتج أن يسير على طريقه المنهجي الدقيق؛ فلا تصبح كلمة «فقر» هي المطلوبة عندئذٍ، بل المطلوب هو ترجمتها ترجمة عددية، كأن نقول إن متوسط دخل المصري الآن مائة جنيه في العام، وهو متوسط إذا قِيس إلى مستوى متوسطات الدخل في العالم، جاء في شريحتها الدنيا، ثم ماذا؟ ثم لا بدَّ كذلك أن أُردف هذا التصور العددي بتصوُّر عددي آخر، وهو الحد الأدنى لمتوسط الدخل كما نريد له أن يكون، فإذا كان هذا الحد الأدنى المطلوب مائتي جنيه في العام، عرفنا أن زيادة الدخل القومي المطلوبة مقدارها نحو أربعة آلاف مليون جنيه؛ بهذا أكون قد وضعت النقطة الأولى في التخطيط العلمي؛ لأنني في ضوء هذا المبلغ المطلوب، أمضي في تصور المشروعات المختلفة التي يمكن أن تعود على الأمة بدخل كهذا؛ وهكذا نرى أن الشرط الضروري الأول في أي تفكير علمي مُنتِج، هو تحويل اللغة الكيفية إلى ما يعادلها بلغة الأعداد.

وقُل شيئًا كهذا في مفهوم «الجهل»، إذ اللفظة وحدها لا تهدينا إلى ما ينبغي عمله، فهي — كما قلنا — لفظة دلالتها «كيفية»، تصلح للأحاديث الجارية، وتحفز الهمة، لكنها لا تجدي بذاتها شيئًا في رسم ما يراد عمله، حتى إذا ما حولناها إلى لغة العدد؛ أي إلى الدلالة الكمية، تبيَّن الطريق؛ فنبدأ بالسؤال: جهل بماذا؟ وكم عدد الأفراد المُراد تعليمهم؟ وكم عدد المدارس التي يمكن إعدادها؟ وكم طول الفترة المطلوبة؟ وكم مُدرسًا وكم كتابًا، ومن ثَم كم من المال يكفي هذا كله؟ والأمر كما ترى مُتوقِّف على إجابتنا عن السؤال الأول: جهل بماذا؟ أجهل بالقراءة والكتابة والحساب؟ أم — بالإضافة إلى ذلك — بطرائق الصُّنع في ميادين العمل؟ إذ الإجابة الأولى عن أسئلة كهذه تُحدِّد لنا نوع المدارس المطلوبة كما تحدد أنواع المدرسين المطلوب إعدادهم، وهكذا.

الفرق بعيد بين لغة الحديث المألوفة ولغة العلم، وإذن فمن أهم أسس التفكير العلمي أن نستخدم مصطلحات العلوم ومفهوماتها؛ لأن ذلك كفيل بأن يفتح أمام أبصارنا مجال البحث العلمي أين يكون وكيف يكون؛ خُذ مثلًا مفهوم «اللون» كما نعرفه في أحاديثنا المعتادة، ومفهومه كما يعرفه علماء الطبيعة؛ فنحن في حياتنا العملية نُميِّز بين الأحمر والأصفر والأخضر وغيرها من الألوان، نراها في كل شيء؛ في النبات وفي الزهور وفي الثياب وفي الصخور إلى آخر ما تزدحم به دنيانا من كائنات؛ أما عند العلم فاللون ضوء، يتغيَّر بتغيُّر أطوال الموجات الضوئية؛ إن علم الضوء لا يعْنِيه كيف ترى العين البشرية ولا ماذا ترى، بل يعْنِيه أطوال موجية يقيسها؛ ولذلك كان الأعمى كالبصير في دراسة علم الضوء إذ الأمر متعلق بأطوال وزوايا ومعادلات. ومرة أخرى نقول: إن الإنسان إذا وقف عند حدود إدراكه الكيفي للألوان، كما تدركها حاسة البصر من الأشياء إدراكًا مباشرًا، كان مُحالًا عليه أن يصمم جهازًا ينقل هذه الألوان من بعد، كالتلفزيون الملون مثلًا، أما حين يُترجم الألوان إلى موجات ضوئية معلومة الأطوال، فعندئذٍ ينفتح الطريق أمامه نحو تصوُّر الجهاز الذي ينقل تلك الموجات؛ وقل الشيء نفسه بالنسبة للصوت؛ فليس علم الصوت قائمًا على الطريقة التي تسمع بها الآذان أصوات الطبيعة من لفظ مسموع إلى حفيف الريح في أوراق الشجر أو اصطخاب الموج في البحر، لا، بل يقوم علم الصوت على دراسة الموجات الصوتية، ما أطوالها وكيف تُقاس وبأي الزوايا ينعكس الصوت أو ينكسر؛ فإذا ما ألمَّ بهذا الجانب الرياضي من الظاهرة — استطاع التحكم فيها كيفما شاء.

دقة التفكير العلمي تتطلَّب تحويل مفاهيمنا إلى «كم» بعد أن كانت ذات طبيعة «كيفية» في إدراكنا اليومي؛ وإن العلوم المختلفة لتتفاوت في مقدار تقدمها بنفس المقدار الذي اختلفت فيه من حيث ضبطها لمفهوماتها ضبطًا كميًّا؛ فعلم الفيزياء — مثلًا — مُتقدِّم على علم الاقتصاد أو علم النفس، بنفس الدرجة التي استطاع بها أن يُحوِّل لغته إلى صيغ رياضية؛ وقد تسألني: لكن إذا كان ذلك مستطاعًا في عالم الفيزياء وما إليه، فهل يمكن في عالم الإنسان؟ ماذا نحن صانعون في العلوم الإنسانية من اقتصاد إلى نفس إلى اجتماع وسياسة وغيرها؟ ونحن إن كنا سنقول كلمة موجزة فيما بعد عن الموقف العلمي بالنسبة إلى العلوم الإنسانية، فإننا نسارع هنا إلى الإجابة الموجزة، فنقول إن هذه العلوم — كغيرها — إنما تتقدَّم على الأساس نفسه، وبالدرجة نفسها، التي يمكنها بها أن تتحوَّل من لغة الكيف إلى لغة الكم؛ فمثلًا بدل أن نقول في علم النفس: «ذكاء» نحاول أن نبتكر الطريقة التي نقيس بها ذلك الذكاء قياسًا عدديًّا، وبغير ذلك نجمد عند لفظة نعبر بها عن مجرد انطباعات غامضة عن أفراد الناس.

