ديوان أبي فراس الحمداني

قال:

الشِّعرُ ديوانُ العرَبْ
أيضًا وعُنوان الأدَبْ
لم أعدُ فيه مفاخِرِي
ومديح آبائي النُّجُبْ
ومقطعاتٍ ربَّما
حلَّيتُ منهنَّ الكتُبْ
لا في المديحِ ولا الهِجا
ءِ ولا المجونِ ولا اللعِبْ

وقال:

فما نعمةٌ مكفورةٌ قد صنعتها
إلى غير ذي شُكرٍ بما تَبتغي أُخرى
سآتي جَميلًا ما حييتُ فإنني
إذا لم أُفدْ شكرًا أفدْتُ به أَجرا١

وقال، وهي من قصائدِه المشهورة:

لعلَّ خيالَ العامريَّة زائرُ
فيُسعَدَ مَهجورٌ ويُسعَد هاجِرُ
وإني على طول الشِّماسِ عن الصَّبا
أحنُّ وتصبِيني إليك الجآذِرُ٢
وفي كِلَّتَيْ ذاك الخِباءِ خريدةٌ
لها من طِعانِ الدَّارعينَ سَتائرُ٣
تقولُ إذا ما جئتُها متدرِّعًا
أزائرُ شوقٍ أنتَ أم أنتَ ثائرُ٤
تثنَّت فغصنٌ ناعمٌ أم شَمائلٌ
وولَّت فَليلٌ فاحِمٌ أم غدائِرُ٥
وقد كنتُ لا أرضى من الوَصلِ بالرِّضا
لياليَ ما بيني وبينكِ عامرُ
فأمَّا وقد طالَ الصُّدودُ فإنَّه
يقرُّ بعينيَّ الخيالُ المزاوِرُ٦
تَنامُ فتاةُ الحيِّ عني خَليَّةً
وقد كثُرتْ حولي البواكي السَّواهرُ
وتُسعدُني غيرُ البَوادي لأجلِها
وإن رغمتْ بين البُيوت الحَواضرُ٧
وما هي إلا نظرةٌ ما احتَسبتُها
بعُربٍ أضارَتني إليها المصايِرُ
كلِفتُ بها والرَّكْبُ والحيُّ كلُّه
حيارَى إلى وجهٍ به الحسنُ حايِرُ
وما ظلَّلتْ عن رائقِ الحُسن إنما
نممنَ على ما تحتهنَّ المَعاجِرُ٨
فيا نفسُ ما لاقيتِ من لاعجِ الهوى
ويا قلبُ ما جرَّت عليكَ النواظرُ؟
ويا عفَّتي ما لي ومالُكِ كلَّما
هممت بأمرٍ همَّ لي منكِ زاجِرُ٩
كأنَّ الحِجى والصَّونَ والعقلَ والتُّقَى
لديَّ ورباتُ الحِجالِ ضَرائرُ
وهنَّ وإن جانبتُ ما يَبتغينَه
حبائبُ عندي منذ كُنَّ أَثائرُ١٠
وكم ليلةٍ خُضت الأسنَّة نحوَها
وما هدَأتْ عينٌ ولا نامَ ساهِرُ
فلمَّا خَلَونا يعلَمُ اللهُ وحدَه
لقد كَرُمَتْ نَجوَى وعفَّتْ ضَمائِرُ
وبتُّ يظنُّ الناسُ فيَّ ظنونَهم
وثوبيَ مما يرجُمُ الناسُ طاهِرُ١١
وكم ليلةٍ ماشيتُ بدرَ تمامِها
إلى الصُّبحِ لم يشعُر بأمريَ شاعِرُ
ولا ريبةٌ إلا الحديثُ كأنَّه
جمانٌ وَهَى أو لؤلؤٌ متناثِرُ
أقولُ وقد ضجَّ الحليُّ بجَرسِه
ولم تُر منها للصَّباح بَشائرُ١٢
فيا ربِّ حتى الحليُ مما نخافُهُ
وحتى بياضُ الصبحِ مما نحاذِرُ١٣
ولي فيكِ من فرط الصبابة آمِرٌ
ودونَكِ من حُسن الصِّيانةِ زاجرُ
عفافُك غيٌّ إنما عفَّةُ الفتَى
إذا عفَّ عن لذَّاته وهو قادِرُ
نفَى الهمَّ عني همَّةٌ علويَّة
وقلبٌ على ما شئتُ منه موازِرُ١٤
وأسمرُ ممَّا يُنبتُ الخَطُّ ذابلٌ
وأبيضُ مما يطبَعُ الهندُ باترُ١٥
وقلبٌ تَقرُّ الحربُ، وهْو محارِبٌ
وعزمٌ يُقيم الجسمَ وهْو مُسافرُ
ونفسٌ لها في كلِّ أرض لُبانةٌ
وفي كل حيٍّ أسرةٌ ومعاشِرُ١٦
إذا لم أجِدْ في كل فجٍّ عشيرةً
فإنَّ الكرامَ للكِرامِ عَشائرُ
ولاحِقةُ الإِطْلَينِ من نَسلِ لاحِقٍ
أمينةُ ما نِيطتْ إليه الحَوافرُ١٧
من اللاءِ تأبَى أن تُعانِدَ ربَّها
إذا حسَرتْ عند المُغَارِ المآزرُ١٨
وخرقاءُ ورقاءٌ بطيءٌ كَلالُها
تكلَّفُ بي ما لا تُطيقُ الأباعِرُ١٩
غَريريَّة صافتْ شقائقَ دابِقٍ
مدَى قيظِها حتى تضرَّم ناجِرُ٢٠
وحمَّضَها الرَّاعي بميثاءَ بُرهةً
تناولُ من خِذْرافِه وتُغاوِرُ٢١
أقامَ بها حتى اطمأنَّتْ وضمَّنَتْ
بقيةَ صَفوانٍ قِراها المَناظِرُ
وخوَّضها بَطْنَ السَّلوطَحِ رَيثَما
أُديرَتْ بمِلحانَ الشُّهورُ الدَّوائرُ٢٢
فجاءَ بكوماءٍ إذا هيَ أقبلَتْ
ظَننتَ عليها رحلَها وهو حاسِرُ٢٣
فيا بُعدَ ما بين الكَلالِ وبينَها
ويا قُربَ ما يرجُو عليها المُسافِرُ
دعِ الوطَنَ المألوفَ رابَكَ أهلُه
وعَدِّ عن الأهلِ الذين تَكاشَروا٢٤
فأهلُك مَن أصفَى ووُدُّك من صَفَا
وإن نزَحتْ دار وقلَّت عشائر
تبوَّأتُ من قرْمَيْ معدٍّ كِلَيهما
مكانًا أراني كيف تُبنى المَفاخِرُ٢٥
لئن كان أَصلِي من معدٍّ نِجارُه
ففَرعيَ سيفُ الدَّولةِ القَرم ناصِرُ
وما كانَ لولاه لِيَنفعَ أوَّلٌ
إذا لم يُزيِّنْ أولَ المجدِ آخِرُ
لعَمرُك ما الأبصارُ تنفَعُ أهلَها
إذا لم يكنْ للمُبصرينَ بَصائرُ
فهل ينفعُ الخَطِّيُّ غيرَ مثقَّفٍ
وتظهَرُ إلا بالصِّقالِ الجَواهرُ
أُناضل عن أحسابِ قومِي بفَضلِه
وأفخرُ حتى لا أرَى مَن أُفاخِرُ
وأسعَى لأمرٍ عُدَّتي لحُصولِه
أَواخِيهِ مِن آرائِه وأَواصِرُ٢٦
أيشغلكُم وصفُ القديمِ ودونَه
مَفاخِرُ فيها شاغلٌ ومآثِرُ٢٧
لنا أولٌ في المَكرُماتِ وآخرٌ
وباطنُ مجدٍ تغلبيٍّ وظاهرُ
أيا راكبًا تَخدُو بأعوادِ رحلِه
غدافرةٌ غيرانةٌ وعذافرُ٢٨
ألِكْني إلى أبناءِ وَرقا رِسالةً
على نَأيِها وهْي القَوافي السَّوايِرُ٢٩
لئنْ باعَدتْكُم نيةٌ طالَ شَحطُها
فقَد قرَّبَتْني نيةٌ وضَمائِرُ
ونشرُ ثناءٍ لا يَغيبُ كأنما
به نَشرَ العضبَ اليمانيَّ ناشِرُ
ويجْمَعُنا في وائلٍ عَشَريَّةٌ
ووُدٌّ وأرحامٌ هناك سَواجِرُ
فقُل لبني ورقاءَ إن شطَّ منزلٌ
فلا العهدُ منسِيٌّ ولا الوُدُّ داثرُ
وكيف ترث الخيلُ أو تضعُف القُوَى
فقد قرُبت قُربَي وشُدَّت أواصِرُ٣٠
أبا أحمدٍ مهلًا إذا الفَرعُ لم يطِبْ
فلا طِبنَ يومَ الإفتخارِ العناصرُ
أتسمُو بما شادَت أوائلُ وائلٍ
وقد غمرتْ تلك الأوالي الأواخِرُ
وتطَّلبُ العزَّ الذي هو غائِبٌ
وتتَّرِكُ العزَّ الذي هو حاضرُ٣١
عليَّ لأبكارِ الكلامِ وعُونه
مفاخرُ تُفنِيه وتبقَى مَفاخرُ
أنا الحارثُ المختارُ من نسلِ حارثٍ
إذا لم يسُدْ في القومِ إلا الأخايِرُ
فجَدِّي الذي لمَّ العشيرةَ جودُه
وقد طارَ فيها للتفرُّقِ طائرُ
تحمَّلَ قتلاها وساقَ دِيَاتِها
حَمولٌ لما جرَّت عليه الجَرائرُ
ودَى مائةً لولاه جرَّت دِماؤُهم
مواردَ مرَّت ما لهنَّ مصادِرُ٣٢
ومنَّا الذي ضافَ الإمامَ وجيشَه
ولا جودَ إلا ما يضيف العَساكرُ
وجدِّي الذي ساسَ الديارَ وأهلَها
وللدَّهرِ نابٌ فيهما وأظافِرُ
ثلاثةُ أعوامٍ يكابد مَحْلَها
أشمُّ طويلُ الساعدينِ عُرَاعِرُ٣٣
فآبوا بجَدواه وباءَ بشُكرِهم
وما فيهما في صَفقةِ المجد خَاسِرُ
أسى داءَ ثغرٍ كان أعيا دواؤُه
وفي قلبِ مَلْكِ الرُّوم داءٌ مُخامِرُ
بنى الثُّغَرَ الباقي على الدَّهرِ ذكرُه
نتائِجُ فيها السَّابقاتُ الضَّوامرُ٣٤
وسوف على رغمِ العدو يُعيدُها
معوَّد ردِّ الثَّغر والثغرُ داثرُ
ولما ألمَّت بالدِّيارينِ أزمَةٌ
جَلاها ونابُ الموتِ بالموت كاشِرُ
كفى عدَاوتِ الغيثِ وارفُ كفِّه
فأمرعَ بادٍ واجتَنى العيشَ حاضرُ٣٥
أناخوا بوهَّاب النفائسِ ماجدٌ
يُقاسِمهم أموالَه ويشاطرُ
وعمِّي الذي أردَى الكماةَ وفاتكًا
وما الفارسُ القتَّال إلا المُجاهِرُ٣٦
أذاقَهما كأسَ الحِمامِ مُشيَّعٌ
مُثاورُ غاراتِ الزَّمان مُساوِرُ
يُطيعهمُ ما أصبحَ الدَّهرُ فيهمُ
ولا طاعةٌ للمرء والمرءُ جائرُ
لنا في خلافِ الناس عثمانَ أسوةٌ
وقد جرَّت البلوى عليه الجَرائرُ٣٧
وسار إلى دارِ الخلافة عَنوةً
فحرَّقَها والجيشُ بالدَّارِ دائرُ
أذلَّ تميمًا بعد عزٍّ وطَالما
أذلَّ بنا الباغي وعزَّ المُجاوِرُ
فأقبلَ بالساري يُقاد أَمامَه
وللقَيد في يُمنى يديه ضفائِرُ
وشنَّ على ذي الخَالِ خيلًا تناهبتْ
سماوةُ كَلبٍ بينَها والعُراعِرُ٣٨
أضَقْنَ عَلَيه البِيدَ وهي فَضافضٌ
وأضْلَلْنَه عن سُبْلِه وهو خابِرُ٣٩
أماطَ عن الأعراب ذل إناءَةٍ
تساوَى البَوادي عندها والحَواضِرُ٤٠
وأجلَتْ لنا عن فتحِ مصرَ سحائبٌ
من الطَّعنِ سُقياها المنايا الحوَاضرُ٤١
تَخالط فيها الجَحفلان كلاهما
فتَعفو القَنا عنها وتنبُو البَواترُ
وقاد إلى أرض السبكْريِّ جَحفلًا
يسافر فيه الطرفُ حين يسافر٤٢
تناسى به القتَّالُ في العدِّ قتلَه
ودارتْ بربِّ الجيشِ فيه الدوائر
وعمِّي الذي سُلَّت بنجدٍ سيوفُه
فروَّع بالغَورين من هو غائرُ٤٣
تناصرتِ الأحياءُ من كل وجهةٍ
وليس له إلا مِن الله ناصرُ
فلم يُبقِ غمرًا طعنُه الغمرُ فيهم
ولم يُبقِ وِترًا ضربُه المتواترُ٤٤
وساق إلى ابنِ الديوَداد كتيبةً
لها لجَبٌ من دونها وزماجر٤٥
جَلاها وقد ضاق الخِناقُ بضربة
لها من يدَيه في الملوك نظائرُ
بحيث الحُسام الهندوانيُّ خاطبٌ
بليغٌ وهاماتُ الرجالِ منابرُ٤٦
وعمِّي الذي سمَّته قيس مُزَرفنًا
وقد شجَرتْ فيه الرماحُ الشَّواجر٤٧
وردَّ ابنَ مزروعٍ ينوءُ بصدره
وفي صدره ما لا تنال المَسابِرُ٤٨
وعمِّي الذي أفنَى السُّراة بوقفةٍ
شهيدانِ فيها رابيانِ وحادرُ٤٩
أصبنَ وراءَ السِّن صالحَ وابنَه
ومنهنَّ نوءٌ بالبَوارح ماطِرُ٥٠
كفاه أخي والخَيل فوضى كأنها
وقد عضَّت الحربَ النعامُ النوافرُ٥١
غداة وأجزات المدام بمنزلٍ
يعاشر فيه المرء مَن لا يُعاشَرُ
وعمِّي الذي ذلَّت حبيبٌ لسيفه
وكانت ومَرعاها من العز ناضرُ٥٢
وعمي حَرونٌ قلب كل كتيبة
تخفُّ جبالٌ وهو للموت صابرُ٥٣
أولئك أعمامي ووالديَ الذي
حمَى جنَبات المُلك والمُلك شاغرُ٥٤
بحيث نساءُ الغادرين طوالقٌ
وحيث إِماءُ الناكثين حرائرُ
له بسليمٍ وقعةٌ جاهليةٌ
تقرُّ بها قندٌ وتشهد حاجرُ٥٥
وأذكتْ مذاكِيه بسَرحٍ وأرضُها
من الضَّرب نارًا جمرُها متطايِرُ٥٦
شفَتْ من عقيل أنفسٌ شفها السُّرى
فهوَّم عَجلانٌ ونوَّم ساهِرُ٥٧
وأوَّل من شدَّ المجيد بعينهِ
وأول من قدَّ الكَميَّ المظاهرُ٥٨
غزا الرومَ لم يقصِدْ جوانبَ غزَّةٍ
ولا سبقتْه بالمُراد النَّذائرُ
فلم ترَ إلا فالقًا هامَ فيلقٌ
وبحرًا له تحتَ العجاجةِ زاجرُ٥٩
ومستردفاتٍ من نساءٍ وصِبيةٍ
تثنَّى على أكتافهنَّ الجواهرُ٦٠
فإن يمضِ أشياخِي فلم يمضِ مجدُها
ولا دُثرتْ تلكَ العُلى والمآثِرُ٦١
نشيدُ كما شادُوا ونبني كما بنَوا
لنا شرَفٌ ماضٍ وآخر غابرُ
ففينا لدينِ الله عز ومنَّة
ومنا لدينِ الله سيفٌ وناصرُ
هما وأميرُ المؤمنين مشرَّدٌ
وجاراه لمَّا لم يجِد من يجاورُ
وردَّاه حتى ملَّكاه سريرَه
بعشرين ألفًا بينها الموتُ سافِرُ
وساسا أمورَ المسلمين سياسةً
لها الدينُ والإسلامُ واللهُ شاكرُ
ولما طغى عجلُ العراق ابن زايقٍ
شفى منه لا طاغٍ ولا متكاثرُ
إذ العربُ العرباءُ تنبي عمادَه
ومنَّا له طاوٍ على الثار ذاكِرُ
أذاق العلاءَ الثعلبيَّ ورهطَه
عواقبَ ما جرَّت عليه الجرائرُ٦٢
وأوطأَ حصنَيْ رستنيس خيولَه
وقبلهما لم يقرع النجمَ حافرُ٦٣
فآب بأسراها تغنِّي كبولُها
وتلك غوانٍ ما لهنَّ مزاهِرُ٦٤
وصبَّ على الأتراكِ نقمةَ مُنعمٍ
رماه بكُفران الصنيعة غادرُ
وإن معاليه لكُثرٌ غوالبٌ
وإن أياديه لغُرٌّ غرائرُ٦٥
ولكنَّ قولي ليس يفضُل عن فتًى
على كلِّ قولٍ من معاليه حاطرُ
ألا قُلْ لسيفِ الدولة القَرمِ إنني
على كلِّ شيء غير وصفِك قادرُ
فلا تُلزمَنِّي خطةً لا أُطيقها
فمجدُك غلَّاب وفضلُك باهرُ
ولو لم يكن فَخري وفخرُك واحدًا
لما سار عني بالمدائح سائرُ
ولكنني لم أُغفلِ القول عن فتًى
أُساهم في عَليائه وأشاطِرُ
وعن ذكرِ أيامٍ لنا ومواقفٍ
مكانيَ منها بيِّنُ الفضل ظاهرُ
مساعٍ يضلُّ القولُ فيهنَّ كلُّه
وتهلَكُ في أوصافهنَّ الخواطرُ
بناهنَّ باني الثَّغرِ والثغرُ دارسٌ
وعامِرُ دينِ الله والدِّينُ داثرُ٦٦
ونازلَ منه الديلميَّ بأردَنٍ
لجوجٌ إذا نادَى مَطول مصابرُ٦٧
وشقَّ إلى نفس الدمستقِ جيشَه
بأرضِ سلامٍ والقنا مُتشاجِرُ٦٨
سقى أرسياسًا مثلَه من دِمائِهم
عشيةَ غصَّتْ بالقلوبِ الحَناجرُ٦٩
وبات يُدير الرأيَ من أين وجهُه
وذو الحزم ناهِيه وذو العزمِ آمرُ
وساق نميرًا أعنَفَ السوق بالقَنا
فلم يمسِ شاميٌّ ولم يُضحِ حادِرُ٧٠
وناهضَ أهلَ الشام منه مشيَّعٌ
يسايرُه الإقبالُ فيمن يُسايرُ
له وعليه وقعةٌ بعد وقعةٍ
ولوع بأطرافِ الأسنَّة عاقرُ
فلا هو فيما سرَّه متطاولٌ
ولا هو فيما ساءَه متقاصرُ
فلمَّا رأى الإخشيدَ ما قد أظلَّه
تلافاه يَثني عزمَه ويُكاشر٧١
رأى الصهرَ والرسل الذي هُو عاقِدُ
تنال به ما لا تنال العساكرُ
وأوقعَ في خلياط بالرُّومِ وقعةً
به الغَمق واللكَّام والروج فاخرُ٧٢
وأوردها بطنَ اللقان فظهره
يطأنَ به القَتلى خفاف جواذرُ٧٣
أخذْنَ بأنفاسِ الدمستق وابنِه
وعبَّرن بالتِّيجان من هو عابرُ
وجُبنَ بلادَ الرُّوم سِتينَ ليلةً
تغادر مَلكَ الرُّوم فيمنْ تُغادرُ
تخرُّ لنا تلك القبائلُ عنوةً
وترمي لنا بالأهلِ تلك المظاهرُ٧٤
ولما وردنا الدَّربَ والرُّوم فوقَه
وقدر قسطنطين أن ليس صادِرُ٧٥
ضربنا بها عرضَ الفُرات كأنَّما
تسيِّرنا تحت السروجِ حرائرُ
إلى أن وَردْنا الرَّقتينِ نسوقُها
وقد نكَلَتْ أعقابُها والمخاصرُ
ومال بها ذاتَ اليمينِ بمرعشٍ
مجاهيد يتلو الصابرَ المتصابرُ٧٦
فلما رأى جيشَ الدمستق زاحمَتْ
عزائمها واستنهضتْها البصائرُ
وما زلن يحمِلْنَ النفوس على الوجَى
إلى أن خُضبنَ بالدماء الأشاعرُ٧٧
وأين لقسطنطينَ وهو مكبَّل
تحفُّ بطاريقٌ به وزراورُ٧٨
وولَّى على الرسم الدمستق هارِبًا
وفي وجهه عُذرٌ من السيف عاذِرُ٧٩
فدَى نفسه بابنٍ عليهِ كنفسِه
وللشدةِ الصماءِ تُقنى الذخائرُ٨٠
وقد يُقطع العضوُ النفيسُ لغيره
وتُدفع بالأمر الكبيرِ الكبائرُ
وحسبي بها يوم الأحيدة وقعةً
على مثلِها في العزِّ تُثنى الخناصرُ٨١
عدَلنا بها في قِسمةِ الموتِ بينَهم
وللسيفِ حُكمٌ في الكَتيبة صايرُ
إذا الشيخُ لا يَلوي ويقفُو محجَّرٌ
ففي القيد ألفُ كالليوثِ قساوِرُ٨٢
فلم يبقَ إلا صهرُه وابنُ بنتِه
وثوَّر بالباقين من هو ثائرُ
وأجلى إلى الجُولان كلبًا وطيِّئًا
وأقفَر عجب منهمُ وأشاعرُ
وباتتْ نزارٌ يَقسمُ الشامَ بينها
كريمُ المحيَّا لوذعيٌّ مُغاورُ
علاءُ كليبٍ للضَّبابِ علاؤُه
وحاضرُ طيٍّ للجعافرِ حاضرُ٨٣
وأنقذَ من مسِّ الحديدِ وثِقله
أبا وائلٍ والدهر أجدَعُ صاغرُ
وآب براس القُرمطيِّ أمامَه
له جسدٌ من أكعَب الرمح ضامرُ٨٤
وقد يكبر الخطْب اليسيرُ ويجتني
أكابرُ قوم ما جناه الأصاغرُ
كما أهلكتْ كلبًا غواةُ جُناتِها
وعمَّ كلابًا ما جناهُ الجعافرُ
شرَينا وبِعنا بالسيوفِ نفوسَهم
ونحن أناسٌ بالسيوفِ نتاجِرُ
وصنَّا نساءً نحن أولى بصَونها
رجعنَ ولم تكشفْ لهنَّ ستائرُ
يُنادينَه والعيسُ تُزجَى كأنها
على شُرفات الروم نخلٌ مُواقرُ٨٥
ألا إن من أبقيت يا خير منعم
عبيدُك ما ناح الحمام السواجرُ
فنرجوك إحسانًا ونخشاك صَولة
لأنك جبَّار وإنك جابرُ
وجشَّمها بطنَ السماوة قابِضًا
وقد أوقدت نار السَّموم الهواجرُ٨٦
فيطرد كعبًا حيث لا ماءَ يُرتجَى
لتعلمَ كعبٌ أيَّ قَرم نخاصرُ
ويطلب كعبًا حيث لا الإثرُ يقتفى
لتعلمَ كعب أيَّ عود تكاسرُ
فَجعْنا بنصفِ الجيش حوبةَ كلَّها
وأرهقَ جرَّاح وولَّى مغاورُ٨٧
أبو الفيض مارَ الجيشَ حولًا محرَّمًا
وكان له جدٌّ من القوم مائرُ٨٨
يناديكمُ يا سيفَ دولةِ هاشمٍ
تطولُ بني أعمامِنا وتفاخرُ
فإنا وإيَّاكم ذُراها وهامُها
إذا الناسُ أعناق لها وكَراكِرُ٨٩
ترى أيَّها لاقيتَه من بني أبي
له حالبٌ لا يستفيق وجازِرُ
وكان أخي إن يسعَ ساعٍ بمجدِه
فلا الموتُ محذورٌ ولا السُّم ضائرُ٩٠
فإن جدَّ أو لفَّ الأمور بعزمِه
فقلْ هو مأثورُ الحشَى وهو آثرُ٩١
أزال العِدى عن أردبيل بوَقعةٍ
صريعانِ منها عاذلٌ ومساورُ٩٢
وجازَ أراضي أذْربيجانَ بالقَنا
وأدَّى إليه المرزبان مسافرُ٩٣
وناهض منه الرَّقتَين مشيَّعٌ
بعيدُ المدى عبلُ الذراعين قاهرُ٩٤
فلما استقرَّت بالجزيرة خيلُه
تضَعْضع بادٍ بالشآم وحاضرُ
ممالكُها للبيضِ بيضِ سيوفِنا
سبايا ومنها للمُلوك مَهايرُ٩٥
وحلَّ بنا لبَّا عُرى الجيشِ كلِّه
وحكَّم حرَّان ومولاه داغرُ
له يومُ عدلٍ موقفٌ بل مواقفُ
ردَدن إلينا العزَّ والعزُّ نافرُ
غداة يصب الجيشَ من كل جانبٍ
بصيرٌ بضربِ الخيل والخيلُ ماهرُ
بكل حسام بين حدَّيهِ شُعلةٌ
بكفِّ غلامٍ حشوُ درعيه خازرُ٩٦
على كل طيَّار الضلوعِ كأنه
إذا انقضَّ من علياءَ فتخاءُ كاسرُ٩٧
إذا ذُكرت يومًا غطاريفُ وائلٍ
فنحنُ عالِيها ونحن الجماهرُ٩٨
ومنَّا الفتى يحيى ومنَّا ابنُ عمِّه
همامًا هما للثَّغر سمعٌ وناظرُ
له بالهُمام ابن المعمر فَتكةٌ
وفي السَّيف فيها والرِّماح عواذرُ
ومنَّا أبو اليقظان منتاش خالد
ومنَّا أخوه الأُفعوان المساوِرُ٩٩
شفي النَّفس يوم الخالدية بعدما
حلَلن بإحدى جانبيه البَواترُ١٠٠
ومنا ابن قنَّاصِ الفوارسِ أحمد
غلامٌ كمثلِ السيفِ أبلجُ زاهرُ
فتًى حاز أسبابَ المكارم كلِّها
وما شَعرت منه الخُدود النواضرُ١٠١
ومنَّا ابنُ عدنان العظيمُ بقومِه
ومنَّا قريعا العزِّ جَبرٌ وجابرُ
فهذا لذي التَّاجِ المعصَّب قاتلٌ
وهذا لذي البيتِ الممنَّع آسرُ١٠٢
ومنَّا الأغرُّ ابنُ الأغرِّ مهلهلٌ
خليليَ إن دام الخليلُ المعاشرُ
فإن أدعُ في اللأواء فهو محاربٌ
وأن أسعَ في العلياء فهو مظاهرُ
ولما أظلَّ الخوفُ دارَ ربيعةٍ
ولم يبقَ إلا ما حمَته الحفائرُ
شفى داءَها يوم الشراةِ بوَقعةٍ
حدودُ بني شيبان فيها العواترُ١٠٣
ومنا عليٌّ فارسُ الجيشِ صِنوُه
عليٌّ ابنُ نصر خَيرُ مَن زار زائرُ
ومنا حسينُ القَرمُ مُشبهُ جدِّه
حمَى نفسَه والجيشُ للجيشِ غامرُ
لنا في بني عمي وأحياء أخوتي
على حيث سار النيران سوائر
وأنهم الساداتُ والغُرَر التي
أطول على خَصمي بها وأكابرُ
ولولا اجتنابُ العتبِ في غيرِ مُنصفٍ
لما عزَّني قولٌ ولا خان خاطرُ
ولا أنا فيما قد تقدَّم طالبٌ
جزاءً ولا فيما تأخرَّ وازرُ١٠٤
يسرُّ صديقي أنَّ أكثر واصِفي
عدوِّي وإن ساءَته تلك المفاخرُ١٠٥
نطقتُ بفضلي وامتدحتُ عشيرتي
فما أنا مدَّاح ولا أنا شاعرُ

قال أبو فراس: ولما وصلتْ هذه القصيدةُ إلى أبي أحمد بن ورقا، ظنَّ أني عرَّضتُ به في البيتين اللذَيْن ختمتُ بهما القصيدة وهما يسرُّ صديقي … إلخ. فكتب إليَّ قصيدة تصرَّف فيها في التَّشبيب ومطلعُها:

أشاقتكَ في الحال الدِّيار الدواثرُ
روايج محَّت آلها وبواكرُ

وكتب أبو فراس إلى أبي أحمدَ جعفر بن ورقاء، وجعله حَكَمًا بينه وبين أحمدَ بن ورقاء فقالَ:

أنا من إذا اشتدَّ الزَّمَا
نُ ونابَ خطبٌ وادلهمْ١٠٦
ألفيتَ حول بيوتنا
عِدَدَ الشجاعة والكرمْ
للِقا العِدا بيضُ السُّيُو
فِ وللنَّدا حُمر النعَمْ
هذا وهذا دأبُنا
يُودي دمٌ ويراقُ دمْ
قل لابنِ ورقا جعفرٍ
حتى يقولَ بما علمْ
إني وإن شطَّ المزَا
رُ ولم تكنْ دارٌ أشمْ
أصبو إلى تلك الخِلا
ل وأصطفي تلك الشيم١٠٧

وقال قد كتبت بها إلى أبي أحمد بن ورقاء في العراق:

قلوبٌ فيك دامية الجراحِ
وأكباد مكلَّمةُ النواحي١٠٨
وحزنٌ لا نفادَ له ودمعٌ
يلاحي في الصبابة كلَّ لاح١٠٩
أتدري ما أروحُ به وأغدو
فتاةَ الحيِّ حيِّ بني رِياحِ
ألا يا هذه هل مِن مَقيلٍ
لضِيفانِ الصَّبابةِ أو مراحِ
فلولا أنت ما قلقتْ ركابي
ولا هبَّتْ إلى نجد رِياحي
ومن جرَّاك أوطنتُ الفيافي
وفيك غُذيت ألبانَ اللقاحِ١١٠
رمتْك من الشآم بنا وِجابٌ
قصار الخطو داميةُ الصفاحِ١١١
تجول نُسوعها وتبيتُ تسري
إلى غراءَ جائلةِ الوشاح١١٢
إذا لم تشفِ بالغدواتِ نفسي
وصلتُ لها غدوُّي بالرواحِ
يقول صَحابتي والليلُ داجٍ
وقد هبَّتْ لنا ريحُ الصباحِ
لقد أخذ السُّري والليلُ منَّا
فهل لكَ أن تُريحَ بحوِّ راحِ١١٣
فقلتُ لهم على كره أريحوا
وفي الذَّمَلان رُوحي وارتياحِي١١٤
أرادت أن يقالَ: أبو فراسٍ
على الأصحاب مأمونُ الجِماحِ١١٥
فكم أمرٍ أغالبُ فيه نفسي
ركبتُ مكانَ أذْني للنجاحِ
أصاحبُ كلَّ خل بالتَّجافي
وآسُو كلَّ داءٍ بالسماحِ١١٦
وأنَّا غير بُخال لنحمِي
حماءَ الماء والمرعى المباحِ
لأملاكِ البلاد عليَّ ضربٌ
يحل عزيمةَ الدِّرع الوقاحِ١١٧
ويوم للكماة به عناقٌ
ولكنَّ التصافح بالصِّفاحِ١١٨
وما للمال يزوِي عن ذَويهِ
ويُصبح في الرَّعاديدِ الشحاحِ١١٩
لنا منه وإن لويتْ قليلًا
ديون في كفالات الرماحِ١٢٠
لسيف الدولة القِدح المعلَّى
إذا سبق الملوك إلى القداحِ١٢١
لأرسعهم ندًى إن غبَّ رادٍ
وأغزرهم مدافع سيب راحِ
أتاني من بني ورقاءَ قولٌ
ألذُّ جنًى من الماء القُراحِ
وأطيب من نسيم الروض حفَّت
به اللذات من روح وراحِ
وتبكي في نواحيه الغوادي
بأدمُعها وتبتسم الأقاحِي
عتابك يا ابنَ نجمَ بغير جُرم
أشدُّ عليَّ من وَخز الجراحِ
وما أرضَى انتصافًا من سِواكم
وأُغضي عنك عن ظلمٍ صراحِ
أظنًّا إن بعضَ الظن إثمٌ
أمزحًا رُبَّ جدٍّ في مزاحِ
أريتَك يا ابنَ نجم بأي عذرٍ
غدوت عن الصواب وأنت لاحِ١٢٢
أأجعلُ في الأوائل من نزارٍ
كفعلك أمْ بأُسرتنا افتتاحي
أَمن تعب نشا بحرُ العطايا
وأكرم مستغاثٍ مستراحِ
وصاحب كل عضبٍ مستبيح
أعاديه ومالٍ مستباحِ
وهذا السيلُ من تلك الغوادي
وهذي السُّحب من تلك الرياحِ
وكيف أعيب مدحَ شموس قومي
ومن أضحَى امتداحهمُ امتداحِي
ولو شئتُ الجواب أجبتُ لكن
خفضتُ لكم على عِلم جناحِي
ولستُ وإن صبرت على الأثافي
أُلاحي أسرتي وبهم أُلاحي١٢٣

وقال أيضًا يخاطب ابنَ ورقاء:

اللَّوم للعاشقين لومُ
لأنَّ خطبَ الهوى عظيمُ
وكيف ترجون لي سُلوًّا
وعنديَ المقعد المقيمُ
ومقلتي ملؤُها دموعٌ
وأضلعي حشوُها كلومُ١٢٤
يا قومُ إني امرؤٌ كَتومُ
تَصحَبُني مقلةٌ نَمومُ
الليلُ للعاشقين سِتر
يا ليتَ أوقاته تدومُ
نديميَ النجمُ طولَ ليلِي
حتى إذا غارتِ النجومُ
أسلَمني الصبحُ للبَلايا
فلا حبيبٌ ولا نديمُ
برَملتَيْ عالجٍ رسومُ
يطول من دونها الرَّسيمُ١٢٥
أنختُ فيهنَّ يعملاتٍ
ما عهدُ إِرقالها ذَميمُ١٢٦
أخْذُو بها قطعَ كلِّ وادٍ
أخصَبه نبتُه العميمُ
بين ضُلوعي هوًى مُقيم
لآلِ ورقاءَ لا يَريم١٢٧
زرَّ على الدهر في سُراها
ما ذهب النجم والنجومُ
تلك سَجايا من الليالي
للبُؤس ما يخلق النعيمُ
يغيِّر الدهرُ كلَّ شيء
وهو صحيحٌ لهم سليمُ
أمنعُ من رامَه سِواهم
منه كما يمنع الحريمُ
وهل يساويهمُ قريبٌ
أم هل يُدانيهمُ حميمُ
ونحن من عُصبةٍ وأهلٍ
يضم أعضاءَنا الأرومُ١٢٨
لم تتفرَّقْ لنا خُئول
في العز منا ولا عُمومُ
سمت بنا وائلٌ وفازتْ
بالعز أخوالُنا تميمُ١٢٩
ودادُهم خالصٌ صحيحٌ
وعهدهُم ثابتٌ مقيمُ
آل لنا منهمُ حديثٌ
وهو لآبائِنا قديمُ
نرعاهُ ما طرقتْ بحَملٍ
أُنثى وما أطفلتْ بغومُ١٣٠
تدنو بنو عمِّنا إلينا
فضلًا كما يفضل الكريمُ
أيدٍ لهم عند كلِّ خطبٍ
يثني بها الحادثُ الجسيمُ
وألسن دونهم حدادٌ
لدٌّ إذا قامت الخصومُ١٣١
لم تنأ عنَّا لهمْ قلوبٌ
ولا نأت عنهمُ جسومُ
ولا عدِمْنا لهم ثناءً
كأنه اللؤلؤُ النظيمُ
لقد نمَتْنا لهم أصولٌ
ما مسَّ أعراقَهنَّ لُومُ
نبقى ويبقونَ في نعيمٍ
ما بقي الرُّكنُ والحطيمُ

وقال مفتخرًا:

وقوفُك في الديارِ عليك عارُ
وقد رُدَّ الشباب المستعارُ١٣٢
أبعد الأربعين محرَّماتٌ؟
تمادٍ في الصبابة واغترارُ
نزعت عن الصِّبا إلا بَقايا
يحقِّرها على الشيب العقارُ١٣٣
وطال الليلُ بي ولربَّ دَهرٍ
نعمت به لياليه قصارُ
وندماني السريعُ إلى لقائي
على عجَل وأقداحي الكِبارُ
عشقتُ بها عواريَّ الليالي
أحقُّ الخيلِ بالركض المُعارُ١٣٤
وكم من ليلةٍ لم أروَ منها
جنيتُ بها وأرَّقني ادِّكارُ
قضاني الدين ماطلُه ووافى
إليَّ بها الفؤاد المستطارُ
فبتُّ أعلُّ خمرًا من رُضابٍ
لها سُكرٌ وليسَ لها خمارُ١٣٥
إلى أن رقَّ ثوبُ الليلِ عنَّا
وقالت قم فقد برد السِّوارُ١٣٦
وولَّت تسرقُ اللحَظاتِ نحوي
بملتفتٍ كما التفتَ الصوارُ١٣٧
دنا ذاك الصباح فلستُ أدري
أشوق كان منه أم ضرارُ
وقد عاديتُ ضوءَ الصبح حتى
لطرفي عن مَطالعه ازورارُ
ومضطغنٍ يراود فيَّ عيبًا
سيلقاه إذا سكنتْ وبارُ١٣٨
وأحسبُ أنه سيجرُّ حربًا
على قومٍ ذنوبُهم صغارُ١٣٩
كما جُزيت براعيها نميرٌ
وجُر على بني أسد يسارُ١٤٠
وكم يومٍ وصلتُ بفَجر ليلٍ
كأن الركبَ تحتهما صدارُ١٤١
إذا انحسر الظلامُ امتدَّ ليل
كأنَّا وِرده وهو البحارُ
يموج على النواظر فهو ماءٌ
ويلفَح بالهواجر فهو نارُ
إذا ما العزُّ أصبحَ في مكان
سموتُ له وإن بعُد المزارُ
مقامي حيثُ لا أهوي قليل
ونومي عند من أقلي غِرارُ١٤٢
أبتْ لي همتي وغرارُ سَيفي
وعزمي والمطيةُ والقِفارُ
ونفسٌ لا تجاورها الدَّنايا
وعِرض لا يرفُّ عليه عارُ
وقومٌ مثل مَن صَحبوا كرامٌ
وخيل مثل مَن حملتْ خيارُ
وكم بلدٍ شتتناهنَّ فيه
ضُحًى وعلى منابرِها المغارُ١٤٣
وخيل خفَّ جانبُها فلما
ذكرنا بينَها نسي الفرارُ
وكم ملكٍ نزعنا المُلكَ منه
وجَبار بها دمه جُبار١٤٤
وكنَّ إذا أغرن على ديار
رجَعن ومن طرائدِها الدَّمارُ
فقد أصبحنَ والدنيا جميعًا
لنا دارٌ ومن تحويه جارُ
إذا أمستْ نزارُ لنا عبيدًا
فإن الناسَ كلهمُ نزارُ

وقال يفتخر أيضًا:

نعَمْ تلك بين الواديين الخواتلُ
وذلك شأوٌ دونهنَّ وجاملُ١٤٥
فما كنتَ إذ بانوا بنفسِك فاعلًا
فدونَكه إنَّ الخليطَ لزائلُ
كأنَّ ابنةَ القيسيِّ في أَخواتِها
خذولٌ تراعيها الظباءُ الخواذلُ١٤٦
قشيريَّة قتريَّةٌ بدويَّة
لها بين أثناء الضُّلوعِ منازلُ١٤٧
وهبْت سلوُّي ثم جئتُ أرومُه
وما دون ما رمت القنا والقنابلُ
هوانا غريبٌ شزَّبُ الخيل والقنا
لنا كتبٌ والباتراتُ رسائلُ١٤٨
أغرن على قلبي بخيلٍ من الهوى
فطاردَ عنهن الغزالُ المُغازلُ
بأسهمِ لفظٍ لم تركَّبْ نصالُها
وأسيافِ لحظٍ ما جنَتْها الصياقلُ
وقائعُ قَتْلى الحُبِّ فيها كثيرةٌ
ولم يشتهِرْ سيفٌ ولا هزَّ ذابلُ
أرامِيَتي، كلُّ السهام مصيبةٌ
وأنت ليَ الرامي فكُلِّي مقاتلُ
وإني لمقدامٌ وعندكَ هائبُ
وفي الحي سحبانٌ وعندك باقلُ
يضلُّ عليَّ القول إن زرتُ دارَها
ويغرُب عني وجهُ ما أنا فاعلُ
وحجَّتُها العليا على كل حالةٍ
فباطلُها حق وحقيَ باطلُ١٤٩
تطالبني بيض الصوارم والقنا
بما وعدتْ جدَّيَّ فيَّ المخايلُ١٥٠
ولا ذنبَ لي أن الفؤادَ لصارم
وأن الحسامَ المشرفيَّ لفاصلُ
وأن الحصانَ الواثقي لضامرٌ
وأن الأصمَّ السمهريَّ لعاملُ
ولكنَّ دهرًا دافعتْني صروفُه
كما دافع الدَّينَ الغريمُ المماطلُ
وأخلافُ أيَّام إذا ما انتجعتُها
حلفت بليات وهزَّ حوافلُ١٥١
ولو نيلت الدنيا بفضلٍ منحتُها
فضائلَ تحوِيها وتبقى فضائلُ
ولكنها الأيامُ تجري كما جرَت
فيسفل أعلاها ويعلو الأسافلُ
لقد قلَّ أن تلقى من الناس مجملًا
وأخشى قليلًا أن يقل المجاملُ١٥٢
ولست بجهمِ الوجه في وجهِ صاحبي
ولا قائلًا للضيفِ أنت لراحلُ١٥٣
ينال اختيار الصفح عن كل مذنب
له عندنا ما لا تنال السوائلُ
لنا عقِب الأمر الذي في صُدوره
تطاول أعناق العدا والكواهلُ

ولقد كثرتْ وقائعُ سيف الدولة أبي الحسن عليِّ بن حَمْدان بن الحارث الثعلبي بالعرَب، فتجمَّعت نزار وعشائرُهم وتشاكَتْ ما لحِقَها وتراسَلتْ واتفقت على الاجتماع بسلميةٍ لمقابَلتِه، وأوقعت بعامله بقنِّسرين وهو الصباح عبد عمارة، فنهضَ سيف الدولة ومعه ابن عمه أبو فراس، حتى أوقعَ بهم وعليهم يومئذ الندمي بن جعفر ومحمد بن يوشع العُقيليَّان من آل المهنا، فهزَمهم وقتلَ وجوهَهم وسراتهم واتبعَ فلَّهم، وقدم أبا فراس في قطعة من الجيش فلم يزل يتبعهم ويقتل ويأسِر، حتى ألحقهم بالغور فلم ينج منهم إلا من سبق فرسه، واتبعهم سيف الدولة حتى ألحقهم بتدمر، ثم انكفَّ سائرًا إلى بني نمير وهي بالجزيرة فوجدَها قد أخذتِ المهل ولحقتْه خاضعة ذليلة تعطي الرضا وتنزل على الحكم، فصفح عنهم وأحلَّهم بالجزيرة. فقال أبو فراس، يذكر الحال والمنازل ويصفُ مواقفه فيها:

أبتْ عبراتُه إلا انسكابا
ونارُ ضلوعِه إلا التِهابا
ومن حقِّ الضلوعِ عليَّ أَلَّا
أغبَّ من الدُّموع لها سَحابا
وما قصَّرْتُ عن تَسآل ربعٍ
ولكني سألتُ فلن أُجابَا
رأيت الشيبَ لاحَ فقلتُ أهلًا
وودَّعتُ الغوايةَ والشَّبابا
وما إن شبتُ من كِبَرٍ ولكن
رأيت من الأحبة ما أشابَا١٥٤
بعثنَ من الهمومِ إليَّ ركبًا
وصيَّرن الصدودَ له رِكابا١٥٥
ألم ترنا أعزَّ الناسِ جارًا
وأمرَعَهم وأمنعَهم جَنابا
لنا الجبل المطلُّ على نزارٍ
حللن المجدَ منه والهِضابا١٥٦
تفضَّلنا الأنامَ ولا نحاشِي
ونوصفُ بالجميل ولا نُحابي١٥٧
وقد علمتْ ربيعة بل نزارٌ
بأنا الرأسُ والناس الذُّنابَى
ولما أن طغتْ سفهاءٌ كعبٍ
فتَحْنا بيننا للحَرب بابًا
منَحناها الحرايبَ غير أنَّا
إذا جارتْ منحناها الحِرابا١٥٨
ولما ثار سيفُ الدين ثُرنا
كما هيَّجْتَ آسادًا غِضابا
أسنَّتُه إذا لاقى طعانًا
صوارمُه إذا لاقى ضِرابا١٥٩
دعانا والأسنةُ مُشرعاتٌ
فكنَّا عند دَعوته الجَوابا
صنايعُ فاق صانعَها ففاقتْ
وغرسٌ طاب غارسُه فطَابا١٦٠
وكنا كالسِّهام إذا أصابتْ
مراميَها فرامِيها أصابا
قطعن إلى الحُباة بنا معانًا
ونكَّبنا الصبيرة والضِّبابا١٦١
وجاوزن البريةَ صاديات
يُلاحظن السَّراب ولا سرابا١٦٢
عبرن بماسجٍ والليلُ طفل
وجُبن إلى سليمة حينَ شابا١٦٣
فما شَعروا بها إلا ثباتًا
دُوين الشدِّ تصطحبُ اصطحابا١٦٤
تناهَبن الثَّناء بصَبر يومٍ
به الأرواحُ تنتهبُ انتِهابا
تنادَوا فانبرَتْ من كلِّ فجٍّ
سوابق ينتخبنَ له انتِخابا١٦٥
وقاد ندى بن جعفر من عقيلٍ
شعوبًا قد أسَلن به الشعابا١٦٦
فما كانوا لنا إلا أُسارى
وما كانتْ لنا إلا نِهابا
كأن ندَى بنَ جعفر قادَ منهم
هَدايا لم يُرغْ عنها ثوابا١٦٧
وشدُّوا رأيَهم ببني بديعٍ
فخابوا لا أبًا لهمُ وخابا١٦٨
فلما اشتدَّت الهيجاءُ كنا
أشدَّ مخالبًا وأحدَّ نابا
وأمنعَ جانبًا وأعزَّ جارًا
وأوفرَ ذمَّة وأقلَّ عابا
سَقينا بالرماح بني قُشير
ببطن العثْير السمَّ المذابا١٦٩
وسُقناهم إلى الجيران سَوقًا
كما نستاقُ آبالًا صِعابا١٧٠
ونكَّبنا الفرقيس لم نرِدْه
كأنَّ بنا عن المأوى اجتِنابا١٧١
وأمطَرنا الجباه بمرجَحِنٍّ
ولكن بالطِّعان المر صابَا١٧٢
وجزنَ الصحصانَ يخِدن وخدًا
ويجببْنَ الفلاةَ بنا اجتِبابا١٧٣
وملن عن الغُوير وسرن حتى
وردنَ عيونَ تدمُر والجبابا١٧٤
قرينا بالسَّماوةِ من عقيل
سباعَ الأرض والطيرَ السِّغابا١٧٥
وللصبَّاح والصيَّاح عبدٌ
قتَلنا من لبابهمُ اللُّبابا١٧٦
ترَكْنا في بيوتِ بني المهنَّا
نوادبَ ينتحِبْن له انتِحابا
تشفَّتْ من أبي بكر حُقود
وأبرزتِ الضِّبابُ به الضبابا١٧٧
وأبعدْنا لسوءِ الفعل كعبًا
وأدْنَينا لطاعتِها كلابا
وشرَّدْنا إلى الجولان طيبًا
وجنَّبْنا سمارتها جبابا
سحائب ما أتاح على عَقيل
وجرَّ على جوادهما ذنابا١٧٨
وسرنا بالخيول إلى نمير
تجاذِبنا أعنَّتُها جِذابا
أمام مشيَّع سمح بنفس
يعز على العشيرة أن تُصابا
وما ضاقتْ مذاهبه ولكن
يهابُ من الحمية أن يهابا
ويأمرنا فنكفيه الأعادي
هُمام لو يشا لكفَى ونابا
فلما أيقنوا أن لا غياثٌ
دعوه للمعونة فاستَجابا
وعاد إلى الجميل لهم فعادوا
وقد مدُّوا لما يهوَى الرِّقابا
أمرَّ عليهمُ خوفًا وأمنًا
أذاقهمُ به أريًا وصابا١٧٩
أحلَّهم الجزيرةَ بعد يأسٍ
أخو حِلم إذا ملك العِقابا
ديارهمُ انتزعناها اقتسارًا
وأرضهم اغتصبناها اغتِصابا
ولو شئنا حمَيْناها البوادي
كما تحمي أسودُ الغابِ غابا
إذا ما أنفذ الأمراءُ جيشًا
إلى الأعداء أنفذنا كتابا١٨٠
أنا ابن الضاربين الهامَ قِدمًا
إذا كرِهَ المحامون الضِّرابا
ألم تعلمْ ومثلُك قال حقًّا
بأني كنتُ أثقبَها شِهابا؟

وقال وقد كتبَ بها إلى سيف الدولة:

قد ضجَّ جيشُك من طول القِتال به
وقد شكتْك إلينا الخيلُ والإبلُ
وقد درى الرومُ مذ جاورت أرضهمُ
أن ليس يعصمهمُ سهلٌ ولا جبلُ
في كل يوم تزورُ الثغرَ لا ضجرٌ
يَثنيك عنه ولا شغل ولا مللُ
فالنفسُ جاهدة والعين ساهرة
والجيش منتهكٌ والمال مبتذَلُ
توهمتْكَ كلابٌ غيرَ قاصدها
وقد تكنَّفك الأعداء والنكلُ١٨١
حتى رأوك أمامَ الجيش تقدُمه
وقد طلعْت عليهم دون ما أمَلوا
فكنت أكرمَ مسئولٍ وأفضلَه
إذا وهبتَ فلا منٌّ ولا بخَلُ

وقال أول ما أُسِر يسأل سيف الدولة المفاداة به:

دعوتُك للجفنِ القريح المسهَّدِ
لديَّ وللنوم القليل المشرَّدِ
وما ذاك بخلًا بالحياة وأنها
لِأولِ مبذولٍ لأول مُجتدي١٨٢
وما زال عني أن شخصًا معرَّضًا
لنيلِ الرَّدى إن لم يُصبْ فكأنْ قدِ١٨٣
ولكنني أختار موتَ بني أبي
على سرَواتِ الخيلِ غير موسَّدِ
وآبي وتأبَى أن أموتَ موسَّدًا
بأيدي النصارى موتَ أكمد أكبدِ
نضوت على الأيام ثوب جلادتي
ولكنني لم أنضُ ثوبَ التجلُّدِ١٨٤
وما أنا إلا بينَ أمر وضدِّه
يجدِّد لي في كل يومٍ مجددِ
فمن حُسن صَبرٍ بالسلامة واعدٍ
ومن رَيب دهرٍ بالرَّدَى متوعدِ
ومثلك من يُدعَى لكلِّ عَظيمة
ومثلي من يُفدَى بكل مسودِ١٨٥
أناديكَ لا أني أخافُ من الردَى
ولا أرتجي تأخيرَ يومٍ إلى غدِ
وقد حُطِّمَ الخطِّيُّ واختَرمَ العِدا
وفُلِّل حدُّ المشرفيِّ المهند١٨٦
وآنف موتَ الذُّلِّ في دار غربةٍ
بأيدي النَّصارى الغُلف ميتةَ أكمدِ١٨٧
فلا تقعدنْ عني وقد سِيمَ فديَتي
فلستَ عن الفعل الكريم بمُقعَدِ
فكم لكَ عندي من أياد وأنعُمٍ
رفعت بها قدري وأكثرت حُسَّدِي
تشبثْ بها أكرومةً فت فوتَها
وقمْ في خلاصي صادقَ الوعد واقعُد١٨٨
فإذْ متُّ بعد اليوم عابَك مهلكي
معابَ الزرازيين مهلكَ معبَدِ١٨٩
همُ عضَلوا عنه الفداءَ وأصبَحوا
يهدُّون أطرافَ القريضِ المقصَّدِ
ولم يك بدعًا هُلكُه غيرَ أنهم
يُعابون إذ سِيم الفداءُ وما فُدِي
فلا كان كلبُ الروم أرأفَ منكم
وأرغبَ في كسب الثناء المخلَّد١٩٠
ولا بلَغ الأعداءُ أن يتناهضوا
وتقعُد عن هذا العلاء المشيَّدِ
أأضحوا على أسراهمُ لي عودًا
وأنتم على أسراكم غير عوَّد؟١٩١
متى تخلف الأيام مثلي لكمْ فتى
شديدًا على البأساء غير ملهَّدِ١٩٢
متى تُخلف الأيام مثلي لكم فتى
طويل نجاد السيف رحب المُقلَّد١٩٣
فإن تفتدوني تفتدوا شرفَ العُلا
وأسرع عوادٍ إليهم معود
فإن تفتَدوني تفتدوا لعُلاكم
فتًى غير مردود اللسان ولا اليدِ
يطاعِنُ عن أحسابكم بلِسانه
ويضربُ عنكم بالحُسام المهنَّدِ
أقِلْني أقِلْني عثرة الدَّهر إنه
رماني بنصلٍ صائبِ النحر مُقصِد١٩٤
ولو لم تنلْ نفسي ولاءَك لم أكُن
لأُوردها في نصرِه كل مَوردِ
ولا كنت ألقى الألفَ زُرقًا عيونُها
بسبعينَ فيها كل أشأم أنكدِ١٩٥
فلا وأبي ما ساعدان كساعد
ولا وأبي ما سيِّدان كسيِّدِ
ولا وأبي ما يفتِق الدهر جانبًا
فترفعه الأيام رَقعًا بمِسرَدِ١٩٦
وإنك للمولى الذي بكَ أقتدي
وإنك للنجم الذي بك أهتدِي
وأنت الذي عرَّفْتني طرُق العلا
وأنت الذي أهدَيتَني كل مقصدِ
وأنت الذي بلَّغْتَني كلَّ رُتبةٍ
مشيت إليها فوق أعناق حُسَّدي
فيا مُلبس النَّعْما التي جلَّ قدرُها
لقد أخلقتْ تلك الثيابُ فجدِّدِ١٩٧
ألم تر أني فيكَ صافحتُ حدَّها
وفيكَ شربتُ الموتَ غيرَ مصرَّدِ١٩٨
يقولون جانِبْ عادةً ما عرفتها
شديد على الإنسان ما لم يُعوَّد١٩٩
فقلت: أما والله ما قال قائلٌ
شهدتُ له في الخيل ألأمَ مشهَدِ
ولكن سألقاها فإمَّا مَنيَّةٌ
هي الطعنُ أو بنيانُ غير مشيدِ
ولم أدر أنَّ الدهرَ من عدَّد العِدا
وأن المنايا السُّود يَرمين عن يدِ
بقيتَ على الأيام تحمي بنا الرَّدَى
ويَفديك منا سيِّدٌ بعد سيدِ
فلا يحرمنِّي اللهُ قربَك إنه
مرادي من الدنيا وحظِّي ومقصدِي

وقال وقد ثقُل من الجراح التي نالتْه، ويئِس من نفسه وكتبَ بها إلى والدتِه يُعزِّيها:

مصابي جليلٌ والعزاء جليلُ
وظني بأن الله سوف يزيلُ
جراحٌ تحاماها الأُساةُ مخافةً
وسُقمان بادٍ منهما ودَخيلُ٢٠٠
وأسرٌ أقاسيه وليل نجومُه
أرى كل شيء غيرهنَّ يزولُ
تطولُ بيَ الساعات وهي قصيرةٌ
وفي كل دهرٍ لا يسرك طُولُ
تناسانيَ الأصحاب إلا عُصيبةً
ستلحق بالأخرى غدًا وتحولُ٢٠١
وأن الذي يبقى على العهد منهمُ
وإن كثرتْ دعواهمُ لقليلُ
أقلِّبُ طرفي لا أرى غيرَ صاحب
يميل مع النَّعماء حيث تميلُ
ومنها نرى أن المتارك محسنٌ
وأن خليلًا لا يضرُّ خليلُ٢٠٢
تصفَّحْت أقوال الرجال فلم يكنْ
إلى غير شاكٍ في الزمان وصولُ
أكلُّ خليل أنكدٌ غيرُ منصفٍ
وكل زمانٍ بالكرام بخيلُ
نعم دعتِ الدنيا إلى الغدر دعوةً
أجاب إليها عالمٌ وجهولُ
وفارق عمرو بن الزبير خليلَه
وخلَّى أمير المؤمنين عقيلُ٢٠٣
فيا حسرتي مَن لي بخلٍّ موافق
أقول بشَجْوِي تارةً ويقولُ
وأنَّ وراءَ السِّتر أُمًّا بكاؤُها
عليَّ وإن طال الزمان طويلُ
فيا أُمَّنا لا تُخطئي الأجرَ إنه
على قدَر الصبر الجميل جزيلُ٢٠٤
أَمَا لكِ في ذات النِّطاقين أُسوةٌ
بمكةَ والحربُ العوان تجولُ؟٢٠٥
أراد ابنُها أخذَ الأمان فلم يُجَبْ
وتعلمُ علمًا إنه لقَتيلُ
تأسَّيْ كفاك الله ما تحذرِينَه
فقد غال هذا الدهرَ قبلك غولُ٢٠٦
وكوني كما كانتْ بأُحْدٍ صفيةٌ
ولم يُشف منها بالبكاء غليلُ٢٠٧
ولو ردَّ يومًا حمزةَ الخير حزنُها
إذن ما عليها رنَّةٌ وعويلُ٢٠٨
لقيتُ نجوم الليل وهي صوارمٌ
وخُضتُ سواد الليل وهو يهولُ
ولم أرعَ للنفس الكريمة خلةً
عشيةَ لم يعطِفْ عليَّ خليلُ
ولكنْ لقيتُ الموت حتى تركتُها
وفيها وفي حدِّ الحسام فلولُ
ومن لم يوقِّ اللهُ فهو ممزَّقٌ
ومن لم يُعزِّ اللهُ فهو ذليلُ
ومن لم يُردْه الله في الأمرِ كلِّه
فليس لمخلوقٍ إليه سبيلُ

وقال وقد كتب بها إلى سيف الدولة من الطريق، وقد اشتدت به العلة:

هل تعطفان على العليلِ
لا بالأسيرِ ولا القَتيلِ
باتتْ تقلبه الأكـ
ـفُّ سحابةَ الليلِ الطويلِ٢٠٩
فقدَ الضيوفُ مكانَه
وبكتْه أبناءُ السبيلِ٢١٠
وتعطلت سُمرُ الرِّما
حِ وأُغمدتْ بينَ النُّصولِ٢١١
يا فارجَ الكربِ العَظيـ
ـمِ وكاشفَ الخطب الجليلِ
كنْ يا قويُّ لذا الضَّعيـ
ـفِ ويا عزيزُ لذا الذليلِ
قرِّبْه من سيفِ الهُدى
في ظلِّ دولته الظَّليلِ٢١٢
لم أروَ منهُ ولا شَفيـ
ـتُ بطُول خدمتِه غَليلي
الله يعلَم أنهُ
أمَلي من الدنيا وسُولي
ولئن حَنَنْت إلى ذَرا
ه لقد حننتُ إلى وُصولي
لا بالغَضوب ولا القَطو
بِ ولا الكذوبِ ولا الملولِ
يا عُدَّتي في النائِبا
تِ وظُلَّتي عند المَقيلِ
أينَ المحبَّةُ والذِّما
مُ وما وعدْتَ من الجميلِ
احمل على النَّفس الكريـ
ـمَةِ فيَّ والقلبِ الحَمولِ

وقال وكتبَ إلى والدته بمنبِج:

لولا العجوزُ بمنبجٍ
ما خفتُ أسباب المنيَّهْ
ولكانَ لي عمَّا سألْـ
ـت من الفِدا نفسٌ أبيَّهْ
لكن أردتُ مرادَها
ولو انجذبْتُ إلى الدنيَّهْ
وأرى مُحاماتي عَليـ
ـها أن تُضامَ من الحميَّهْ
أمسَتْ بمنبجَ حرةً
بالحزن من بَعدي حريَّهْ
لو كان يدفعُ حادثٌ
أو طارقٌ بجميل نيَّهْ
لم تطَّرِقْ نُوَبُ الحَوا
دثِ أرضَ هاتيك النقيَّهْ
لكن قضاءُ الله والـْ
أحكامِ تنفُذُ في البريَّهْ
والصبرُ يأتي كلَّ ذي
رزءٍ على قدر الرزيَّهْ٢١٣
لا زالَ يطرُق منبجًا
في كل غادية تحيَّهْ
فيها التُّقى والدِّينُ مجـْ
ـمُوعانِ في نفسٍ زكيَّهْ
يا أمَّنا لا تيأَسي
للهِ ألطافٌ خفيَّهْ
كم حادثٍ عنَّا جَلا
ه وكَم كفانا من بليَّهْ
أوصيكَ بالصبرِ الجَميـ
ـل فإنَّه خيرُ الوصيَّهْ

وقال وقد كتَب بها إلى غُلامين له، يُقال لهما: ضاف ومنصور يَستجْفيهما:

هل يحبان بي رفيقًا رفيقًا
يخلصُ الود أو صديقًا صَدوقا٢١٤
كنتُ مولاكما وما كنتُ إلَّا
والدًا محسنًا وعمًّا شَفيقا
فاذكُراني وكيف لا تذاكُراني
كلما استخونَ الصديقُ الصديقا
بتُّ أبكيكُما وإنَّ عجيبًا
أن يبيتَ الأسير يَبكي الطَّليقا

وقال وقد كتب بها إلى غلامِه منصور أيضًا:

مُغرم مؤلم جريحٌ أسيرٌ
إنَّ قلبًا يطيق ذا لصبورُ
وكثيرٌ من الرِّجال حديدٌ
وكثيرٌ من الرجال صخورُ
قل لمن حلَّ بالشآم طليقًا
بأبي قلبُك الطليقُ الأسيرُ
أَنا أصبحتُ لا أطيق حراكًا
كيف أصبحتَ أنت يا منصورُ؟

وقال وقد كتب بها إلى سيف الدولة:

أما لجميل عندكنَّ ثوابُ
ولا لمسيءٍ عندكُن متابُ٢١٥
لقد ضلَّ من تحوي هواه خريدةٌ
وقد ذلَّ من تقضِي عليه كَعابُ٢١٦
ولكنني والحمد لله حازمٌ
أعِزُّ إذا ذلت لهنَّ رِقابُ
ولا تملك الحسناءُ قلبي كلَّه
وإن ملكتْها روقةٌ وشبابُ٢١٧
وأجري ولا أعطي الهوى فضلَ سؤددي
وأهدى ولا يخفى عليَّ صوابُ
إذا الخلُّ لم يهجرْك إلا مَلالةً
فليسَ له إلا الفِراقَ عتابُ
إذا لم أجدْ في بلدةٍ ما أريدُه
فعندي لأُخرى عزمةٌ ورِكاب٢١٨
فليس فراقٌ ما استطعتَ فإن يكُن
فراقٌ على حالٍ فليس إيابُ٢١٩
صبور ولو لم تبقَ مني بقيةٌ
قئولٌ ولو أن السيوف جوابُ
وقور وأهوال الزَّمان تنُوشني
وللموت حولي جيئةٌ وذَهابُ٢٢٠
وألحَظُ أحوالَ الزمان بمُقلةٍ
بها الصدقُ صدقٌ والكِذَاب كذابُ
بمن يثِقُ الإنسان فيما ينوبُه
ومِن أين للحرِّ الكريم صحابُ
وقد صار هذا الناسُ إلا أقلَّهم
ذئابًا على أجسادهنَّ ثِيابُ٢٢١
تغابيتُ عن قومي فظنوا غَباوتي
بمفرِق أَغبانا حصًى وترابُ٢٢٢
ولو عرَفوني حقَّ معرفتي بهم
إذن علموا أني شهدتُ وغَابوا
وما كلُّ فعَّال يُجازَى بفعله
ولا كلُّ قوَّال لديَّ يُجابُ
وربَّ كلام مرَّ فوق مَسامعي
كما طنَّ في لَوح الهجير ذُبابُ٢٢٣
إلى الله أشكو أننا بمنازلٍ
تحكَّمُ في آسادهنَّ كلابُ
تمر الليالي ليس للنَّفعِ موضعٌ
لديَّ ولا للمُعتفين جنابُ٢٢٤
ولا شدَّ لي سرج على ظهر سابِحٍ
ولا ضُربتْ لي بالعراقِ قِبابُ٢٢٥
ولا برَقَتْ لي في اللقاء قواطعٌ
ولا لمعتْ لي في الحروب حرابُ
ستذكُر أيامي نُميرُ بن عامرٍ
وكعبٌ على عاداتها وكِلابُ٢٢٦
أنا الجارُ لا زادي بطيءٌ عليهم
ولا دونَ مالي في الحوادث بابُ
ولا أطلبُ العَوراء منهم أُصيبها
ولا عَورتي للطَّالبين تصابُ٢٢٧
وأسطو وحُبِّي ثابت في قلوبهِم
وأحلُم عن جهَّالهم وأُهابُ
بني عمنا لا تتركوا الحربَ إننا
شدادٌ على غير الهَوان صلابُ
بَني عمِّنا ما يصنع السيفُ بيننا
إذا فلَّ منه مضرب وذُبابُ٢٢٨
بني عمِّنا نحنُ السَّواعد والظُّبَا
ويوشِك يومًا أن يكون ضِرابُ
وإن رجالًا ما ابنُهم كابن أختِهم
حريُّون أن يُقضى له ويُهابُ
فعن أيِّ عذرٍ إن دُعوا ودُعيتم
أبيتُم بني أعمامنا وأجابُوا
وما أدَّعي ما يَعلم الله غيرَه
رِحاب عليٍّ للعفاة رِحابُ٢٢٩
وأفعالُه بالراغبين كريمة
وأمواله للطالبين نِهاب٢٣٠
ولكنْ نبا منه بكفيَ صارم
وأظلم في عينيَّ منه شهابُ
وأبطأ عني والمنايا سريعة
وللموت ظُفر قد أفلَّ ونابُ٢٣١
فإنْ لم يكن ودٌّ قريب نعدُّه
ولا نسبٌ دون الرجال قرابُ٢٣٢
فأحوَطُ للإسلام أن لا يُضِيعني
ولي عنك فيه حوطة ومَنابُ
ولكنني راضٍ على كل حالة
لنعلم أيَّ الخلتين سرابُ٢٣٣
وما زلتُ أرضى بالقليل محبَّةً
لديك وما دون الكثير حجابُ
وأطلُب إبقاءً على الودِّ أرضَه
وذكرى مُنًى في غيره وطِلابُ
كذاك الوداد المحْضُ لا يُرتجى له
ثوابٌ ولا يخشى عليه عقابُ
وقد كنت أرضى الهجرَ والشملُ جامعٌ
وقي كل يوم لُقيةٌ وخطابُ
فكيف وفيما بيننا مُلك قيصرٍ
وللبَحر حولي زخرة وحَبابُ٢٣٤
من بعد بذل النَّفس فيما تريدُه
أُثابُ بمُرِّ العَتبِ حين أُثابُ٢٣٥
فليتَك تحلو والحياة مريرةٌ
وليتَك ترضَى والأنامُ غِضابُ
وليتَ الذي بيني وبينك عامرٌ
وبيني وبين العالمين خَرابُ

وكتب إليه سيفُ الدولة يعتذر من تأخُّر أمره، وتسويفه له فكتبَ إليه أبو فراس:

بالكُره مني واختيارِكْ
أن لا أكونَ حليفَ دارِكْ
يا تاركي إني لشُكـ
ـرِكَ ما حييتُ لغيرُ تاركْ
كن كيفَ شئتَ فإنني
ذاك المواسِي والمشاركْ

وكتب إليه من الأَسر:

وما كنتُ أخشَى أن أبيتَ وبيننا
خليجانِ والبحرُ الأصمُّ وبالسُ٢٣٦
ولا أنني أستصحب الدهرَ ساعةً
ولي منك منَّاع ودونَك حابسُ
يُنافِسني هذا الزمان وأهلُه
وكلُّ زمان لي عليكَ منافسُ
شريتُك من دَهري بذي الناس كلِّهم
فلا أنا مبخوسٌ ولا الدهر باخِس٢٣٧
تشوَّقني الأهلُ الكرام وأوحشَتْ
مواكبُ بعدي عندَهم ومجالسُ
وملَّكتُك النَّفس الكريمة طائعًا
وتُبذل للمولى النفوس النفائسُ
وربَّتَما ساد الأماجدَ ماجدُ
وربتما سادَ الفوارسَ فارسُ٢٣٨
رفَعت عن الحسَّادِ نفسي وهل هُمُ
ومن حسَدوا لو شئتَ إلا فرائسُ
أيُدرك ما أدركتُ إلا ابنُ همَّةٍ
يُمارس في كَسب العُلا ما يمارسُ
يَضيقُ مكاني عن سوايَ لأنَّني
على قمَّة المجدِ المؤثَّل جالسُ٢٣٩
سبقتُ وقومي بالمكارم والعُلا
وإن رغِمتْ من آخرين المَعاطسُ٢٤٠

وقال أيضًا عقِبَ الافتداء الذي كان بسبَبه ما كان:

ولله عندي في الإسار وغيره
مواهبُ لم يُخصصْ بها أحدٌ قبلي
حللتُ عقودًا أعجزَ الناسُ حلَّها
وما زلتُ لا عَقدي يدومُ ولا حلِّي
إذا عاينتني الروم قد ذلَّ صِيدُها
كأنهمُ أَسرى لديَّ بلا كَبْلِ٢٤١
وأوسعُ أيامًا حللتُ كرامةً
كأنيَ من أهلي نُقلت إلى أهلي٢٤٢
وأبلغْ بني عمِّي وأبلِغْ بَني أبي
بأنيَ في نعماءَ يشكرُها مِثلي
وما شاءَ ربي غيرَ نشرِ محاسني
وأن يعرفوا ما قد عرَفْتُمْ من الفضلِ

وقال وقد كتبَ بها من الأَسرِ إلى سيفِ الدولة:

أبى غَربُ هذا الدهرِ إلا تشرُّعا
ومكنونُ هذا الحبِّ إلا تضوُّعَا٢٤٣
وكنتُ أرَى أني مع الحَزمِ واحدٌ
إذا شئت لي ممضًى وإن شئتُ مرجِعَا
فلما استمرَّ الحبُّ في غُلَوائه
رعيتُ مع المِضياعة الغرِّ ما رعَى٢٤٤
فحزنيَ حزنُ الهائمين مُبرِّحًا
وسرِّيَ سرُّ العاشقين مضيَّعَا
خليليَّ لِمْ لا تبكياني صَبابةً
أأبدلتُما بالأَجرَعِ الفَردِ أجرَعا٢٤٥
عليَّ لمن ضنَّت عليَّ جفونُه
غواربُ دمعٍ يشمل الحيَّ أجمَعا
وهبتُ شَبابي والشبابُ مَضِنَّةٌ
لأبلجَ من أبناء عمِّيَ أروَعَا٢٤٦
أَبيتُ معنًّى من مخافة عَتْبِه
وأُصبح مَحزونًا وأُمسي مُروَّعا٢٤٧
فلما مضى عصرُ الشَّبيبة كلُّه
وفارَقَني شرخُ الشبابِ وودَّعَا
تطلَّبتُ بينَ الهجرِ والعتبِ فُرجةً
وحاولت أمرًا لا يُرامُ ممنَّعَا
وصرتُ إذا ما رمتُ في الخير لذَّةً
تتبَّعتُها بين الهُموم تتبُّعا
وها أنا قد حلَّ المشيبُ مفارقي
وتوَّجَني بالشَّيبِ تاجًا مرصَّعَا
فلو أنني مُكِّنتُ مما أُريدُه
من العَيش يومًا لم أجدْ فيه موضِعا
أما ليلةٌ تمضِي ولا بعضُ ليلة
أسرُّ بها هذا الفؤادَ المُوجَّعا
أما صاحبٌ فَردٌ يدومُ وفاؤُه
فيُصفِي لمن أصفَى ويرعَى لمن رعَى٢٤٨
وفي كلِّ دارٍ لي صديق أودُّه
إذا ما تفرَّقنا حفظتُ وضيَّعَا
أقمت بأرض الرُّوم عامينِ لا أرى
من الناس محزونًا ولا متصنِّعَا
إذا خفتُ من أخواليَ الرُّومِ خُطةً
تخوَّفتُ من أَعمامي العُربِ أربعَا٢٤٩
وإن أوجعَتْني من أعاديَّ شيمةٌ
لقيتُ من الأحباب أدمَي وأوجَعا
ولو قد أملت اللهَ لا ربَّ غيره
رجعتُ إلى آلي وأمَّلت أوسعا
لقد قنعوا بعدِي من القَطر بالنَّدَى
ومن لم يجدْ إلا القُنوع تقنَّعا٢٥٠
وما مرَّ إنسان فأخلَفَ مثلَه
ولكنْ يرجِّي الناس أمرًا موقَّعَا
تنكَّر سيفُ الدينِ لما عتبتُه
وعرَّض بي تحت الكلامِ وقرَّعا٢٥١
فقولا له يا صادقَ الوُدِّ إنني
جعلتُك مما رابني الدَّهر مَفزَعا
فلو أنني أكنَنْتُه في جَوانحي
لأورَقَ ما بين الضُّلوع وفرَّعا٢٥٢
فلا تغترِرْ بالناسِ ما كلُّ مَن ترَى
أخاكَ إذا أوْضعتَ بالأمر أوضَعَا٢٥٣
ولا تتقلدْ ما يروقُ جمالَه
تقلدْ إذا جرَّبتَ ما كان أقطَعا
ولا تقبلنَّ القول من كل قائل
سأرضيك مرأًى لست أرضيك مَسمَعا
فلله إحسانٌ عليَّ ونعمة
ولله صنعٌ قد كفاني التَّصنُّعا
أراني طريقَ المكرمات كما أرى
عليَّ وأسماني على كل من سَعى
فإن يكُ بطءٌ مرَّة فلَطالما
تسرَّع نحوي بالجَميل وأسرَعا
وإن جفَّ في بعض الأمور فإنني
لأشكره النُّعمى التي كان أودَعا
وإن يستجدَّ الناس بعدي فلم يزَل
بذاك البديلِ المستجدِّ ممتَّعا٢٥٤

وقال وقد سمع ورقاءَ تنوح على شجرة عالية:

أقول وقد ناحَتْ بقربي حمامةٌ
أيا جارتي هل باتَ حالُك حالي
معاذَ الهوى ما ذقتِ طارقةَ النَّوى
ولا خطرَتْ منك الهُمومُ ببالِ
أيحمِل محزونَ الفؤاد قوادمٌ
على غُصن نأيٍ للمُسافر عالي؟٢٥٥
تعالَيْ ترَيْ روحًا لديَّ ضعيفةً
تردَّدُ في جسمٍ يعذَّب بالِ٢٥٦
أيضحكُ مأسورٌ وتبكِي طليقةٌ
ويسكتُ محزونٌ وينطقُ سَالِ

وقال في أهل البيت رضي الله عنهم:

لستُ أرجو النجاةَ من كلِّ ما أخْـ
ـشاه إلا بأحمدٍ وعليِّ٢٥٧
وببنتِ الرسول فاطمة الطُّهـ
ـرِ وسِبطيه والإمام عليِّ٢٥٨
والتَّقيِّ النَّقيِّ باقرِ عِلْمِ الـله
فينا محمَّدِ بنِ عليِّ٢٥٩
وأبي جَعفرٍ سميِّ رسول الله
ثم ابنِه الذكيِّ عليِّ٢٦٠
وابنِه العسكريِّ والقائمِ المُظْـ
هرِ حقَّيْ محمدٍ وعليِّ
فيهمُ أرتجي بلوغَ الأَماني
يومَ عَرضي على الإلهِ العليِّ