انظر إلى مفهوم «الحركة» كيف كان في علم الطبيعة إبَّان مراحله التاريخية الأولى، وكيف أصبح بعد نقلته الواسعة في عصر النهضة الأوروبية على أيدي جاليليو ونيوتن وغيرهما؛ كان تصور علم الطبيعة للحركة في مراحله الأولى تصورًا كيفيًّا، فكان أرسطو — على سبيل المثال — يُقسِّمها أنواعًا بحسب اتجاهاتها، فيقول إن هناك حركة صاعدة أبدًا كحركة اللهب، وحركة هابطة أبدًا كحركة الحجر الساقط، وحركة دائرية — وهي عنده أكمل الأنواع — كحركة الأجرام السماوية في أفلاكها؛ إننا لو كنا وقفنا عند هذه المرحلة الوصفية لأنواع الحركة كما تراها حواسنا فيما حولنا من أشياء، ما استطعنا قط أن نخترع القطار والسيارة والصاروخ، إذ ماذا يفيدنا أن نصف ما نراه ثم لا شيء بعد ذلك؟ لكن جاء «جاليليو» (١٥٦٤–١٦٤٢م) فنظر نظرة أخرى قلبت الأمر رأسًا على عَقِب، فقد أراد أن يُجرِّد الحركة من الأجسام المتحركة، حتى لا ينشغل باتِّجاهها فيقول إن اللهب صاعد والحجر ساقط والكوكب يدور، لا، إنه جرَّد الحركة وحدها وحاول أن يجعلها متجانسة في طبيعتها، لا فرق بين أن يكون المتحرك حجرًا أو لهبًا أو ماء يتدفق به النهر؛ فالهدف العلمي الجديد ليس هو وصف ما هو كائن مشهود، بل هو استخراج القانون الكمي الذي يُحدد لنا السرعة وما يُؤثِّر فيها، ومن ثم حصلنا على قوانين حركة الأجسام، وسرعان بعد ذلك ما ازددنا علمًا بحركة الأجرام السماوية فتقدم علم الفلك، ثم ما هو إلا أن أخرج نيوتن قانون الجاذبية، وهكذا. وبأمثال هذه القوانين الكمية بات في مُستطاع الإنسان أن يتحكم في تحريك المادة بالسرعة المطلوبة، فكان من التقدم الحضاري الحديث ما كان.

الفرق بين الكم والكيف هو الفرق بين ما أسماه علماء النهضة الأوروبية وفلاسفتها بالصفات الأولية والصفات الثانوية للأشياء، فماذا أرادوا بهذا التقسيم؟ لقد قال «جاليليو، ونيوتن، ولوك وغيرهم» إن ثمَّة للأشياء صفات ثابتة لا تتغير بعملية الإدراك الحسي عند الإنسان، فمثلًا كون الجسم المُعيَّن مستديرًا أو كرويًّا أو مربعًا أو مثلثًا — هذه صفات تظل فيه سواء أدركها الإنسان ببصره أو لم يدركها، وأما كون الجسم أصفر أو أخضر، وكونه حلوًا أو مرًّا، وكونه صامتًا أو ذا صوت، فهذا ضرب آخر من الصفات، لا يكون في الأشياء وإنما يخلقها الجهاز الإدراكي عند الإنسان، فالذي يأتي إلى العين من الجسم الملون موجة ضوئية ذات طول معين، فتترجمها العين وملحقاتها من الجهاز البصري إلى لون معين، وكذلك في حالة الصوت، وفي حالة الطعم وما إليها؛ أما الصفات الثابتة من الضرب الأول، فهي التي أسموها بالصفات الأولية، وهي وحدها التي تصلح أساسًا للعلوم، وأما الصفات التي خلقها إدراكنا الحسي خلقًا فهي الصفات الثانوية، وهي لا تصلح أساسًا للعلوم.

وبناء على هذا التقسيم، كان على الباحث العلمي بإزاء كل ظاهرة أراد بحثها بمنهج العلم، أن يلتمس لها طريقة تطرح منها الجوانب الإدراكية التي خلقتها الحواس من عندها، ليستبقي منها الجوانب الموضوعية التي يمكن إخضاعها للقياس الكمي.

(٤-٢) التفكير العلمي موضوعي

إن القِسمة إلى «كيف» و«كم» التي أوجزنا فيها القول، وحاولنا بها أن نبين أن التفكير العلمي يتخلص ما استطاع من المعاني الكيفية، ليقصر نفسه على الجوانب الكمِّية وحدها، أقول إن هذه القسمة قد انتهت بنا إلى تقسيم الصفات إلى نوعين: الصفات الأولية والصفات الثانوية، وهو تقسيم شاع في عصر النهضة الأوروبية بين رجال العلم ورجال الفلسفة على السواء (والفلسفة في معظم حالتها إن هي إلا فلسفة للعلم) وذلك رغبة منهم في التفرقة الواضحة بين ما يصلح للتناول العلمي وما لا يصلح، وإنه ليجوز لنا أن ننظر إلى ذلك التقسيم نفسه من زاوية «الموضوعية» و«الذاتية» فنجد أن الصفات الأوَّلية في الأشياء هي الصفات الموضوعية؛ أي هي الصفات التي لا ترتهن بطريقة الإدراك البشري للأشياء والظواهر؛ وأما الصفات الثانوية — على عكس زميلتها — فهي الصفات الذاتية؛ التي إنما يخلقها الإدراك البشرى خلقًا من عنده، بحكم تركيب الجهاز الإدراكي عند الإنسان، ومن قبيل ذلك؛ الألوان والطعوم والأصوات؛ فبينما يمكن الصفات الأولية الموضوعية المستقلة بوجودها عن الإدراك البشرى لها، أن تُقاس أبعادًا وأوزانًا وسرعات وهلمَّ جرًّا، نرى الصفات الثانوية الذاتية المعتمدة في وجودها على طريقة إدراك الإنسان لها، غير قابلة للقياس، ومن ثم فهي غير قابلة للتحوُّل إلى كم رياضي.

ومعنى ذلك أننا حين حدَّدنا التفكير العلمي بأنه هو ما يعالج الجوانب الكمية من الظواهر، فقد كنا في الوقت نفسه بمثابة قولنا إن التفكير العلمي شرطه أن يكون موضوعيًّا لا ذاتيًّا؛ وموضوعيته كفيلة أن تنجو به من اختلافات النظرات الفردية التي كثيرًا ما تتحكم فيها الأهواء والرغبات والحالات الوجدانية بصفة عامة؛ نعم، إن فلاسفة العلم وهم يحاولون تحديد هذا الجانب من التفكير العلمي — أعني جانب «الموضوعية» — تُصادفهم صعاب كثيرة في التحديد؛ لأنه ما دام الإنسان هو نفسه أداة الإدراك بما لديه من أعضاء للحس ومن منطق للعقل، فكيف يمكن أن يجرد الموقف الموضوع للبحث من ذاته البشرية بكل ما فيها؟ إننا إذ نعتمد — مثلًا — على المشاهدات الدقيقة وعلى التجارب التي نجرِّبها، فإننا آخر الأمر نعتمد على حواسنا وعلى الأجهزة التي نوسع بها من نطاق تلك الحواس، وفي كلتا الحالتين لا نستطيع أن ندرك من حقائق الطبيعة إلا ما يمكن تلك الأجهزة إدراكه، كشبكة الصياد حين يطرحها في الماء، لا تمسك إلا الأسماك التي يمكن عيونها أن تحجزها عن الإفلات، وأما ما هو أدق حجمًا من عيونها فيفلت منها، وهكذا قُل في أجهزتنا الإدراكية كلها، فهي تمسك من الحقائق ما هو في وسعها أن تمسك به، وإذن فهنالك حدود «ذاتية» لما ندركه أولًا ندركه، مما يجعل الموضوعية المطلوبة منقوصة.