وقال يفتخرُ:

إلى الله أشكُو ما أرَى من عَشيرةٍ
إذا ما نأونا زادَ حالهمُ بُعدا
وإنا ليَثنينا عواطفُ حلمِنا
عليهم وإن ساءَتْ طرائقُهم حَدَّا
ويمنَعُنا ظلمُ العشيرةِ أَنَّنا
إلى ضرِّها لو نبتغي ضرَّها أهدَى
وإنا إذا شِئنا بعادَ قبيلةٍ
جَعلْنا عِجالًا دونَ بُعدهم نَجدا٢٦١
ولو عرفتْ هذي العشائرُ رشدَها
إذن جعلَتْنا دونَ أعدائِها ردَّا
ولكنْ أراها أصلحَ الله أمرَها
وأخلفَها بالرشد قد عدِمتْ رُشدا
إلى كم نردُّ البيضَ عنها صواديًا
ونَثني صدورَ الخيل قد مُلئتْ حِقدا٢٦٢
ويغلِب بالحلمِ الحميةَ فيهم
ونرعَى رجالًا ليس نرعَى لهم عهدَا
أخافُ على نفسي وللحربِ صُورة
بوادرَ أمر لا نُطيق لها ردَّا٢٦٣
وجولةِ حَربٍ يهلَكُ الحلمُ عندها
وصورة بأسٍ تجمعُ الحرَّ والعَبدا
وإنا لنرمي الجهلَ بالجهلِ قُوةً
إذا لم نجدْ منه على حالِه بُدَّا

وقال في الغزل:

أقبلَتْ كالبدرِ تسعى
غلَسًا نحوي بَراحِ٢٦٤
قلتُ أهلًا بفتاةٍ
حملَتْ نورَ الصباحِ٢٦٥
علِّلي بالكأسِ مَنْ أصـْ
ـبَح منها غير صاحِ

وقال في الغزل أيضًا:

ما للعبيدِ من الذي
يقضِي به اللهُ امتناعُ
ذُدت الأسود عن الفَرا
ئس ثمَّ تفرسني الضباعُ٢٦٦

وقال متغزلًا:

الحزنُ مجتمعٌ والصبرُ مفترِقٌ
والحبُّ مختلفٌ عندي ومتَّفقُ
ولي إذا قام عينٌ نامَ صاحبُها
عينٌ تخالَف فيها الدَّمعُ والأرَقُ٢٦٧
لولاكِ يا ظبيةَ الإنسِ التي نظرَت
لأوصلتْني إلى مكروهيَ الحدقُ٢٦٨
لكن نظرتُ وقد سارَ الخليط ضُحًى
بناظرٍ كلُّ حسنٍ منه مسترقُ٢٦٩

وقال أيضًا معرِّضًا بسيف الدولة:

وما هو إلا أن جرت بفراقِنا
يدُ الدهر حتى قيلَ من هو حارثُ
يذكِّرني بعد الفراق عهودَه
وتلك عهود قد بلينَ رثائثُ

وكتب إليه من الأسر:

إن في الأسر لصبًّا
دمعُه للحد صبُّ٢٧٠
هو بالروم مقيمٌ
وبه بالشام قلبُ
مستجدًّا لم يصادفْ
عِوَضًا عمن يحبُّ

وقال، وكتب بها إلى سيف الدولة من الأسر، وكان بلغ سيفَ الدولة أن بعضَ الأسرى قال: إن ثقل على الأميرِ هذا المال كاتَبْنا صاحبَ خراسان، فاتَّهمَ أبا فراس بهذا القول، وقال: «من أينَ يعرفه صاحب خراسان؟»:

أسيفَ الهدى وقريعَ العرَبْ
إلامَ الجفاءُ وفيم الغضَبْ؟٢٧١
وما بال كتْبِك قد أصبحتْ
تنكِّبُني معَ هذي النكبْ؟٢٧٢
وأنت الحليمُ وأنت الكريمُ
وأنت العطوفُ وأنت الحَرِبْ٢٧٣
وما زلتَ تسعفني بالجميلِ
وتُنزلني بالمكان الخصِبْ
وتدفعُ عن عاتقيَّ الخطوبَ
وتكشفُ عن ناظريَّ الكُرَبْ
وإنك للجبَل المُشمخِـ
ـرِّ لي بلْ لقومك بل للعرَبْ٢٧٤
عُلًا تُستفاد وعافٍ يُفادُ
وعِز يُشاد ونُعمى تُرَبْ٢٧٥
وما غضَّ منيَ هذا الإِسارُ
ولكن خلصت خلوصَ الذهَبْ٢٧٦
ففيمَ يقرِّعُني بالخمولِ
مولًّى به نلتُ أعلى الرُّتَبْ
وكان عتيدًا لديَّ الجوابُ
ولكن لهَيبتِه لم أُجِبْ٢٧٧
أتُنكِرُ أني شكوتُ الزمانَ
وأني عَتبتكَ فيمن عتَبْ
فألَّا رجعتَ فأعتَبْتَني
وصيرتَ لي القولَ بي والقلبْ
فلا تنسبنَّ إليَّ الخمولَ
عليكَ أقمتُ فلم أغترِبْ
وأصبحتُ منك فإنْ كان فضلٌ
وإن كان نقصٌ فأنت السبَبْ
فإنَّ خراسان إن أنكرتْ
عُلاي فقد عرفَتْها حلَبْ
ومن أين يُنكرني الأبعدونَ
أمِن نقصِ جدٍّ أمِن نقصِ أبْ؟
ألستُ وإيَّاك من أسرةٍ
وبَيني وبينك عِرقُ النسَبْ؟
ودادٌ تناسبَ فيه الكرامُ
وتربيةٌ ومحلٌّ أشبْ٢٧٨
ونفسٌ تكبَّرُ إلا عليكَ
وترغبُ إلَّاك عمن رغِبْ
فلا تعدلنَّ فِداكَ ابنُ عمِّـ
ـكَ لا بلْ غلامُك عمَّا يجبْ
وأنصفْ فتاكَ فإنصافُهُ
من الفضلِ والشرفِ المكتسَبْ
فكنتَ الحبيبَ وكنتَ القَريبَ
ليالي أدعوكَ مِن عن كثَبْ٢٧٩
فلما بعدت بدتْ جَفوةٌ
ولاحَ من الأمر ما لا أحِبْ
فلو لم أكنْ فيك ذا خبرةٍ
لقلتُ: صديقُك من لا يُغِبْ٢٨٠

وكتب إلى سيف الدولة من الأسر:

زماني كلُّه غضبٌ وعتبُ
وأنت عليَّ والأيامُ إِلبُ٢٨١
وعيشُ العالمين لديكَ سهلٌ
وعيشي وحدَه بفناك صعبُ
وأنت وأنت دافع كلِّ خطبٍ
من الخطبِ المُلمِّ عليَّ خطبُ٢٨٢
إلى كم ذا العتابُ وليس جرمٌ
وكم ذا الاعتذارُ وليس ذنبُ٢٨٣
فلا بالشام لذَّ بفيَّ شهدُ
ولا في الأَسر رقَّ عليَّ قلبُ
فلا تحملْ على قلب جريحٍ
به لحوادثِ الأيام ندبُ٢٨٤
ومثلي تقبلُ الأيامُ فيه
ومثلُك يستمرُّ عليه كذبُ
جَناني ما علمت ولي لسانٌ
يقدُّ الدرعَ والإنسانَ عضبُ٢٨٥
وزَندي وهو زندُك ليس يكبُو
وناري وهْيَ نارُك ليس تخبُو٢٨٦
وفرعي فرعُك السَّامي المعلَّى
وأصلي أصلُك الزاكي وحسبُ
لإسماعيلَ بي وبنيه فخرٌ
وفي إسحقَ بي وبنيه عجبُ
وأعمامي ربيعةُ وهي صِيدٌ
وأخوالي بتصفر وهي غُلبُ٢٨٧
وفصلي تعجز الفضلاءُ عنه
لأنك أصلُه والمجد تربُ٢٨٨
فدتْ نفسي الأميرَ وكان حظِّي
وقولي عنده ما دام قرْبُ
فلما حالتِ الأعداء دُوني
وأصبحَ بيننا بحرٌ ودربُ
ظللتَ تبدِّل الأقوامَ بعدي
ويبلُغني اعتيابٌ ما يغبُّ٢٨٩
فقلْ ما شئتَ فيَّ فلي لسانٌ
مليٌّ بالثناء عليك رَطْبُ
فقابِلني بإنصافٍ وظُلمٍ
تجدْني في الجميع كما تحبُّ

وقال لما لقي سيفُ الدولة بني كلاب:

عجبتُ وقد لقيتُ بني كلاب
وأرواحُ الفوارس تُستباحُ
وكيف ردَدتُ غربَ الجيشِ عنهم
وقد أخذتْ مآخذَها الرماحُ٢٩٠

قال ابن خالويه: كان بين القاضي أبي حصين بن عبد الملك وبين أبي فراس مودَّة أكيدة ومُكاتبات بالشِّعر، وكان واسعَ العطاء والمروءة شديدَ التمكن من سيف الدولة مجاورًا عنده في الأنس وفي الأهل والولد، فمن ظريف ما قال فيه:

أيقنتُ أني ما حييـ
ـتُ رهينَ أمرِ الحارثِ٢٩١
فإذا المنيةُ أشرفتْ
أوْرثت ذلك وارِثي
من بعدِ سيِّدِنا الأَميـ
ـرِ وليس ذاك لثالثِ

قال أبو فراس: فما أمكنني أن آتى على وزن هذه القافية بشعرٍ أرضاه، فأجبته على غيرها وكتبتُ إليه في غرَضٍ وقد عارضتُه إلى بالس؛ ليكون الاجتماع بها:

لئن جمعتْنا غدوةٌ دارُ بالسٍ
فإن لها عندي يدًا لا أُضِيعها
أحبُّ بلاد الله أرضٌ تحلُّها
إليَّ ودارٌ تحتويك رُبوعُها
أفي كل يومٍ رحلةٌ بعد رحلةٍ
تُجرِّع نفسي حسرةً وتَرُوعُها
فلي أبدًا قلبٌ كثيرٌ نزاعُه
ولي أبدًا نفس قليلٌ نُزوعُها٢٩٢
لحى اللهُ قلبًا لا يهيمُ صبابةً
إليك وعينًا لا تَفيض دموعُها

وكتب إليه، وقد أُسر ابنه أبو القاسم وفدى ابنَه أبو محمد:

يا قرحُ لم يندملِ الأولُ
فهلْ بقلبي لكما محملُ
جُرحانِ في جسمٍ ضعيف القُوَى
حيثُ أصابا فهو المقتلُ٢٩٣
لا تعدمنَّ الصبر في حالةٍ
ولا يرمك الخلف الأولُ
وعشت في عزٍّ وفي منعةٍ
وجَدك المقتبل المقبلُ٢٩٤

وكتب إلى أبي حصين من الأسر:

كيف السبيلُ إلى طيفٍ تزاورُه
والنومُ في جملة الأحباب هاجرُه٢٩٥
الحبُّ آمرُه والصونُ زاجرُه
والصبرُ أولُ ما يأتي وآخرُه٢٩٦
أنا الفتى إن صبا أو شفَّه غزَلٌ
فللعَفاف وللتقوى مآزرُه٢٩٧
ما بالُ ليليَ لا تسري كواكبُه
وطيفُ ميَّة لا يعتادُ زائرُه
من لا ينامُ فلا صبرٌ يؤازرُه
ولا خيال على شحطٍ يُزاورُه٢٩٨
إنَّ الحبيبَ الذي هامَ الفؤادُ به
ينامُ عن طول ليلٍ أنت ساهرُه
ما أنسَ لا أنسَ يوم البينِ موقفَنا
والشوقُ ينهَى البُكا عني ويأمرُه
وقولُها ودموعُ العين واكفةٌ
هذا الفِراقُ الذي كنا نحاذِرُه
هل أنتَ يا رفقةَ العُشَّاق مُخبِرتي
عن الخليطِ الذي زُمَّت أباعرُه٢٩٩
وهل رأيتَ أمام الحيِّ جاريةً
كالجُؤذر الفرد تقفُوه جآذرُه٣٠٠
وأنت يا راكبًا يُزجي مطيَّتَه
يستطرقُ الحي ليلًا أو يباكرُه٣٠١
إذا وصلتَ فعرِّضْ بي وقلْ لهُمُ
هل واعدَ الوعدَ يوم السَّير ذاكرُه
ما أعجبَ الحبَّ يمشي طوعَ جاريةٍ
في الحيِّ من عجزتْ عنه مَشاعرُه٣٠٢
ويتَّقي الحي مفجاة وغايتُه
كيف الوصولُ إذا ما نام ساهرُه٣٠٣
أبا حصين وخيرُ القول أصدقُه
أنت الصديق الذي طابتْ مخابرُه
أين الخليلُ الذي يُرضيك باطنُه
من الخليلِ الذي يُرضيك ظاهرُه
أما الكتابُ فإني لستُ أذكره
ألَا تبادر من عيني بوادِرُه
يجري الجُمان كما يجري الجُمان به
وينثر الدُّرَّ فوق الدُّرِّ ناثرُه٣٠٤
والطرْف ينظُر فيما خطَّ كاتبُه
والسَّمعُ ينعَمُ فيما قال شاعرُه
وإن جلستَ أمام الحيِّ أقرؤُه
در الخرائد لا تفني جواهرُه٣٠٥
من كان مثليَ فالدنيا له وطن
وكل قومٍ غدا فيه عشائرُه
وما تمدُّ إلى الإطناب في بلَدٍ
إلا تضعضع باديه وحاضرُه
وكيف ينتصفُ الأعداء من رجُلٍ
العزُّ أوَّله والمجد آخرُه
ومِن سعيد بن حمدانٍ ولادتُه
ومن عليِّ بن عبد الله سائرُه
لقد فقدتُ أبي طفلًا وكان أبي
من الرجال كريمُ العود ناضرُه٣٠٦
هو ابن عميَ دينًا حين أنسبُه
لكنَّه ليَ مولًى لا أناكرُه
ما زال لي نجوةً مما أحاذرُه
لا زال في نَجوة مما يحاذرُه٣٠٧
يا أيها العاذلُ المرجو إنابتُه
والحب قد نشِبت فيه أظافرُه
لا تشعلنَّ فما تدري بحرقتِه
أأنت عاذلُه أم أنت عاذرُه
وراحلٍ أوحشَ الدنيا برحلتِه
وإن غدا معه قلبي يُسايرُه
هل أنتَ مبلغهُ عني بأنَّ له
ودًّا تمكَّن في قلبي يجايرُه
وإنني مَن صفَتْ منه سرائرُه
وصحَّ باطنُه منه وظاهرُه
وما أخوك الذي يدنو به نسَبٌ
لكن أخوك الذي تصفو ضمائرُه
وإنني واصلٌ مَن أنت واصلُه
وإنني هاجرٌ مَن أنت هاجرُه
ولست واجدَ شيء أنت عادمُه
ولست غائبَ شيء أنت حاضرُه٣٠٨
وافي كتابك مطويًّا على ثقة
يحار سامعه فيها وناطره
أنا الذي لا يصيب الدهر عزَّته
ولا يبيت على خوف مجاورُه
فمِن سعيدِ بن حمدان ولادتُه
ومِن علي بنِ عبد الله سائرُه٣٠٩
القائل الفاعلُ المأمون نبْوَتُه
والسيدُ الذائدُ الميمونُ طائرُه٣١٠
بنى لنا العزَّ مرفوعًا دعائمُه
وشيَّدَ المجد مشتدًا مرائرُه٣١١
فما فضائلُنا إلا فضائِلُه
ولا مفاخرُنا إلا مفاخرُه
وإنما وقَّت الدنيا مواقتَها
منه وعمَّر في الإسلام عامرُه
هذا كتابُ مَشُوقِ القلب مكتئبٌ
لم يألُ ناظمه جهدًا وناثرُه
وقد سمحتُ غداةَ البين مبتدئًا
من الجواب بوعدٍ أنتَ ذاكرُه
بقيت ما غردت وُرق الحمام وما اسْـ
ـتَهلَّ من واكفِ الوَسميِّ باكرُه٣١٢
حتى تُبلَّغَ أقصى ما تؤمِّلُه
من الأُمور وتُكفَي ما تحاذرُه

وأنشد القاضي أبو حصين أبا فراس شعرًا فاستحسنه، وأنشده أبو فراس شعرًا فاستجاده، فقال أبو فراس:

من بحر شعركَ أغترفْ
وبفضلِ علمِك أعترفْ
أنشدتَني فكأنَّما
شقَّقتَ عن درٍّ صدفْ
شعرًا إذا ما قِستَه
بجميعِ أشعارِ السلَفْ
قصَّرنَ دونَ مَداه تَقـْ
ـصِيرَ الحروفِ عن الألفْ

فأخذ القاضي الجواب فكتب إليه أبو فراس:

ويدٍ يَراها الدهرُ غيرَ ذميمةٍ
تمحو إساءَتَه إليَّ وتغفِرُ٣١٣
أهدى إليَّ مودَّةً من صاحبٍ
تزكو المودةُ في ثراه وتُثمرُ
عَلِقتْ يَدي منه بعِلقِ مَضنَّةٍ
مما يصانُ على الزمان ويُدخرُ٣١٤
لكنني مِن بعد أمريَ عاتبٌ
والحرُّ يحتملُ الصديق ويصبرُ
وإذا وُجدت مع الصديق شكوتُه
سرًّا إليه وفي المحافل أشكرُ
ما بالُ شِعري لا يجيءُ جوابُه
سحبانُ عندك باقلُ لا أعذرُ

وكتب إليه أبو فراس، وقد عزم على المسير إلى الرَّقَّة:

يا طول شوقيَ إن كان الرحيلُ غدَا
لا فرَّق الله فيما بيننا أبدَا
يا من أُصافيه في قُرب وفي بُعُدٍ
ومن أخالِصُه إن غابَ أو شَهِدَا
راعَ الفراقُ فؤادًا كنت تُؤنسُه
وذرَّ بين الجفون الدمعَ والسهَدَا٣١٥
لا يبعدُ الله شخصًا لا أرى أُنُسًا
ولا تطيبُ ليَ الدنيا إذا بعُدَا
أضحى وأضحيتُ في سرٍّ وفي علَنٍ
أُعدُّه والدي إذْ عدَّني ولَدا
ما زالَ ينظُر فيَّ الشعرَ مجتهدًا
فضلًا وأنظر فيه الشعرَ مجتهدَا
حتى اعترفتُ وعزَّتْني فضائلُه
وفات سَبقًا وحاز الفضل مُنفردَا٣١٦
إن قصَّر الجهدُ عن إدراك غايتِه
فأعذرُ الناسِ من أعطاك ما وجَدا
أبقى لنا اللهُ مولانا ولا برِحَتْ
أيامُنا أبدًا في ظلِّه جُدُدا
لا يطرِق النازلُ المحذورُ ساحتَه
ولا تمدُّ إليه الحادثاتُ يدَا
الحمدُ لله ربي دائمًا أبدًا
أعطانيَ الدهر ما لم يُعطِه أحدَا

وأسَرَتْ بنو كلاب حسان بن حميد بن رافع بن علي بن راعي الإبل سيد بني قطر، فخرج أبو فراس حتى انتزعه منهم فقال:

رددت على بني قطَر بنَفسي
أسيرًا غير مرجوِّ الإيابِ٣١٧
سُررت بفكِّه حتى نميرًا
وسؤتُ بني سبيعة والضبابِ٣١٨
وما أبقى سوى شُكري ثوابًا
وإن الشكرَ من خير الثوابِ
ولم يمنُنْ عليَّ فتى نُميرٍ
بَحلِّي عنه قِدَّ بنى كلابِ٣١٩

وقال أبو فراس:

تعيب عليَّ إن سميتُ نفسي
وقد أخذ القَنا منهم ومنَّا
فقل للعِلجِ لو لم أُسمِ نفسي
لسمَّاني السنانً لهُم وكنَّى٣٢٠

وقال، وقد وقعت عليه أخيار بني قشير، وهو في خمسة عشر فارسًا، وقد كان أطمَعها ما جرى لها ومعها طرائد وقلائع قد أخذتها من شداد القشيري، فشد عليهم فانتزع ما معهم فقال:

أيا عجبًا لأمرِ بني قُشير
أراعونا وقالوا: القوم قلُّ
وكانوا الكُثر يومئذ ولكنْ
كثرنا إذ تعاركْنا وقلُّوا٣٢١
وقال الهامُ للأجسام هذا
يفرِّقُ بيننا إن لم تُولُّوا
فولوا للقنا والبيضُ فيهم
وفي جيرانهم نَهل وعلُّ٣٢٢

وقال وقد ظفِر ببني تميم:

وراءك يا نميرُ فلا إمامُ
وقد حرم الجزيرة والشآمُ٣٢٣
لنا الدنيا فما شِئْنا حلالُ
لساكنِه وما شِئْنا حرامُ
وينفذُ أمرُنا في كل حيٍّ
يُقصِّيه ويُدنيه الكلامُ
ألم تُخبرْك خيلُك عن مَقامي
ببالسَ يوم ضاقَ بها المقامُ
وولَّت تلتقي بعضًا ببعضٍ
لهم والأرضُ واسعة زحامُ٣٢٤
بطَحْنا منهم مرح بن جحشٍ
فلم يَقفُوا عليه ولم يحامُوا
أقولُ لمُطعمٍ يوم التَقينا
وقد ولَّى وفي يديَ الحسامُ
أتجعل بيننا عشرينَ كعبًا
وتهرب سوءةً لك يا غلامُ٣٢٥
أحلَّكمُ بدار الضَّيمِ قسرًا
هُمام لا يقاس به همامُ

وأوقع أبو فراس ببني كلاب، فحاز الحريمَ واستباحَ الأموال فقال:

أبلغْ بني همْدانَ في ميدانِها
كُهولَها والغرَّ من شُبَّانِها
يوم طردتُ الخيلَ عن أظعانِها
وسقتُ من قيسٍ ومن جيرانِها
ذوي عُلاها وذوي طِعانها
تركت ما صحبتُ من فُرسانها
عاثرةً تعثُر في عِنانها
ومهرةً تمرُح في استطانها٣٢٦
وإبلًا تنزعُ من أطعانِها
حتى إذا فلَّ عبا شجعانُها٣٢٧
طارَدني عنها وعَن ثباتها
حرائرٌ أرغُب في صِبيانها٣٢٨
أستعمل الشدةَ في أوَانها
وأغفِرُ الزَّلةَ في إبانها
يا لك أحياءً على عدوانها
نسوانُها أمنعُ من فُرسانها

وقال أيضًا:

وداع دعاني والأسنةُ دونه
فصبَّ عليه بالجواب جَوادي
جنبت إلى مُهري المنيعيَ مهرة
وجلَّلت منه بالنجيع نِجادي

وكتب إلى سيف الدولة، وقد سار عن حضرته إلى منزله:

كتابي، أطال الله بقاء مولانا الأمير سيف الدولة وقد وردتُه ورودَ السالم الغانم موقَّر الظهر والضمير وفاءً وشكرًا.

فاستحسن سيف الدولة بلاغتَه في ذلك فكتب أبو فراس:

هل للفصاحةُ والسَّما
حةُ والعُلا عني مَحيد
إذ كنت سيديَ الذي
ربَّيتني وأبي سَعيد
في كل يومٍ أستفِيـ
ـدُ من العلاءِ وأستَزيد
ويزيد فيَّ إذا رأيـْ
ـتُك في النَّدى خُلق جديد

وخرج سيف الدولة يطلب بني كلاب ومَن انضم إليهم، فلحق حلة بني نمير ورئيسها مماغث فاحتوى عليها، فخرجت إليه بنت مماغث وهي كالشمس الباهرة، فصفح لها عن الحلة وأمر بردِّ ما أخذ، فكتب إليه أبو فراس يداعبه بقوله:

وما أنس لا أنسَ يومَ المغار
محجبة لفظَها بالحُجبْ
دعاك ذووها بسُوء الجوار
لما لا تشاء وما لا تُحبْ
فوافتْك تعثُر في مِرطها
وقد رأتِ الموتَ من عَن كثَبْ٣٢٩
وقد خلَط الخوفُ لما طلعت
دلَّ الجمال بذُل الرُّعُبْ
فكنت أخاهنَّ إذ لا أخٌ
وكنت أباهنَّ إذ ليس أَبْ٣٣٠
وما زلت مذ كنتَ تأتي الجميلَ
وتحمي الحريم وترعَى النسَبْ
وتغضبُ حتى إذا ما ملكتَ
أطعتَ الرضَى وعصيتَ الغضَبْ
فولين عنك يفدينَها
ورفَّعْن من ذيلها ما انسحَبْ٣٣١
ينادين بين خِلال البُيو
تِ لا يقطَعُ الله نسلَ العرَبْ٣٣٢
أمرت وأنتَ الكريمُ المطاعُ
ببذلِ الأماني وردِّ النهَبْ
وقد رُحنَ من مُهُجاتِ القُلوبِ
بأوْفر غُنمٍ وأعلى نسَبْ
فإلا يَجُدنَ بردِّ القُلوبِ
فلَسنا نجودُ بردِّ السلَبْ

وأتى رسول ملك الرُّوم يطلُب الهدنةَ، فأمر سيفُ الدولة بالركوب بالسلاح، فركب من داره ألف غلام مملوك بألفِ جوشن مُذهَب على ألف فرس عتيق، وألف بخِفاف، وهو بالكسر: آلةٌ للحرب يلبسه الفرس والإنسان؛ ليقيَه في الحرب، وركب الناس والقواد على طبقاتهم حتى الجيش، فقال أبو فراس في ذلك:

علَونا جوشنًا بأشدَّ منه
وأثبت عند مُشتجر الرِّماح٣٣٣
بجيشٍ جاشَ بالفرسان حتى
ظننتُ البرَّ بحرًا من سلاحِ
وألسنةٍ من العذبات حمرٍ
تخاطِبنا بأفواه الرماح٣٣٤
وأروعَ جيشُه ليل بهيمٌ
وغرَّتُه عمود من صباح
صفوح عند قدرتِه كريمٌ
قليل الصفح ما بين الصِّفاح٣٣٥
فكان ثَباته للقلب قلبًا
وهيبتُه جناحًا للجَناح٣٣٦

وقال ملغزًا:

باسم الذي أعشقُه كلما
ناديتُه كررتُ معناه
ستةُ أشخاصٍ عدا واحدًا
وخمسة منهنَّ أشباهُ
أربعة صورتُها ستةٌ
يعرف قولي من تهجَّاهُ
إثمٌ إذا كان على حاله
وآخرًا ما قد حُرمناهُ
يشابِهُ الفعل ولكنَّه
ليس بفعلٍ علم اللهُ٣٣٧

وقال أيضًا في معناه:

ما اسمٌ ظريف فيه فعلانِ
هما إذا ميزتَ ضدَّانِ
وفيهما بعدَهما اسمٌ ثلا
ثيٌّ ولكنْ فيه حرفانِ
اسمٌ وفعلٌ لك فيه إذا
كان من الأفعالِ وَجهانِ
اقلبْه تعلمْ مُوقنًا أنَّه
على لسانِ العالم اثنانِ

وأساء بعض عمَّاله العشرةَ مع رفاقه، وتنكَّر عليهم ولم يقابلِ النعمةَ بالشكر، فبطش به أحدهم وساعده اثنان فقَتلوه، فشق ذلك على سيف الدولة وقتل قاتله، فكتب إليه:

ما زلتَ تسعى بجدٍّ
برغم شَانيك مُقبل
ترى لنَفسكَ أمرًا
وما يرَى الله أفضَلْ

ووجد سيف الدولة على بعض بني عمه، فاستعطَفه أبو فراس بقوله:

إن لم تجاف عن الذنو
بِ وجدتها فينا كثيرهْ٣٣٨
لكنَّ عادتَك الجميـ
ـلةَ أن تغضَّ على بصيرَهْ

ووقع بين أبي فراس وبين بعض بني عمه، وهو صبيٌّ فخرج معه سيف الدولة بالتعتب، فقال أبو فراس:

إني منعتُ من المَسير إليكمُ
ولو استطعتُ لكنتُ أولَ واردِ
أشكو وهل أشكو جنايةَ مُنعمٍ
غيظ العدو بهِ وكبت الحاسد٣٣٩
قد كنت عُدتيَ التي أسطو بها
ويدي إذا اشتدَّ الزمانُ وساعِدي
فرميت منكَ بغير ما أمَّلته
والمرءُ يشرَق بالزُّلال البارِد٣٤٠
لكن أتتْ بين السُّرور مساءةٌ
وصلتْ لها كفَّ القبول بساعد٣٤١
فصبرتُ كالولَد التقيِّ لبره
يُغضي على ألم كضربِ الوالد
ونقضت عهدًا كيف لي بوفائه
ومن المحال صلاح قلب فاسد

وقال وقد أتى عسكر ناصر الدولة، وفيه أخوته وبنو أخيه، وقد طال عهده بلقائهم؛ لأنه كان خلفهم صبية فعرَفهم بالشبه:

يلوحُ بسِيماه الفتى من بني أبي
وتعرفه من غيره بالشَّمائل
معدَّى مردَّى يكثر الناس حولَه
طويلُ نجادِ السيف سبطُ الأنامل٣٤٢

وقال يفتخر:

لنا بيت على عُنق الثريا
بعيدُ مذاهبِ الأطنابِ سامي
تظلِّلُه الفوارس بالعوالي
وتفرِشه الولائدُ بالطعام٣٤٣

وقال أيضًا في بعض أهله، وقد شيَّعها إلى الحج في يوم ثلج:

أيحلو لمن لا صبرَ ينجده صبرُ
إذا ما اقتضى فكرٌ ألمَّ به فكرُ
أمانيةً بالعَذل رفقًا بقلبِه
أيحمِل ذا قلبٌ ولو أنه صخرُ٣٤٤
أطلنَ عليه اللومَ حتى تركنَه
وساعتُه شهر وليلتُه دهرُ
عذيري من اللائي يلُمنَ على الهوى
أمَا في الهوى لو ذُقنَ طعم الهوى عذرُ
ومنكرةٍ ما عاينت من شُجونه
ولا عجبٌ ما عاينَتْه ولا نكر
ويُحمد في العَضب البلي وهو قاطعٌ
ويحسُن في الخيل المسوَّمة الضمرُ٣٤٥
وقائلةٍ ماذا دهاك تعجبًا
فقلتُ لها: يا هذهِ أنتِ والدَّهرُ٣٤٦
أبالبينِ أم بالهَجر أم بكِليهما
تشاركَ فيما ساءني البينُ والهَجرُ
أتذكرني نجدًا ومن حلَّ أرضها
فيا صاحبي نَجواي هل ينفعُ الذكرُ٣٤٧
تطاولتِ الكثبانُ بيني وبينه
وباعدَ فيما بيننا البلَدُ القفرُ٣٤٨
مفاوزُ لا يُعجزن صاحبَ همَّةٍ
وإن عجزتْ عنها الغزيرية الصبر٣٤٩
كأنَّ سفينًا بين فيدَ وحاجرٍ
يحفُّ به من آل قِيعانه بحرُ٣٥٠
عدانيَ عنه ذودُ أعداء منهلٍ
كثير إلى ورَّاده النظَر الشَّزرُ٣٥١
وسُمرٍ أعادٍ تلمع البِيض بينها
وبيضٍ أعادٍ في أكفُّهم السمرُ
وقومٌ متى ما ألقهم رُويَ القنا
وأرضٌ متى أغزُها شبِع النَّسرُ
وخيلٌ يلوحُ الخيرُ بين عُيونها
ونصلٌ متى ما شِمته نزلَ النصرُ
إذا ما الفتى أذكى مغاورةَ العِدا
فكلُّ بلادٍ حلَّ ساحتَها ثغرُ٣٥٢
ويومٌ كأن الأرضَ شابتْ لهَوله
قطعتُ بخيلٍ حشوُ فرسانها صبرُ
تسير على مثل المُلاء منشرًا
وآثارُنا طرز لأطرافها حمرُ٣٥٣
أشيِّعُه والدمع من شدَّة الأسى
على خدِّه نظمٌ وفي نحرِه نثرُ
رجعتُ وقلبي في سجافِ عبيطِه
ولي لفتاتٌ نحوَ هودجه كُثر٣٥٤
وفيمن حوَى ذاك الحجيج خريدةٌ
لها دون عطفِ الستر من صونها سِترُ٣٥٥
وفي الكم كفٌّ لا يراها عَديلُها
وفي الخدر وجهٌ ليس يعرفه الخِدر٣٥٦
فهل عرفاتُ عارفاتٌ بزَورِها
وهل شعرتْ تلك المشاعرُ والحجر
أما اخضرَّ من ريحان مكةَ ما ذَوَى
أما عشبَ الوادي أما نبتَ الصخر٣٥٧
سقى الله قومًا حلَّ رحلُك بينَهم
سحائب لا قلٌّ جَداها ولا نزرُ٣٥٨

وقال أيضًا:

أنكرت حبَّك والدموعُ مقرَّة
وطويت وجدَك والهوى في نَشرِه
تبدو الدموعُ بما يجنُّ ضميره
تترى إلى وجَناته أو نحرِه
من لي بعطفةِ ظالم من شأنِه
نسيانُ مشتغِل اللسان بذكرِه
من لي بردِّ الدمعِ قَسرًا والهوَى
يغدُو عليه مُشمرًا في نصرِه
أعيا عليَّ أخٌ وثقتُ بوُدِّه
وأمنت في الحالاتِ عقبى غَدْرِه
وخبرتُ هذا الدهر خبرةَ ناقدٍ
حتى أنستُ بخيره وبشرِّه
لا أشتري بعدَ التجرُّب صاحبًا
إلا وددتُ بأنني لم أَشرِه
ويجيء طورًا ضرُّه في نفعِه
جَهلًا وطورًا نفعه في ضرِّه٣٥٩
فصبرت لم أقطع حبالَ وِدادِه
وسترتُ منه ما استطعت بسَترِه
وأخ أطعتُ فما رأى ليَ طاعتي
حتى خرجت بأمرِه عن أمرِه٣٦٠
وتركت حلوَ العيش لم أحفِل به
لما رأيت أعزَّه في مُرِّه
والمرء ليس بغانمٍ في أرضِه
كالصَّقرِ ليس بصائدٍ في وَكرِه٣٦١
أنفقْ من الصبر الجميلِ فإنه
لم يخشَ فقرًا منفقٌ من صبرِه
واحلُمْ وإن سفه الجليسُ فقُل له
حسنَ المقال إذا أتاك بهجْرِه
فأحَبُّ إخواني إليَّ أبشُّهُم
بصديقِه في سرِّه أو جهرِه
لا خيرَ في برِّ الفَتى ما لم يكنْ
أصفَى مشارب برِّه في بشرِه
ألقى الفتى فأريدُ فائضَ بشرِه
وأجِلُّ إن أرضى بفائض برِّه
يا ربَّ مضطغنِ الفؤاد لقيته
بطلاقة تُنبيك ما في صَدره٣٦٢

وقال أيضًا:

ومرتدٍ بطرةٍ
مسدولة الرَّفارفِ
كأنها مُسبَلةٌ
من زَرَد مضاعفْ٣٦٣

وقال:

ولقد علمت وما علمـْ
ـتُ وإن أقمتُ على صُدوده
أنَّ الغزالة والغزا
لَ لفي ثناياه وجِيدِه٣٦٤

وقال:

مِن السلوةِ في عَينيـ
ـك آياتٌ وآثارُ
أراها منكِ في القلبِ
وللأحشاءِ أبصارُ
إذا ما برَد الحبُّ
فما تَسخَنُه النارُ

وقال:

مالي بكتمان هوى شادنٍ
عيني له عينٌ على القلب٣٦٥
عرَّضت صَبري وسلُوِّي له
فاستَشْهدا في طاعةِ الحبِّ

وقال:

كان قضيبًا له انثناءُ
وكان بدرًا له ضياءُ
فزاده ربُّنا عِذارًا
تمَّ بهِ الحسنُ والبهاءُ
كذلك الله كلَّ وقتٍ
يزيدُ في الخلق ما يشاءُ

وقال:

مسيءٌ محسنٌ طَورًا وطورًا
فما أدري عدوُّي أم حَبيبي
يقلِّب مقلةً ويُدير طرفًا
به عُرف البريءُ من المُريبِ
وبعضُ الظالمين وإن تناهَى
شهيُّ الظلم مغفورُ الذنوبِ

وقال في غلامه:

قلبي يحنُّ إليه
نعم ويحنُو عليه
وما جنى إن تجنَّى
إلا اعتذرتُ إليه
فكيف أملِكُ قلبي
والقلبُ رهنٌ لديه
وكيف أدعوه عَبدي
وعُهدتي في يَديه

وقال فيه:

الورد في وَجنَتيهِ
والسِّحر في مُقلتَيه
وإن عصاني لِساني
فالقلب طوعُ يَديه
يا ظالمًا لستُ أدري
أدعو له أم عَليه
أنَّا إلى الله مما
قاسيتُ منه إليه٣٦٦

وقال أيضًا:

لا غروَ إن فتنَتْك بالـ
لَحَظاتِ فاتنةُ الجُفون
فمصارعُ العُشَّاق ما
بين الفُتور إلى الفُتون
اصبر فما سُنن الهوَى
صبرَ الضَّنين على الضنين٣٦٧

وقال:

قامت إلى جارتِها
تشكو بذلٍّ وشَجَا
أما ترينَ ذا الفَتى
مرَّ بنا ما عَرَّجا
إن كان ما ذاقَ الهوَى
فلا نجوتُ إن نجا

وقال أيضًا:

وظبيٍ غريرٍ في كِناسة أمِّه
إذا اكتسبتْ عُونُ الفلاةِ وصُورها٣٦٨
تقرُّ لها بيض الفلاة وأُدمها
ويحكيه في بعض الأمور غريرُها
فمن خلقه لبَّاتها ونحورها
ومن خُلقه عصيانها ونفورُها

وقال:

أيا سافرًا ورداءُ الخجَل
مقيمٌ بوجنته لم يزَل
بعيشك ردَّ عليك اللِّثام
أخافُ عليك جراحَ المُقَل
فما حقُّ حسنِك أن يُجتلَى
ولا حقُّ وجهك أن يُبتذَل
أمنت عليك صروفَ الزَّمان
كما قد أمنت عليَّ الملَل٣٦٩

وقال:

أيا قومَنا لا تنشِبوا الحَربَ بيننا
أيا قومَنا لا تقطعوا اليدَ باليدِ
فياليتَ داني الرُّحم بيني وبينكم
إذا لم يقرَّب بيننا لم يبعَّد
عداوة ذي القربى أشدُّ مضاضةٍ
على المرءِ من وقع الحُسام المهنَّد

وقال أيضًا:

كيف أبغي الصلاحَ من أيدِ قومٍ
ضيَّعوا الحزمَ فيه أيَّ ضياعِ
فمُطاع المقال غيرُ سديدِ
وسديد المقال غيرُ مطاعِ

وقال:

ما آن أن أرتابَ للشيـْ
ـبِ المهرَّم في عِذارى
إني أعوذُ بحُسنِ عَفـْ
وِ اللهِ من سُوء اختِياري

وقال:

وكنتُ إذا ما ساءَني وأساءَني
لطفتُ لقَلبي أو أقيم له عُذرا٣٧٠
وأكرهُ إعلامَ الوُشاة بهَجرِه
فأعتَبه سرًّا وأشكَره جَهرا
وهبتُ لنفسي سوءَ ظني ولم أدَعْ
على حاله قلبي يسرُّ له هَجْرا

وقال وكتب بها إلى سيف الدولة، وقد بلغه عنه نزولُ العدو على الحدث فسار مسرعًا حتى سبقه إليها، وقد كان بعيدًا عنها مُوغلًا في بلاد الروم:

تُباعدهم وقتًا كما يبعد العِدا
وتكرمهم وقتًا كما يكرم الوَفدُ
وتدنو دنوًّا لا يولِّد جرأةً
وتجفو جفاءً لا يولِّده زهدُ
أفضتَ عليه الجودَ قبل هذِه
وأفضَلُ منه ما يؤمِّلهُ بعدُ٣٧١
وحمرَ سيوفٍ لا تجفُّ لها ظُبًى
بأيدي رجالٍ لا يحيط لها لِبْدُ٣٧٢
وزُرقًا تشفُّ السرد من مُهَج العِدا
وتسكن منهم آيةٌ سكن الحِقدُ٣٧٣
ومصطحباتٍ قاربَ الركضِ بينها
ولكن بها عن غيرها أبدًا بُعدُ٣٧٤
تشرَّدهم ضربًا كما شرَّد القَطا
وتَنظمهم طعنًا كما نُظمَ العِقدُ
ولو خانَك المقدور فيما بنيتَه
لما خانك الركضُ المواصلُ والجهدُ
تعودْ كما عاودتَ والهامُ صخرها
ويُبنى لها المجدُ المؤثَّلُ والحمدُ٣٧٥
ففي كفِّك الدُّنيا وشِيمتُك العلا
وطائرُك الأعلى وكوكبُك السَّعدُ

وقال وكتب بها إلى سيف الدولة، وقد ذكر مسيره إلى ديار بكر وتخليفَه إيَّاه على الشام:

أشدةٌ ما أراه منكَ أم كرمُ
تجودُ بالنفس والأرواح تصطَلِمُ٣٧٦
يا باذلَ النَّفس والأموال مبتسمًا
أما يهُولك لا موتٌ ولا عَدَمُ
لقد رأيتُك بين الجَحْفلين ترَى
أنَّ السَّلامة من وَقعِ الفَنا قضمُ٣٧٧
نشدتُك اللهَ لا تسمحْ بنفس علا
حياة صاحبها تحيا بها الأُمم
إذا لقيت رِقاق البيضِ منفردًا
تحت العَجاج فلا تُستكثر الخدمُ٣٧٨
تفدي بنفسك أقوامًا صنَعتَهم
وكان حقهمُ أن يفتدوك همُ
هي الشَّجاعة إلا أنها شرَفٌ
وكل فضلِك لا قصد ولا أَممُ٣٧٩
ماذا يقاتل من تلقى القتال به
وليس يفضل عنك الخيل والبهمُ
تضنُّ بالحرب عنا ضنَّ ذي بخَلٍ
ومنك في كل حال يُعرف الكرَمُ٣٨٠
لا تبخلنَّ على قومٍ إذا قتلوا
أثنى عليك بنو الهَيجاء دونهمُ
ألْبست ما لبِسوا أركبتَ ما رَكِبوا
أعْرفت ما عرفوا أعْلمت ما علِموا
كما أرَبت بيضٌ أنت واهبُها
على خُيولك خاضوا البحر وهو دَمُ
قالوا المسير فهزَّ الريحُ عاملَه
وارتاحَ في جفنِه الصَّمصامة الخذِمُ٣٨١
فطالبتْني بما ساءَ العداة به
عوَّدتني ما يشاءُ الذئب والرخَمُ
حقًّا لقدْ ساءني أمرٌ ذُكرت له
لولا فراقُك لم يوجد له ألمُ
لا تشغلنَّ بأرض الشام تحرُسه
إنَّ الشآمَ على من حلَّه حرَمُ
فإنَّ للثغر سُورًا من مَهابته
صخوره من أعادي أهله القِممُ
لا يحرمنِّيَ سيف الدِّين صُحبَتَه
هي الحياة التي يحيَا بها النسَمُ
وما اعترضتُ عليه في أوامِرِه
لكن سألتُ ومن عاداته نعمُ

وقال في الشيب:

عذيري مِن طوالعَ في عذاري
ومن رد الشباب المستعار
وثوبٍ كنت ألبَسُه أنيقٍ
أجرر ذيلَه بين الجَواري
وما زادت على العشرين سِنِّي
فما عذرُ المشيبِ إلى عِذاري٣٨٢
وما أسمعت من داعي التَّصابي
إلى أن جاءَني داعي الوَقارِ
أيا شيبي ظلمت ويا شبابي
لقد جاورتُ منك بشرِّ جاري٣٨٣
يرحِّل كل مَن يأوي إليه
ويختِمها بترحيلِ الدِّيار
أمرت بقصِّه وكففتُ عنه
وقرَّ على تحمُّله قراري
وقلتُ الشيب أهوَنُ ما أُلاقي
من الدنيا وأيسر ما أُداري
ولم يُبقي رفيقي الفجرَ حتى
يضمَّ إليه مُنبلجَ النَّهارِ٣٨٤
وكم من زائرٍ بالكُرهِ مني
كَرِهتُ فراقَه بعدَ المزارِ
وكنت إذا الهمومُ تناوبتني
فزعتُ من الهموم إلى العقارِ
أنختُ وصاحباي بذي طلوحٍ
طلائحُ شفَّها وَخدُ القفارِ٣٨٥
ولا ماءٌ سِوى نُطَف الرَّوايا
ولا زادٌ سوى القنصِ المثارِ٣٨٦
فلما لاحَ بعد الأينِ سلعٌ
ذكرتُ منازلي وعرفتُ داري٣٨٧
تلاعَبُ بي من البُزل المَطايا
خلائقُ لا تقرُّ على الصفار٣٨٨
ونفس دون مطلبِها الثُّريَّا
وكفٌّ دونها فيضُ البحار
أرى نفسي تطالبُني بأمرٍ
قليلٌ دون غايتِه اقتِصاري
وما يغنيك من هِممٍ طِوالٍ
إذا قُرنتْ بأحوالٍ قِصارِ
ومعتكفٍ على حلبٍ بكيٍّ
يفوت عطاش آمالٍ صرارٍ٣٨٩
وقيل ليَ انتظر فرجًا ومَن لي
بأنَّ الموت ينتظرُ انتِظارِي
عليَّ لكل همٍّ كل عَنْسٍ
أمونِ الرحل مُؤجَدةِ الفَقارِ٣٩٠
وخرَّاجٍ من الغمَرات خِرقٍ
أبو شِبلين محميِّ الذِّمار٣٩١
شديد نحيُّف الأيام وافٍ
على غلابة عفُّ الإزارِ
فلا نزلتْ بيَ الجيرانُ إن لم
أجاورْه مجاورةَ البِحار
ولا صحبتنيَ الفُرسان إن لم
أصاحبْها بمأمُون الفِرار٣٩٢
ولا خافتنيَ الأملاكُ إن لم
أصبِّحْها بملتفِّ الغُبارِ
بجيشٍ لا يحلُّ بهم مُغيرٌ
ورأيٌ لا يغبهمُ مغارُ٣٩٣
شددت على الحمامة كورَ رحلٍ
بعيدٌ حله دون اليَسار٣٩٤
تحفُّ به الأسنةُ والعوالي
ومضمرة المهاري والمَهار٣٩٥
يعدن بعيد طُول الصَّون سعيًا
لما كُلِّفن من بعد المغارِ٣٩٦
وتخفِقُ حوليَ الراياتُ حمرًا
وتتْبعني الخضارمُ من نِزارِ٣٩٧
وإن طرَقت بداهيَة بنارٍ
يدافعها الرجالُ إليك جاري
عزيز حيث حطَّ السَّيرُ رَحلي
تداريني الأنام ولا أُداري
وأهلي من أنختُ إليه عيسي
وداري حيث كنت من الديار

وقال أيضًا:

سأثني على تلك الثَّنايا لأنني
أقولُ على علم وأنطق عن خُبرِ
وأُنصفها لا أكذبُ اللهَ إنني
رشَفْتُ بها ريقًا ألذَّ من الخَمرِ

وقال في غرض:

يامن رضيت بفرطِ ظلمِهْ
ودخلتُ طوعًا تحت حُكمِهْ
الله يعلم ما لقيـ
ـتُ مِن الهوى وكفَى بعِلْمِه
هبْ للمقر ذنوبَه
واصْفح له عن عظم جُرمِهْ
إني أعيذُكَ إن تَبُو
ءَ بقتلِه وبحَمل إثمِهْ

وقال في غرَضٍ في معنى هذه الأبيات:

ألزمني ذنبًا بلا ذنبِ
ولجَّ في الهجران والعَتْبِ
أحاولُ الصبر على هَجرِهِ
والصبرُ محظورٌ على الصبِّ
وأكتمُ الوجدَ وقد أصبحَتْ
عيناي عينَيه على قَلبي
فكنت ذا صبرٍ وذا سلوةٍ
فاستشْهدا في طاعة الحبِّ

وقال في غرض أيضًا:

وإذا يَئستُ من الدنـ
ـوِّ رغبتُ في فرط البِعاد
أرجو الشهادةَ في هَوا
ك لأن قلبي في الجِهاد

وقال:

ومعودٍ للكرِّ في حُمسِ الوغى
غادرْته والفرُّ من عادَاته٣٩٨
حملَ القناة إلى أغرَّ سميدعٍ
دخَّال ما بين الفتى وقناته
لا أطلبُ الرزق الدنيءَ منالُه
قوتُ الهوان أقلُّ من مُقتاته٣٩٩
علقتْ بناتُ الدهرِ تطلبُ ساحَتي
لما فضلت بنيهِ في حالاتِه

وقال:

هَبْه أساءَ كما زعمتَ فهبْ له
وارحم تضرُّعه وذُلَّ مقامِه
بالله ربِّك لم فتنت بصبرهِ
ونصرتُ بالهجران جيشَ سقامه
فرَّقت بين جفونه ومنامِه
وجمعت بين نُحوله وعظامِه

وقال أيضًا:

فعل الجَميل ولم يكن من قصدهِ
فقلبتُه وقرَنْتُه بذُنوبه
ولرُبَّ فعل جاء من فعَّاله
أحمدته وذَممت ما يأتي بِه

وقال أيضًا:

ألا أبلغْ سراةَ بني كِلاب
إذا نديَتْ نواديهم صَباحًا٤٠٠
جزيتُ سَفيههم سُوءًا بسوءٍ
فلا حرجًا أتيتَ ولا جناحًا٤٠١
قتلتُ فتى بني عُمرَ بنِ عبد
وأوسعَهم على الضِّيفانِ سَاحا
قتلتُ معودًا عللَ العشايا
تخيرتُ العبيدَ له اللقاحا٤٠٢
ولست أرى فَسادًا في فسادٍ
يجرُّ على فريقَيه صلاحَا

وقال يرثي أخته:

أتزعم أنَّك خِدنُ الوفا
وقد حجب الموتُ من قد حجَبْ
فإن كنت تصدُق فيما تقول
فمُتْ قبل موتِك معْ مَن تُحبْ٤٠٣
وإلا فقد صدَق القائلو
نَ ما بين حيٍّ وموتٍ نسَبْ
عقيلتيَ استُلبتْ من يديَّ
ولمَّا أبِعْها ولما أهَبْ٤٠٤
وكنت أَقِيك إلى أن رمتْكِ
يدُ الدهر من حيثُ لا أحتَسِبْ
فما نفعتْني تُقاتي عَليكَ
ولا صَرفتْ عنك صرفَ النُّوَبْ
فلا سَلِمَتْ مقلة لم تسحَّ
ولا بقيت لمةٌ لم تشِبْ
يعزُّون عنك وأين العزاءُ
ولكنَّه سنةٌ تُستحَب
ولو ردَّ بالرُّزء ما تستحقُّ
لما كان لي في حياة أَرَب٤٠٥

وقال:

لطيرتي بالصداع نالت
فوق مَنال الصداع مني
وجدتُ فيه اتفاق سوء
صدَّعني مثل ما صدَّ عَنِّي٤٠٦

وقال:

وقَّع لي يُخرجُ لي حالَه
فزادَني علمًا إلى علمِه
فأخرج الكاتب هذا فتى
ديوانُنا مفتتحٌ باسمِه٤٠٧
قد بين الحب على وجهه
وأثَّر الهجر على جسمِه
حتى إذ أوصلت خرجي وقد
آمنت أن تبقى على ظُلمه
وقَّع لي بين تَضاعِيفه
يجري مِن الهجر على رَسمه

وقال وقد أصابتْ خدَّه طعنةٌ وبقيَ أثرها:

ما أنسَ قولتَهنَّ يوم لقِينني
أزري السِّنان بوجه هذا البائسِ
قالت لهنَّ وأنكرتْ ما قُلنَ لي
أجميعكنَّ على هواه مُنافسي
إنا ليعجبني إذا عاينتُه
أثرُ السنان بصَحن خدِّ الفارس

وقد وجد في نسخة أخرى الأبيات على التركيب الآتي:

لما رأت أثرَ السنان بخدِّه
ظلَّت تُقابله بوجهٍ عابسِ
خلَفَ السِّنانُ به مواقعَ لَثْمها
بئس الخِلافةُ للمحبِّ البائس
حُسنُ السنان بفتح ما صنع القَنا
أثرُ السنان بصَحنِ خدِّ الفارسِ

وكتب إلى سيف الدولة وقد اعتل:

وعلة لم تدَعْ قلبًا بلا ألمٍ
سمَتْ إلى ذِروةِ الدُّنيا وغاربِها
هل تقبل النَّفس عن نفسي فأفديَه
الله يعلم ما تعلو عليَّ بها٤٠٨
لئن وهَبْتك نفسًا لا نظيرَ لها
فما سمحت بها إلا لواهِبها

وقال وقد صفح عن بني كلاب:

أفرُّ من السُّوء لا أفعلُهْ
ومن موقفِ الظُّلمِ لا أقبلُهْ
وقُربي القَرابة أرعَى له
وفضلُ أخي الفضلِ لا أجهلُهْ
وأبذل عدليَ للأضْعَفينَ
وللشَّامخِ الأنفِ لا أبذلُهْ٤٠٩
وقد علم الحيُّ حيُّ الضبابِ
وأصدقُ قيلِ الفتى أفضلُهْ
بأني كففتُ وأني عففتُ
وإنْ كرِهَ الجيشُ ما أفعلُهْ
فعادت عِداي بأحقادِها
وقد عقَل الأمرَ من يفعلُهْ
وذاكَ لأني شديدُ الإِبا
ءِ آكُلُ لَحمي ولا أُوكِلُهْ

وقال:

الآن حين عرفتُ رُشْـ
ـدي واغتديتُ على حذَرْ
ونهيتُ نفسي فانتهتْ
وزَجرتُ قلبي فانزَجرْ
ولقد أقامَ على الضَّلا
لَةِ ثم أذعنَ واستمَرْ
الحبُّ فيه مَذلَّةٌ
إلا على الرجل الذَّكَرْ
هيهاتَ لستُ أبا فِرا
سٍ إن وفيت لمن غدَرْ

وقال:

وكنَى الرسولُ عن الجوابِ تطرُّفًا
ولئن كنَى فلقد عَلِمْنا ما عنَى
قُلْ يا رسولُ ولا تحاشِ فإنَّه
لا بدَّ منه أساء بي أم أحسَنَا
الذنبُ لي فيما جناهُ لأنني
مكَّنْته من مُهجتي فتمكَّنَا

وقال وقد اعتلَّ بقسطنطينية:

أبُنيَّتي لا تجزَعي
كلُّ الآنام إلى الذَّهابِ
أبُنيَّتي صَبرًا جَميـ
لًا للجليلِ من المُصابِ
نُوحي عليَّ بحسرة
من خَلفِ سِترك والحجابِ
قولي إذا ناديتِني
وعيِيتُ عن ردِّ الجوابِ
زَينُ الشبابِ أبو فِرا
سٍ لم يمتَّعْ بالشبابِ

وقال:

لِنْ للزمان وإن صعبْ
وإذا تباعدَ فاقتَربْ
لا تتعبنْ من غالبِ الـ
أيَّامِ كان لها الغلَبْ

وقال أيضًا:

اعلمي يا أُمَّ عمروٍ
زادَك اللهُ جمالًا
أنا إن جدتُ بوصلٍ
أحسن العالم حالًا
لا تبيعيني برخصٍ
إنَّ مَن مِثلي يُغالى

وقال:

إليك أشكو منكَ يا ظالمي
إذ ليسَ في العالم عونٌ عليك
أعانَك الله بخيرٍ أعِنْ
مَن ليس يشكو منكَ إلَّا إليك

وقال أيضًا:

ليس جودٌ له عطيةُ سؤلٍ
قد يهزُّ السؤالُ غيرَ الجوَادِ
إنما الجودُ ما أتاك ابتداءً
لم تذُقْ فيه ذلةَ التَّردادِ

وقال في المجون:

تواعدنا لآذارِ
بمسعًى غيرِ مختارِ
وقُمنا نسحبُ الرَّيط
إلى حانَةِ خمَّارِ٤١٠
فلم ندرِ وقَد فاحتْ
لنا من جانِب الدارِ٤١١
بخمَّارٍ من القَومِ
نزَلنا أم بعطَّارِ
وقلنا أوقِدِ النارَ
لطُرَّاق وزُوَّارِ
وما في طلَبِ اللَّهوِ
على الفِتيان من عارِ

وقال أيضًا:

سلامٌ رائحٌ غادِي
على ساكِنَة الوادِي
على مَن حبُّها الهادِي
إذا ما زرتُ والحادِي٤١٢
أحبُّ البدوَ من أَجْل
غزالٍ فيهمُ بادِ
ألا ياربَّةَ الحَليِ
على العاتِق والهادِي٤١٣
لقد أبهجتِ أعدائي
وقد أشمتِّ حسَّادِي
بسُقمٍ ما له راقٍ
وأسرٍ ما له فادِ
فإخواني ونُدماني
وعذَّالي وعُوَّادي
فما أنفكُّ في ذِكرا
كِ في نومٍ وتَسهادِ
بشوقٍ فيك معتادِ
وطيفٍ منك مُعتادِ
ألا يا زائرَ المَوصـ
ـلِ حَيي ذلك النادِي
فبالمَوصل إِخوَاني
وبالمَوصل أَعضَادي
وقلْ للقومِ يأتُوني
مِن مَثنًى وإِفرَادِ
فعِندي خصبُ زوَّارٍ
وعندي ريُّ وُدَّادي
وعندي الظلُّ مَمدود
على الحاضِر والبادِي
ألا لا يعقد العجزُ
بِكم عن منهلِ الصَّادِي
فإن الحجَّ مفروضٌ
على العاكِف والبَادِي٤١٤
كفاني سطوةَ الدهرِ
جوادٌ نسلُ أجوَاد
فما يصبو إلى أرضٍ
سوى أرضي وروادِ
وقاهُ الله فيما عا
شَ شَرَّ الزمَن العادِي

وقال في الغزل:

عدتني عن زيارتكم عَوادِي
أقلُّ مَخُوفها سُمر الرِّماحِ٤١٥
وأن لقاءَها ليَهونُ عندي
إذا كان الوصولُ إلى نَجاحِ٤١٦
ولكن بيننا بَينٌ وهجرٌ
أأرجو بين ذَينكَ من صَلاحِ
وقمتُ ولو أطعت رسيسَ شوقِي
ركبتُ إليك أعناقَ الرِّياح٤١٧

وقال أيضًا:

ولما تخيرتُ الأَخلاءَ لم أجِدْ
صبورًا على حفظ المودَّةِ والعَهدِ
سليمًا على طيِّ الزمان ونشرِه
أمينًا على النَّجوى صحيحًا على البُعدِ
ولما أساءَ الظنَّ بي مَن جعلتُه
وإياي مثل الكفِّ نِيطتْ إلى الزَّندِ٤١٨
حملتُ إلى ضني بهِ سوءُ ظنِّه
وأيقنتُ أني من الإِخاءِ له وَحدي
وأني على الحالين في العَتْبِ والرِّضى
مُقيمٌ على ما يَعرفُ الناسُ من ودِّي

قال أبو فراس: رجعتْ بنو كعب ومن ضافَهم من عشيرتهم المعروفين بالقَرَامطة، فأكثروا الغارات على نمير وضيَّقوا عليهم، فأنهضني سيفُ الدولة لمعاونتهم، فلما نزلتْ بينهم انكشفَتْ بنو كعب وتفسَّحت بنو كلاب، فقلتُ في ذلك:

أحلُّ بالأرض تخشى الناسُ جانبَها
ولا أسائل أنى يسرحُ المالُ
وهَيبَتي في طِرادِ الخيل واقعةٌ
والناسُ فوضى ومالُ الحيِّ إهمالُ
كذاك نحنُ إذا ما أزْمةٌ طرَقتْ
حيًّا بحيثُ يخاف الناسَ حلَّالُ٤١٩

وقال:

عُلوجَ بني كعبٍ بأي مشيئةٍ
ترومُون يا حمرَ الأنوف مَقامي
نفيتكمُ عن جانبِ الشام عَنوةً
بتدبيرِ كهلٍ في طِعان غُلامِ
وفتيانِ صدقٍ من غَطاريفِ وائلٍ
خفاف اللحى شُمِّ الأُنوفِ كرامِ٤٢٠

وقال أيضًا:

إذا كان منا واحدٌ في قبيلةٍ
علاها وإن ضاقَ الخِناقُ حَمَاها
وما اشتورتْ إلا وأصبحَ شيخَها
ولا اختبرتْ إلا وكان فَتَاها٤٢١
ولا ضُربت بين القباب قبابُه
وأصبح مأوَى الطارقين سِواها

وعُرضت على سيف الدولة خيوله، وبنو أخيه حضورٌ فكل اختار منها، وطلب حاجتَه، وأمسكَ أبو فراس فعتب عليه سيفُ الدولة، ووجد في ذلك، فقال أبو فراس:

غيري يغيِّره الفعالُ الجافي
ويحُول عن شَتمِ الكِرام الوَافي
لا أرتضي ودًّا إذا هو لم يدُمْ
عند الجفاء وقلةِ الإنصافِ
نفس الحريص وقلَّ ما يأتي به
عِوَضًا عن الإلحادِ والإلحافِ
إنَّ الغنيَّ هو الغنيُّ بنفسِه
ولوَ انه عاري المناكبِ حافِ
ما كلُّ ما فوقَ البَسيطة كافيًا
فإذا قنعتُ فكل شيءٍ كافِ
ويعافُ لي طَبع الحريص أبوَّتي
ومُروءَتي وقَناعَتي وعَفافي٤٢٢
ما كثرةُ الخيلِ الجِيادِ بزَائدي
شرفًا ولا عَدْو السَّوَام الضَّافي٤٢٣
ومكارمي عددُ النجومِ ومَنزلي
بيتُ الكِرام ومنزلُ الأضيافِ
لا أقتني لصروف دهريَ عُدَّة
حتى كأنَّ صروفَه أَحلافي
خيلي وإن قلَّتْ كثيرٌ نفعُها
بين الصَّوارم والقنا الرعَّافِ
شئمٌ عرفت بهنَّ مذْ أنا يافِعٌ
ولقد عرفتُ بمثلِها أَسلافي

وكان سيفُ الدَّولةِ وعدَ أبا فراس بإحضار أبي عبد الله بنِ المنجَّم بالاجتماع به ليلة، فكتبَ إليه أبو فراس: قد تقدم وعدُ سيدِنا سيفِ الدولة بإحضار أبي عبد الله بنِ المنجِّم والغنا بحُضوره، وأنا سائلٌ في ذلك؛ حتى أسمَع حسن العود:

أيا سيِّدًا عمَّني جودُه
بفضلِك نلتُ الثَّرى والثراءَ٤٢٤
قَدِي أن أتيتُك في ليلةٍ
قتلت الغِنى وسمعت الغِناءَ٤٢٥

فإن رأى سيفُ الدولة أن يتطولَ بإنجاز ما وعد، فعل إن شاء الله، فأجابه سيف الدولة:

يبني الرجالَ وغيرُه يبني القرى
شتانَ بين قُرًى وبين رِجالِ
قلقٌ بكثرةِ مالِه وسلاحِه
حتى يعرِّقه على الأبطالِ

أنا مشغولٌ بقَرع الحوافرِ عن المزاهر، قال العلوي:

أسمعاني الصياحَ بالآمَبيس
وصريف العَيرانة العَيطَمُوسِ٤٢٦
واترُكاني من قَرع مِزهَرِ ريَّا
واختلافِ الكئوسِ بالخَندريسِ٤٢٧
ليس يُبنى العُلا بذاك ولا يُو
جَدُ كالصبر عند أمِّ ضَرُوسِ٤٢٨

وإذا كنا لا نفعَلُ ما قالَه أُسودُ بني عبس:

ولقد أَبيتُ على الطَّوَى وأظلُّه
حتى أنالَ به كريمَ المأكَلِ

فعلى كل حال يقَعُ الانتظارُ إن شاء الله تعالى. إلى هنا انتهى كلامُ سيفِ الدولة لأبي فراس، فأجابه أبو فراس:

محلُّك الجوزاءُ بل أرفَعُ
وصدرُك الدَّهناء بل أوسعُ
ففُهْ بنَقرِ العودِ سمعًا غدَا
قرعُ العوالي جلَّ ما يَسمعُ
وقلبك الرَّحب الذي لم يزل
للمَجد والهَزلِ به موضعُ
ففضلُك المشهور لا ينقَضي
وفخرُك الذائعُ لا يُدفعُ

وقد أهدى الناسُ إلى سيف الدولة في بعض الأعياد، فأكثروا فاستشار أبا فراس فيما يُهديه، فكلٌّ أشارَ بشيءٍ فخالفهم وكتب إليه:

نفسي فداؤُك قد بعثـ
ـتَ بعُهدتي بيدِ الرَّسولِ
أهديتُ نفسِي إنما
يُهدي الجليلَ إلى الجليلِ
وجعلتَ ما ملكتْ يَدي
بُشرى المُبشِّر بالقبولِ
لما رأيتُك في الأَنا
مِ بلا مثالٍ أو عَديلِ٤٢٩

وكتب أبو محمد بنُ أفلح إلى أبي فراس كتابًا، فاستحسن نظمَه ونثره، فأجابه أبو فراس بقوله:

وافي كتابك مطويًّا على نُزَهٍ
تقسِّم الحسنَ بين السمع والبصرِ
جزل المعاني رقيق اللَّفظ مُونقه
كالماء يخرج ينبوعًا من الحجَرِ
كأنما نشَرتْ يُمناك بينهما
بُردًا من الوَشيِ أو ثوبًا من الحِبر٤٣٠

وقال أيضًا:

صفةُ الإدلالِ ليسَتْ
عندنا ذَنبًا يُعدُّ
قلُ لمن ليسَ له عَهْـ
ـدٌ لنا عَهدٌ وعَقدُ
جُملةٌ تُغني عن التَّفْـ
ـصِيلِ ما لي عنكَ بُدُّ
فإذا تغيرتَ فما غيَّـ
ـرَ منَّا لك عَهدُ

ولحقتْ بأبي فراسٍ علَّةٌ تخلف بها عن سيفِ الدولة، فكتب إليه:

لقد نافَسَني الدَّهرُ
بتأخيرٍ عن الحَضْرَه
فما ألقَى من العِـ
ـلَّة ما ألقَى من الحَسرَه

وكتب إلى أخيه أبي الهيجاءِ حرب بنِ أبي سعيد قوله:

حلَلتَ من المجدِ أعلى مكانِ
وبلَّغك اللهُ أقصَى الأَمانِي
فإنَّك لا عدمَتْك العُلَى
أخٌ لا كإِخوةِ هذا الزمانِ
كَسونا أخوَّتَنا بالصَّفا
كما كُسِيتْ بالكلام المَعانِي

وقال في الغزل:

غلامٌ فوق ما أصِفُ
كأنَّ قِوامَه ألِفُ
إذا ما مالَ يرعبني
أخافُ عليه يَنقصِفُ
وأُشفقُ من تأوُّدِه
أخافُ يذيلُهُ الترَفُ٤٣١
سُروري عنده لُمَعٌ
ودَهري كلُّه أسفُ٤٣٢
وأمري كلُّه أَمَمٌ
وحبي وحدَه شرفُ٤٣٣

وقال:

ما لي أعاتب مالي أينَ يذهَبُ بي
قد صرَّح الدهرُ لي بالمنعِ والياسِ
أبغي الوفاءَ بدهرٍ لا وفاءَ له
كأنني جاهلٌ بالدَّهر والناسِ

وقال وقد بلغتْه علةُ والدتِه وتقييد البطارقة بميافارقين فقيد هو بحرشنه:

يا حسرةً ما أكادُ أحملُها
آخرُها مُزعِجٌ وأوَّلُها
عليلةٌ بالشآم مُفردةٌ
باتَ بأيدي العِدا معلِّلُها٤٣٤
تمسِكُ أحشاءها على حُرقٍ
تُطفئها والهمومُ تُشعِلُها
إذا اطمأنَّتْ وأينَ أو هدَأتْ
عنَّتْ لها ذِكراهُ يُقَلْقِلُها٤٣٥
تسأل عنها بكلِّ جَاهدةٍ
بأدمُعٍ ما تكادُ تُهمِلُها
يا مَن رأى لي بحصنِ حَرشنةٍ
أُسدُ وغًى في القُيود أرجلُها
يا مَن رأى لي الدروبَ شامخةً
دونَ لقاء الحبيبِ أطولُها
يا مَن رأى لي القيودَ موثقةً
على حبيبِ الفؤاد أثقلُها٤٣٦
يا أيُّها الراكبان هل لكُما
في حمل نجوَى يخفُّ مَحملُها٤٣٧
قولا لها إن وعتْ كلامَكُما
وإن ذكري لها لَيذهلُها
يا أمَّنا هذه منازلُنا
تُنزلها تارةً ونُنزلها
يا أمَّنا هذه مَواردُنا
نعلُّها تارةً ونَنهلُها٤٣٨
أسلمَنا قومُنا إلى نُوَبٍ
أيسرُها في القلوب أقتَلُها
واستبدلوا بعدَنا رجالُ وغًى
ودون أدنى عُلاي أمثَلُها٤٣٩
ليست تَنالُ القيودُ من قدَمي
وفي اتباعي رضاكَ أحملُها
يا سيدًا ما تُعدُّ مَكرمةٌ
إلا وفي راحتَيه أكملُها٤٤٠
تيمُّمٌ والمياهُ تُدركه
غيريَ يرضى لصُغرى ويقبلُها٤٤١
أنت سماءٌ ونحن أنجُمُها
أنت بلادٌ ونحن أجبُلُها
أنت سحابٌ ونحن وابلُه
أنت يمينٌ ونحن أشملُها
فأي عذرٍ ردَدْت مُوجعةً
عليك دون الوَرى معوَّلُها٤٤٢
جاءتك تمتاح رد واحدِها
ينتظرُ الناسُ كيف تغفلُها٤٤٣
سمحت مني بمهجةٍ كرُمت
أنت على بأسِها مُؤمَّلُها
إن كنتَ لم تبذلِ الفداءَ لها
فلم أزَل في رضاك أبذِلُها
تلك المودَّاتُ كيف تهملُها
تلك المواعيدُ كيف تغفلُها
تلك العقودُ التي عقدْتَ لنا
كيف وقد أحكمت تحللُها
أرحامُنا منك لِمْ تُقطِّعُها
ولم تزلْ دائمًا توصِّلُها
أين المعالي التي عُرفتَ بها
تقولُها دائمًا وتفعَلُها
يا واسعَ الدار كيف تُوسعها
ونحن في صخرة نُزلزِلُها٤٤٤
يا ناعمَ الثوبِ كيفَ تُبْدلُه
ثيابُنا الصوف ما نبدِّلُها
يا راكبَ الخيلِ لو بصُرتَ بنا
نحمِلُ أقيادَنا ونَنقِلُها
رأيتُ في الضرِّ أوجهًا كرُمتْ
فارقَ فيك الجَمال أجملُها٤٤٥
قد أَثَّر الدهرُ في محاسِنِها
تَعرفُها تارة وتجهَلُها
فلا تَكِلْنا فيها إلى أحَدٍ
معلُّها محسنًا يعلِّلُها
لا يفتحُ اللهُ بابَ مكرُمةٍ
صاحبُها المستغاث يقفلُها
أينبري دونَك الأنام لها
وأنت قمقامها ومعقلُها٤٤٦
وأنت إن عزَّ حادثٌ جلَلُ
قلَّبها المرتجي وحوَّلَها٤٤٧
منك تردى بالفضلِ أَفضلها
منك أفادَ المِنوالَ أنوَلُها
فإن سألنا سواكَ عارفةً
فبعدَ قطعِ الرجاءِ نسألُها٤٤٨
إذا رأَيْنا أولَى الكرامِ بها
يضيِّعُها جاهدًا ويُهمِلُها
لم يبقَ في الأرض أمةٌ عرَفتْ
إلا وفضلُ الأمير يشمَلُها
نحن أحقُّ الورَى برأفتِه
فأين عنَّا وأينَ معدلُها
يا منفقَ المالِ لا يريدُ به
إلا المعالي التي يؤثِّلُها
أصبحتَ تجري مَكارمًا فُضُلًا
فداءَنا قد علمت أفضلُها٤٤٩
لا يقبَلُ اللهُ منك فرضَكَ ذا
نافِلة عنده تنفلُها٤٥٠

وكتب معها هذَين البيتين:

قد عذَّب الموتُ بأفواهِنا
والموتُ خيرٌ من مقامِ الذَّليلِ
إنَّا إلى الله لما نابَنا
وفي سبيلِ الله خيرُ السبيلِ

وكتب إلى أبي المكارمِ، وأبي المعالي:

يا سيديَّ أراكُما
لا تذكران أخاكُما
أوجدْتما بدلًا به
يبني عَلاء عُلاكما
أوجدتما بدَلًا به
يفري نحورَ عِداكما٤٥١
ما كان بالفعلِ الجَميـ
لِ بمثلِه أولاكما
فخذا فِداي جعلتَ من
رَيب الزَّمان فِداكما٤٥٢

وقال من ألمٍ عُوفي منه:

فلا تصفنَّ الحربَ عندِي فإنَّها
طعامي من بَعد الصبا وشَرابي
وقد عرفت زُرق المسابير مُهجتي
وشُقِّق عن زُرق النِّصال إِهابي٤٥٣
ولحلحت في حلو الزمان ومرِّه
وأنفقتُ من عمري بغير حِسابِ

وكتب وهو بخرشنة:

إن زرتَ خرشنةً أسيرًا
فلقد أحطت بها مُغيرًا٤٥٤
ولقد رأيت النار تَحـ
تَرقُ المنازلَ والقُصورا
ولقد رأيتُ السبيَ تُجـ
لب نحونا حوًّا وحُورا٤٥٥
نختار منه الغادةَ الـ
حَسناءَ والظبيَ الغَريرا٤٥٦
إن طال ليلي في ذَرا
كَ لقد نَعمت به قَصيرا
ولئن لقيتُ الحزنَ فيـ
ك لقد لقيت بكَ السُّرورا
ولئن رُميت بحادثٍ
فلألْفينَّ له صَبورا
صبرًا لعلَّ الله يفْـ
تَحُ هذه فتحًا يَسيرا٤٥٧
من كان مثلي لم يمُت
إلا قتيلًا أو أَسيرا
ليستْ تحل سَراتنا
إلا الصدورَ أو القُبورا

وقال يصف أسرَه وقد حضر العِيد:

يا عيد ما عدتَ بمَحبوبِ
على معنَّى القلبِ مَكروبِ
يا عيد قد عدت على ناظر
في كلِّ حسن فيك مكذوبِ
يا وَحشةَ الدار التي ربُّها
أصبحَ في أثواب مَربوبِ٤٥٨
وطلع العيد على أَهله
بوجهٍ لا حسنٍ ولا طيبِ
ما لي وللدَّهر وأحداثِه
لقد رماني بالأعاجيبِ

وقال يصف منازله بمنبج:

قِف في رُسوم المُستَجا
بِ وحيِّ أكنافَ المصلَّى
فالجوسق المَيمون فَالـ
ـسُّقيا بها فالنهرُ أعلا
تلكَ المَنازلُ والملا
عبُ لا أراها الله مَحْلا
حيث التفتَّ وجدتَّ ما
ءً سايحًا ووجدتَّ ظلَّا
وتحلُّ بالجِسر الجِنا
ن وتسكُن الحصنَ المعلَّى٤٥٩
تجلو عرائسه لنا
هَرج الذباب إذا تجلَّى٤٦٠
وإذا نزلنا بالشَّوا
جير اجتَنينا العيشَ سَهْلا
والماءُ يفصِل بينَ رَو
ضِ الزَّهر في السطين فَصْلا
كبساطِ خزٍّ جرَّدتْ
أيدي القُيود عليه نَصلا
مَن كان سرَّ بما دَها
ني فليَمُت ضرًّا وهَزلا٤٦١
ما غضَّ مني حادثٌ
والقَرم قرمٌ حيثُ حلَّا
أنَّى حللت فإنَّما
يدعونني السَّيف المحلَّى
فلئن خلصتُ فإنني
شرفُ العِدا طِفلًا وكَهلا
ما كنت إلا السيفَ زا
دَ على صروف الدَّهر صَقلا
ولئن قُتلت فإنَّما
موتُ الكرام الصِّيد قَتْلا
يغترُّ في الدنيا الجَهو
لُ وليسَ في الدنيا مملَّى٤٦٢