هذا كله صحيح، لكنه لا يمنع من أن نشترط للتفكير العلمي موضوعية بقدر مستطاع البشر، والتطور العلمي والارتقاء بالأجهزة العلمية، كفيلان — على امتداد الزمن — أن يظل الإنسان يصحح نفسه ويزيد من دقة علمه؛ فلا أقل من أن نشترط للتفكير العلمي أن يلتزم ما هو مشترك بين أهل التخصص في الميدان المعين من ميادين البحث؛ فلا يزعم لهم أحد — مثلًا — أنه قد أدرك حقيقة ما يُغيِّر حواسه الظاهرة أو يُغيِّر أجهزته العلمية التي يستطيع أعضاء الأسرة العلمية جميعًا أن يشاركوه فيها، كأن يقول إنه قد أدرك ما أدركه بقدرة خارقة امتاز بها دون سائر الزملاء؛ إذ قد يكون ذلك صحيحًا وقد لا يكون، لكنه على كل حال لا يندرج في المجال العلمي، طالما تعذر مشاركة الأسرة العلمية في المراجعة والتحقيق.

الحقيقة العلمية موضوعية بمعنى أن يُشارك في إدراكها كل رجال الاختصاص، لا ينفرد بها بعض دون بعض بحجة أن لهم حاسة سادسة يتمتَّعون بها دون سواهم، أو أن لهم بصيرة ينفردون بها، أو أنهم يدركون الحقائق بقلوبهم قبل عقولهم، وما إلى ذلك من أقوال، لا نريد أن نتهمها بالكذب؛ لأنها قد تكون أقوالًا صادقة كل الصدق في مجالها، لكنها برغم ذلك لا تُعدُّ من التفكير العلمي، لفقدانها خاصة الموضوعية التي تُتيح لكل من شاء، ومن كان له القدر الكافي من التحصيل ومن التدريب، أن يُراجع الأفكار المطروحة ليستوثق من صدقها صدقًا علميًّا.

إن التفكير العلمي مطلبه عسير على غير من دُرِّبوا عليه، فعامة الناس يأخذها الضيق إذا طالبت أفرادها بدقة العبارة على النحو الذي يخلِّصها من الزوائد الوجدانية، فلا يبقى منها إلا تقرير الحقيقة العلمية وحدها، عامة الناس يأخذها الضيق؛ لأن كثرة الناس قد ألفوا خصائص في التعبير بلغتهم، وهي خصائص لا تكاد تفرق بين لفظة مطلوبة وأخرى زائدة، هب قائلًا قال هذه العبارة: «إنه لممَّا يُؤسف له أن تكون الأُمِّية فاشية في الوطن العربي بهذه النسبة العالية.» إنها عبارة ظاهرها تقرير عقلي علمي، وحقيقتها تعبير مشحون بالوجدان مما يخرج عن نِطاق العقل ونِطاق العلم معًا؛ فقوله «إنه لمما يؤسف له.» إنما يُشير به إلى حالته الشعورية لا إلى جانب من جوانب الواقع الخارجي الذي يتحدث عنه، وسواء ذكر في جملته هذا الجزء أو لم يذكره، لا يتغير من الواقع الموصوف شيء؛ وقوله «فاشية» إنما يعبر عن انطباع عام يخلو من أي تحديد؛ ومن ثَم فليس فيه الموضوعية التي يمكن غيره أن يشاركه في تقرير الواقعة، وهكذا ترى أن خيوطًا ذاتية كثيرة قد تسلَّلت في العبارة فأفقدتها علميتها.

حدث لي ذات يوم أن كنت أُحاضر في هذا المعنى، فأثرت دهشة الطلاب حين أردت أن أزيد الأمر وضوحًا، فقلت إنه إذا قال القائل: «قد أشرقت الشمس اليوم في الساعة الخامسة.» فإن كلمة «قد» في أول عبارته تخرج عن النطاق العلمي؛ لأنها لا تضيف ولا تحذف من جوانب الواقعة التي أدرنا ذكرها، فهي إذا أفادت معنى فإنما تفيد «التوكيد» والتوكيد صفة خاصة باطنية شعورية أراد المتكلم أن يؤثر بها في السامع، لكنها ليست مما يشير إلى شيء في الوجود الخارجي كما وقع.

إن أمثال هذه الكلمات الوجدانية هي التي تكثر في العبارة الأدبية — شعرًا كانت أم نثرًا فنيًّا — لأن المقصود هناك هو الجانب الوجداني من الناطق ومن السامع على السواء، أما في العلوم فلا تجدها، وإذا شئتَ فتصفَّح كتابًا في الرياضة أو في الفيزياء أو في الكيمياء، فلن تقرأ فيها عبارة مثل: «إنه لمما يُؤسَف له.» أو أية عبارة أخرى مما يُفيد الدهشة أو التوكيد أو الرجاء؛ نعم قد نجد أمثال هذه العبارات المشحونة بالوجدان، في الدراسات الإنسانية، كالتاريخ والنقد الأدبي وعلم الاجتماع؛ لكنها بقدر ما شُحنت بالطاقة الوجدانية في عبارتها، بقدر ما فقدت من موضوعية الصياغة العلمية؛ ولا عجب أن تكون العلوم المضبوطة المتقدِّمة ذات جفاف في مصطلحها؛ لأنه إنما تلجأ إلى الرموز الدالة وحدها، دون إضافة يراد بها الإشارة إلى ما يختلج به الفؤاد في جوف الباحث العلمي؛ ومن هنا كانت الكتابة العلمية محايدة، لا يمكن الدارس أن يستشفَّ منها شخصية كاتبها، أما الكتابة الأدبية ففيها من التعبير الوجداني المُنحاز ما يكفي القارئ أن يعلم الكثير عن شخصية الكاتب. ومن هنا أيضًا كانت الكتب العلمية الصرف أسهل في الترجمة إلى اللغات الأخرى من الكتب الأدبية، إذ المصطلح العلمي إذا وضع مكانه مصطلح يساويه من لغة أخرى، فإنه لا يفقد شيئًا ولا كذلك عبارة تحمل ارتعاشة الوجدان.