وقال يفتخر وهذه القصيدة من غُرر قصائده المتداولة على ألسنة الناس، وقد كسَاها من حلل البلاغة أبهى لِباس:

أراك عصيَّ الدمعِ شيمتُك الصبرُ
أما للهوى نهيٌ عليكَ ولا أمرُ٤٦٣
نعم أنا مشتاقٌ وعنديَ لوعةٌ
ولكنَّ مثلي لا يُذاع له سرُّ
إذا الليلُ أضواني بسطتُ يدَ الهوَى
وأذللتُ دَمعًا من خلائقه الكِبرُ٤٦٤
تكادُ تضيءُ النارُ بين جَوانحي
إذا هي أذكَتْها الصَّبابة والفِكرُ
معللتي بالوعد والموتُ دونَه
إذا متُّ ظمآنًا فلا نزلَ القطرُ
بدوت وأهلي حاضرونَ لأنني
أرى أن دارًا لست من أهلها قَفرُ٤٦٥
وحاربتُ قومي في هواك وأنَّهم
وإيايَ لولا حبُّك الماء والخمرُ٤٦٦
وإن كان ما قالَ الوشاةُ ولم يكن
فقد يهدِم الإيمانُ ما شيَّد الكفرُ
وفيتُ وفي بعضِ الوفاء مذلَّة
لآنسةٍ في الحي شيمتُها الغَدرُ
وَقورٌ وريعانُ الصبا يستفزُّها
فتأرَن أحيانًا كما يأرَن المهرُ٤٦٧
تُسائلني من أنتَ وهي عليمةٌ
وهل بفتًى مثلي على حاله نُكرُ
فقلتُ كما شاءتْ وشاءَ لها الهوَى
قتيلُكِ. قالت: أيهُم؟ فهمُ كُثرُ
فقلتُ لها: لو شئتِ لم تتعنَّتي
ولم تسألي عَني وعندكَ بي خُبرُ
ولا كان للأحزان عنديَ مسلكٌ
إلى القلبِ لكنَّ الهوَى للبلا جِسرُ
فأيقنت أنْ لا عزَّ بعدِي لعاشقٍ
وأنَّ يدي مما علِقتُ به صفرُ
فقالت: لقد أزرَى بك الدهرُ بعدنا
فقلت: معاذَ الله، بل أنتِ لا الدهرُ
وقلَّبتُ أمري لا أرَى ليَ راحةً
إذا البينُ أنساني ألحَّ بي الهجرُ
فعدتُ إلى حُكمِ الزمان وحُكمِها
لها الذنبُ لا تُجزى به وليَ العذرُ٤٦٨
كأني أنادي دَون ميثاء ظبيةً
على شرفٍ ظمياءَ حليتُها الذُّعرُ٤٦٩
تجفَّلُ حَينًا ثم تَدنو كأنَّما
تنادي طلًا بالجَري أعجزَه الحصرُ٤٧٠
وإني لنزَّالٌ بكل مَخوفةٍ
كثيرٍ إلى نُزَّالها النظرُ الشزرُ
وإني لجرَّارٌ لكلِّ كتيبةٍ
معوَّدةٍ أن لا يخلُّ بها النصرُ٤٧١
فأصدى إلى أن ترتوي البيضُ والقَنا
وأسغبُ حتى يشبَعَ الذئبُ والنَّسرُ٤٧٢
ولا أصبحُ الحي الغيور بغارة
أو الجيش ما لم تأته قبلي النُّذرُ
وياربَّ دارٍ لم تُخِفْني مَنيعةٍ
طلعتُ عليها بالرَّدَى أنا والفَجرُ٤٧٣
وساحبةِ الأذيالِ نحوِي لقيتُها
فلم يقلها جافي اللقاء ولا وعرُ٤٧٤
وهبتُ لها ما حازَه الجيشُ كله
ورحت ولم يُكشَفْ لأبياتها سِترُ
ولا راحَ يُطغيني بأثوابِه الغِنى
ولا بانَ يَثنيني عن الكرَمِ الفَقرُ
وما حاجتي في المال أَبغي وُفورَه
إذا لم أفِر عِرضي ولا وفَر الوَفرُ
أُسرت وما صَحبي بعُزلٍ لدى الوَغَى
ولا فَرَسي مُهرٌ ولا ربُّه غمرُ٤٧٥
ولكن إذا حمَّ القضاءُ على امرئٍ
فليسَ له بَرٌّ يَقيه ولا بحرُ
وقال أُصَيحابي الفرارُ أو الرَّدَى
فقلتُ هما أَمران أحلاهما مُرُّ
ولكنَّني أمضِي لما لا يَعيبُني
وحسبُك من أمرين خيرُهما الأَسرُ
ولا خيرَ في دفعِ الرَّدَى بمذلَّةٍ
كما ردَّها يومًا بسوءَته عَمرو٤٧٦
يمنُّون أن خلَّوا ثيابي وإنَّما
عليَّ ثيابٌ من دِمائهمُ حُمرُ
وقائمُ سيفٍ فيهمُ دونَ نصلِه
وأعقابُ رمحٍ فيهمُ حطِّم الصدرُ
سيذكرُني قومي إذا جدَّ جدُّهُم
وفي الليلةِ الظَّلماءِ يُفتقد البَدرُ
ولو سدَّ غَيري ما سدَدتُ اكتَفوا بِه
وما كان يغلو التبرُ لو نفَقَ الصُّفرُ٤٧٧
ونحن أناسٌ لا توسُّطَ بيننا
لنا الصَّدرُ دون العالَمين أو القَبرُ
تَهونُ علينا في المَعالي نفوسُنا
ومن يخطبِ الحسناءَ لم يُغلِها المهرُ
أعزُّ بني الدنيا وأعلي ذوِي العُلا
وأكرمُ من فوق التُّرابِ ولا فَخرُ

وكتب إلى أَخيه أبي الهَيجاء حرب بن سعيد يعذله على ما لَحقه من الجزع عند أسره، ويذكر قومًا عجَّزوا رأيَه أي ثبَّطُوه في الثبات:

أتيتُك إني للصَّبابة صاحبُ
وللنَّومِ مذ زالَ الخليطُ مُجانبُ
وما أدَّعى أن الخطوبَ فجَأْنَني
لقد خبَّرتني بالفِراق النَّواعبُ
ولكنني ما زلتُ أرجو وأتَّقي
وجدَّ وشيكُ البَين والقلبُ لاعبُ
وما هذه في الحبِّ أولُ مرَّةٍ
أسأنَ إلى قلبي الظنونُ الكواذِبُ
عليَّ لربعِ العامريَّة وقفةٌ
يملِّي عليَّ الشوقُ والدمعُ كاتبُ
ولا وأبي العشاقِ ما أنا عاشِقُ
إذا هي لم تلعبْ بَصبري المَلاعبُ٤٧٨
ومن مذهبي حبُّ الديارِ وأهلِها
وللناسِ فيما يَعشقون مذاهبُ
تكاثرَ لُوَّامي على ما أصابَني
كأن لم تَنُبْ إلا بأَمري النَّوائبُ
ألم يعلم الذِّلانُ أن بني الوَغَى
كذاك سليبٌ بالرِّماحِ وسالبُ٤٧٩
وأن وراءَ الحربِ مني ودونَه
مواقفُ تُنسَى عندهنَّ التجاربُ
أرى ملءَ عينيَّ الرَّدَى وأخوضُه
إذا الموتُ قدَّامي وخَلفي النوادِبُ٤٨٠
ومضطغنٍ لم يحمِل السرَّ قلبُه
تلفَّتَ ثم اغتابني وهو هائِبُ
تردَّى رداءَ الظلِّ لما لقيتُه
كما يتردَّى بالغُبار العناكبُ
ومن شرَفي أن لا يزالَ يَعيبني
حسودٌ على الأمر الذي هو عائبُ
رمتْني عيونُ الناس حتى أظنُّها
ستحسُدني في الحاسدين الكواكِبُ٤٨١
ولست أرى إلا عدُوًّا محاربًا
وآخرَ خيرٌ منه عندي المحاربُ٤٨٢
فهم يُطفئون المجدَ واللهُ واقدُ
وهم ينقصون الفضلَ والله واهبُ
ويرجون إدراكَ العُلا بنُفوسهم
ولم يعلَموا أنَّ المعالي مواهبُ
وهل يدفعُ الإنسانُ ما هو واقعٌ
وهل يعلم الإنسان ما هو كاسبُ
وهل لقضاءِ اللهِ في الناس غالبٌ
وهل من قضاءِ الله في الناس هاربُ
عليَّ طِلابُ العزِّ من مستقرِّه
ولا ذنبَ لي إن حارَبَتْني المطالبُ
وعنديَ صِدقُ الضَّربِ في كل مَعركٍ
وليس علينا إن نَبونَ المضاربُ
إذا الله لم يُحرزك مما تخافُه
فلا الدرعُ منَّاعٌ ولا السيفُ قاضبُ
ولا سابقٌ مما تجنَّبتُ سابقُ
ولا صاحبٌ مما تخيَّرت صاحبُ
عليَّ لسيفِ الدَّولة القَرم أنعمٌ
أوانس لا ينفرنَ عني ربائبُ٤٨٣
أأجحدُه إحسانَه لي وإنني
لكافرُ نُعمى إن فعلت مواربُ٤٨٤
لعلَّ القوافي عِفنَ عما أرَدْتُه
فلا القولُ مردودٌ ولا العذرُ ناصبُ
وما شكَّ قلبي ساعةً في وِداده
ولا شابَ ظني قطُّ فيه الشوائبُ
يؤرِّقُني ذِكري له وصبابةٌ
ويجذِبني شَوقي إليه المجاذبُ
ولي أدمعٌ طَوعِي إذا ما أمَرْتُها
وهنَّ عواصٍ في هواه غوالبُ
فلا تخشَ سيفَ الدولةِ القَرم إنني
سواك إلى خلقٍ من الناس راغبُ٤٨٥
فما تُلبس النُّعمَى وغيرك منعمٌ
ولا تُقبَل الدنيا وغيرُك واهبٌ
ولا أنا من كلِّ المطاعم طاعمٌ
ولا أنا من كلِّ المشاربِ شاربُ
ولا أنا راضٍ إن كثرن مَكاسِبي
إذا لم تكنْ بالعزِّ تلك المكاسبُ
ولا السيِّد القمقامُ عندي بسيِّدٍ
إذا استنزلتْه عن عُلاه الرَّغائبُ
أيعلَم ما ألقَى نعَمْ يَعلمونه
على النأيِ أحبابٌ لنا وحبائبُ٤٨٦
أأبقى أخي دمعًا أذاقَ أخي عزا
أآب أخي بعدي أم الصبرُ آيبُ٤٨٧
بنفسي وإن لم أرض نفسيَ راكبُ
يُسائلُ عني كلَّما لاحَ راكبُ
قريحُ مجاري الدَّمعِ مستلب الكرَى
يُقَلْقلُه همٌّ من الشوق ناصبُ٤٨٨
أخ لا يُذقْني اللهُ فقدانَ مثلِه
وأينَ له مثل وأين المقاربُ
تجاوَزتِ القُربى المودَّة بيننا
فأصبحَ أدنى ما يُعد المناسبُ٤٨٩
ألا ليتَني حُمِّلت همِّي وهمَّه
وأن أخي ناءٍ عن الهم عازبُ
فمن لم يجُد بالنفس دون حَبيبِه
فما هو إلا ماذقُ الحبِّ كاذبُ٤٩٠
أتاني مع الرُّكبان أنَّك جازعٌ
وغيرُك يخفَى عنه لله واجبُ
وما أنتَ ممن يُسخط اللهَ فعلُه
وإن أخذَتْ منه الخطوب السوالبُ
وإني لمجزاعٌ ولكنَّ همَّتي
تُدافع عني حسرة وتُغالبُ
ورقبةِ حسادٍ صبرتُ اتقاءَها
لها جانبٌ مني وللحزنِ جانبُ٤٩١
وكم من حزينٍ فوق حُزني والهٌ
ولكنَّني وحدي الحزينُ المراقبُ
ولستُ ملومًا لو بكيتُك من دَمي
إذا فُقدَتْ مني الدُّموع السواكبُ
ألا ليتَ شِعري هل تبيتُ معدَّةً
تناقلُ بي يومًا إليك الركائبُ
فتعتذر الأيامُ من طُولِ ذنبِها
إليَّ ويأتي الدهرُ والدهر تائبُ

وكتبَ إلى سيفِ الدَّولة يعرِّفه خروجَ الدمستق إلى الشام في جموع الروم، ويحثُّه على الاستعداد ويذكِّره أمرَه ويسألُه تقديمَ فدائه:

أتعز أنت على رسوم معانِ
فأقيم للعبرات سُوق هوانِ
فرضٌ عليَّ لكل دارٍ وقفةٌ
تقضي حقوقَ الدَّارِ والأجفانِ
لولا تذكُّرُ من هويتُ بحاجرٍ
لم أبكِ فيه مواقدَ النيرانِ٤٩٢
ولقد أراه قبل طارقةِ النَّوَى
مأوَى الحِسانِ ومنزلُ الضِّيفانِ
ومكانُ كلِّ مهنَّد ومجرُّ كـ
لِّ مُثقَّفٍ ومجالُ كل حصانِ
نشَرَ الزمانُ عليه بعد أنيسِه
حُللَ الفناءِ وكل شيء فانِ
وبما وقفت فسرَّني ما ساءَني
منه وأضحَكني الذي أبكَاني
ورأيتُ في عرَصاتِه مجموعةً
أسدَ الشَّرى ورباربَ الغِزلانِ
يا واقفين معي على الدار اطلُبا
غيري لها إن كنتما تقِفانِ
منعَ الوقوفَ على المنازل طارقٌ
أمرَ الدموعَ بمُقلتي ونَهاني
فله إذا ونَتِ المدامعُ أو جرَتْ
عصيانُ دَمعي فيه أو عِصياني٤٩٣
أبكي الأحبةَ بالشآم وبينَنا
قلل الدروب وشاطئا جَيحانِ
وتحثُّ نفسي العاشقين لأنَّهم
مثلي على كنَف من الأَحزان
فضلت لديَّ مدامعٌ فبكيت لِلـْ
باكي بها ووَلهت للولهانِ
ما لي جَزِعْت من الخُطوب وإنَّما
أخذَ المُهيمن بعضَ ما أَعطاني
ولقد سُررت كما غَمَمتُ عَشائري
زمَنًا وهنَّأني الذي عزَّاني
وأُسرت في مَجرى خُيولي غازيًا
وحُبست فيما أشعلتْ نِيراني٤٩٤
يَرمي بنا شطرَ البلاد مشيعٌ
صدق الكريهةِ فائض الإحسانِ٤٩٥
وأنا الذي ملأَ البَسيطة كلِّها
ناري وطنَّب في السماء دُخاني٤٩٦
إن لم تكن طالتْ سنيَّ فإنَّ لي
رأيَ الكُهولِ وغيرةَ الشبانِ
ممَّن بها ساء الأعاديَ موقفي
والدهرُ يبرُز لي مع الأقرانِ
يمضي الزمانُ وما عمَدت لصاحبٍ
إلا ظفِرتُ بصاحبٍ خوَّانِ
يا دهرُ خنتَ مع الأصادق خلَّتي
وغدرتَ بي في جملة الإخوانِ
لكنَّ سيف الدولة القَرم الذي
لم أنسَه وأراه لا يَنساني٤٩٧
أيضيعني مَن لم يزل ليَ حافظًا
كرَمًا ويخفضني الذي أَعلاني
إِني أغارُ على مكانيَ أن أرى
فيه رجالًا لا تسدُّ مَكاني
أو أن تكون وقيعة أو غارة
إلا بها أثَري من الفتيانِ
سيف الهدى من حدِّ سيفِك يُرتجى
يومًا يذلُّ الكفرُ للإيمانِ
ولقد علمتُ وإن دعوتُك أنَّني
إن نمتُ عنك أنام عن يقظانِ
هذي الجيوشُ تجيشُ نحو بلادِكم
من كل أروعَ ضيغمٍ سِرحانِ
ليسوا يَنُون فلا تنوا وتيقظوا
لا ينهض الوَاني لغير الواني٤٩٨
غضَبًا لدِين اللهِ ألا تَغضَبوا
لمْ يشتهرْ في نَصرِه سيفانِ٤٩٩
حتى كأنَّ الوحي فيكم مُنْزلٌ
ولكم تخص فضائل القُرآنِ٥٠٠
فبنو كلابٍ وهي قُلٌّ أُغضِبتْ
فدهت قبائل مشرفين قنانِ٥٠١
وبنو عبادٍ حين أُخرج حارث
جرُّوا التحالفَ في بني شيبانِ
خلُّوا عديًّا وهو طالبُ ثأرِهمْ
كرَمًا ونالوا الثارَ بابنِ أبانِ
والمسلمونَ بشاطئِ اليرموكِ لـ
مَّا أخرجوا عطفوا على ماهانِ
وحماةُ هاشمَ حين أخرج صيدُها
جرُّوا البلاءَ على بني مروان
والتغلبيُّون احتَمَوا من مِثلها
فغدوا على العادِين بالسُّلَّانِ٥٠٢
وبغى على عبسٍ حذيفةُ وانثَنت
منه صوارمُهم ومن ذبيانِ
وسراةُ بكرٍ بعد ضيقٍ كبَّروا
جمعَ الأعاجمِ من بني شَروان
أبقتْ لبَكر مفخرًا وَسما لها
من دون قومِهما يزيد وهاني
المانعين الغنقفير بطَعنِهم
والثائرين بمقتل النعمانِ٥٠٣
إنا لنلقى الخطبَ منك وغيرُه
بموقَّف عندَ الحُروب معانِ
أصبحت ممتنعَ الحَراك وربَّما
أصبحت ممتنعًا على الأقرانِ
ولطالما حطَّمت صدرَ مثقِّفِي
ولربما أرعفتُ أنفَ سِناني
ولطالما قدتُ الجيادَ إلى العِدَى
قُبَّ البطون طويلةَ الأرسانِ٥٠٤
أعزز عليَّ بأن يحلَّ بمَوقفي
ويخلَّ بين المسلمين مَكاني
ما زلت أكلأ كلَّ ثغر موحِش
أبدًا بمُقلة ساهر يقظانِ
شلالِ كلِّ عظيمة ذوَّادها
ضرَّابِ هاماتِ العِدى طعَّانِ٥٠٥
إن يمنعِ الأعداءُ حدَّ صوارِمي
لا يمنع الأعداءُ حدَّ لِساني
يا راكبًا يرمِي الشآمَ بجَسرةٍ
موَّارةٍ شدَنيةٍ مِذعانِ٥٠٦
اقرا السلام من الأسيرِ العانِي
اقرا السلامَ على بني همْدانِ
اقرا السلامَ على الذين بيوتُهم
مأوى الكرام ومنزلُ الضيفانِ
الصَّافحين عن المسيءِ تكرُّمًا
والمحسنين إلى ذوي الإحسانِ

وقال يذكر أسرَه، ومناظرة جرتْ بينه وبين الدمستق في الدين:

يعزُّ على الأحبة بالشَّآم
حبيبٌ بات ممنوعَ المنامِ
وإني للصَّبورُ على الرَّزايا
ولكنَّ الكلامَ على كلامِ٥٠٧
جروحٌ لا يزلن يُردْن مني
على جُرح بعيدِ العهدِ دامي
تأمَّلني الدمستق إذْ رآني
وأبصرَ صِبغة الليثِ الهُمام
أتُنكرني كأنَّك لستَ تدري
بأني ذلك البطَل المحامِي
وإني إن نزلتُ على ذَلول
تركتك غيرَ متصل النِّظامِ٥٠٨
ولما أن عقدتُ صليبَ رأيِي
تجلل عقد رأيك في المقامِ
وكنت ترى الأناةَ وتدَّعيها
فأعجلَك الطعان على الكلامِ
وبت مؤرَّقًا من غير سُقمٍ
حمَى جفنَيك طيبَ النوم حامِي٥٠٩
ولا أرضَى الفتى ما لم يُكمِّلْ
برأيِ الكهلِ إقدامَ الغُلام
فلا هنَّئتها نُعمى بأَخذِي
ولا وصلتْ سعودك بالتَّمامِ
أما مِن أعجبِ الأشياء عِلجٌ
يعرِّفني الحلالَ من الحرامِ
وتكنفه بطارقةٌ تيوسٌ
تَبارَى بالعَثَا بين الطغامِ٥١٠
لهم خُلقُ الحَمير فلست تلقَى
فتى منهم يسيرُ بلا حِزام
وأصعب خطةٍ وأجَّل أمرٍ
مجالسةُ اللئام على الكرامِ
يُريغون العيوبَ وأعجزَتْهم
وأيُّ العيب يوجَد بالحُسامِ٥١١
أبيتُ مبرَّأً من كلِّ عيبٍ
وأصبحُ سالمًا من كلِّ ذامِ٥١٢
ومن أبقى الذي أبقيت هانَتْ
عليه مواردُ الموتِ الزُّؤامِ٥١٣
ثناءٌ طيِّبٌ لا خُلفَ فيه
وآثارٌ كآثار الغَمامِ٥١٤
وعلمُ فوارسِ الحيَّينِ أنِّي
قليلٌ مَن يقومُ لهم مَقامي
وفي طلَبِ الثَّناءِ مضى بُجيرٌ
وجادَ بنفسِه كعبُ بن مامِ٥١٥
أُلام على التعرُّضِ للسَّبايا
ولي سمعٌ أصم على الملامِ
بنو الدنيا إذا ماتوا سَواء
وإن عمَر المعمَّر ألفَ عامِ
ألا يا صاحبيَّ تذكَّراني
إذا ما شمتُما البرقَ الشَّآمِي
إذا ما لاح لي لمَعان بَرقٍ
بعثتُ إلى الأحبَّة بالسَّلامِ

وقال يذكر أَسْرَه ويذكر بعضَ حساده:

لمن جاهدَ الحسادَ أجرُ المُجاهدِ
وأعجزُ ما حاولتَ إرضاءُ حاسِدي٥١٦
ولم أرَ مثلي أكثرَ الناسِ حاسدًا
كأنَّ قلوبَ الناس لي قلبُ واحدِ
ولم يرَ هذا الدهرُ قبليَ فاضلًا
ولم يظفر الحسَّادُ قبلي بماجِد
أرى الغِلَّ من تحتِ النِّفاق وأجتَني
من العسل المازِي بسُمِّ الأَساودِ٥١٧
وأصبِرُ ما لم يَجلبُ الصبر ذلَّة
وأَلبس للمَذموم حُلةَ حامدِ
وأَعلم إن فارقت خلًّا عرفته
وحاولتُ خلًّا أنني غير واجِدِ
وهل نافعِي إن عضَّني الدهر مُفردًا
إذا كان لي منهم قلوبُ الأباعدِ٥١٨
أيا جاهدًا في نَيل ما نلت من عُلا
رويدَك إني نِلتُها غيرَ جاهدِ
لعمرُك ما طُرق المعالي خفيةً
ولكنَّ بعضَ السير ليس بقاصِدِ٥١٩
وما شاهدُ العَينينِ فيما يَريبني
إلى أن ألاقي في الأذَى غيرَ شاهِد
إذا شئت جاهرتُ العدوَّ ولم أبِت
أقلِّبُ فكري في وجوهِ المَكائِد٥٢٠
صبرتُ على اللأواءِ صبرَ ابنِ حُرَّة
كثيرِ العِدى فيها قليلِ المساعدِ
وطاردتُ حتى أبهر الجَرْي أشقري
وضاربتُ حتى أوهَنَ الضربُ ساعِدي
وكُنَّا نرَى إن لم يصبْ مَن تصرَّمتْ
مواقِفُه عن مثل هذه الشَّدائدِ
جمعت سيوفَ الهندِ من كل بَلدةٍ
وأعددت للهيجاءِ كلَّ مجالِدِ
وأكثرتُ للغاراتِ عندي وعندَهم
ثَباتُ البكيريَّات حولَ المراودِ٥٢١
إذا كان غير الله للمرء عُدةً
أتتْه الرزايا من وجوهِ الفَوائدِ
فقد جرتِ الحتفاءُ قبلَ حُذيفةٍ
وكان يراها عدةً للشدائدِ
وجرَّتْ منايا مالكِ بنِ نُويرة
عقيلتُه الحسناء أيامَ خالدِ٥٢٢
وأردَى زؤابًا في بيوتِ عُتيبة
أبوه وأهلوه بشَدوِ القَصائدِ
عسى اللهُ أن يأتي بخَيرٍ فإنَّ لي
عوائدَ من نُعماه خير عوائدِ
فكم شالَ بي مِن فَقرِ ظلماءَ لم يكُنْ
ليُنقِذَني من قَفرِها حَسْدُ حاسِدِ
فإن عُدتَ يومًا عاد للحربِ والنَّدَى
وبذلِ العُلى والمجدِ أكرم عائدِ
مرير على الأعداء لكنَّ جارَه
إلى خُصُبِ الأكنافِ عذب المَواردِ
مشهًّى بأطرافِ النهار وبينَها
له ما تشهَّى من طريفٍ وتالدِ
منعتُ حِمى قومي وسدتُ عَشيرتي
وقلَّدتُ أهلي غير هذي القلائدِ
خلائق لا يُوجَدن في كلِّ ماجدِ
ولكنَّها في الماجدينَ الأماجدِ

وكتبَ إليه أبو الحسن محمد بن الأسمر يُوصيه بالصَّبر والتجلُّد فقال:

نَدبتُ لحسن الصَّبر قلبَ نجيبِ
وناديتُ بالتسليم خير مجيبِ
ولم يبقَ مني غير قَلبٍ مشيَّعٍ
وعودٍ على ناب الزمان صليبِ٥٢٣
وقد علمتْ أمي بأنَّ مَنيَّتي
بحد حسامٍ أو بحدِّ قضيبِ٥٢٤
كما علمتْ من قبل أن يغرقَ ابنها
بمهلِكه بالماء أم سَبيبِ
تجشَّمتُ خوفَ العار أعظمَ خُطَّةٍ
وأمَّلت نصرًا كان غيرَ قريبِ
وللعارِ خلَّى ربُّ غسانَ ملكَه
وفارق دينَ الله غيرَ مصيبِ٥٢٥
ولم يرتغبْ في العَيش عيسى بنُ مصعب
ولا حب خوف بالحروب حبيبِ٥٢٦
رضيتُ برأيٍ كان غيرَ موفق
ولم ترضَ نفسي كان غير نجيبِ٥٢٧

وقال وقد جرتْ بينه وبين الدمستق مناظرةٌ، وقال له الدمستق: ما لكم وللحرب؛ إنما أنتم كتَّاب:

أتزعُم يا ضخمَ اللقاديد أننا
ونحن أسودُ الحرب لا نعرفُ الحربا٥٢٨
فويلَك مَن للحَرب إن لم نكُنْ لها
ومن ذا الذي يُضحي ويُمسي لها تِربا
ومن ذا يكفُّ الجيشَ من جنَباتِه
ومن ذا يقودُ العينَ أو يصدم القَلبا
وويلَك مَنْ أردى أخاك بمرعشٍ
وحنَّكَ ضربًا وجهَ والدِك العَضْبَا٥٢٩
وويلَك من خلَّى ابنَ أختِك موثقًا
وخلاك باللقَّان تبتَدرُ الشِّعْبا٥٣٠
أتُوعدنا بالحَربِ حتى كأنَّنا
وإياكَ لم يعصِب بها قلبُنا عَصْبا
لقد جمعتْنا الحَربُ مِن قبلِ هذه
فكنَّا بها أُسدًا وكنتَ بها كَلبا
فسَل بردسًا عنَّا أباك وصِهرَه
وسَل أهل برداليس أعظمَهم خَطبا٥٣١
وسل قرَقاشًا والشَّمقمق صهره
وسَل سبطَه البطريقَ أثبتَهم قَلبا٥٣٢
وسل صِيدَكم آلَ الملابين إنَّنا
نهَبْنا ببيض الهند عرضَهمُ نَهبا٥٣٣
وسل أهلَ بهرامٍ وأهلَ بلَنْطس
وسل آلَ شنوان الحناجرةَ الغُلبا٥٣٤
وسل بالبطرطيس العساكرَ كلَّها
وسل بالمنسطرياطس الرومَ والعُربا
ألم تكفِهم قتلًا ونهبًا سيوفُنا
وأُسد الشَّرى الملأى وإن جمدَت رُعبا
بأقلامِنا أحجزتَ أم بسُيوفِنا
وأسد الشَّرَى قُدنا إليكَ أم الكُتْبا
تركناكَ في وسطِ الفلاة تجوبُها
كما أنفقَ اليربوعُ يلتثمُ التُّربا٥٣٥
تُفاخرنا بالضَّربِ والطعنِ في الوغَى
لقد أوسعتْك النَّفس يا ابنَ استِها كِذْبا
رعَى الله أوقاتًا إذا قالَ ذمة
وأنفذنا طعنًا وأثبتَنا قَلبا
وجدتُ أباك العِلج حين خَبرته
أقلكم خبرًا وأكثركم عُجبا

وقال في الأسر:

ارثِ لصبٍ أمس قد زرتُهُ
على بَقايا أسرِه أَسرا
قد عدِم الدُّنيا ولذَّاتها
لكنَّه ما عدم الصَّبرا
فهو أسيرُ الجسمِ في بَلدة
وهو أسيرُ القلبِ في أُخرى

وقال يفتخر:

لقد علمتْ سَراةُ الحي أنَّا
لنا الجبل الممنَّع جانباهُ
يفيءُ الراغبون إلى ذَراه
ويأوي الخائفون إلى حِماه

وكتب إلى أبي العشائر الحسينِ بن علي بن الحسين ابن حمدان، عند أسره إلى بلد الروم:

أأبا العشائر إن أُسرتُ لطالما
أسَرت لك البيضُ الخفافُ رِجالا
لما أجَلْت المهر فوقَ رءُوسِهم
نسجتْ له حمر الشُّعور عِقالا
يا مَن إذا حصَلَ الحصان على الوجَى
قال: اتخذْ حُبُكَ التَّريكِ نِعالا٥٣٦
ما كنت نهزةَ آخذٍ يوم الوغَى
لو كنت أوجدت الكميتِ مجَالا٥٣٧
حملتْك نفسٌ مِرَّة وعزائمٌ
قصَّرن من قلل الجبال طِوالا٥٣٨
وأرين بطن العير ظهرَ عراعرٍ
والروم وحشًا والجبال رِجالا٥٣٩
أخذوك في كَبِد المضايقِ غِيلةً
مثل النساء تربِّب الرِّئبالا٥٤٠
إلَّا دعوت أخاك وهو مُصاقب
يكفي العظيمَ ويحمِلُ الأَثقالا٥٤١
إلَّا دعوت أبا فراسٍ إنَّه
ممن إذا طلَبَ الممنَّع نَالا
وردتْ بعيد الفَوتِ أرضَك خيلُه
سرعًا كإرسالِ القَضا إِرسالا
زللٌ من الأيام فيك يُقيله
ملك إذا عثَر الزمانُ أقالا
ما زال سيف الدولة القَرمُ الذي
يكفي الجسيمَ ويحمِلُ الأثقالا٥٤٢
فالخيل ضمرًا والسيوف قواطعًا
والسمر لونًا والرجال عِجالا
ومعوَّد فكَّ العُفاة مداومٍ
قتلَ العداة إذا استغارَ أطَالا
ضِفنا بخرشنَة وقظنا آلسًا
وبنو البَوادي في قُميرَ حِلالا٥٤٣
وسمتْهمُ هممٌ إليك منيعةٌ
لكنَّه خلج الخليج وحَالا
وغدًا تزورُك بالفكاك خيولُه
متناقلاتٍ تنقلُ الأَبطالا
إن ابنَ عمِّك ليس عمَّ الأخطلِ احـْ
ـتاجَ الملوك وفكَّكَ الأَغلالا

وكتب إليه:

لذيذ الكرى حتى أراك محرَّمُ
ونار الأسى بين الحشا تتضرَّمُ
وإنَّ جفوني إن ونتْ للَئيمةٌ
وإني وإن طاوعتهنَّ لألأم٥٤٤
سأبكيك ما أبقى ليَ الدهر فعلةً
فإن عزَّني دمعٌ فما عزَّني دَمُ
وحكمي بكاءُ الدَّهر فيما يَنُوبُني
وحكم لبيد فيهِ حولٌ محرَّمُ٥٤٥
وما نحن إلا وائلٌ ومهلهلٌ
صفاء وإلا مالكٌ ومتمِّمُ٥٤٦
وإني وإيَّاه لعينٌ وأختُها
وإني وإياه لكفٌّ ومِعصَمُ
تُصاحبني الأيام في ثوبِ ناصحٍ
ويغتالنا منها على الأَمن أرقمُ٥٤٧
وإني لغرٌّ إن رضيتُ بصاحبٍ
يبشُّ وفيه جانبٌ متجهِّمُ٥٤٨
دعوتُ خَلوفًا حين يختلفُ القنا
وناديتُ صمًّا عنك حين يصمَمُ٥٤٩
وما لك لا تلقَى بمهجتك الرَّدَى
وأنتَ من القوم الذين همُ همُ٥٥٠
ونحن أُناس لا تزال سَراتُنا
لها مشربٌ بين المنايا ومَطعمُ
نظرنا إلى هذا الزمانِ بعينِه
فهان علينا ما يشتُّ وينظمُ
وما لي لا أمضي حَميدًا ومَشربي
بُعيديَ أو قبلي يسيغُ المذمَّمُ
إذا لم يكنْ يُنجي الفرارُ من الرَّدَى
على حالِه فالصبرُ أرحى وأكرمُ
وقيل لها سيفُ الهدى، قلتُ إنه
ليفعلَ خيرُ الفاعلين ويكرمُ
أما انتاشَ من مسِّ الحديدِ وثقلِه
أبا وائلٍ والبيضُ بالبيض تحكمُ
تجرُّ عليه الحربُ من كلِّ جانبٍ
فلا ضجرٌ جافٍ ولا متبرمُ
أخو غمَراتٍ في الخطوبِ إذا أتى
أتى حادثٌ من جانبِ الله مبرمُ
لك الله إنَّا بين غادٍ ورائحٍ
يغذُّ المغازي في البلاد ويُتئِمُ٥٥١
ويجنب ما أبقَى الوجيه ولاحق
على كرِّ ما ألقى الجديل وشدقمُ٥٥٢
فإن جل هذا الأمرُ فالله فوقَه
وإن عظُم المطلوب فالله أعظمُ
وإني لأخفي فيك ما ليسَ خافيًا
وأكتمُ وجدًا فيك ما ليسَ يكتمُ
ولو أنني وفَّيت رزءَك حقَّه
لما خطَّ لي كفٌّ ولا قال لي فمُ

وكتب إلى أبي العشائر:

أُسرت فلم أذقْ للنوم طَعمًا
ولا حلَّ المقام لنا حِزامًا
وسرنا مُعلمين إليك حتى
ضَربْنا خلفَ خرشنةٍ خِيامًا٥٥٣

وقال في أسر أبي العشائر يصِفُ الحال، وطلبه له ووصوله إلى مرعش في أثَره:

نفى النومَ عن عَيني خيالٌ مسلِّمُ
تأدَّبَ من أسماءَ والركب نوَّمُ٥٥٤
ظلِلتُ وأصحابي عباديدُ في الدُّجَى
ألذُّ بجوَّال الوشاحِ وأنعَمُ٥٥٥
وسائلةٍ عني فقلت تعجُّبًا
كأنك ما تدرينَ كيف المتيَّمُ
أعِرني أقيك السوء نظرة وامقٍ
لعلك ترثي أو لعلك ترحمُ٥٥٦
فما أنا إلا عبدُك القنُّ في الهوَى
وما أنت إلا الواحدُ المتحكِّمُ
وأرضى بما ترضَى على السُّخط والرِّضى
وأرضى على علمٍ بأنك تظلمُ
يئستُ من الإنصافِ بيني وبَينه
ومن ليَ بالإنصاف والخصمُ يحكمُ
وخطبٍ من الأيام أنسانيَ الهوَى
وأحلي بفيَّ الموتَ والموتُ علقمُ
وواللهِ ما أنسيت إلا عُلالةً
ومن نار غيرِ الحب قلبيَ يضرمُ٥٥٧
ألا مبلغٌ عني الحسينَ ألوكةً
تضمَّنها درُّ الكلام المنظمُ٥٥٨
لذيذ الكرَى حتى أراك محرم
ونار الأسى بين الحشَا تتضرَّمُ٥٥٩
وأترُكُ أن أبكي عليك تطيُّرًا
وقلبيَ يبكي والجوانحُ تلطِمُ
وأُظهر للأعداء فيك جَلادة
وأكتمُ ما ألقاهُ واللهُ يعلمُ
وما أغربتْ فيك اللَّيالي وإنما
لتصدعنا من كل شعبٍ وتثلمُ٥٦٠
طوارق خطبٍ ما تغِبُّ وفودُها
وأحداثُ أيامٍ تغذُّ وتيئمُ
فما عرَّفتْني غيرَ ما أنا عارِفٌ
ولا علَّمتْني غيرَ ما كنتُ أعلمُ
تُكاشِرنا الأيامُ فيمن نحبُّه
ويختِلُنا منها على الأمن أرقَمُ٥٦١
متى لم تصب منها الخطوب ابن همةٍ
تجشَّمها صرف الردى فيجشمُ٥٦٢
تُهينُ علينا الحربُ نفسًا عزيزةً
إذا عاضَنا عنها الثناءُ المنمنمُ
وندعو كريمًا مَن يجودُ بماله
ومن يبذلِ النَّفس الكريمة أكرمُ
وما الأَسرُ عزمٌ والبلاء محمَّدٌ
وما النصرُ غُنمٌ والبلاء مُذمَّمٌ٥٦٣
لعمري لقد أعذَرت لو أنَّ مسعدًا
وأقدمت لو أن الكتائبَ تقدمُ
دعوت خلوفًا حين تختلفُ القَنا
وناديت صُمًّا عنك حين تصممُ
وما لكَ لا تلقَى بمُهجتك الرَّدى
على حالةٍ فالصبر أرجى وأكرمُ٥٦٤
لعًا يا أخي لا مسَّكَ السوءُ إنَّه
هو الدهرُ في حالَيه بؤسٌ وأنعمُ٥٦٥