واللغات تتفاوت في مضمونها الوجداني، أو قل في مضمونها الشعري، بتفاوتها في كثرة الألفاظ التي تشير إلى باطن الإنسان أكثر مما تشير إلى واقع الأشياء الخارجية، وأحسب أن اللغة العربية من أغزر اللغات غوصًا في وجدان المتكلم؛ ولذلك رأينا صعوبة في ترجمتها إلى لغات أخرى، بالنسبة إلى ترجمة تلك اللغات الأخرى إلى العربية. إن الغزارة الشعرية في لغة ما، تجعل لجرسها أهمية خاصة، فإذا تذكرنا أن جرس اللفظ لا يدخل في التعبير العلمي الموضوعي الدقيق، علمنا أنه كلما ازداد ارتكازنا على الجرس قل تبعًا لذلك المحصول العلمي التقريري الجاف في العبارة المعينة ذات الجرس؛ فالجانب الموضوعي الخالص من الجملة العلمية، لا ينصرف بدلالته إلا إلى جزء من الواقع الفعلي، يمكن أي سامع مُختصٍّ أن يراجعه ليطمئن إلى صوابه.

•••

ومن خاصة الموضوعية التي يتميز بها التفكير العلمي، تتفرع خاصة أخرى بالغة الأهمية في تحديد ما نريد أن نحدده، وتلك هي أن تكون القضية العلمية المطروحة على العلماء، قابلة لأن تحقق بالوسائل التي تبرز خطأها لو كانت قضية خاطئة؛ فنحن إذ قلنا عن التفكير العلمي إنه «موضوعي» فإنما قصدنا إلى القول — تبعًا لذلك — بأن القضية العلمية مسألة اجتماعية لا مسألة فردية تخص قائلها وحده؛ أعني أن الباحث العلمي إذا ما أعلن عن فكرة ما وزعم لها أنها نتيجة تأدى إليها من بحثه، لم يكن له مندوحة حينئذٍ عن أن يُقيم أمام الناس (أي العلماء الزملاء في ميدان تخصصه) دليل صدقها، وليس من حقه أن يجعلها أمرًا خاصًّا به، أدركه بوسيلة لا يملكها إلا هو دون سائر الناس؛ فابتداء من اللغة أو الرموز التي يسوق فيها فكرته، يجب أن تكون لغة أو رموزًا مما اصطلح عليه علماء المجال الذي يبحث فيه، لكي يكون مراده مفهومًا لكل من أراد من هؤلاء العلماء أن يُتابعه ويُراجعه ويُناقشه فيما قدَّم. وإذن فلا بدَّ لفكرته المقترحة أن تكون مما يمكن التحقق منه بالحواس المشتركة من بصر وسمع وغيرهما، فلا تكون — مثلًا — من الخوارق التي يستعصى إدراك سرها على أبصار الناس وأسماعهم.

وهنا تنشأ نقطتان هامتان تستحقان الذكر: أولاهما الألفاظ الدالة على قِيَم، كالقيم الأخلاقية والقيم الجمالية، هل يجوز إيرادها في عبارة علمية؟ هل يجوز لعالم فيزيائي — مثلًا — أن يعلن في الناس أنه ليس من «الخير» للإنسانية أن تفجَّر الذرة؟ وأعني هل يجوز له أن يعلن ذلك من حيث هو عالم في الفيزياء؟ صحيح أنه — من حيث هو إنسان بين سائر الناس — يتمتع بكل حقوق القول التي يتمتع بها الآخرون، بشرط ألا يزيد على هؤلاء الآخرين في ميزان الآراء، طالما كان الرأي الذي يعرضه ليس من اختصاصه العلمي؛ وواضح أن مسألة «الخير» و«الشر» ليست ضمن مسائل الفيزياء التي يكون له فيها أولوية الرأي على سواه.

لا؛ إن الألفاظ الدالة على قيم، بكل أنواعها، ليست مما يدخل في السياق العلمي؛ إننا كثيرًا ما نسمع القائلين يحتجُّون بأعلام العلماء في تأييد ما يذهبون هم إليه من مذاهب الاعتقادات والقيم، كأن يُقال — مثلًا — إن «أينشتين» مؤمن بالقيمة العليا للضمير الإنساني، وإن دارون لا يُعارض بنظريته البيولوجية وجوب التزام الفضيلة، وهكذا، كأنما «أينشتين» أو «دارون» قد جعلا هذه الأقوال ضمن نظرياتهما العلمية، وكأن أيًّا منهما إذا ما أخرجناه عن ميدان تخصصه العلمي كان له الرجحان على غيره في سائر الآراء؛ فما نريد توكيده هنا هو أن العلم منوط بمسائله، ورجال العلم يُستمع إليهم في ميادينهم العلمية، وأما ما يختص بالقيم الإنسانية فلا هو من مسائل العلم، ولا هو مما يُستمع فيه للعلماء إلا من حيث هم ناس كسائر الناس.

والنقطة الأخرى التي نريد إبرازها أيضًا، هي أننا إذ قلنا إن من أهم شروط القضية العلمية، أن يكون في مُستطاع المتخصصين في مجالها أن يُخضِعوها للتحقيق بوسائل العلم، وإما قبلوها بعد ذلك وإما رفضوها؛ فقد أردنا كذلك أن نقول إن الإنسان العادي في حياته العادية، إذا أراد أن يتبيَّن في عبارة معينة أمِن قبيل الحقائق التي تتَّسم بالعلمية ولو من بعيد، أم مما لا شأن له بصفة العلمية على الإطلاق، فليسأل نفسه: ماذا يتغير في دنيا الأشياء بين حالتي الصواب والخطأ في هذه العبارة؟ أي إننا إذا فرضنا لتلك الأشياء وضعًا خاصًّا وترتيبًا خاصًّا في حالة كون العبارة المذكورة صحيحة، فكيف إذن بكون وضع الأشياء وترتيبها في حالة كونها خاطئة؟ فإذا لم نجد فرقًا في ذلك بين حالتي الصواب والخطأ، عرفنا أن تلك العبارة أبعد ما تكون عن أن تندرج في مجموعة الحقائق العلمية؛ ولنضرب مثلًا لذلك فنقول: لقد مرَّ على الناس حين من الدهر في أول التاريخ، ظنوا فيه أن للنبات روحًا يرعاه، وكذلك للمطر وللبراكين ولكل ظاهرة من ظواهر الطبيعة من حولهم، حتى لقد كان الناس حينئذٍ يخشون بطش هاتيك الأرواح الكامنة وراء الظواهر، كل منها يرعى ظاهرته الخاصة به، فكانوا يُقدِّمون لها القرابين استجلابًا لرضاها، ونحن الآن نسأل: ماذا تكون طريقة نمو النبات وإثماره في حالة صدق ذلك الاعتقاد، ثم ماذا تكون طريقة النمو والإثمار في حالة بطلانه؟ إننا ما دمنا نستطيع الآن تعليل كل وجه من وجوه النمو والإثمار بعلته، من تربة وشمس وهواء وغير ذلك مما يعرفه علماء النبات، فلا يبقى للروح القيم على النبات وظيفة يُؤدِّيها، ومن ثم لم يعد ثمَّة فرق في وضع الأشياء وترتيبها بين أن يكون الاعتقاد سليمًا أو فاسدًا.

(٥) وماذا عن العلوم الإنسانية؟

كنتُ خلال العام الجامعي ١٩٥٣-١٩٥٤م أستاذًا زائرًا في إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، وكان التقليد الجاري في تلك الجامعة أن تستضيف رجالًا من القمم العلمية في أمريكا ذاتها، ليقضي الزائر منهم أسبوعًا أو نحو ذلك، يُحاضر طلاب الجامعة مجتمعين، ثم يعقد الندوات العلمية مع أعضاء هيئة التدريس؛ فكان من بين هؤلاء الزائرين الأفذاذ، في أثناء وجودي هناك «هنري مارجينو» الذي كان قبل ذلك أستاذًا للفيزياء في جامعة بيل، ثم انصرف باهتمامه إلى فلسفة العلوم؛ ومن ثَم فقد كانت ندواته مع هيئة التدريس في زيارته تلك تدور حول هذا الموضوع، وخصوصًا فيما يختص بالعلوم الطبيعية، وبصفة أخص بعلم الفيزياء، وأراد أن يختم ندواته بندوة عن فلسفة العلوم الإنسانية: ماذا تكون القواعد الأساس في مناهجها؟

وبدأ حديثه يؤمئذٍ بسؤال ألقاه علينا نحن مجموعة الأساتذة الحاضرين، قائلًا لقد حدثتكم فيما قبل عن فلسفة المنهج في ميادين العلم الطبيعي، وأريد الآن أن أستمع إليكم فيما ترونه عن هذا الموضوع في ميدان العلوم الإنسانية، وهنا حدثت لحظة صمت قصيرة، ثم بدأت أنا الحديث بعدها، فقد كنت بينهم زائرًا جاء إليهم من بلد بعيد يختلف بثقافته وثقافتهم فيما تصوَّروا، وكأنما أحسست بالأنظار تتَّجه نحوي لأبدأ الحديث، فبدأت بسؤال وجهته إلى «هنري مارجينو»: أليس في بحثنا مُقدمًا عن خصائص معينة لمنهج السير في العلوم الإنسانية، ما يتضمن أننا قد افترضنا اختلافًا بينها وبين العلوم الطبيعية في طريقة التناول؟ إن الرأي عندي هو أن نبدأ بافتراض آخر، وهو أن كل ظاهرة تقع تحت المشاهدة، يمكن تناولها بطريقة العلوم الطبيعية، لا فرق في ذلك بين ظاهرة إنسانية أو ظاهرة مناخية أو ظاهرة في معادن الأرض أو غيرها، إلى أن نستنفد إمكانات المنهج العلمي بهذا المعنى، فإذا بقيت من الظاهرة الإنسانية بقية يتعذر إخضاعها للمنهج الطبيعي، فإما أوجدنا لها منهجًا خاصًّا بها، وإما حولناها إلى مجال آخر غير مجال العلوم.

إذ ما العلوم الإنسانية، إذا لم تكن محاولات لتنميط السلوك البشري في شتى الظروف، سواء منها ما كان ظروفًا اقتصادية أو نفسية أو اجتماعية؛ وإذن فالأمر فيها لا يخرج عن كونه مشاهدات وتجارب تتجمَّع لدينا بطريقة منظمة، ثم تبوَّب أصنافًا، ثم يفترض لكل صنف منها مبدأ عام يفسرها؛ فليس ثمة من فرق جوهري بينها وبين الظواهر المناخية مثلًا، أو ظواهر الضوء والصوت في علم الفيزياء؛ اللهم إلا أن يكون السلوك البشري أكثر تعقيدًا، لكن هذه الزيادة في تعقيد الظاهرة لا ينفي عنها كونها ظاهرة على كل حال، فإن كانت أعسر تناولًا، تطلبت مزيدًا من التحليل؛ فما دام السلوك البشري واقعًا في الوجود الفعلي المشهود؛ فهو إذن شأنه شأن كل ما يقع في الوجود من واقع. ولعل ما دعا فريقًا من فلاسفة العلوم إلى أن يتشككوا في إمكان أن تندرج العلوم الإنسانية مع العلوم الطبيعية في منهج واحد، هو صعوبتها من جهة، وتخلفها وبُعدها عن الدقة إذا قيست إلى علوم الطبيعة من جهة أخرى، لكن ذلك كله لا يعارض شروط المنهج العلمي كما نعرفه في العلوم التي تقدمت؛ فليس لهذا المنهج إلا شرطان أساسان؛ هما إجراء مشاهدات وتجارب نأمن فيها الزلل، ثم استيحاء هذه المشاهدات والتجارب نظرية تنسق الجزئيات المشاهدة في بناء واحد، ويمكن العودة بها إلى مجال التطبيق فتصح في هذا المجال، وليس في العلوم الإنسانية ما ينافي هذين الشرطين.

ولقد أدَّى إلى تخلُّف هذه العلوم عدة عوامل يمكن التخلص منها بالتدريب المنهجي؛ فمن أهم تلك المعوِّقات التي حالت دون أن تتقدم علوم الإنسان بمثل ما تقدمت علوم الطبيعة، استخدامها لمفهومات كيفية لم تحاول أن تلتمس لها طريقًا يحوِّلها إلى صيغ كمية، فتراها — مثلًا — تستخدم ألفاظًا مثل: «طبقة»، «مجتمع»، «ذكاء»، «منفعة»، «ديموقراطية»، «غرائز» … إلخ إلخ، وكأنما هذه الألفاظ بسيطة المعاني ويمكن ضبط مدلولاتها ضبطًا يمنع الاختلاف في فهمها، ويساعد على معاملتها معاملة تشبه ما نعامل به ألفاظًا مثل: «حرارة»، «ضوء»، «صوت»، «كهربا» وأمثالها، وإنه لمن العسير علينا أن نتصور سبيلًا إلى التقدم العلمي قبل أن نجد الطريقة التي تتحول بها المعاني الكيفية إلى درجات كمية يمكن قياسها بجهاز يبتكر لكل مجال؛ فقد كان يمكن — مثلًا — أن تظل «الحرارة» معتمدة على التقدير التقريبي الذي لا يفيد شيئًا، إذا لم يكن العلماء المختصون قد ابتكروا جهازًا هو الترمومتر، يقيس «الدرجة» بحيث تصبح الحرارة سلمًا متدرجًا من أدنى درجة يمكن قياسها إلى أعلى درجة يمكن قياسها، فبدل أن نقول «حار» أو «بارد» نقول درجة كذا تحت الصفر أو درجة كذا فوق الصفر، فتُمكِّننا هذه الدقة من معالجة الأجسام بما يتَّفق مع الدرجة الحرارية المطلوبة، وهكذا في جميع المدركات في مجال العلوم، وأما في العلوم الإنسانية فما زلنا — مثلًا — نقول في ميادين الاقتصاد والسياسة والنفس والاجتماع ألفاظًا لا نريد بها إلا معانيها في القواميس أو في الاستعمال اليومي، دون أن يكون هنالك الوسائل التي تترجمها إلى درجات حسابية، على أن هذه العلوم الإنسانية تجاهد في سبيلها إلى هذه الترجمة الكمية لمفاهيمها شيئًا فشيئًا، وكثيرًا ما تُصيب النجاح فتتقدم بمقدار ما نجحت.