وقال في عبد الله بن طاهر:

له يومُ بؤسٍ فيه للناسِ أبؤسٌ
ويوم نعيمٍ فيه للناسِ أنعمُ
فلو أنَّ يومَ البؤسِ جرَّد سيفَه
لِقتل العِدى لم يبقَ في الأرض مُجرمُ
ولو أنَّ يوم النُّعم أطلقَ كفَّه
لِبَذْلِ الفِدى لم يبقَ في الأرضِ مُعدمُ
وما ساءَني أني مكانك غائبٌ
وأُسلم نفسي للإسار وتسلمُ
طلبتُك حتى لم أجدْ ليَ مطلبًا
وقدمتُ حتى قلَّ من يتقدمُ
وما قعدتْ بيَ عن لَحاقك همةٌ
ولكن قضاءٌ فاتَني فيك مبرمُ
نخفُّ إذا ضاقتْ علينا أمورُنا
بأبيضِ وجهِ الرأي والخطبُ مظلمُ٥٦٦
ونومي بأمر لا نطيقُ احتمالَه
إلى قومِنا والقَرم بالقتل أقوَمُ٥٦٧
إلى رجلٍ يَلقاك في شخصِ واحدٍ
ولكنَّه في الحربِ جيشٌ عرمرمُ
ثقيل على الأيام أعقابُ وطئِه
صليبٌ على أفواهِها حين يُعجَمُ٥٦٨
ويُمسك عن بعضِ الأمورِ مَهابةً
فيعلم ما يُخفِي الضمير ويفهمُ
ونَجني جناياتٍ عليه يُقيلها
ونخطيء أحيانًا إليه فيحلمُ
تسومنا فيك الفداء وإنَّنا
لنَرجُوك قسرًا والمعاطسُ ترغمُ٥٦٩
أترضى بأن نُعطي السواء قسيمنا
إذا الجَد بين الأغلبين يقسَّمُ٥٧٠
أعاداتُ سيف الدولة الآن أنها
لإحدى الذي كشَّفت أو هي أعظمُ
أما انتاش من ثِقل الحديد ومسِّه
أبا وائلٍ والبيض بالبيض تحكمُ٥٧١
وأرماحُنا في كلِّ لبَّة فارسٍ
تثقب تثقيبَ الجُمان وتنظمُ
وإن لِسَيفِ الدولةِ القَرم عَادةً
ترومُ علوق المعجزاتِ فترأمُ٥٧٢
سنضربُهم ما دامَ للسيفِ قائمٌ
ونطعنُهم ما دام للرُّمح لهذَمُ٥٧٣
ونقفُوهمُ خلفَ الخليجِ بضُمرٍ
تخوضُ بحارًا بعضَ خُلجانها دمُ
بكلِّ غلامٍ من نزارٍ وغيرها
عليه من الماذي درع مختَّمُ٥٧٤
وتجنب ما ألقى الوجيه ولاحق
على كلِّ ما أبقَى الجديل وشدقمُ٥٧٥
وتعتقلُ الصمَّ العَوالي لأنَّها
طريقٌ إلى نَيلِ المعالي وسُلَّمُ
كأنهمُ يرجون ثأرًا لسَالفٍ
وفي كلِّ يومٍ يأخذُ السيفَ منهمُ
فقُلْ لابن فقَّاشٍ دع الحربَ جانبًا
فإنك روميٌّ وحظك مسلمُ
فوجهُك مضروبٌ وعِرسك ثاكلُ
وبسطُك موفورٌ وبيتك أيِّمُ٥٧٦
ولم تنبُ عنك البيضُ في كل مشهدٍ
ولكنَّ قتلَ الشيخِ فينا محرمُ
إذا ضربتْ فوق الخَليج خيامُنا
وأَمسَى عليك الذُّل وهو مخيَّمُ
وأدَّى إلينا الملكُ فديةَ رأسِه
وفك عن الأَسرَى الوثاق وسلَّموا
فإن يرغَبوا في الصُّلحِ فالصلحُ سالمٌ
وإن يرغَبوا في السِّلم فالسِّلمُ أسلمُ

فقال وهو أول بيت قالَه في صباه:

بكيتُ فلمَّا لم أرَ الدهرَ نافعي
رجعتُ إلى صبرٍ أمرَّ من الصبرِ

فاتَّصل هذا البيت بأبي زهير المهلهل بن نصر بن حمدان، فكتب إليه بأبيات أولها «يا ابنَ الكرام الصِّيد والسادةِ الغرِّ»، فأجابه أبو فراس بقَوله:

ألا ما لمن أمسى يراك وللبَدرِ
وما لمكانٍ أنت فيه وللقطرِ
تجلَّلتَ بالتَّقوى وأُفردتَ بالعُلا
وأُهِّلتَ للجُلَّى وحُلِّيتَ بالفخرِ٥٧٧
لقلدتني لما ابتدأتُ بمِدحَتي
يدًا لا أُوفِّي شكرها أبدَ الدَّهرِ
فإنْ أنا لم أمنَحْك صدقَ مودَّتي
فما لي إلى المجدِ الموثَّل من عُذرِ
أيا ابنَ الكرامِ الصِّيد جاءتْ كريمةٌ
أيا ابن الكرامِ الصيد والسادةِ الغرِّ٥٧٨
فضلت بها أهلَ القريضِ فأصبحَتْ
تحيةُ أهل البَدو مؤنسةَ الحضرِ
ومثلُك معدومُ النظيرِ من الورَى
وشِعرُك معدومُ النَّظيرِ من الشِعْرِ
كأن على ألفاظه ونِظامِه
بدائعَ ما حاكَ الربيع من الزَّهرِ
تنفسَ فيه الروضُ وأخضلَ بالنَّدى
وهبَّ نسيمُ الفجر يُخبر بالفجرِ
إلى الله أشكو من فِراقك لوعةً
طويتُ لها بينَ الضلوع على الجمرِ
وحسرةَ مرتاحٍ إذا اشتاقَ قلبُه
تعلَّل بالشَّكوَى وعادَ إلى الصَّبرِ
فعُد يا زمانَ القرب في خيرِ عيشةٍ
وأنعمَ بالٍ ما بدا كوكبٌ دُرِّي
وعِشْ يا ابنَ نصرٍ ما استهلَّتْ غَمامةٌ
تروحُ إلى غزوٍ وتغدُو إلى نصرِ

وكتب إليه أبو فراس جوابًا قصيدة كتب إليه بها أولُها «بانَ صَبري من بين ظبيٍ ربيبِ»، قال:

وقفتني على الأسى والنَّحيبِ
مُقلتا ذلك الغَزال الربيبِ
كلَّما عادَني السُّلوَّ رمَاني
غُنج ألحاظِه بسهمٍ مُصيبِ
فاتراتٍ فواتكٍ فاتناتٍ
فاتكاتٍ سهامُها بالقُلوبِ
هل لصَبٍّ متيمٍ من مُعينٍ
ولداءٍ مُخامرٍ من طبيبِ
أيُّها المُذنبُ المعاتِبُ حتى
خلت أنَّ الذنوبَ كانتْ ذنوبي
كنْ كما شئتَ من وصالٍ وهَجرٍ
غير قلبي عليك غير كئيبِ
لك جِسمُ الهَوى وثغرُ الأَقاحِي
ونسيمُ الصبا وقدُّ القَضيبِ
قد جحدتَ الهوى ولكنْ أقرَّت
سِيمياءَ الهوى ولحظَ المُريبِ٥٧٩
أنا في حالتي وصالٍ وهَجرٍ
من جوَى الحبِّ في عذابٍ مذيبِ
بين قربٍ منغَّصٍ بصدودٍ
ووصالٍ منغَّصٍ برقيبِ
يا خليلي خلِّيَاني ودَمعي
إنما الدمعُ راحةُ المكروبِ
ما تقولان في جِهاد محبٍّ
وقفَ القلبَ في سبيل الحبيبِ
هل منَ الظَّاعنين مُهدٍ سَلامي
للفتى الماجِد الحصيفِ الأريبِ٥٨٠
ابن عمي إني على شحْطِ دارٍ
والقريب المحلِّ غيرُ قريبِ
صادق الودِّ خالص العَهد أنـ
ـس في حُضوره محافظٌ في مغيبِ
كل يوم يهدي إليَّ رياضًا
جادَها فكرُه بغيثٍ سَكوبِ
وارداتٍ بكلِّ برٍّ وأنسٍ
وافداتٍ بكل حسنٍ وطيبِ
يا ابنَ نصرٍ وُقيت صرفَ اللَّيالي
وصروفَ الرَّدَى وكرَّ الخطوبِ
بان صَبري لما تأمَّلَ فكري
بان صبري من بينِ ظبيٍ ربيبِ٥٨١

فأجابه أبو زهير بقصيدة أولها «هاجَ شوق المتيَّم المَهجور»، فأجابه أبو فراس عنها بقوله:

مُستجير الهوَى بغير مُجير
ومُضيم الهوى بغير نَصيرِ
ما لمَن وكَّل الهوى مُقلتَيه
بانسكابٍ وقلبُه بزفيرِ
فهْو ما بين عُمرِ ليلٍ طويلٍ
يتلظَّى وعمرِ يومٍ قصيرِ
لا أقولُ المسيرُ أرَّقَ عَيني
قد تنَاهَى البلاءُ قبل المسيرِ
يا كثيبًا من تحتِ غصنٍ رطيبٍ
يتثنَّى من تحتِ بدرٍ منيرِ
شُدَّ ما غيَّرتْك بعدِي الليالي
يا قليلَ الوفا لغيرِ نَظيرِ٥٨٢
لكَ وَصفي وفيكَ شرِّي ولا أَعْـ
رِفُ وصفَ الموَّارة العَيسجورِ٥٨٣
ولقلبي من حُسن وجهِك شغلٌ
عن هوَى قاصراتِ تلك القُصور٥٨٤
قد منحتُ الرقادَ عينَ خليٍّ
باتَ خِلوًا مما يجنُّ ضَميري
لا جزى الله من أحبَّ بحبِّ
وشفى كلَّ عاشقٍ مَهجورِ٥٨٥
إنَّ لي منذ نأَيت جِسمًا مَريضًا
وبُكا ثاكلٍ وذُلَّ أسيرِ
يا أخي يا أبا زُهيرٍ أَلى عِنـ
ـدَك عونٌ على الغَزال الغَريرِ
لم تزل مشتكايَ في كلِّ أمرٍ
ومُغيثي وعُمدتي ومُشيرِي
وردتْ منكَ يا ابنَ عمِّي هدايا
تتهادى في سُندسٍ وحَريرِ
بقوافٍ ألذَّ من باردِ المَا
ء ولفظٍ كاللُّؤلؤ المنثورِ
مُحكم قصَّرَ الفَرَزدقُ والأَخْـ
ـطلُ عنه وفاقَ شعرَ جريرِ
أنت ليثُ الوغَى وحتفُ الأَعادي
وغياثُ الملهوفِ والمُستجيرِ
طلتَ للضرب في الطَّلى عن شبيهٍ
وتعاليتَ في العُلا عن نَظير٥٨٦
كم تحرَّيتني وأنت كَبيرُ الـ
سِنِّ طبًا بكلِّ أمرٍ كبير٥٨٧
فإذا كنتَ يا ابنَ عمٍ قد امتحْـ
ـتَ جوابي قنعتُ بالميسورِ٥٨٨
هاجَ شوقي إليك حين أتَتْني
هاجَ شوقُ المتيم المهجورِ٥٨٩

وكتب إليه أبو فراس، وكان قد استخلفه:

أما إنَّه ربعُ الهوى ومعالمُه
فلا عذرَ إن لم ينفد الدَّمع ساجمُهْ٥٩٠
لئن بتَّ تبكيهِ خلاءً لطَالما
نعمتُ به دَهرًا وفيه نواعمُهْ
رياحٌ عفَتْه وهي أنفاسُ عاشقٍ
ووبلٌ سَقاه والجفون غمائمُه٥٩١
وظلَّامةٌ قلَّدتها حكمَ مُهجتي
ومن يُنصف المظلومَ والخصمُ حاكمُهْ
مهاةٌ لها من كلِّ وجهٍ مَصونةٌ
وخودٌ لها مع كل دمعٍ كرائمُهْ
وليلٍ كفَرعَيها قطعتُ وصاحبي
رقيقٌ غِرارٌ مِخذمُ الحدِّ صارمُه٥٩٢
تُصاحبني آراؤه وظِباؤه
وتُؤنسني أصلالُه وأراقمُه
وأيُّ بلادِ الله لم أَنتعل بها
ولا وطئتْها من بعيري مناسمُه
ونحن أُناسٌ يَعلمُ الله أننا
إذا جمحَ الدَهرُ الغشومُ شكائمُه٥٩٣
إذا وُلد المولودُ منا فإنَّما الـ
أسنَّةُ والبيض الرقاقُ تمائمُه
سيُبلغ عني ابنَ عمِّي رسالة
يبثُّ بها بعضَ الذي أنا كاتمُهْ
فيا جافيًا ما كنتُ أخشى جفاءَه
ولو كثُرتْ عذَّاله ولوائمُهْ
كذلك حظِّي من زماني وأهلِه٥٩٤
يصارمني الخلُّ الذي لا أُصارمُهْ
وإن كنت مشتاقًا إليك فإنه
لَيشتاقُ صَبٌّ إلفَه وهو ظالمُهْ
أودُّك ودًّا لا الزمان يُبيده
ولا النأيُ يُفنيه ولا الهَجر ثالمُه٥٩٥
وأنتَ وفيٌّ لا يذم وفاؤُه
وأنتَ كريم ليس تُحصى كرائمُهْ
أُقيمُ به أهل الفخار وفرعه
يشد به ركن العلا ودعائمُه
أخو السيف تُعديه نداوةُ كفه
فيحمرُّ خداه ويخفر قائمُهْ
أعندك لي عُتبى فأحمل ما مضَى
وأَبني رواقَ الوُدِّ إذ أنتَ هادمُهْ
فلا تحسبنْ عني الجوابَ موشَّحًا
بعَقدٍ من الدُّر الذي أنتَ ناظمُه

فأجابه أبو زهير بقصيدة أولُها «كتابيَ عن شوقٍ إليك ووحشةٍ»، فأجابه أبو فراس بقوله:

أيا ظالمًا أمسَي يُعاتِب مُنصفًا
أتُلزمني ذنبَ المُسيء تَعَجرُفا
بدأت بتنميق العتابِ مخافةَ الـ
ـعتابِ وذِكري بالجَفا خَشيةَ الجَفَا
فوافى على عِلَّات عَتبِك صابرًا
وأُلفى على حالات ظُلمِك مُنصِفا
وكنت متى وافيت خلًا منحتَه
بهجرانه وصلًا ومن غَدره وَفا٥٩٦
فهيَّج بي هذا الكتابُ صبابةً
وجدَّدَ لي هذا العتابُ تأسفًا
فإن دنَتِ الأيامُ دارًا بعيدةً
شفى القلب مظلومٌ من العتب واشتفى
فإن كنت قد أقررتَ بالذَّنبِ تائبًا
وإن لم أكُنْ أمسكت عنه تألُّفًا٥٩٧

وبلغه عن قوم من أهله كراهية خلاصه فقال:

تمنيتمُ أن تَفقِدوني وإنما
تمنيتمُ أن تفقدوا العزَّ أصيَدا
أما أنا أعلى من تعدون همَّةً
وإن كنت أدنى من تعدُّون مَولِدا٥٩٨
إلى الله أشكو عُصبةً من عَشيرتي
يسيئُونني في القولِ غَيبًا ومشهدًا
وإن حاربوا كنت المِجَنَّ أمامَهم
وإن ضربوا كنت المهنَّد واليَدا
وإن نابَ خطبٌ أو ألمَّتْ مُلمَّةٌ
جعلتُ لها كفِّي وما ملكتْ فِدا
يودُّون أن لا يُبصروني سَفاهةً
وإن غبتُ عن أمرٍ تركتُهمُ سُدا
معالٍ لهمْ لو أنصَفوا في جمالها
وحظٌّ لنفسي اليومَ وهْوَ لهُمْ غدًا
فلا تَعِدُوني نعمةً فمتى غَدَتْ
فأهلي بها أَولى ولو أصبحوا عِدَا

وجدت بخط أبي فراس هذه القصيدة، وكتب بها إلى أبي الفرج الخالع، وأبي العباس أحمد بن عبيد التنوخي:

أقنَاعةً من بعد طولِ جفاءِ
بدنوِّ طيفٍ من حبيبٍ ناءِ
بأبي وأمِّي شادنٌ قُلنا له
نفديكَ بالأُمَّات والآباءِ
رشأٌ إذا لحَظ العفيفَ بنظرةٍ
كانتْ له سَببًا إلى الفَحشاءِ٥٩٩
وجَناتُه تَجني على عُشَّاقِه
ببديعِ ما فيها من اللَّألاءِ٦٠٠
بيضٌ عليها حمرةٌ فتورَّدَتْ
مثل المُدام مزَجتها بالماءِ
فكأنما برَزتْ له بغلالةٍ
بيضاء تحتَ غلالةٍ حمراءِ
كيف اتقاءُ لَحاظه وعُيوننا
طرق لأسهُمها إلى الأَحشاءِ
صبغَ الحيا خدَّيه لون مَدامِعي
فكأنَّه يَبكي بمثلِ بُكاء
كيف اتقاءُ جآذرٍ يَرمينَنا
بظُبَى الصَّوارمِ من عُيون ظِباءِ٦٠١
يا ربَّ تلك المقلة النَّجلاءِ
حاشاك ممَّن ضمنت أحشائِي
جازيتني بُعدًا بقُربك في الهوَى
ومنَحتني غدرًا بحُسنِ وَفاءِ
جادتْ عِراصَك يا شآمُ سَحابةٌ
عراضةٌ من أصدَق الأنواءِ٦٠٢
تلك المجانةُ والخلاعة والصبا
ومحل كُل فُتوَّةٍ وفتاءِ
أنواعُ زهرٍ والتفافِ حدائقٍ
وصفاء ماءٍ واعتدال هواءِ
وخرائدٌ مثلُ الدُّمَى يَسقِيننا
كاسِين من لحظٍ ومن صَهباءِ
وإذا أدَرن على النَّدامى كأسَها
غنَّيننا شعرَ ابنِ أوسِ الطَّائِي:٦٠٣
راحٌ إذا ما الراحُ كنَّ مطيَّها
كانتْ مطايا الشَّوقِ في الأحشاءِ
فارقتُ حين شَخصتُ عنها لذَّتي
وتركتُ أحوالَ السُّرورِ وَرائي
ونزلتُ من بلَدِ الجزيرةِ منزلًا
خِلوًا من الخُلطاء والنُّدَماءِ
فيمرُّ عندي كلُّ طعمٍ طيبٍ
من رِيقها ويَضيق كلُّ فضاءِ
الشامُ لا بلدُ الجزيرةِ لذَّتي
ويَزيد لا ماءُ الفراتِ منائي
وأبيتُ مُرتهنَ الفؤادِ بمَنبِج الـ
ـسَّوداء لا بالرَّقَّة البيضاءِ٦٠٤
من مُبلغ النُّدماءِ أني بَعدهم
أُمسي نديمَ كواكبِ الجَوزاءِ
ولقد رَعيتُ فليتَ شِعري من رعَى
مُنكم على بعد الدِّيار إِخائِي
فُحم الغبيُّ وقلت غيرَ ملجلجٍ
إني لمشتاقٌ إلى العَلياءِ٦٠٥
وصِناعتي ضربُ السيوفِ وإنَّني
متعرِّضٌ في الشِّعر بالشُّعراءِ
والله يجمَعُنا بعزٍّ دائمٍ
وسلامةٍ مَوصولةٍ ببقاءِ

وقال أيضًا:

أشاقك الطيف أَلمَّ طارِقُه
آخِرَ ليلٍ لم ينَمْه عاشقُهْ
والصبحُ في أعقابِه يساوِقُه
طالب ثارٍ من ظلامٍ لاحقُه٦٠٦
مُزِّق من ضَبابه سُرادقُه
وانجابَ عن ثوبِ الظلام غاسقُهْ٦٠٧
من بعد ما سرَّ مَشوقًا شائقُهْ
أمِ الخليطُ رحلَتْ خَرائقُهْ٦٠٨
أَجدَّ حادِيه وحثَّ سائقهْ
ونعقت ببينه نواعقُهْ
أبقى عليك ما الجوى مفارقُهْ
رسيس حب علِقت علائقُهْ٦٠٩
وفيض دمعٍ شرُفتْ مدافقُهْ
مزاجه من أجإٍ مَشارقُهْ٦١٠
قد ضمِنتْ خدرافه أبارقه
رعت بقايا حَمضِه أيانقُهْ٦١١
حين يقضي عاذل فنائقُهْ
وافق من مِلحان ما يُوافقُهْ٦١٢
ثم اطَّباهُ ضارجٌ فبارقُه
إلى مُلثٍّ لم نزَلْ نُفارقُهْ٦١٣
من أنَفِ الوسميِّ نوءٌ صادقُهْ
منبجسٌ مرتجِسٌ صواعقُهْ٦١٤
إذا ادْلهمَّ وأضاءَ بارقُهْ
وهدَرتْ على الثَّرَى شقاشقُهْ٦١٥
والوحشُ في أرجائِه تُسابقُهْ
كأنها مجفلةٌ وسائقُهْ٦١٦
أهدتْ إلى أربعةٍ ودائقُهْ
قشيبَ روضٍ دبجت نمارِقُهْ٦١٧
ولبِستْ من زهر حدائِقُهْ
سموطَ حَلي فُصِّلتْ عَقائقُهْ٦١٨

وقال أيضًا يصف السحاب:

وزائرٍ حبيبُه أغبابُه
طال على رغم السرى اجتِنابُهُ٦١٩
جاءت به مسبلةً أهدابُهُ
رائحةً هبوبُها هبابُهُ
ركب حَباه والسُّها ركابُهُ
باكٍ حزينٌ مُرعدًا سحابُهُ
كأنما قد حَملتْ سحابُهُ
رُكنَ شرير أصفَقتْ هِضابُهُ٦٢٠
حتى إذا ما اتَّصلتْ أسبابُهُ
وضُربتْ على الثَّرَى قِبابُه٦٢١
وامتدَّ في أرجائِه أطنابُهُ
وشَرِقتْ بمائِها شِعابُهُ
أُجليَ عن وجهِ الثَّرى اكتئابُهُ
وحَليتْ في نَورِها رحابُهُ٦٢٢
كأنما لمَّا انجلى منجابُهُ
لم يُؤْسِهِ من فَقْدِه إيابُهُ٦٢٣

وقال أيضًا:

وبقعةٍ من أحسَنِ البقاعِ
يبشِّرُ الرائدُ فيها الراعِي٦٢٤
بالخصب والمرتع والوَساعِ
كأنما يستُر وجهَ القاعِ٦٢٥
من سائرِ الألوانِ والأنواعِ
ما ينشُر الرُّوم لذي الكِلاعِ٦٢٦
من صَنعة الخالقِ لا الصُّنَّاع
والماءُ منحطٌّ من التِّلاعِ
كما تُسَلُّ البيضُ للقِراع
وغرَّد الحمامُ للسجاع٦٢٧
ورقص الماءُ على الإيقاعِ
ونُشر البهار في البِقاعِ

وقال:

اطْرحوا الأمرَ إلينا
واحملوا الكلَّ عَلينا
إننا قومٌ بحَملِ الـ
ـصعبِ للأمر كُفِينا
وإذا ما هزَّ منَّا
موطن الذلِّ أبَينا
وإذا ما هدَمَ العـ
ـزَّ بنو العزِّ بنَينا

وقال في الغزل:

أشفقت من هَجري فغَلَّـ
بْت الظنونَ على اليقينِ
وضَننت فيَّ مظنَّة
والظنُّ من شِيَمِ الضَّنينِ٦٢٨

وقال:

وجُلَّنارٍ مشرقٍ
على أعالي شجرَهْ
كأنَّ في رءُوسِهِ
أصفرَه وأحمَرَهْ
قُراضة من ذهَبٍ
في خِرقٍ مُعَصْفرَه٦٢٩

وقال:

يا من يلوم على هواه جَماله
انظرْ إلى تلك السوالفِ واعذرِ
حسُنتْ وطاب نسيمُها فكأنها
مسكٌ تساقط فوقَ وردٍ أحمرِ

وقال:

أهدي إليَّ صبابةً وكآبةً
فأعادَني كلفَ الفؤادِ حَميدا
إن الغزالة والغزالة أهدتا
وجهًا إليك إذا طلعت وحيدا

وقال:

يقولان لا تخرق بحِلمك هيبةً
وأحسنُ شيءٍ زيَّن الهيبةَ الحلمُ
فلا تتركنَّ العفو من كل ذِلَّةٍ
فما العفوُ مذمومًا وإن عظُم الجُرمُ

وقال:

ويغتابُني من لو كفانيَ غيبة
لكنتُ له العينَ البصيرة والأُذْنا
وعندي من الأخبارِ ما لو ذكرتُه
إذا قرعَ المغتابُ من ندمٍ سنَّا٦٣٠

وقال عند مسيره إلى الموصل:

ولقد أبيتُ وجلُّ ما أدعو بهِ
حتى الصباحِ وقد أقضَّ المضجعُ٦٣١
لا هُمَّ إن أخي إليكَ وَديعتي
أبدًا وليسَ يضيعُ ما يستودعُ

وكتب إلى أخيه أبي الهيجاء:

تقرُّ دموعي بشَوقي إليكَ
ويشْهد قلبي بطول الكُرَبْ
وإني لمجتهدٌ في الجُحودِ
ولكنَّ نفسي تأبَى الكَذِبْ٦٣٢
وإني عليكَ لجَارِي الدُّموعِ
وإني عليكَ لصَبٌّ وصَبْ٦٣٣
وما كنتُ أبقَى على مُهجَتي
لوَ انِّي انتهيتُ إلى ما يجِبْ
ولكِن سمحتُ لها بالبَقاءِ
رجاءَ اللقاء على ما تُحبْ
ويبقى اللبيبُ له عُدَّةً
لِوَقتِ الرِّضى في أوانِ الغضَبْ

وكتب إلى أخيه من القسطنطينية:

وقد كنتُ أشكو البعد منكَ وبَيننا
بلادٌ إذا ما شئتُ قرَّبَها الوجدُ
فكيف وفيما بيننا مُلك قَيصرٍ
ولا أمل يُحيي النفوسَ ولا وعدُ

وقال، وقد نظر إلى غلام أعجبه:

ويقولُ الحبيسُ إذا رقَّ مَولا
ي فقُل لي مَولاي من مَولاكا
إن عبدًا عبيه فوقَ مولا
ك ومولاكَ ليسَ ينكرُ ذاكا٦٣٤

وقال، وقد عقد الجسر بمنبج:

كأنما الماءُ عليه الجِسرُ
درجُ بياضٍ خطَّ فيه سطرُ
كأننا يوم استتب العبرُ
أسرةُ موسى يومَ شق البحرُ٦٣٥

وقال أيضًا يصف نارًا:

لله بردٌ ما أشـ
ـدَّ ومنظرٌ ما كان أعجَبْ
جاء الغلامُ بنارِه
حمراءَ في جمر تلهَّبْ
فكأنما جمعَ الحلـ
ـيَّ محرق منه ومذهَبْ
ثمَّ انطفتْ فكأنَّها
ما بيننا ندٌّ مشعَّبْ

وقال في وصف السبي:

وخريدةٍ كرمتْ على أربابِها
وعلى بوادر خَيلنا لم تُكرَمِ
خُطبت بحدِّ السيف حتى زُوِّجتْ
كُرهًا وكان صداقها للمقسمِ
راحتْ وصاحبها بعُرس حاضر
يُرضى الإله وأهلُها في مأتمِ٦٣٦

وقال يصف الماء والبرك:

انظر إلى زهر الربيعِ
والماءُ في برك البديعِ
وإذا الرياحُ جَرتْ عليـ
ـهِ في الذَّهاب وفي الرجوعِ
مرتْ على بيض الصَّفَا
ئحِ بينها حَلَقُ الدُّروعِ

وقال:

ألا ليت شِعري هل أنا الدَّهرَ واجدٌ
قرينًا له حسنُ الوفاء قرينُ
فأشكو ويَشكو ما بقلبي وقلبِه
كلانا على غير الثِّقات ضنينُ٦٣٧

وقال:

صاحبٌ لما أساءَ
أتبعَ الدلوَ الرشاءَ٦٣٨
وأنا لم أروَ مِنه
بسِوى الصبر شِفاءَ
أحمدُ الله على ما
سرَّني منه وسَاءَ٦٣٩

وقال أيضًا:

أشد عدوَّيك الذي لا تُحارِبُ
وخيرُ خليلَيكَ الذي لا تناسبُ٦٤٠
لقد زدتُ بالأيام والنَّاس خِبرةً
وجرَّبتُ حتى هذَّبَتْني التَّجاربُ
فأقصاهمُ أقصاهمُ من إساءَتي
وأقرَبُهم مما كَرِهت الأقاربُ
ولا أنس دارًا ليس فيها مُؤَانسٌ
ولا قرب أهل ليس فيهم مقاربُ

وقال:

لا تطلبنَّ دُنُوَّ دَا
رٍ مِن خليلٍ أو معاشِرْ
أبقَى لأسبابِ المَودَّ
ةِ أن تزور ولا تجاوِرْ

وقال:

ما كنت مذ كنت إلا طوعَ خلَّابي
ليستْ مواخذةُ الإخوان مِن شَاني
يجني الخليل فأستَحلي جِنايتَه
حتى أذل على عَفوي وإِحسَاني
ويُتبع الذنب ذنبًا حين يعرفني
عمدًا وأُتبع غُفرانًا بغُفراني
يجني إلي فأحنو صافحًا أبدًا
لا شيءَ أحسنُ من حانٍ على جانِ

وقال أيضًا:

إذا كان فَضلي لا أسوِّغ نفعَه
فأفضلُ منه أن أرَى غيرَ فاضلِ
ومن أضيَعِ الأشياءِ مُهجة عاقلٍ
يجور على حَوبائها كلُّ جاهلِ٦٤١

وقال في غرض:

يا معجبًا بنجومهِ
لا النحسُ منك ولا السعادَهْ
الله ينقص من يَشا
وفي يدِ الله الزيادَهْ
دعْ ما تريدُ وما أُريـ
ـدُ فإن لله الإرادَهْ

وقال:

تناهضَ القَومُ للمَعالي
لما رأَوا نحوَها نُهوضِي
تكلَّفوا المكرُمات كدًّا
تكلفَ الشعر بالعَروضِ٦٤٢

وقال:

في الناس إن فتَّشْتَهم
من لا يُعزك أن تُذلَّهْ
اترُكْ مجاملةَ اللَّئيـ
ـمِ فإنَّ فيها العجزَ كلَّهْ

وقال:

لست بالمستضيم من هوَ دوني
لاعتداءٍ ولست بالمستضامِ
ابذُلِ الحقَّ للخُصُومِ إذا ما
عجزَتْ عنه قدرةُ الحكَّامِ
لم تخالطْ يدُ المظالم كفِّي
حذَرًا من أصابعِ الأَيتامِ

وقال:

انظر لضعفي يا قويُّ
وكن لفقري يا غنيّْ
أحسِنْ إلي فإنَّني
عبدٌ إلى نفسِي مُسِيّْ

وقال:

المرءُ رهن مصائبٍ لا تَنقضِي
حتى يُوارَى جِسمه في رمسِه
فمؤَجل لقي الردَى في أهلِه
ومعجل يلقى الأذَى في نفسِه

وقال:

وكنت إذا جعلت الله
لي سترًا من النُّوَبِ
رمَتْني كل حادثة
وطارِقةٍ فلم تصبِ

وقال:

هل ترى النعمةَ دامَتْ
لصغيرٍ أو كبير
أو ترى أمرين جاءَا
أوَّلًا مثل أَخيرِ
إنما تَجري التَّصا
ريفُ بتقليبِ الدُّهورِ
ففقيرٌ من غنيٍّ
وغنيٌ من فقيرِ

وقال في غرض قصدهُ:

عطفْتُ على عمرو بنِ تغلِبَ بعد ما
تعرَّض مني جانبٌ لهمُ صلدُ
ولا خيرَ في هجرِ العشيرةِ لا ترى
تروح على لمِّ العشيرة أو تغدُو
ولكنْ دنوٌّ لا يولد هجرهُ
وهجر رفيقٍ لا يُصاحبه زهدُ
تُباعِدُهم طورًا كما تُبعد العِدا
وتُكرمُهم طَورًا كما يُكرم الوفدُ

وقال:

بعد الجَفاء إلى المجفوِّ سبَّاقُ
ودون ما يأمل المشتاق مِعتاقُ٦٤٣
أعصِي الهوَى وأُطيع الرأيَ في ولدٍ
بعد النَّصيحة منه فهو أخلاقُ٦٤٤
فما نظرتَ بعينِ السُّوء معتمدًا
إليه إلا وللإحسان إطراقُ٦٤٥
وما دعاني إلى ما شاءه سخَطٌ
إلا ثَناني إلى ما شاء إشفاقُ

وكتب إليه سيف الدولة من الأسر:

وما شكَّكَتْنيَ فيكَ الخُطوبُ
ولا عيَّرتنيَ عنكَ النُّوَبْ
وأشكُرُ ما كنتَ في ضَجْرَتي
وأحلُم ما كنت عند الغضَبْ

وقال أيضًا:

لم أواخِذْكَ بالجَفاء لأَني
واثقٌ منكَ بالوفاء الصَّحيحِ
فجميلُ العدوِّ غيرُ جميلٍ
وقبيح الصديق غيرُ قبيحِ

وقال:

خفِّضْ عليكَ ولا تكُن قَلِقَ الحشَا
مما يكونُ وعلَّه وعسَاهُ
فالدهرُ أقصرُ مدَّةً مما تَرى
وعساكَ أن تُكفَي الذي تَخشَاهُ٦٤٦

وكتب إليه أيضًا:

أيا عاتبًا لا أحمِلُ الدهرَ عَتْبَهُ
عليَّ ولا عندي لأنعُمِه زهدُ
سأسكتُ إجلالًا لعلمِكَ إنني
إذا لم تكنْ خصمي ليَ الحجج اللُّدُّ٦٤٧

وقال أيضًا:

لا أحبُّ الجميلَ مِن سرِّ مولًى
لم يدع ما كرهتُه إِعلانا
إن يكنْ صادق الوداد وإلَّا
تركَ الهجرُ للوِصالِ مَكانا

وقال أيضًا:

فواللهِ ما أحدثتُ في الحبِّ سلوةً
وواللهِ ما حدَّثتُ نفسيَ بالصبرِ
وإنكَ في عيني لأبهَى من الغِنى
وإنكَ في قلبي لأَحلى من العُمرِ
فما حُكميَ المأمول جُرْتَ مع الهوى
ويا ثقتي المأمول جُرْت مع الدَّهرِ٦٤٨

وقال أيضًا:

لجُدتُ بنفسِي أن يقالَ مبجَّلٌ
وأقدمتُ حينًا أن يُقال جبانُ
وعندي بقايا ما وهبت مَفاضة
ورمحٌ وسيفٌ قاطع وحصانُ٦٤٩

وقال:

أساء فزادته الإساءةُ حُظوةً
حبيبٌ على ما كان منه حبيبُ
يعدُّ عليَّ الواشيان ذنوبَهُ
ومن أينَ للوَجهِ الجميل ذُنوبُ
فيا أيُّها الجاني ونسألُه الرِّضى
ويا أيها الخاطِي ونحنُ نتوبُ
لحَى اللهُ مَن يَرعاك في القُرب وحدَه
ومن لا يودُّ الغَيبَ حينَ تَغيبُ٦٥٠

وقال:

وزيارة من غَير وَعدٍ
في ليلةٍ طرَقتْ بسَعدِ
باتَ الحبيبُ إلى الصَّبَا
ح مُعانقي خدًّا بخَدِّ
يمتارُ فيَّ وناظِري
ما شئتَ من خمرٍ ووَردِ٦٥١
ما زال لي مولًى يَها
بُ فصيَّرتْه الراحُ عَبدِي
ليستْ بأول منَّةٍ
مطويَّةٍ للرَّاحِ عِندِي

وقال:

ومغضٍ للمَهابَةِ عَن جَوابي
وإنَّ لسانَه الغضبُ الصَّقيلُ٦٥٢
أطلتُ عتابَه عَنتًا وظُلمًا
فدمعٌ ثم قال كما تقُولُ

وقال أيضًا:

أَغَصُّ بذكره أبدًا بَريقي
وأشرَقُ منه بالماءِ القُراح
وتمنعني مراقبةُ الأَعادِي
غدوُّي للزِّيارة أو رواحِي
ولو أني أُملَّك فيك أمري
ركبتُ إليك أعناقَ الرِّياحِ

وقال:

قمرٌ دون حسنِه الأقمارُ
وقضيبٌ من النَّقا مُستعارُ
لا أُعاصيه في احترامِ المَعاصِي
في هوَى مثلِه تَطيبُ النَّارُ٦٥٣
قد حذِرت الملاحَ دهرًا ولكنْ
ساقَني نحو حبِّه المِقدارُ
كم أردت السلوَّ فاستعطَفْتَني
رُقيَةً من رقاك يا عيارُ٦٥٤

وقال أيضًا:

قد عرفنا مَغزاكَ يا عيَّارُ
وتلظَّتْ كما أرَدْتَ النَّارُ
لم أزلْ ثابتًا على الهَجرِ حتى
خفَّ صبري وقلَّتِ الأنصارُ
كلَّما أحدَث الحبيبانِ أمرًا
كان فيه على المحبِّ الخيارُ

وقال أيضًا:

مِنْ أينَ للرشإ الغريرِ الأَحورِ
في الخدِّ مثل عذارِه المُتحدِّرِ
قمرٌ كأنَّ بعارِضَيْه كِلَيْهما
مِسكًا تساقطَ فوق وَردٍ أحمرِ

وقال أيضًا:

هوايَ هواك على كلِّ حالِ
وإن مسَّني فيكَ بعضُ الملالِ
وكمْ لكَ عِنديَ من غَدرةٍ
وقولٍ تكذِّبُه بالفِعالِ
ووعدٍ تعذَّبَ فيه الكرامُ
حلاء وصالٍ فهلْ من نوالِ
وذُقْنا مَرارة كأسِ الصُّدودِ
فأينَ حلاوةُ كأسِ الوصالِ