ومن معوقات العلوم الإنسانية كذلك، أنها ما زالت إلى يومنا هذا تبيح لنفسها أن تستخدم ألفاظًا ذاتية الدلالة، كالألفاظ الدالة على قيم، أو الألفاظ المثيرة للوجدان، غير مكتفية بلغة العقل، فما أيسر على علم النفس أن يستخدم صفات يصف بها أفراد الناس، من أمثال «سويٌّ» و«شاذٌّ»، أو من أمثال «انبساطي» و«انطوائي» و«عدواني» وغيرها، وكلها ألفاظ تحمل معها قيمًا مما يتعذَّر معه الدقة العلمية الموضوعية، فهل عرفت في علوم الفيزياء والكيمياء ظاهرة يصفونها بأنها «شاذة»؟ إن الطبيعة لا تعرف الشواذ، فلكل ظاهرة في الطبيعة قانونها الذي تندرج تحته الظاهرة؛ إن الفرد الإنساني الذي نسميه شاذًّا لتخلفه العقلي عن أترابه أو لاختلاف سلوكه عن سلوك الكثرة الغالبة من جيرانه في حدِّ ذاته ظاهرة توضع للبحث والتحليل والتقنين، فإذا لم نجدها منطوية تحت القوانين التي تشمل سائر الناس؛ فإن لها قوانينها التي تفسرها؛ ولن ينفتح طريق التقدم المنهجي أمام العلوم الإنسانية إلا إذا فرقنا تفرقة حادة بين تفسير الظواهر كما تقع، بالقوانين التي تمكننا من التنبؤ بمسار تلك الظواهر، وبين القيم الأخلاقية أو الجمالية؛ ولا يعني ذلك أن حياة الناس تستغني عن مجموعة القيم، لكن لكل من الجانبين مهمته التي يؤديها، فبالدراسة العلمية الصحيحة «نفهم» أمور الواقع كما هي واقعة، وبالقيم نتعلم كيف ينبغي أن نسلك حِيالها.

ومن العوامل التي لازمت العلوم الإنسانية أيضًا فأدَّت إلى تخلفها دون العلوم الطبيعية، إقحامها لفكرة «الغايات المُثلى» في ميادين بحثها؛ ففي السياسة وفي الاقتصاد وفي الاجتماع، ترانا نلتزم «مبادئ» نُشكل سلوكنا على أساسها، ونعده خروجًا على الموازين الكاملة للحياة الإنسانية ألا نسلك على غرار تلك المبادئ وما تمليه؛ وليس في ذلك بأس، لكن البأس كل البأس هو في الطريقة التي نفهم بها كلمة «مبادئ» (وأعني حين يكون المجال مجال تفكير علمي في موقف معين) إذ كثيرًا ما يفوتنا المعنى الذي يساير التفكير العلمي ولا يعارضه؛ وهو أن «المبادئ» في العلوم الإنسانية هي من قبيل ما يسمى «بالفروض» في ميادين العلوم الطبيعية، فإذا كانت الفروض في هذه الميادين تسقط إذا لم تفلح عند التطبيق، فنستبدل بها فروضًا أخرى، إلى أن نقع على «الفرض» الذي يصحُّ عند التطبيق، فنطلق عليه عندئذٍ اسم «نظرية» علمية أو اسم «قانون» علمي، فهكذا يجب أن تُفهم كلمة «مبادئ» في العلوم الإنسانية؛ فهي جديرة بأن نتمسك بها طالما يثبت لنا أنها هي المؤدية بنا إلى حياة نريدها، وأما إذا تبيَّن أن «مبدأ» ما من شأنه إذا ما استمسكنا به في سلوكنا أن يؤدي بنا إلى حياة متخلفة سيئة فقيرة مريضة متخبطة، فعندئذٍ لا بدَّ من تغيير المبدأ بمبدأ سواه، ومكمن الخطأ في هذا الصدد هو أن ننظر إلى «المبادئ» وكأنها من حقائق الكون الثابتة كشروق الشمس وغروبها وتوالي الفصول على مدار العام.

تلك هي أمثلة من المعوقات التي تُمسك بالعلوم الإنسانية فلا تدعها طليقة السير على مناهج العلم كما عرفتها العلوم الطبيعية التي بلغت مبلغًا من الدقة يجعلها نموذجًا يُحتذى فيما عداها من العلوم، على أن ذلك لا ينبغي أن يُنسينا موقفًا آخر يقفه فريق من فلاسفة العلم، إذ يقولون إن للعلوم الإنسانية ظروفًا خاصة تحول بينها وبين اصطناع المناهج العلمية المعروفة في علوم الطبيعة، منها أن الاطِّراد في الحياة الإنسانية أقل ظهورًا من الاطِّراد في ظواهر الطبيعة، فلئن كانت ظواهر الطبيعة تقع على أنماط يمكن إدراكها واستخراج القوانين العلمية التي تحكمها، فإن أفراد البشر وشعوبهم لا يطرد سيرها على مثل هذا المنوال المتجانس، ومنها أنه من الممكن لعلماء الطبيعة أن يُعيدوا حدوث الظاهرة التي يضعونها موضع بحث، وقتما يشاءون في معاملهم، وأما الظواهر الإنسانية فكثيرًا ما تنفرد بالحدوث مرة واحدة ثم لا تعود ولا هي مما يمكن إعادته، لكن الرد على اعتراضات كهذه هو ما أسلفنا ذكره، وهو أن الفروق بين المجالين إنما هي — عند التحليل — فروق في درجة التركيب، لا فروق في طبائع الأمور ذاتها.

•••

يقولون كذلك فيما يقولونه، اعتذارًا عن عدم التزام المنهج العلمي الطبيعي في ميادين العلوم الإنسانية. إن للإنسان إرادة حرة يمكنه بها أن يغير المسار السببي للأشياء؛ فكيف نتصوَّر بعد ذلك أنه هو نفسه خاضع للروابط السببية؛ وأن التجارب التي نُجريها في المعامل على الجماد والنبات والحيوان، مُحال أن نُجري مثلها على الإنسان، وأنه لا عجب إزاء ذلك أن نجد قوانين العلوم الطبيعية عامة ومطلقة لا تتغير بتغير المكان والزمان، وأما الإنسان فحتى لو ضبطنا قوانين سلوكه، فإنما نضبطها في مجال حضارة بعينها، وعصر معين، ومجتمع معين، بحيث لا نستطيع التوسع في تطبيقها لتشمل العالمين جميعًا في كل مكان وفي كل عصر من الزمان، ويقولون أيضًا إن الذي ساعد العلوم الطبيعية على التقدم والدقة، هو الأجهزة القياسية التي عن طريقها يمكن تحويل المدركات إلى أرقام وصيغ رياضية، وأن ذلك كله مستحيل بالنسبة إلى الإنسان.

ونحن نرد على ذلك كله بعبارة موجزة، فنقول: إنه إذا ثبت أن في الحياة الإنسانية ما يتعذر إخضاعه للمنهج العلمي الطبيعي، فليكن له مجال غير مجال العلم، وأما أن نعترف منذ البداية بأنه أمر مستحيل، ثم نمضي مع ذلك في الظن بأنه «علم» اجتماع و«علم» نفس و«علم» سياسة، فتناقض مرفوض؛ على أن الذي يوهم المعترضين بالاختلاف الجوهري بين الحياة الإنسانية والظواهر الطبيعية (ولاحظ جيدًا أننا هنا نقتصر فقط من الحياة الإنسانية على ما يمكن إخضاعه للعلم، معترفين أن ثمَّة جوانب أخرى في تلك الحياة لا ندَّعي لها مثل ذلك، بل ولا نريده لها) أقول إن الذي يوهم المعترضين بوجود فروق جوهرية بين المجالين، هو أنهم ينظرون إلى الإنسان من ناحية مضمونه الشعوري أو الكياني، على حين أن العلم — في الحياة الإنسانية وفي ظواهر الطبيعة على السواء — إنما ينصَّب أساسًا على «العلاقات» التي تربط الأطراف بعضها ببعض، وهذه العلاقات أينما كانت، ممكنة القياس إذا أوجدنا لها الأجهزة التي تقيسها، ومن ثم فهي مما يمكن أن يُصاغ في دالات رياضية تمكننا من التنبُّؤ بما سوف يقع قبل وقوعه، إذا ما توافرت له ظروف معينة، بل تمكننا من إيجاد ما نريد إيجاده من أوضاع إنسانية ما دمنا قد عرفنا قوانينها؛ وإلا فكيف يمكن بغير ذلك أن ندَّعى بأننا نضع خطة علمية تسير عليها حياتنا — في الإنتاج أو في التعليم أو في غيرهما — مدى عدد من السنين نحدده؟

(٦) العلم وحده لا يكفي

وأعود إلى ما بدأت به، وهو أن حياة الإنسان متعددة الجوانب مُتشعِّبة الخيوط؛ هي كالقصر ذي الغرف الكثيرة والأبهاء الفسيحة، كثير الأبواب والنوافذ؛ فكل باب يؤدي بك إلى غير ما يؤدي إليه الباب الآخر، وكل نافذة تطل منها على مشهد غير المشهد الذي تراه من النافذة الأخرى، هذا أمر في حياة الإنسان غير منكور؛ لكننا في هذه الصفحات مُقصِرون أنفسنا على غرفة واحدة من القصر، وعلى نافذة واحدة من نوافذه وباب واحد من أبوابه، أما الغرفة الواحدة التي قصرنا أنفسنا عليها هنا فهي غرفة العلم، وأما النافذة التي فتحناها دون سائر النوافذ فهي تلك التي تطل على الواقع الخارجي الذي يمكن حسابه بالأرقام، وأما الباب الذي يُدخلنا إلى تلك الغرفة لنطل منها على ذلك المشهد، فهو المنهج العلمي الذي ذكرنا من أسسه أطرافًا موجزة.

ونقول ذلك تحذيرًا لمن يهم بسؤالنا — وهنالك من القُراء من سوف يفعلون ذلك برغم كل تحذير — هل تريد برحلتك القصيرة هذه في ميادين التفكير العلمي أن تسقط من الحساب كائنات لا سبيل إلى شهودها بالإبصار ولا إلى سمعها بالآذان؟ وهل تريد للعلم والتفكير على أُسسه، أن يبسط جناحيه العريضين ليشمل فيما يشمله حقائق هو عاجز بإزائها، كالحب والكراهية، والشجاعة والجبن، والرحمة والقسوة؟ هل يستطيع العلم أن يفسر لنا كيف تبدع العبقرية حين تبدع؟ كيف يتركب الموسيقار العظيم بحيث ينظم ما لا يستطيع سواه أن ينظمه؟ هل يمكن العلم أن يدلنا أين يقع الفرق في التكوين الجسدي بين المعري وشكسبير من جهة وعامة الناس من جهة أخرى؟ إذا كانت مقوِّمات العالم هي الذرات التي يريد العلم أن يحسب مقاديرها ليضعها في دالات رياضية، فأين عسانا أن نضع في عالم كهذا معاني كالحرية والمساواة، وأين نضع المثل العليا التي يصبو الإنسان إلى تحقيقها؟ يقول أنصار المنهج العلمي إنه لا بدَّ من صياغة القوانين التي تتيح لنا أن نتنبأ بما سوف يقع في الظروف المعينة، وأن تتيح لنا إيجاد ما نريد إيجاده بعد أن لم يكن، أفيكون معنى ذلك أنه لا جديد يضاف إلى الإنسان وإلى العالم مما يستحيل اليوم أن نتنبأ به على أساس ما قد كان؟ ثم هل ضاقت رحاب الكون ورحاب الحياة بحيث لا يمكن النظر إليها على حقيقتها إلا من زاوية واحدة هي زاوية العلم ومنهجه؟ أكُل شيء عندك هو العقل ومنطقه والرياضة ولغتها؟ أين إذن تريد أن تضع حدس المتصوفة ولمحات الشعراء؟ وماذا أنت قائل في ضروب من الوجدان يضطرب بها الفؤاد، دون أن يكون أمامنا السُّبل لإخراجها في لفظ علمي مرتب ومفهوم على غرار ما يريدنا منهج العلم أن نفهم وأن نرتب؟

هذه كلها أسئلة واردة، أسبق بها القارئ قبل أن يفاجئني بها بعد قراءة هذه الصفحات؛ هي أسئلة أسبق بها لأقول بملء الفم إن العلم غرفة واحدة ذات باب واحد ونافذة واحدة، من قصر تعددت فيه الغرف والأبواب والنوافذ، لكننا هنا مطالبون بالحديث عن العلم دون سائر الجوانب، إننا هنا كالسائر في مدينة يبحث عن سلعة يريد شراءها، فسأل عن الطريق إلى مكان عرضها ثم وقف هناك لينظر ويفحص ويُجري عملية الشراء، فهل يجوز لقائل إن يوجه إليه اللوم: كيف سعيت هذا السعي كله لتشتري قبضة من الفوم والعدس، مع أن هنالك دكاكين تبيع الذهب والفضة واللؤلؤ والمرجان؟ كيف تؤثر هذا الطعام المتواضع وأمامك لحوم الضأن والبقر والدجاج والسمك؟ … نعم هذه كلها سلع معروضة في السوق، لكنه لسوء حظه قد خرج من الدار باحثًا عن شيء واحد طلب إليه أن يبتاعه، وهو تلك القبضة المتواضعة من الفوم والعدس!