وقال:

ندلُّ على مَوالينا ونجفُو
ونعتِبهم وإنَّ لنا الذُّنوبا
بأقوالٍ يُجانبْنَ المَعالي
وألسنةٍ يُخالفنَ القُلوبا

وقال:

صبرتُ على اختياركَ واضطِراري
وقلَّ مع الهَوى فيكَ انتِظاري
وكان يعافُ حملَ الضَّيم قَلبي
فقرَّ على تحمُّلِه قَراري

وقال:

فديتُك حالَ ظُلمِك واحتِمالي
كما كثرتْ ذُنوبك واعتِذاري
وكم أبصرت من حُسنٍ ولكنْ
عليكَ لشِقوتي وقعَ اختِياري

وقال في غرض:

سبقَ الناس في الهوَى منصورُ
فسِواه مكلَّفٌ مَغرورُ٦٥٥
خُلق العُود ناعمًا فثَناهُ
وهْو صَعبٌ على سواه عسيرُ
إن حبَّ الصَّبا وإن طالَ لا يَقـْ
دَحُ فيه على الدُّهورِ دُثورُ
فهو في أضلُع الصغير صغيرٌ
وهو في أضلُع الكبير كبيرُ

وقال:

بأبي شادِنٌ بديعُ الجَمال
أعجميُّ الهوَى فصيحُ الدَّلالِ
سلَّ سيفَ الهوى عليَّ ونادَي
يا لثأر الأَعمامِ والأَخوالِ
كيف أرجو ممَّن يرَى الثأرَ عِندي
خُلُقًا من تعطُّفٍ ووِصالِ٦٥٦
ما درتْ أُسرتي بذي قارَ إني
بعضُ ما جدلوا من الأَبطالِ
أيها المُلزمي جرائرَ قَومِي
بعدما قضَتْ عليه اللَّيالِي
لم أكن من جُناتِها عَلِمَ الله
ولكنْ بحرِّها اليومَ صَالِي٦٥٧

وقال:

وما تعرَّضَ لي يأسٌ سلوتُ به
إلَّا تجدَّدَ لي في إِثرِه طمعُ
ولا تناهيتُ في شُكري محبَّتَه
إلا وأكثرُ ممَّا قلتُ ما أدَعُ

وقال:

قد كان لي فيكَ حُسن صَبرٍ
خلوتُ يومَ الفراقِ مِنهُ
لم تتَّركْ لي الجفونُ إلَّا
ما استَنْزلَتْني الجُفونُ عَنْهُ
قد حالَ يا قلبُ ما تُلاقِي
إن ماتَ ذو صَبوةٍ فكُنْهُ٦٥٨

وقال أيضًا:

جاريةٌ كحلاءُ ممشوقةٌ
في صَدرها حُقَّان من عاجِ٦٥٩
شجا فؤادي طرفُها الساجي
وكلُّ ساجٍ أبدًا شاجي٦٦٠

وقال:

لي صديقٌ على الزَّمانِ صَديقي
ورفيقٌ مع الخُطوبِ رَفِيقي
لو تراني إذا استهلَّتْ دُمُوعي
في صَبوحٍ ذكرتُه أو غَبوقِ
أسرقُ الدمعَ من نَديمي بكَأسٍ
فأحلِّي عِقيانَها بالعَقيقِ

وقال أيضًا:

لما رأى لحَظاتي في عَوارِضِه
فيما أشاءُ من الرَّيحانِ والراحِ
لات اللثامَ على وجه أَسرَّتُه
كأنها قمرٌ أو ضوءُ مِصباحِ٦٦١

وقال أيضًا:

وشادنٍ من بني كِسرى شغفت به
لو كان أنصَفني في الحبِّ ما جَارا
إن زار قصَّر ليلِي في زِيارتِه
وإن جَفاني أطالَ الليل أَعمارًا
كأنَّما الشمسُ بي في القَوسِ نازلة
إن لم يزُرْني وفي الجَوزاءِ إن زَارا٦٦٢

وقال يعاقب غلامه منصورًا:

ولي في كلِّ يومٍ منكَ عَتبٌ
أقومُ به مقامَ الإعتذارِ
صبرتُ عليكَ لا جلَدًا ولكنْ
صبرتُ على إختيارِك وإضْطراري

وقال أيضًا:

وإني لأنوي هجرَه فيردُّني
هوًى بين أَثناءِ الضُّلوعِ دَفينُ
فيغلظُ قَلبي ساعةً ثم يَنثَني
ويجفو عليه تارةً ويلينُ
وقد كان لي عن وُدِّهِ كل مذهب
ولكنَّ مثلي بالإِخاءِ ضَنينُ
ولا غرْوَ أن أعنُو له بعدَ عزَّةٍ
فقد قيلَ في غيرِ الشَّفيقِ يَهونُ

وقال عند وقوفه على قصيدة محمد بن سكرة الهاشمي التي يفتخر بها على الطالبيِّين:

الدينُ مخترمٌ والحقُّ مهتَضمٌ
أضحَى بآلِ رسول الله مقتَسِمُ٦٦٣
والناسُ عندكَ لا ناسٌ فيحفظهم
سوءُ الدعاء ولا شاءٌ ولا نعَمُ
إني أبيتُ قليلَ النومِ أرَّقني
قلبٌ تكاثَف فيه الهمُّ والهِممُ
وعزمُه لا ينامُ الدهرَ صاحبُها
إلا على ظفر في طيِّه لزَمُ٦٦٤
يُصانُ مهري لأمرٍ لا أَبوحُ به
والدِّرعُ والرُّمحُ والصَّمصامةُ الخدمُ٦٦٥
يا للرِّجالِ أمَا للهِ منتصرٌ
من الطُّغاةِ ولا للدِّين منتقِمُ
بنو عليٍّ رَعايا في ديارهمُ
والأمرُ تملكُه النسوانُ والخدَمُ
مبجَّلونَ فأصفى شربهم وشَلٌ
عند الوُرود وأوفَى وِردهمُ لحَمُ٦٦٦
فالأرضُ إلا على سكَّانِها سَعَةٌ
والمالُ إلا على أربابه ديَمُ٦٦٧
للمتَّقينِ من الدُّنيا عَواقبُها
وإن تعجَّلَ منها الظالمُ الأثِمُ
لا يطغينَّ بني العباس ملكَهمُ
بنو عليٍّ مواليهم وإن رغِمُوا٦٦٨
أتفخَرُونَ عليهم لا أبا لكمُ
حتى كأنَّ رسولَ الله جدَّكمُ٦٦٩
وما توازَنَ يومًا بينكُمْ شرَفٌ
ولا تساوَتْ بكُم في موطنٍ قدَمُ
ولا لجدِّكُمُ مسعاةُ جدِّهِمُ
ولا نُفَيْلتُكُم من أمِّهمْ أممُ٦٧٠
ليسَ الرشيدُ كمُوسى في القياسِ ولا
مأمونُكم كالرِّضَي إن أنصفَ الحكَمُ٦٧١
حتى إذا أصبَحتْ في غير صاحبِها
باتتْ تُنازعها الذُّوبانُ والرَّخَمُ٦٧٢
وصيَّرتْ بينهم شُورى كأنهمُ
لا يعلمون ولاةَ الحقِّ أيُّهمُ
تالله ما جهِلَ الإنسانُ موضعَها
لكنَّهم سَتروا وجهَ الذي عَلِموا
ثم ادَّعاها بنو العبَّاسِ إرثَهمُ
وما لهم قدَمٌ فيها ولا قدَمُ
لا يُذكَرون إذا ما عُصبةٌ ذُكرتْ
ولا يُحكَّمُ في أمرٍ لهُم حكَمُ
ولا رآهم أبو بكرٍ وصاحبُه
أهلًا لما طلَبوا منهم وما زَعَمُوا٦٧٣
فهل همُ يدَعُوها غيرَ واجبةٍ
أم هل أيِمَّتُهم في أَخذِها ظلَموا
أمَّا عليٌّ فقد أدْنَى قرابتَكم
عند الولاية إن لم تكفر النِّعمُ٦٧٤
أينكرُ الحبرُ عبدُ الله نعمتَه
أبوكم وعُبيدُ الله أم قُثَمُ٦٧٥
بئسَ الجزاءُ جَزيتم في بني حسَنٍ
أباهم العلَمَ الهادي وأمَّهُمُ
لا بيعة روَّعتْكمْ عن ديارهمُ
ولا يمينٌ ولا قُربى ولا ذِممُ
ألا صَفحْتُم عن الأسرى بلا سَببٍ
للصَّافحين ببدرٍ عن أَسيركمُ
ألا كَفَفْتمْ عن الدِّيباجِ ألسُنَكم
وعن بناتِ رسول الله شتْمَكُمُ٦٧٦
ما نال منهم بنو حربٍ وإن عظُمتْ
تلك الجرائمُ إلا دونَ نيلِكُمُ٦٧٧
يا جاهدًا في مَساوِيهم ليَستُرَها
غدر الرشيد بيَحيي كيفَ ينكتمُ٦٧٨
ذاق الزُّبيريُّ عبءَ الحتفِ وانكشَفتْ
عن ابن فاطمةَ الأقوالُ والتُّهَمُ
كم غدرةٍ لكمُ في الدِّينِ واضحةٍ
وكم دمٍ لرَسولِ اللهِ عندَكُمُ
أأنتمُ آلُه فيما ترونَ وفي
أظفارِكُم من بَنيه الطَّاهرينَ دَمُ
هيهاتَ لا قرُبتْ قربى ولا رحمٌ
يومًا إذا قضَت الأخلاقُ والشِّيَمُ
كانت مودَّةُ سلمانٍ لهم رَحِمًا
ولم يكن بين نوحٍ وابنِه رَحِمُ٦٧٩
باءُوا بقَتل الرضي من بعد بَيعتِه
وأبصَرُوا بعد يومٍ أمرهم غَممُ٦٨٠
يا عصبةً شَقيتْ مِن بعد ما سَعِدتْ
ومعشرًا هلَكوا من بعد ما سَلِمُوا
لا عن أبي مسلمٍ في نُصحِه صَفَحوا
ولا الهبيريَّ نجَّا الحلفُ والقسَمُ٦٨١
أبلغ لديك بني العباس مألُكةً
لا يدَّعوا مُلكها أملاكِها العجَمُ
أيُّ المفاخر أضحى في مَنابرِكُم
وغيركم آمرٌ فيهنَّ محتَكِمُ٦٨٢
وهل يفيدِّكُمُ مِن مفخرٍ علَمٌ
وفي الخلاف عليكم يخفِقُ العلَمُ
خلُّوا الفخار لعلَّامينَ إن سُئلوا
عند السُّؤالِ وعمالين إن علِمُوا
لا يَغضَبُون لغيرِ اللهِ إن غَضِبوا
ولا يضيعون في حُكمٍ إذا حكَمُوا
تبدُو التلاوةُ من أبياتِهم أبَدًا
ومن بيوتِكمُ الأوتارُ والنغَمُ
إذا تلَوا آيةً عني أمامَكُم
قِفْ بالدِّيار التي لم يُعفِها قِدَمُ
منهم عليَّةُ أمْ منكمْ وهل لكمُ
شيخُ المغنِّينَ إبراهيم أو لهُمُ٦٨٣
ما في بيوتهمُ للخَمر معتصَرٌ
ولا في بيوتهمُ للشرِّ مُعتصمُ
ولا تبيتُ لهم خُنثى تُناوِمُهم
ولا يُرى لهمُ فرد له حشَمُ
فالركنُ والبيتُ والأستارُ منزلُهم
وزمزمٌ والصَّفا والحِجرُ والحرَمُ
وليس من قَسَمٍ في الذِّكر نعرفُه
إلا وهُم غيرُ شكٍّ ذلك القسَمُ

وكتب إلى سيف الدَّولة من بلاد الروم:

يا ضاربَ الجيشِ في أوساطِ مَفرِقه
لقد ضربتَ بنفسِ الصارمِ العضِبِ
لا تحرز الدرعُ مني نفسَ صاحبِها
ولا أجيزُ دماء البيضِ واليلَبِ٦٨٤
ولا أعودُ برمحي غيرَ منحطمٍ
ولا أروحُ بسَيفي غيرَ مختضَبِ
حتى تقولَ لكَ الأعداءُ راغِمةً
هذا ابنُ عمِّك أضحى فارسَ العرَبِ
هيهاتَ لا أجحد النعماءَ مُنعمَها
خلفت يا ابنَ أبي الهيجاء فيَّ أبي٦٨٥
يا مَن تُحاذر أن تمضِي عليَّ يدٌ
ما لي أراك لبِيضِ الهندِ تسمَحُ بي
وأنت ممَّن أضن الناس كلهمُ
فكيف تبذلني للسُّمر والقُضُبِ
ما زلتُ أجهلُه فضلًا وأنكرهُ
وأُوسع النَّفس من عُجبٍ ومن عَجَبِ
حتى رأيتُك بين الناسِ مجتنِبًا
تثني عليَّ بوجهٍ غير متَّئبِ٦٨٦
فعنده وعيونُ الناس ترمُقُني
علمتُ أنك لم تُخطيء ولم أُصِبِ

وقال أيضًا وقد كتَب بها إلى سيف الدولة من الأسر، يُعزيه بأختِه:

أوصيكَ بالحُزن لا أُوصيك بالجلَد
جلَّ المُصابُ عن التَّعنيفِ والفنَدِ
إني أُجلُّك أن تُكفَى بتعزيةٍ
عن خيرِ مُفتقدٍ يا خيرَ مُفتقدِ
هي الرزيئَةُ إن ضنَّتْ بما ملَكتْ
فيها الجُفون فما تسخُو على أحَدِ
بي بعضُ ما بكَ من حُزنٍ ومن جزَعٍ
وقد لجأتَ إلى صبرٍ فلم أجِدِ
لم ينْغصنِّيَ بُعدي عنكَ من حزنٍ
هي المؤاساةُ في قربٍ وفي بُعُدِ
لأَشركنَّك في البأساءِ إن طرَقتْ
كما شركتُكَ في النعماءِ والرغَدِ
أبكي بدمعٍ له من حَسرتي مدَدٌ
وأستريحُ إلى صبرٍ بلا مدَدِ
ولا أسوِّغُ نفسِي فرحةً أبَدًا
وقد عرفت الذي تلقاهُ من كمَدِ
وأمنَعُ النومَ عَيني أن تلذَّ به
علمًا بأنك موقوف على السهَدِ
يا مفردًا بات يَبكي لا معينَ له
أعانَك الله بالتَّسليمِ والجلَدِ٦٨٧
هو الأسير المبقَّى لا فداءَ له
يَفديك بالنَّفس والأهلِين والولَدِ

وقال يرثي أبا المكارم ويعزِّيه عنه:

ما عمر الله سيف الدينِ مغتبِطًا
فكلُّ حادثةٍ يرمِي بها جلَلُ٦٨٨
مَن كان عن كلِّ مفقودٍ لنا بدَلًا
فليسَ منه على حالاتِه بدلُ
يبكي الرجالُ وسيفُ الدينِ مبتسِمٌ
حتى عن ابنِك تُعطي الصبرَ يا جبَلُ
لم يجهَلِ القومُ منه فضلَ ما عرَفوا
لكن عرفتُ من التَّسليم ما جهِلُوا٦٨٩
هل مبلغُ القمر المدفون رائعةً
مِن المقال عليها للأسَى حُللُ
ما بعد فقدِك لي أهلٌ ولا ولدٌ
ولا حياةٌ ولا موتٌ ولا أملُ
يا من أتتْه المنايا غيرَ حافلةٍ
أينَ العبيدُ وأين الخيلُ والخوَلُ
أين الليوثُ التي حولَيك رابضةٌ
أين الصنائعُ أين الأهلُ ما فعَلُوا
أين السيوفُ التي قد كنتُ أقطَعُها
أين السوابقُ أينَ البيضُ والأسَلُ
يا ويحَ حالِك بل يا ويحَ كلِّ فتًى
أكلَّ هذا تخطَّى نحوَك الأجَلُ

وقال يعزيه بأخته:

قولا لهذا السيِّدِ الماجِدِ
قولَ حزينٍ قلبُه فاقدِ
هيهات ما في الناس مِن خالدٍ
لا بدَّ من فقدٍ ومن فاقدِ
كُنِ المعزِّي لا المعزَّى به
إذْ كانَ لا بدَّ من الواحِدِ

وقال يرثي أبا المرجان جابر بن ناصر الدولة وتُوفِّي بالرحبة:

الفكر فيك مقصَّر الآمالِ
والحرصُ يعدل غايةَ الجهالِ
لو كان يخلُد بالفضائلِ فاضلٌ
وصلتْ لكَ الآجال بالآجالِ٦٩٠
أوْ كنتَ تُفدى لافتدتْك سَراتُنا
بنفائسِ الأرواح والأموالِ
أو كان يدفع عنك بأْسٌ أقفلت
صَرعى تكدس بالقَنا العسالِ٦٩١
أعزز على ساداتِ قومِك أن تُرَى
فوقَ الفراشِ مقطَّعَ الأوصالِ
والسُّمرُ عندَك لم تدق صُدورها
والخيلُ واقفة على الأطيالِ
والسابغاتُ مصونةٌ لم تبتذَلْ
والبيضُ سالمةٌ مع الأبطالِ
وإذا المنيةُ أقبلتْ لم يَثْنِها
حِرصُ الحريصِ وحيلةُ المحتالِ
ما للخُطوبِ وما لأحداثِ النَّوَى
أعجَلْنَ جابرَ غايةَ الإِعجالِ
لما تسربلَ بالفَضائل وارتدى
بردا العلا واعتمَّ بالإقبالِ٦٩٢
وتشاهدتْ صِيد الملوك لفَضلِه
وأرى المكارمَ في مكانٍ عالِ
أأبى المرجَّى غير حزني دارسٌ
أبدًا عليكَ وغير قلبيَ سَالِ٦٩٣
ولئن هلكتَ فما الوفاءُ بهالِكٍ
ولئن بلِيتَ فما الوفاءُ ببالِ
لا زلتَ مغدوَّ الثرى مطروقَه
بسحابةٍ مجرورة الأَذيالِ٦٩٤
وحجبن عنكَ السيئاتِ ولا يزَلْ
لكَ صاحبٌ من صالحِ الأعمالِ

وقال يصف حالَ الوقعة:

ضلالٌ ما رأيتُ من الضَّلالِ
معاتبةُ الكريمِ على النوالِ٦٩٥
وإن مسامعي عن كلِّ عَذلٍ
لفي شُغُلٍ بحمدٍ أو سُؤالِ
لا والله ما بخلَتْ يَميني
ولا أصبحت أشقاكُم بمَالي٦٩٦
ولا آسَى بحكمٍ فيه بعدِي
قليلُ الحمدِ لي سوءُ الفَعالِ
ولكنْ سوفَ أُفنِيه وأُفني
ذخائرَ من ثوابٍ أو كَمالِ
وللورَّاث إرثُ أبي وجدِّي
جياد الخيل والأسَل الطُّوالِ٦٩٧
وما تَجني سَراةُ بني أَبينا
سِوى ثمَراتِ أطرافِ العَوالي
ممالكُنا مكاسبُنا إذا ما
توارثَها رجالٌ عن رجالِ
إذا لم تمسِ لي نارٌ فإنِّي
أبيتُ لنار غيري غيرَ صالِ
أوَينا بين أطنابِ الأعادِي
إلى بلدٍ ممن النَّطَّار خالِ٦٩٨
نشدُّ بيوتَنا من كل فجٍّ
به سمُّ الأَراقم والصِّلالِ٦٩٩
نعافُ قطوفَه ونملُّ مِنه
ويمنعُنا الإباءُ من الزِّيالِ
مخافةَ أن يُقال بكلِّ أرضٍ
بنو حمدان كفُّوا عن قِتالِ٧٠٠
أسيفَ الدولةِ المأمول إني
عن الدنيا إذا ما عشت سالِ
ومن وردَ المهالكَ لم تَرُعْهُ
رَزايا الدهر في أهلٍ ومالِ
إذا قُضيَ الحِمامُ عليَّ يومًا
ففي نصر الهُدى بيد الضلالِ٧٠١
وأنت أشدُّ هذا الناسِ بأسًا
وأصبرهم على نوَب الليالي
وأهجمهم على جيشٍ كثيفٍ
وأعوذهم على حيِّ حِلالِ
ضربتَ فلم تدَعْ للسَّيفِ حدًّا
وجُلت بحيثُ ضاقَ عن المَجالِ
وقلتَ وقد أظلَّ الموتُ: صبرًا
وإن الصبرَ عند سواكَ غالِي٧٠٢
ألا هلْ منكرٌ أبَني نزارٍ
مقامِي يومَ ذلكَ أو مَقالي
ألم أثبُتْ لها والخيلُ فوضَى
بحيثُ تخفُّ أحلامُ الرِّجالِ
تركت ذوابلَ المرَّان فيها
مخضَّبةً محطَّمةَ الأَعالي
ورحت أجرُّ رُمحي عَن مقامٍ
تحدَّثُ عنه رباتُ الحِجالِ٧٠٣
فقائلةٌ تقولُ أبا فراسٍ
لقد حاميتَ عن حرَمِ المَعالِي
وقائلةٌ تقولُ جُزيتَ خيرًا
أعيذُ عُلاك من عينِ الكَمالِ
ومُهري لا يمسُّ الأرضَ زَهوًا
كأن ترابَها قطبُ النِّبالِ٧٠٤
كأنَّ الخيل تعلَمُ من عليها
ففي بعضٍ على بعضٍ تُغالي
علينا أن يعاود كل يومٍ
رخيص عنده المُهَجُ الغَوالي
فإن عِشنا ذَخَرْناها لأُخرى
وإن مِتنا فمَوتاتُ الرجالِ

وقال يفتخر:

سَلي عني نساءَ بني مَعدٍّ
يقُلْنَ بما رأينَ وما سَمِعْنَهْ
ألستُ أمدَّهُم لذويَّ ظلًا
وأوسعَهم لدى الأَضياف جفنَهْ٧٠٥
وأثبتَهم إلى الحدَثان جَأشًا
وأسرَعَهم إلى الفُرسانِ طعنَهْ
ألست أقرَّهم للضيفِ عَينًا
ألست أمرَّهم في الحَرب لُهنَهْ٧٠٦
رضيتُ العاذلاتِ وما يَقُلنَهْ
وإن أمسيتُ عصَّاءً لهُنَّهْ
وكم فجرٍ سبَقْنَ إلى مَلامِي
فعدتُ ضحًى ولم أحفلْ بهنَّهْ
وراجعةٍ إليَّ تقول سرًا
أعودُ إلى نصيحتِه لَعنَّهْ٧٠٧
فلما لم تجِدْ طمَعًا تولَّتْ
فقالتْ فيَّ عاتبةً وقُلنَهْ
أريتَك ما تقولُ بناتُ عمي
إذا وصفَ النساء رجالهنَّهْ
أمَا واللهِ لا يُمسين حَسرى
يلفِّقْنَ الكلامَ ويعتَذِرْنَهْ
ولكن سوفَ أوجدهن وصفًا
وأبسُطُ في النَّدَى بكَلامِهنَّهْ٧٠٨
متى ما يَدْنُ من أجلٍ كِتابي
يكنْ بينَ الأعنَّة والأسنَّهْ٧٠٩

وقال أيضًا في أخرى:

بكرنَ يلُمْنَني ورأينَ جودي
على الأرماح بالنفس المِضنَّهْ٧١٠
فقلت لهنَّ: هل فيكنَّ باقٍ
على نُوَبِ الزَّمانِ إذا طَرقنَهْ
وإن يكنِ الحِذارُ من المَنايا
سبيلًا للحياةِ فلا تمنَّهْ٧١١
سأُشهدها على ما كانَ مِني
وأبسطُ في الندى بكلامهنَّهْ٧١٢
وإن أهلِكْ فعَنْ أجلٍ مسمًّى
سيَأتيني ولو ما بَينَكُنَّهْ٧١٣
فإن أسلَمْ فعِرضي سوف يُوفَى
وأتبعكنَّ إن قدَّمتكنَّهْ
فلا يأمُرْنَني بمقامِ ذلٍّ
فما أنا بالمُطيع إذا أمَرْنَهْ
وموتٌ في مقام العزِّ أشهَى
إلى الفُرسانِ من عَيشٍ بمِهنَهْ٧١٤

وقال يفتخر:

لمن الجدُود الأكرمو
نَ من الورَى إلا ليَهْ
من ذا أجدَّ كما أعُـ
ـدُّ من الجُدود العاليَهْ
من ذا يقُوم لغَيرِه
بين الصُّفوف مقاميَهْ
من ذا يردُّ صدورهـ
ـنَّ إذا أغرْنَ علانيَهْ
أحمي حريمي أَن تُبا
حَ ولستُ أحمي ماليَهْ
وتخافني كومُ اللَّقا
حِ وقد أمنَّ عَذابيَهْ٧١٥
تُمسي إذا طرقَ الضُّيو
فُ فناؤُها بفِنائيَهْ٧١٦
ناري على شرفٍ تُؤَ
جَّجُ للضيوفِ الساريَهْ
يا نارُ إن لم تجلُبي
ضيفًا فلستِ بناريَهْ
والعزُّ مَضروبُ السُّرا
دقِ والقِباب الجاريَهْ٧١٧
تجني ولا يجني عليـ
ـه وتتقي الجلَّى بيَهْ

وقال أيضًا يفتخر:

إذا مررتَ بوادٍ جاشَ غاربُه
فاعقِلْ قلوصَك ذاك التُّربُ وادِينا٧١٨
وإن وقفتَ بنادٍ لا يُطيفُ به
أهلُ السفاهة فاجلِسْ فهْوَ نادِينا
نُغير في الهجمةِ الغرَّاء ننحَرُها
حتى لَيعطش في الأحيان راعِينا٧١٩
وتجْفَلُ الشَّولُ بعد الخِمسِ صاديةً
إذا سمعنا على الأمواهِ حادِينا٧٢٠
وتصبح الكوم أشتاتًا مروَّعةً
لا تأمنِ الدَّهرَ إلا من أَعادِينا
ويصبحُ الضيفُ أولانا بمنزلِنا
نَرضَى بذاك ويمضِي حكمُه فينا٧٢١

وقال، وقد وقع ببني كلاب فخرج النساءُ إليه، فصفح عن الأموال جميعًا:

بني زرارة لو صحَّتْ طرائقُكُم
كلِفتمُ عندنا بالمنزل الدَّاني
لكن جهلتُمْ لدَينا قدرَ أنفُسِكم
وبائعٌ باعَكم ربحًا بخسرانِ
فإن تكونوا بَراءً من جنايَتِه
فإنَّ مَن رفَدَ الجاني هو الجاني
ما بالكم يا أقلَّ اللهُ خيركُمُ
لا تغضبونَ لهذا المُوثَق العاني٧٢٢

وقال أيضًا:

وفتيانِ صدقٍ من غطاريفِ وائلٍ
إذا قيلَ ركبُ الموت قالوا له: انزلِ٧٢٣
يسومهمُ بالخيرِ والسرِّ ماجدٌ
جرورٌ لأذيالِ الخَميسِ المذيَّلِ٧٢٤
له بطشُ قاسٍ تحتَه قلبُ راحمٍ
ومنعُ بخيلٍ تحتَه ذَيل مِفضَلِ
وعزمةُ فتَّاكٍ من الضَّيمِ فاتكٍ
وفيٍّ أبيٍّ يأخذُ الضيمَ من علِ٧٢٥
عزوف أنوف ليسَ يرغم أنفهُ
جريء متى يعزمْ على الأمر يفعلِ٧٢٦
شديدٌ على طيِّ المنازل صبرُه
إذا هو لم يَظفرْ بأكرمِ منزِل
وكل مُحلَّاة السَّراة بضيغمٍ
وكل مُعلَّاةِ الرحال بأجدَلِ٧٢٧
سريت بها من جانبِ البحر أغتَدِي
إلى كَفرِ طاب صوبُها لم يحوَّلِ
كأنَّ أعالي رأسِها وسنامِها
منارةُ قسِّيسٍ قرابة هَيكلِ٧٢٨
إلى عرَب لم تختَشي غلبَ غالبٍ
ربية حولي عازمٍ والمخيلِ٧٢٩
تواصتْ بمُرِّ الصبر دونَ حريمِها
فلما رأتْنا أجفلَتْ كل مَجفَلِ٧٣٠
فبين قتيلٍ بالدِّماءِ مضرَّجٍ
وبين أسيرٍ في الحديد مكبَّلِ
فلما أطعتُ الجهلَ والغيظَ ساعةً
دعوتُ بحِلمي أيها الحلمُ أقبلِ
يتيمات نحمِيهنَّ ليس يريْنَني
بعيد التجافي أو قليل التفضُّلِ
شفيع النِّزارياتِ غير مخيَّبِ
وداعي النزاريات غير مخذَّلِ٧٣١
ردَدت برغم الجيشِ ما حازَ كله
وكلفت مالي غرمَ كلِّ مضللِ٧٣٢
فأصبحتُ في الأعداء أي ممدَّحٍ
وإن كنتُ في الأصحابِ أي معذَّلِ
مضى فارسُ الخيلِ بن زيد بن زمْعةٍ
ومن يدنُ من نارِ الوقيعة يصَطلِ
وقَرم بني البنَّا تميم بن غالبٍ
فتيَّان طعَّانان في كل جَحفلِ
ولو لم تفُتني سَورةُ الحربِ فِيهما
جريت على رسمٍ من الصفحِ أولِ
وعدتُ كريمَ البطشِ والعفوِ فيهما
أحدِّث عن يومٍ أغرَّ محجَّلِ

وقال يذكر إيقاعه ببني كلاب:

ولي منَّةٌ في رقابِ الضباب
وأخرى تخص بني جَعفر٧٣٣
عشية روَّحن من عرْفةٍ
وأصبحنَ فوضَى على شئزرِ٧٣٤
وقد طالَ ما وردَتْ بالجِبا
هِ وعاودتِ الماء في تدمُر٧٣٥
قددتُ البقيعة قدَّ الأديـ
مِ والغربُ في شبَه الأشقر٧٣٦
وجاوزنَ حمصَ فلَمْ ينتَظِرْنَ
على مَوردٍ أو على مصدَرِ
وبالرستن استَوبلَتْ مورِدًا
كوِرد الحمامة أو أَنزرِ
وجزنَ المروج وقَرني حماه
وشئزرَ والفجر لم يُسفرِ٧٣٧
وغامضتِ الشمس إشراقَها
فلفت كفرطاب بالعَسكرِ
فلاقتْ بها عُصَبَ الدَّارعيـ
ـنَ كلُّ منيع الحمى مِسعَرِ٧٣٨
على كلِّ سابقةٍ بالرديفِ
وكلِّ شبيهٍ بها مجفرِ٧٣٩
ولما اعتقرن ولما عرفنَ
خَرَجن سِراعًا من العِثْيرِ٧٤٠
ننكِّب عنهنَّ فرسانهنَّ
ونَبدأ بالأخْيَر الأخْيَرِ٧٤١
فلمَّا سمعت ضجيجَ النسَا
ءِ ناديتُ: حارِ ألا أقصِرِ٧٤٢
أحارث مَن صالحٌ غافرٌ
لهنَّ إذا أنتَ لم تغفرِ
رأى ابنُ عليان ما سرَّهُ
فقلتُ رويدَك لا تُسرَرِ
فإني أقومُ بحقِّ الجِوا
رِ ثُمَّ أعودُ إلى العُنصُرِ

وقال أيضًا عند اجتماعِ الأمراء بالرقة لما حاصر أبو تغلب أخاه حمدان بها:

المجد بالرقة مجموع
والفضل مربيٌ ومسموعُ
إنَّ بها كلَّ عميم النَّدَى
يَداه للجودِ يَنابيعُ
وكلَّ مرفوعِ القرى بيته
علا على العلياه مرفوع
لكنْ أتاني خبرٌ رائعٌ
يضيع عنه السَّمعُ والروع
إن بني عمِّي وحاشاهمُ
شِعبهمُ بالخلف مصدُوعُ٧٤٣
ما لِعصا قوميَ قد شقَّها
تفارطٌ منهم وتَضييعُ
بني أبٍ فرق ما بَينَهم
واشٍ على الشَّحناءِ مطبوعُ
عودوا إلى أحسنَ ما بينَكمْ
تستحسنُ الغر المرابيع٧٤٤
لا يكمل السؤددُ في ماجِدٍ
ليس له عَودٌ ومَرجوعُ٧٤٥
أنبذلُ الودَّ لأعدائِنا
وهو عن الإِخوةِ ممنوعُ
ويوصل الأبعدُ من غيرِنا
والنسَبُ الأقرب مقطوعُ
لا يثبتُ العزُّ على فرقةٍ
غيرك بالباطل مَخدوعُ٧٤٦

وكتب إلى سيفِ الدولةِ يذكر أَسرَه، ويعرض بذِكر تجافي الغُلام له:

جنى جانٍ وأنتَ عليَّ جانٍ
فعادَ فعدت بالكرَم الغزيرِ
صبرت عليهِ حتى جاءَ طوعًا
إليك وتلك عاقبة الصَّبورِ
فإن يكُ عدلُه في الجسمِ كانتْ
فما عدل الضمير على الضميرِ٧٤٧
ومثلُ أبي فراسٍ من تَجافي
له عن فعلِه مثل الأميرِ

وقال:

سَلِي عني سراةَ بني كلابٍ
ببالس عند مُشتَجر العَوالي
لقيناهُم بأسيافٍ قصارٍ
كفأن مئُونة الأسَل الطُّوالِ
وولَّي بابنِ عوسجةٍ كثيرٌ
وَسَاعُ الطَّعنِ في ضَنْك المجالِ
يرى البرغوثُ إذ نجَّاه منا
بكلِّ عقيلةٍ وأحبِّ مالِ٧٤٨
تدور به إماءُ بني قُريطٍ
وتُسلمه النساءُ إلى الرِّجالِ
فقلن له السَّلامةُ خيرُ غُنمٍ
وإنَّ الذلَّ في ذاك المقالِ
وعادُوا سامعينَ لنا فعُدْنا
إلى المعهودِ من شرَف الفِعالِ
ونحنُ متى رَضِينا بعد سُخطٍ
أَسَرنا ما جَرحنا بالنَّوالِ

وقال:

أما يمنعُ الموتُ أهلَ النُّهى
ويمنعُ من غيِّه من غوَى
أما عارفٌ عالمٌ بالزَّمانِ
يروحُ ويغدو قصيرَ الخُطا
ويا زاهيًا آمنًا والحِمامُ
إليه سريعٌ قريبُ المدَى٧٤٩
تُسرُّ بشيءٍ كأن قد مضَى
وتأمنُ شيئًا كان قد أتَى٧٥٠
إذا ما مررتَ بأهلِ القُبورِ
لأيقنتُ أنَّكَ مِنهم غدًا
وأن العزيزَ بها والذَّليلَ
سواءٌ إذا سلِما للبِلَى
غَريبَين ما لهما مُؤنسٌ
وحيدَينِ تحتَ أطباق الثَّرَى
ولا أمنٌ غير عَفوِ الإلهِ
ولا عَملٌ غير ما قَد مضَى
فإن كانَ خيرًا فخيرًا تُنالُ
وإن كان شرًّا فشرًّا ترَى

قال ابن خالويه: لما تُوفِّي سيفُ الدولة رحمه الله، عزم أبو فراس على التغلُّب على حمصٍ فاتَّصل خبرُه بأبي المعالي ابن سيف الدولة وغلام أبيه قرعويه، وكان صاحبَ حلب؛ فأرسلَ إليه بجَوشن وقد ضُرب ضرباتٍ، فماتَ في الطريق، فقال قبلَ موته:

إذا لم يُعنْكَ اللهُ فيما تُريدُه
فليسَ لمخلوقٍ إليه سبيلُ
وإن هو لم ينصُرْكَ لم تلقَ ناصرًا
وإن عزَّ أنصارٌ وجلَّ قبيلُ
وإن هو لم يُرشِدْكَ في كلِّ مسلكٍ
ضللتَ ولو أنَّ السِّماكَ دليلُ

وقال أيضًا:

أراني وقومي فرَّقَتْنا مذاهبُ
وإن جمَّعتْنا في الأصول المَناسبُ
فأقصاهمُ أقصاهمُ عن مساءَتي
وأقربُهم مما كرهتُ الأقاربُ
غريبٌ وأهلي حيثُ ما كنتُ حاضرٌ
وحيدٌ وأهلي من رجالٍ عصائبُ٧٥١
نسيبك من ناسبتَ بالودِّ قلبَه
وجاركَ مَن صافيتَ ليس المُصاقبُ
وأعظمُ أعداءِ الرِّجال ثقاتُها
وأهونُ من عاديتَه من تُحاربُ
وما الذنبُ إلا العجزُ يركَبُه الفتى
وما عذرُه إن حاذَرتْه المطالبُ
ومَن كان غيرُ السيفِ كافلَ رزقِه
فللذُّلِّ منه لا محالةَ جانبُ

هذا آخر شعر قاله أبو فراس رحمه الله تعالى، في رواية أبي عبد الله الحسين بن محمد بن خالويه رحمهم الله:

وقد وجدت في نسخةٍ ثانية الأرجوزةَ الآتيةَ زائدةً عن النسخة التي أخذت عنها، فآثرت إثباتها في آخر هذه النسخة إتمامًا للفائدة، وأرجح أنها من كلامه والله أعلم.