وتلك هي الحال في هذه الصفحات، لقد أردنا بها ضربًا واحدًا من جوانب الإدراك، هو الإدراك العلمي، ونوعًا واحدًا من الكائنات، هو الكائنات التي يمكن إخضاعها إلى المشاهد والتجارب، لنصوغ عنها آخر الأمر ما يسمى بقوانين العلوم، فالأمر — يا صاحبي — في هذا الكون الفسيح وفي حياة الإنسان بكل تعقيدها وبكل سموها، هو ما جئت لتختاره موضوعًا للنظر، لكنك في اللحظة التي تفرغ فيها من اختيارك للنظر العلمي ومنهجه، لا يصبح من حقك بعد ذلك أن تخلط أمرًا بأمر؛ إذا كان اختيارك هو أن تعلم كيف تتركب البيئة الطبيعية التي تعيش فيها، وكيف يتركب سلوكك في جنباتها ومتأثرًا بحوافزها وكائناتها، لكي تشكل تلك البيئة وهذا السلوك على الصورة التي تبغي، فعندئذٍ لا سبيل أمامك إلى غايتك إلا المعرفة العلمية وإلا المنهج الذي دلَّت تجارب العلماء على مدى عصور طويلة على أنه هو المنهج المؤدِّي إلى المعرفة العلمية الصحيحة والدقيقة. وإني لعلى علم بأن الإنسان كثيرًا ما يضيق نفسًا بهذا العالم بكل ما فيه، فيأخذ في التماس عالم غيره، يصوِّره لنفسه بوجدانه شِعرًا أو قصة أو تصويرًا أو غير ذلك من سُبل، وعندئذٍ ليس هو بحاجة إلى «علم» بقدر ما هو بحاجة إلى خيال وإبداع. أما إذا أصرَّ على أن يعيش في العالم الواقع بالفعل، وأن يُعامل الناس على أساس هذا الواقع نفسه، فلا بديل أمامه يومئذٍ عن العلم ومنهجه، إنك في حياة الخيال والأوهام، تقيم معملك في جوفك، وتطهو طعامك المأمول على هواك، غير مُتقيِّد بما هو هنالك على وجه الأرض من نبات وحيوان ومعادن، لكنك في تعاملك مع الواقع الفعلي مضطرٌّ أن تضع معملك خارج بدنك، وأن تطهو الطعام مما هو نابت في الأرض، أو سابح في الماء أو السماء.

ولكن حتى الواهم وهو يتوهَّم، والفنان وهو يبدع فنونه، لو أراد — لسبب ما — أن «يعلم» كيف يعمل هذا الوهم العجيب في نفسه، أو أن «يعلم» كيف يتم للفنان إبداعه من شعر وموسيقى، فلا بد له ساعتئذٍ من اللجوء إلى رجل العلم وصاحب المنهج العلمي ليحلل له هذا الذي يحدث في ذاته.

العلم بمنهجه يرسم لنا الصورة الدقيقة لما هنالك، ولما كان وما سوف يكون، ولنا بعد ذلك أن نتخذ لأنفسنا الموقف الذي نرضاه، فمن يدري؟ قد تكون نازعًا بروحك إلى تصوف بغضِّ النظر عما كان وما هو كائن أو سوف يكون، لتنصرف بقلبك إلى مدارج أخرى، أو قد ترى الصورة التي رسمها العلم لما هو واقع فتراها أنت مما لا يتفق مع مبادئ خلقية تريد أن تحافظ عليها، كأن يعطيك العلم صورة صحيحة عن الذرة وتركيبها وطريقة تفجيرها ليترك لك بعد ذلك اختيار الموقف الذي تقفه إزاءها، كل ذلك لا ينفي أن يكون للعلم طريقته لمن أراد، والدعاة إلى اصطناع العلم في حياة الناس إنما يقصرون دعوتهم تلك على ما يصلح للعلم وطريقته، وأما ما لا يصلح من سائر الجوانب، فموكول أمره إلى وسائل أخرى غير منكورة.

ليس الإنسان عقلًا كله، بل هو مزيج من عقل ولا عقل — كالوجدانات والرغبات والشهوات — ولكل من العقل واللاعقل أهميته، ولا عيب في أن يكون الإنسان هذا وذاك معًا، لكن العيب هو في الخلط بينهما؛ لأنك إذا أذنت للجوانب اللاعقلية أن تتسلل إلى ميدان العقل، فقد فسد هو وفسدت هي، وضاع الإنسان ممزقًا فيما ليس يجديه، وأعجب العجب أن نجد هذا الخلط على خطورته شائعًا بيننا شيوعًا يسترعي النظر، فما قد قصد به إلى حياة الوجدان، يحاول بعضنا أن يُقحمه في منطق العقل؛ أي أن يُقحمه في ميدان العلم، حاسبًا بأن ذلك تشريف له وتعظيم وتأييد، مع أن ذلك إن دلَّ على شيء فإنما يدل على أن صاحب محاولة كهذه غير واثق في كفاية وجدانه، فأراد أن يبحث له عن دعامة من خارجه لئلا يسقط وينهار.

ولنجعل خاتمة حديثنا هذا، القول بأن غاية الغايات التي ينشدها إنسان لنفسه — فيما أعتقد — هي أن يكون كائنًا حرًّا، وهذه الحرية النفسية إنما يوصل إليها عن الطريقين كليهما: العلم والوجدان؛ فبالعلم نعرف قوانين الظواهر الطبيعية فنُمسك بزمامها لتكون طَوع ما نريده منها، إننا بالعلم نُحطم قيود المكان والزمان المفروضة علينا بحكم الفطرة، فإذا كانت الفطرة تقضي على الساقين أن تتحركا بسرعة معينة، وإذا كانت الفطرة تقضي على صوت الحديث ألا يبلغ إلا إلى مدًى قصير يُقاس بالأمتار، وإذا كانت فطرة الجسد كله تقضي بأن ينجذب نحو الأرض لا يجاوز غلافها فإننا بإلجامنا لقوانين الطبيعة نطير، ونُبلغ صوتنا أقاصي الأرض، ونخرج من قيد الأرض وجذبها، إننا بالعلم نزرع الصحراء، ونُغيِّر مجرى النهر، ونُنزل المطر ونُقاوم المرض، فنفك بهذه القدرات وأمثالها القيود التي تشدنا إلى مكان بعينه وفي حدود فترة زمنية معلومة هي أعمارنا المسرفة في قصرها إذا نسبناها إلى الخلود الذي نسعى إليه.

وبالوجدان نفكُّ قيودًا أخرى لنتحرر، فالتسامي فوق حدود الأنانية الضيقة، والترفُّع — إذا شاءت عزيمتنا — عن قيود الحاجة، كالصوم حينًا عن الطعام والشراب، والإنفاق في سبيل الخير العام، وما إلى ذلك من نواحٍ في حياتنا نهتدي فيها بوحي من إيماننا، كل ذلك ضروب من الحرية تحققها لنا نوازع أخرى في قلوبنا غير نوازع العقل ومنهجه.

والحرية بشقَّيها: ما يتحقق منها عن طريق العلم بقوانين الطبيعة وقوانين السلوك الإنساني، وما يتحقُّق منها عن طريق الوجدان والإيمان، أقول إن تلك الحرية بشقيها، لعلها هي الأمانة التي عُرضت على السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، وأشفقن منها، وحملها الإنسان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١