وقال في الطرد أرجوزة:

ما العمر ما طالتْ به الدُّهورُ
العمر ما تمَّ به السرورُ
أيام عِزِّي ونفاذِ أَمري
هي التي أحسِبُها من عُمري
ما أجْورَ الدهر على بَنيه
وأغدَرَ الدهرَ بمن يُصفِيه
لو شئت مما قد قللْنَ جَدَّا
أعددتُ أيامَ السرور عدَّا
أنعتُ يومًا مرَّ لي بالشَّامِ
ألذُّ ما مرَّ من الأيامِ
دعوتُ بالعُقار ذاتَ يوم
عند انتِباهي سحَرًا من نَومِي
قلتُ له اختَرْ سبعةً كبارًا
كل نجيبٍ يرد الغُبَارا
يكونُ للأرنبِ منها اثنانِ
وخمسة تُفرد للغِزلان
واجعل كلابَ الصَّيدِ نَوبتين
تُرسل منها اثنين بعد اثنينِ
ولا تضيعُ أكلب العِراضِ
فهنَّ حتفٌ للظباءِ قاضِ
ثم تقدَّمتْ إلى الفهادِ
والبازيارين باستِعْدادِ
وقلتُ إن خمسة لتقنعُ
والزرقاف الفَرخ والملمَّعُ
وأنت يا طباخُ لا تباطَا
عجِّل لنا اللفات والأَوسَاطَا
ويا شرابيَ البلسقياتِ
تكون بالشَّراب مبشراتِ
بالله لا تستصحبوا ثقيلَا
واجتنبوا الكثرةَ والفُضُولَا
ردُّوا فلانًا وخذوا فلانا
وضمِّنوني صيدكُم ضَمانا
واخترتُ لما وقَفَا طويلا
عِشرين أو فُويقَها قليلا
عصابةٌ أكرِمْ بها عصابَهْ
شرطك بالفَضلِ وبالنَّجابَهْ
ثم قصَدْنا صيدَ عين باصرِ
مظنَّة الصيدِ لكل خابرِ
جئناه والشَّمسُ قبيلَ المغربِ
تختالُ في ثوبِ الأصيل المُذهَبِ
وأخذ الدراج في الصِّياحِ
مكتنفًا من سائر النواحِي
في غفلة عنَّا وفي ضَلال
ونحن قد زُرناه بالآجالِ
يطربُ للصُّبحِ وليس يدري
أنَّ المنايا في طُلوع الفجرِ
حتى إذا أحسَّ بالصِّياح
ناداهمُ حيَّ على الفلاحِ
نحن نصلِّي والبزاةُ تجرحُ
مجرَّدات والخيول تبرحُ
فقلت للعِهادِ امضِ وانفَردْ
وصِحْ بنا أنْ عنَّ ظبيٌ واجتهَدْ
فلم يزلْ غيرَ بعيدٍ عنَّا
إليه يَمضي ما يفرُّ منَّا
وسرت في صفٍّ من الرِّجالِ
كأنما نزحفُ للقتالِ
فما استوينا كلُّنا حتى وقَفْ
غليِّمٌ كان قريبًا من شرَفْ
ثم أتاني عجِلًا قال السبَقْ
فقلت إن كان العيانُ قد صدَقْ
سرتُ إليه فأراني جاشمهْ
حسبتُها يقظى وكانت نائمَهْ
ثم أخذتُ نبلةً كانتْ معي
ودُرت دَورين ولم أوسِّعِ
حتى تمكنت فلم أخطِ الطلَبْ
لكل حتف سببٌ من السَّببْ
وضجَّتِ الكلابُ في المقاوِدِ
تطلبها وهي بجُهد جاهدِ
وصحتُ بالأسود كالخطافِ
ليس بأبيضٍ ولا غطرافِ
ثم دعيت القومَ هذا بازِي
فإيَّاكُمْ ينشَطُ للبرازِ
فقال منهم أغيدٌ: أنا أنا
ولو درَى ما يبتدي لأذعَنا
فقلتُ قابِلْني وراءَ النهرِ
أنت لشَطرٍ وأنا لشَطرِ
طارتْ له درَّاجةً فأرسَلا
أحسنَ فيها بازه وأجمَلا
علَّقها فعَطْعطوا وصاحُوا
والصيدُ من آلتِه الصياحُ
فقلتُ ما هذا الصِّياحُ والقلَقْ
أكل هذا فرَحًا بذا الطلَقْ
فقلت إنَّ الكلبَ يَشوي البازا
قد حرز الكلب فجُزْ وجازَا
فلم يزلْ يزعقُ بي مَولاءي
وهو كمَثل النار في الحَلْفاءِ
طارت فأرسلت فكانتْ سلوَى
حلَّت بها قبلَ العلوِّ البلوَى
فما رفعت الباز حتى طارا
آخر عود يُحسن الفِرارا
أسوَدُ صيَّاحٌ كريمٌ كرزُ
مطردٌ محكَّك مُلزَّزُ
عليه ألوانٌ من الثِّيابِ
من حُلل الدِّيباج والعنَّابِ
فلم يزلْ يعلو وبازي يثقُلُ
يجرُّ فضل السَّبقِ ليس يغفلُ
يرقبُه من تحتِه بعَينه
وإنما يرقُبه لحَينِه
حتى إذا قرُب فيما يجِبُ
معلقة والموتُ منه يقربُ
أرخى له بنجبه رجليهِ
والموتُ قد سابقه إليهِ
صِحنا وصاح القومُ بالتكبيرِ
وغير ما يظهر في الصُّدورِ
ثم تسايرنا فطارَتْ واحدَهْ
شيطانةٌ من الطيور ماردَهْ
من قربٍ فأَرسَلوا إلَيها
ولم تزلْ أعينُهم علَيها
فلم يعلَّق بازه وأدَّى
من بعد ما قاربها وشدَّا
صِحتُ: أهذا الباز أم دجاجهْ
ليت جناحيه على دراجَهْ
واحمرتِ الأوجهُ والعيونُ
وقال هذا موضعٌ ملعونُ
إن لزَّها الباز أصابت بنجَا
أو سقطتْ لم يلقَ إلا مدرَجَا
أعدل بنا للمنبجِ الخفيفِ
والموضعِ المُنفردِ المَكشوفِ
فقلتُ هذي صحبةٌ ضعيفَهْ
وقُرة ظاهرة معروفهْ
نحن جميعًا في مكانٍ واحدِ
فلا تعللْ بالكلامِ الباردِ
قُصَّ جناحيه يكنْ في الدارِ
مع الدباشي ومعَ القماري
واعمِد إلى جلجلةِ البديعِ
فاجعَلْه في عنزٍ من القطيعِ
حتى إذا أبصرتَه وقد خجلْ
قلتُ أراه فارهًا على الحجَلْ
دَعْه وهذا البازَ فاطرُدهُ بهِ
تفاديًا من غَمِّه وعَتبِه
وقلتُ للخيلِ الذي حَولَينا
تشاهَدوا كلكمُ عَلينا
بأنها عاريةٌ مطمونَهْ
يقيم فيها جاهَه ودينَهْ
جئت بباز حسَنٍ وهرجِ
دون العُقاب وفويق الرمجِ
زينٌ لرائيه وفوق الزَّينِ
ينظُر من نارينِ في غارينِ
كأنَّ فوقَ صدرِه والهادِي
آثارُ متنِ الدارِ في الرمادِ
ذي منسر فحمٍ وعينٍ غائرَهْ
وأفخذٍ مثل الجبال وافرَهْ
ضخم قريب الدستبان جدَّا
يلقى الذي يحمل منه كدَّا
وراحة تحمل كفي بسطَهْ
زادت على قدر البزاة بسطَهْ
سرَّ وقال هات قلتُ مهلَا
أخلفْ على الردِّ فقال كلَّا
أمَّا يميني فهْي عندي غاليَهْ
وكلتي مثلُ يميني وافيَهْ
قلت فخذه هبةً بقُبلَهْ
فصدَّ عني وعلَتْه خَجلَهْ
فلم أزلْ أمسحُه حتى انبسَطْ
وهشَّ للصَّيدِ قليلًا ونشِطْ
صاحَ به اركبْ فاستقلَّ عن يَدِي
مبادرًا أسرعُ من قولِ قدِ
وضمَّ ساقيه وقال قَد حصَلْ
قلت له الغدرةُ من شرِّ العملْ
سرت وسارَ الغادرُ العيَّارُ
ليسَ لطيرٍ معنا مطارُ
ثم عدَلْنا نحو نهرِ الوادِي
والطيرُ فيه عددَ الجرادِ
أدرتُ شاهينَين في مكانِ
لكثرةِ الصيد وللإِمكانِ
توازنا واطَّرَدا اطِّرادا
كالفارسَينِ التَقيَا أو كادَا
نمتْ شذاها فأصابَا أربعا
ثلثةً خضرًا وطيرًا أبقَعا
ثم ذبحناها وحصَّلْناهُما
وأمكنَ الصيدُ فأرسلناهما
فجدلا أربعةً مثل الأُوَلْ
لكنها أكبر منهن ظللْ
ابعث منها وانيستان
وطائر يُعرَف بالخِصاني
خيلٌ تناجيهنَّ كيفَ شِينا
طيِّعة ولحمُها أيدِينا
وهي إذا ما استصعبَ القيادهْ
صَرَفها الجوعُ على الإرادَهْ
وكلَّما شدَّ عليها في طلَقْ
تساقطتْ ما بينَنا من الغرَقْ
حتى أخَذْنا ما أرَدْنا منْها
ثم انصرفنا راغبِين عَنْها
إلى كراكيٍّ بقُرب النَّهرِ
عشرًا أراها وفويق العَشرِ
لما رآها الباز من بعد لصِقْ
وحدد الطرق إليها وزرَقْ
فقلتُ صدناها وربِّ الكعبَهْ
وكنَّ في وادٍ بقرب جنبهْ
فدرت حتى أمكنتْ ثم نزَلْ
فاحتاطَ منها امسحا مثل الجمَلْ
ما انحطَّ إلا وإنا إليهِ
ممكنًا رجليَ من رِجلَيهِ
جلست كي أشبعه أذاهبَهْ
قد سقطتْها عن يمين الراتبَهْ
لم أجزِه بحسَن البلاءِ
أطعتُ حرصي وعصيتُ دائي
ولم أزلْ أختِلها وتنختِلْ
وإنما ختلتها إلى الأجَلْ
عمدت منها لكبير مُفردِ
يمضِي بعُنق كالرِّشاء المحسدِ
طار وما طارَ ليأتيه القدَرْ
وهل لما قد حانَ سمعٌ وبصَرْ
حتى إذا جدَّ له كالعَدْل
أيقنت أن العظمَ غيرُ الفضلِ
ذاك على ما نلت منه أمرُ
عثرتُ فيه وأقال الدهرُ
خيرٌ من النجاحِ للإنسانِ
إصابةُ الرأي مع الحِرمانِ
صحت إلى الطبَّاخ ماذا تنتظِرْ
انزل على النهر وهاتِ ما حضَرْ
جاء بأوشاطٍ وجردِ تاجِ
من حجَل الطير ومن دراجِ
فما تنازَلْنا عن الخُيولِ
يمنعنا الحرصُ عن النزولِ
ثم عدَلنا نطلُبُ الصحراءَ
نلتمسُ الوحوشَ والظِّباءَ
عنَّ لنا سِربٌ بجزعِ وادِ
يقدُمه أفرغُ عبلُ الهادِي
قد صدرَتْ عن مَنهلٍ رويِّ
من غبر الوسمي والوليِّ
ليسَ بمطرُوق ولا بكيِّ
ومرقع مقتبل جنيِّ
رعين فيه غيرَ مذعوراتِ
لعاع وادٍ واغلِ النباتِ
مرَّ عليَّ غدقُ السَّحابِ
بواكفٍ متصل الربابِ
لما رآنا مالَ بالأعناقِ
نظرة لا صبٍ ولا مشتاقِ
ما زالَ في خفضٍ وحسنِ حالِ
حتى أصابتْه بنا اللَّيالي
شرب حماه الدهرُ ما حماهُ
لما رآه ارتدَّ ما أعطاهُ
بادرت بالصقار والفِهادِ
حتى سَبقْناه إلى الميقادِ
فجدل الفهد الكبيرَ الأقرنا
شدَّ على مبطنه واستَبْطنا
وجدَّل الآخر عنزًا حائلا
رعَتْ حما الغَورين حولًا كاملا
ثم رمَيناهنَّ بالصُّقورِ
فانعربوا بالقَدَرِ المقدُورِ
فردن منها في القراج واحدَهْ
قد نغِلت بالحضر وهي جاهدَهْ
مرتْ بنا والصقرُ في قَذَالها
يُخبرها بسيءٍ عن حالِها
ثم تناهَى ونباها الكلبُ
هما عليها والزمانُ إِلْبُ
فلم تزيلْها بهِ وتصرعْ
حتى تبقى في العراج أربَعْ
ثم عدَلنا عدلةً إلى الجبَلْ
إلى الأراوَى والكِباش والحجَلْ
فلم نزلْ بالخيلِ والكلابِ
نحوزُها حوزًا إلى الغِيابِ
ثم انصرَفْنا والبغالُ مُوقَرَهْ
في ليلةٍ مثل الصباح مُسفِرَهْ
حتى أتينا رحلَنا بليلِ
وقد سبَقْنا بجيادِ الخيلِ
ثم نزلنا وطرَحْنا الصَّيْدَا
حتى عدَدنا مئةً وزَيْدَا
فلم نزل نُلقي ونَشوَي ونصُبْ
حتى طلبت صاحبًا فلم أصِبْ
شربًا كما عنَّ من الزُّقاقِ
بغير ترتيبٍ وغير ساقِ
فلم نزلْ سبعَ ليالٍ عَددَا
أسعدَ من راج وأحظَى من غَدَا

تم ديوانُ أبي فراسٍ، والحمدُ لله أوَّلًا وآخرًا.

١  يخاطبُ سيفَ الدولة: إن النَّعمة التي صنعتها عن قاتلي الصيَّاح الذي ولَّيتَه قِنِّسْرين، فحيثُ إنها مكفورة لا يجبُ أن تُعادَ عليهِم مرَّة أخرى، إنما عادتي أن أفعَل الجَميلَ؛ فإن لم أستَفدْ منه الشُّكرَ استفدتُ الأجر.
٢  الشِّماسُ مأخوذٌ من شمَسَ الفرسُ، إذا منَع ظهرَه. والجآذِر: جمعُ جؤذر، وهو ولدُ البقَرةِ الوَحشيَّةِ.
٣  «كِلَّتَي» تَثنيةُ كِلَّة بالكَسر وهي سِترٌ رَقِيق، والدَّارعين: اللابِسين الدُّروع.
٤  الثائرُ: المجدُّ بأخذِ ثأرَه.
٥  يعني: إذا أدبرَتْ لا يدري السَّوادُ الذي خلفَها؛ هل هو ليلٌ فاحم أم غدائرها.
٦  يقول: لما كانتِ المحبةُ عامرةً بيني وبينكِ كنتُ غيرَ قانعٍ بالوُصول، وبعد الهَجرِ صارتْ عيني تقرُّ إذا زارها خيالُك.
٧  البوادي والحواضرُ ضدَّان.
٨  المعجرُ: ثوبٌ يمَنيٌّ، ويُقصد به النِّقابُ.
٩  يلومُ عفَّته ويشكُو منها؛ لأنها تمنَعُه عن قضاءِ وطَره من محبوبتِه.
١٠  أي أنَّ العقلَ وغيرَه المذكور في البيت المتقدِّمِ حبائبُ عندي، منذ كنَّ متوارثاتٍ عن آبائي وأجدادي، وإن لم أطاوعهُنَّ في الامتناعِ عن المَحبوبة.
١١  يرجُم: يتَّهم.
١٢  الجَرسُ: الصوتُ الخفيُّ. والضميرُ في منها راجع للَّيلةِ في بيتٍ سابق.
١٣  يعني أن صوتَ الحلي وبياضَ الصُّبحِ يُطلعان الناسَ على اجتماعِه بمحبوبتِه، فيخافُهما لما هو فيه من العفَّةِ والصيانةِ.
١٤  المُوازِرُ: المُساعدُ.
١٥  الخَطُّ: موضعٌ تُباع فيه الرِّماح.
١٦  اللُّبانةُ: الحَاجَة. والأُسرةُ بالضَّم: الدِّرعُ الحَصينةُ ورهطُ الرَّجُل.
١٧  الإطْلين: تثنيةُ إِطْلٍ بالكسر، وهو الخاصِرة. ولاحقةٌ: مضمومةٌ؛ أي: مضمومةُ الخاصِرتينِ. ولاحقٌ: أفراسٌ جيادٌ لمعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ وغيرِه.
١٨  يعني أنَّها مطاوعةٌ لصاحِبها، حتى في وقتِ الشِّدةِ وانكشاف أثوابِه عنه حالةَ إغارتِه على الأعدَاءِ.
١٩  الخَرقاءُ: الحَمقاءُ في سرعةِ سيرِها. والورقاء: البيضاءُ. والكَلال: التعَبُ؛ يصفُها ببُطء التَّعبِ.
٢٠  الغَريريةُ: غيرُ المجربةِ لحدَاثة سنِّها. صافَتْ: أقامَتْ زمنَ الصيفِ في شقائق دابق، وهو مكانٌ معروفٌ. النَّاجِر: العَطشانَةُ.
٢١  حمَّضَها: أطعَمَها نوعًا من النَّبات معروفًا. مَيثاء: بلدةٌ بالعِراق. الخِذْراف بكَسر الخَاء: نباتٌ ربيعيٌّ إذا مُسَّ بالصيفِ يبَس. والمُغاورَةُ القَيلولَة.
٢٢  السَّلوطَحُ: عينُ ماءٍ. ريثَما أديرت الخ: أي مضَى عليها الحولُ في المكانِ المعروفِ بمِلحانَ.
٢٣  الكَوماءُ النَّاقةُ العظيمةُ السنامِ. والمعنى: أنها إذا أقبلتْ مع أنَّها عُريَانةٌ ظنَّ أن عليها رحلَها؛ لسِمَنِها.
٢٤  تكاشَروا: تَضاحَكوا.
٢٥  أراد بقَرمَي معدٍّ سيفَ الدَّولةِ، وابنَ عمِّه سَعيدًا.
٢٦  الأَواصِر: الأقارِبُ.
٢٧  أي كيف يشغلُكم وصفُ القديمِ من الآباء، مع أنَّ في وصفِ سيف الدولة من المفاخر والمآثر ما به مشغَلةٌ عن الآبَاء.
٢٨  الخَدوُ ضربٌ من سَيرِ الإبلِ والخَيلِ، والغدافرة المجدَّة في السيرِ والغَيرانة من الغيرة. والعذافر الأسَد.
٢٩  أَلكْنى أي: احمِل إليَّ رسالة، من الأَلُوكة، وهي: الرِّسالة. والنَّأي البُعد.
٣٠  يخاطِب الراكبَ إذ يقولُ لبني ورقاء: إنه وإن بعُدتِ الديار بيننا؛ فإننا مقيمون على حِفظ العهد، والوُدُّ بيننا مُقيم. وكيف تضعُفُ الخيلُ من الوصول إليكم مع أن القُربى التي بيننا تقرُب، والقَرابة تشدُّ القُوى.
٣١  يقول لأحمد ابنِ ورقاء: إن أصولَنا واحدة فكيف تطلبُ العزَّ من الأجانب وتترك العزَّ الذي هو حاضرٌ عند سيفِ الدولة.
٣٢  يعني أنَّ جدَّه أعطى ديةَ مائةِ واحدٍ، ولولاه لجرَّت عليهم المصائبَ التي لا اندفاعَ لها.
٣٣  العُراعِرُ الشَّريفُ.
٣٤  يعني أن جدَّه بنى الثغر الذي يَبقى ذكرُه طولَ الدهر، وفي هذه الأفعال نتائجُ ما فيها من الفُرسان على الخيل المُضمَرة.
٣٥  أي أغنى جُودُ جدِّه عن نزولِ المطر، فاستغنَى من جَدواه البادي والحاضِر.
٣٦  المجاهِرُ بالحرب، ويُشير إلى قصةٍ معهودة.
٣٧  أراد بجرائر قومِ عثمانَ من بني أميَّة.
٣٨  شنَّ: أَغارَ، وفي الأبياتِ إشارةٌ إلى قِصص ماضيةٍ من القبائل التي ذكرَها.
٣٩  الفَضافِض المتَّصفةُ بالسَّعةِ.
٤٠  أماط: كشَفَ، والأنَاةُ: الضَّعفُ.
٤١  الحواضِر في البيتِ السابق ضدُّ البوادي، وفي هذا البيت من الحُضور.
٤٢  الجحفل: الجيش والمعنى أنه لكثرته لا يغيبُ عن العين.
٤٣  روَّع: أخافَ.
٤٤  يعني أن طعنَه الكثير لم يُبق فيهم كثرةً، وضربه المتتابع لم يُبق منهم فردًا.
٤٥  اللجَبُ: اختلاف الأصوات، والزماجرُ: أصواتُ الحَرب.
٤٦  شبَّه علوَّ السيفِ على الأعناق بعُلو الخطيب المنابر، وهو تشبيهٌ بليغ.
٤٧  المزَرفَنُ: الطويل. والتَّشاجُر التَّطاعُن.
٤٨  ينوءُ يجتهد، والمسابر: جمع مِسبر، وهو آلةٌ من حديدٍ يُسبَر بها غورُ الجرح.
٤٩  يستشهِدُ على أنَّ عمَّه أفنى أعاظمَ الأعداء بالرَّجُلين رابيان وحادر.
٥٠  السِّنُّ: اسمُ مكانٍ. النوء: النجمُ مالَ للغروب.
٥١  يعني أن أخاه كفَى عمَّه مؤنةَ الأعداء والخيل، عندما استعَرَت الحربُ متفرِّقةً كالنَّعام النافِرة.
٥٢  حبيب: اسم قبيلةٍ. والنضرة: الحُسن والبَهجة.
٥٣  كنَّى بالحَرون للثبات في الحَرب.
٥٤  شغَر المكان؛ إذا لم يكن له من يحفظُه ويضبطه.
٥٥  قند وحاجر: مَكانان.
٥٦  المذاكي من الخيل: التي مرَّ عليها بعد قُروحِها سنةٌ أو سنتان، وأذكَتْ بمعنى أشعلَت.
٥٧  السُّري السَّير. والتَّهويم هزُّ الرأسِ من النعاس؛ أي: كانت الخيل بسرعة سَيرها سببًا للراحة بعد الانتقامِ عليها من الأعداء.
٥٨  المجيد والمظاهر: أسماء رجلَين من عَشيرته.
٥٩  الفَيلقُ: الجيش.
٦٠  أي: ولم تُرَ أيضًا إلا نساءٌ وصبية أردَفهن الغزاةُ خلفَهم، وعلى أكتافهن الجواهر تتحرَّك.
٦١  يعني بأشياخه آباءَه وأجدادَه.
٦٢  يعني إذا نسبت العربُ عماده وقوتَه؛ فمنا من هو طاوٍ؛ أي: مضمر الانتقام وأخذِ الثَّأرِ ذاكرٌ له، أذاق العلاءَ وعشيرتَه جزاءَ ما كان ارتكبَه من الجرائم.
٦٣  أراد بالنجم الكواكبَ تشبيهًا لذَينكَ الحصنين بالنجوم في الارتفاع، ويقصد أنه قد وصَل بخيله إلى الحصنين اللذين قبلَهما لم يَطأْ تلك الديارَ حافرُ فرسٍ.
٦٤  آب: رجع، والمزاهر الدفوف.
٦٥  يعني أن معاليه كثيرةٌ تزيدُ عن الوصف، وأياديه بيضٌ غزيرةُ العطا.
٦٦  يعني أن تلك المساعي بناها جدِّي الذي بنى الثغرَ بعد أن اندرَس وعمَّرَ الدين بعد أن فَنِي ودثَر.
٦٧  أي نازل جدُّه بوقعة أردنَ الديلمي، وقد ألحَّ عليه بالمحاربة وهو يُماطل خصمَه ويصبرُ عليه.
٦٨  الدمستق كبيرُ الروم، وأرض سلام: مكان.
٦٩  يعني أنه سقَى الأرضَ المعروفةَ بأرسياس، مثل ما سقَى الدمستق من دماء أهلها في عشية، يوم بلغتْ فيه القلوبُ الحناجرَ.
٧٠  نمير: اسمُ قبيلة.
٧١  الإخشيد اسم رجل، وكشَر في وجهِ الرَّجُل: أراه المودَّة.
٧٢  يشير إلى أن وقائعَ مجدِه معلومةٌ مشهورة، تفتخر بها تلك المواقف التي ذكرها.
٧٣  اللقان اسم واد.
٧٤  المظاهر جَمع مظهر وهو المصعَدُ.
٧٥  قسطنطين ملكُ القسطنطينية.
٧٦  يعني أن قسطنطين ظنَّ أننا لا نرجع حتى نصلَ إليه، فمِلنا بها إلى جانب الفراتِ بخيلٍ جيادٍ إلى أن أوردنا الرقتين، ونحن نسوق أهاليَها وقد تعبت أقدامُها ومال بالسبايا لجهة مرعش. مجاهيدُ: أتعَبَهم السيرُ، والمتصابر: الذي يُظهر الصَّبرَ.
٧٧  أي لم تزلْ تحمل مشقَّةَ المشي حافيةً، حتى تخضَّبتْ بالدِّماءِ.
٧٨  التكبيل التقييدُ بالحديدِ. وزراور: جمع زرور وهو البِطريق، عطفه عن البطارقة.
٧٩  يعني أن الدمستق هرَب وله عذر؛ لأنه جرح بالسَّيف في وَجهه.
٨٠  يعني: هرَب وتركَ ابنَه العزيزَ عليه فدية، ولمثلِ هذه الشِّدةِ تُقنى نفائسُ الأشياء وتذخرُ.
٨١  ثنيُ الخناصرِ على الشيءِ يدلُّ على نفاستِه والحرصِ عليه.
٨٢  محجَّر اسمُ رجلٍ. وقساور: جمعُ قسورةٍ من أسماء الأسدِ.
٨٣  يعني أن كليبًا إذا علتْ فعلاؤُها كالضَّباب يعلو بنفسِه، وهو وضيعٌ وطيِّءٌ وإن انتسبت بأنها من أهل الحَضَر فإن انتسابَها لجدِّها جعفر، ومَن جعفر لتفتخر به.
٨٤  يعني أن الممدوحَ رجعَ برأسِ القرمطي، جعل الرمحَ له جسدًا ضامرًا؛ أي هزيلًا.
٨٥  المواقرُ: جمعُ مُوقرة، وهي النخلُ الحاملُ.
٨٦  التَّجشيمُ: تكليفُ الأمر على مشقَّةٍ.
٨٧  يقول: أوقَعْنا المكروهَ بنصفِ جيشِ حوبة، فحمَل الجارحون مجاريحَهم وهرب المغاورُ من الأعداءِ.
٨٨  مارَ: أطعمَ، يعني أن جدَّه أبا الفيض أطعمَ الجيش حولًا كاملًا، وقد كان قبله جدُّهُ دأبه إطعامَ الطعام.
٨٩  الكَراكرُ: جمعُ كركرة، وهي صدرُ البعير استعمل في مُطلق الصدر استعمالَ المقيَّد في المطلق.
٩٠  يعني أن أخاه إذا سعَى في طلب المجد؛ لا يخشَى الموت ولا يضرُّه السُّم.
٩١  أي: صاحبُ عزمٍ صادقٍ ورأي صائب، والمأثور: المتهم، والآثرُ: الذي يختار لنفسه الأشياءَ الحسنة، ويروى: «مأبور» وكلاهما بمعنًى واحد.
٩٢  المُساورُ: المُواثبُ.
٩٣  المرزبان: رئيسُ القوم، ومسافر: اسمُ رجل.
٩٤  ناهَضَ أي قارعَ أهلَ الرقتين، ومشيَّع مشجَّع، وعبل ضَخمٌ.
٩٥  المَهايرُ: مفاصلُ متلاصقةٌ في الصَّدر.
٩٦  الخازرُ: الرمحُ؛ أي: إن قامتَه تشبه الرُّمحَ.
٩٧  الفتخاءُ: العُقابُ.
٩٨  الغطريفُ: السيد، والجماهِرُ من الناس أَجلاؤُهم.
٩٩  أبو اليقظان كنيتُه، ومنتاش لقبه، وخالد اسمه، والأفعوان المساوِرُ الحية اللدَّاعة.
١٠٠  البواترُ من السُّيوفِ.
١٠١  أي: لم ينبُتْ في خدودِه شَعر.
١٠٢  يعني أنَّ أحدَهما قتلَ الشخص الملقب بالتاج المعصَّب، والآخرَ أسر الملقب بالبيت الممنَّع.
١٠٣  العواتر: الرماح.
١٠٤  الوزر الإثم.
١٠٥  أي يسرُّ صديقَه أنَّ الأعداءَ يمدحونه رغمًا على أُنوفِهم.
١٠٦  نابَ: نزل، وادلهمَّ اسودَّ وأظلمَ.
١٠٧  يقول: قل لجعفر يقولُ لأحمد ابن ورقاء: إني وإن كنتُ بعيدًا عنه، فأميلُ إلى صفاتِه الحميدة وأختارُ من شِيَمه السعيدةِ.
١٠٨  أي: مجروحةٌ من كل ناحيةٍ.
١٠٩  أي يجادلُ في عشقك كل مَن لامَ.
١١٠  ألبان الإبِل.
١١١  يقول: رمتْ بنا إليك من أرضِ الشام إبلٌ أضرَّ بها الحفاءُ، فقصُرتْ خطاها ودَميتْ صفحاتُ أرجُلها من كثرة السَّيرِ.
١١٢  النسوع: جمع نِسع، وهو السيرُ يُشَدُّ به الرحلُ.
١١٣  أي تستريحُ بالمكان المعروف بجوِّ راحِ.
١١٤  الذَّمَلان: نوعٌ من السير والهَرولةِ.
١١٥  عبارةٌ عن الانقيادِ.
١١٦  أراد بالتَّجافي التباعدَ عن المخالفةِ، أو الجفاءَ على نفسِه.
١١٧  الدِّرعُ الصُّلب.
١١٨  أي لا بدَّ لي من يوم حربٍ أعانقُ به الشجعانَ، ونتصافحُ ولكن بالسُّيوف وما أحسنَ التعانقَ والتصافحَ في هذا المقام.
١١٩  الرعديدُ: الجَبان وكثير الكلام، وأرادَ الأسافلَ البخلاء.
١٢٠  لكن لنا ديونٌ مقرَّرة، لا بدَّ من تحصيلها بالرماح التي ضمِنتْ تحصيلَها.
١٢١  القداح: الرَّمي بالسِّهام.
١٢٢  أريتَك: اسمُ فعل بمعنى: أخبِرْني.
١٢٣  معنى الأبيات: إنما كان عتبُك على تحمُّسي وامتداحِي لقومي؛ فكيف أَعيب مدحَهم على زعمك، والحال أن امتداحَهم امتداحٌ لي. ولو شئتُ أن أحييك بما أحجك لقدرتُ على ذلك، لكن عادتي خفضُ الجناح للأقارب، مع أني أعلم خطأَهم في الاعتراض، ومن عادتي أيضًا أن أتحمَّلَ المشاقَّ والصبرَ على كيد الأحبابِ صبرَ القِدر على الأثافي التي يوقد فيها النيران، وأني أجادِلُ بأشراف قومي غيرَهم.
١٢٤  الكُلوم: الجِراح.
١٢٥  الرسيم: الناقةُ الحسَنةُ المشيِ والفِعل، وهنا السيرُ للإبِل.
١٢٦  اليَعملاتُ: الإبل، والإرقال: سرعةُ سيرِها.
١٢٧  رام يريم بمَعنى: زال يزُول.
١٢٨  الأروم: الأصلُ الواحد.
١٢٩  يعني شرفتْ بنا قبيلةُ وائل؛ لأنَّ منها آباءَنا وأجدادنا، وفازتْ بعزِّنا تميم؛ لأنَّ أخوالَنا منها.
١٣٠  البغوم: الظَّبيةُ التي تصون ولدَها وتُناديه.
١٣١  اللدُّ: الذي لا يزيغ.
١٣٢  يخاطب نفسَه بأنَّ وقوفَه عارٌ في دار الأحبَّة بعد ذهابِ الشَّباب.
١٣٣  النَّزع: النُّصولُ عن الأمر، والعُقار: الخَمر.
١٣٤  أي عشقه بتلك الليالي ما أعارتْه لي من النَّعيم بلقاءِ المحبوبِ. والفرَس المعار لا يحرص عليها راكبُها؛ لأنه لا يملكها.
١٣٥  أعلُّ: أرشُف.
١٣٦  أي: قرُب الصبحُ.
١٣٧  يعني ولَّت المحبوبة، وهي تسارقني لحَظاتها وتلتفت إليَّ كالصوار، والصُّوار القطيعُ من بقَر الوحش.
١٣٨  وبار: جمع وَبرة، وهي من أيَّام العجوز.
١٣٩  أي أنَّ المضطغنَ سيجرُّ على قومه ذنبًا يكون سببًا لإبادَتِهم مع أن ذنوبهم قليلةٌ لا تستحقُّ هذه العقوبة.
١٤٠  يشير إلى قصَّتين معلومتَين وهو هلاكُ قبيلة نمير بجرم راعيها، وهلاك بني أسَد بذنب رجل اسمُه يسارُ.
١٤١  الصِّدار: سمةٌ على صَدر البعيرِ.
١٤٢  الغِرار: القليلُ من النوم.
١٤٣  الضمير في شتتناهنَّ عائدٌ إلى الخيل.
١٤٤  الجُبار: الهدَر.
١٤٥  الخواتل: جمعُ خاتلةٍ وهي التي تخدَع الرجلَ على نفسِه، والشَّأوُ: السبق والطلق، والجاملُ: القطيع من الإبل ورعاته وأربابه، والحي العظيم.
١٤٦  الخذولُ: الظبيةُ التي تخلَّفتْ عن صواحبِها.
١٤٧  قشيريَّة وقتريَّة نسبةً إلى قَبيلتين؛ فإنَّ قشيرة وقترة أَبَوا قَبيلتَين.
١٤٨  شُزَّبُ الخيل: ضَوامرُها.
١٤٩  يعني أنَّ حجةَ المحبوبةِ، ولو كانت باطلة، تعلق وتغلبني، وحجَّتي وإن كانت حقًا فهي غير منيُولة عندَها.
١٥٠  أي أن السيوفَ والرماح تطلب مني أن أقوم بحقِّها في الفتك بالأعداء، كما كان يتخيَّله فيَّ جداي.
١٥١  الأخلاف جمع خِلف، وهو الضرع، والبليةُ الناقةُ يموت ربُّها فتُشدُّ عند قبرِه حتى تموتَ. يزعمون أنه يركَبُها في البعثِ، والانتجاع طلبُ ما فيها من اللبن، والحوافل جمع حافلةٍ وهي الناقةُ التي في بَطنها داءٌ.
١٥٢  أي عما قليلٍ أخشى أن يقلَّ المتجاهل فضلًا عن المجمل.
١٥٣  الجهم: الغليظ المظهرُ الكراهةَ لمن رآهُ.
١٥٤  يحكي أنه شابَ قبل أن يبلغ العشرينَ سنة.
١٥٥  الرَّكبُ: القافلة والرِّكاب الرواحلُ.
١٥٦  المُطلُّ: المشرف، والهِضاب جمع هضبة، وهي الجبلُ المنبسطُ على الأرض والطويل الممتنع.
١٥٧  المحاشاةُ: الاستثناء، والمحاباة: الميل، يقال: حاباه، مال إليه.
١٥٨  الحرايب: جمعُ حريب، وهو ما يُعاشُ به من المال، وحِراب جمع حَربة.
١٥٩  أسنة خبرٌ لمبتدأٍ محذوفٍ تقديره: «نحن أسنَّتُه»، ويجوزُ أن تكون أسنَّتُه مبتدأً خبرُه صوارمُه؛ يعني: أسنَّتُه لذي الطعان هي سيوفُه عند الضِّراب.
١٦٠  يعني نحن صنايعُ سيف الدولة وغرسه، فما فينا من المَزايا الحسان؛ فإنما هو من فضله.
١٦١  الحباة ومعان والصبيرة وضباب: أسماءٌ لمواضعَ معروفة.
١٦٢  السَّراب ما يُرى في شدَّةِ الحر من بَعيد كالماء.
١٦٣  ماسج: اسمُ موضع. والليلُ طفلٌ؛ أي: أولُه، وحين شابَ آخرُه.
١٦٤  الثُّبات: سير الخيل دونَ الشدِّ، والشدُّ هو العَدْو.
١٦٥  انبرَى: انتصَبَ قائمًا واعترض، والفَجُّ: الطريقُ، والسوابق: الخيل.
١٦٦  الشعوب: جمع شَعب وهي القبيلة العظيمة، والشِّعاب: جمع شعبة وهو جبل الرمل، وصدع في الجبل يأوي إليه المطَر.
١٦٧  الإراغة: الطلبُ والإرادَة.
١٦٨  لا أبًا لهم: كلمةٌ تُستعمل في الذَّمِّ كأن لا أبَ له يُعرف، وقد تستعمل في المَدح بقرينةِ المقام؛ كأن لم يوجد له مثلٌ في البشر، وأكثرُ استعمالها في الذم.
١٦٩  العثْير: اسم مكان.
١٧٠  الجيران: اسم موضع، والآبال: جمع إبِل.
١٧١  الفَرَقْيَس على وزن سَمَيْدَع: اسمُ ماءٍ، ونكَّبنا عدَلنا.
١٧٢  الجباه ومرجحنٌّ اسما موضعٍ، والصابُ: نبتٌ له مرارة.
١٧٣  الضميرُ في «جُزن» للإبل، والوَخدُ: نوع من سير الإبل، وجَوبُ الفلاة: قطعُها.
١٧٤  تدمر والجبابا: اسما موضعٍ.
١٧٥  قرَينا: أطعمنا، والسماوة: اسمُ موضعٍ، والسِّغابُ: الجياعُ.
١٧٦  الصياح عبدُ عمارة المحاري دعيُّ زيد بن جُشم، كان عامل سيف الدولة بقنِّسرين فلما قتَله كعبٌ ونزار أوقع بهما ما حكَاه في هذه القصيدة. واللُّباب الخالص من كلِّ شيء.
١٧٧  الضِّباب حدُّ السيف، والحقد أيضًا.
١٧٨  الذناب: أيام الشر الطوال.
١٧٩  الأرى: العسل، والصاب: نَبتٌ مرٌّ.
١٨٠  يعني أن من عادة الملوك والأمراء أن تُرسل على أعدائهم الجيوش؛ أمَّا نحن فنَكتفي بإرسال كتابٍ يُغني عن إرسال جيشٍ؛ لأنهم لا يقدرون على المخالفة.
١٨١  أي ظنت قبيلةُ كلاب أنك لا تقصد غزوَها، وقد أحاط بك الأعداء وغنائمُها، فرأتْ منك خلافَ ما ظنَّت.
١٨٢  يعني: أنه لا يطلب الرحمةَ والمساعدةَ من سيف الدولة؛ حرصًا على الحياة فهو يبتذِلها لأول طالبٍ لها في القتال.
١٨٣  كأنْ مخففة، واسمُها ضمير الشأن محذوفٌ، وخبرُها أيضًا كذلك، وتقديره: أصيب كقول الشاعر:
أزِفَ الترحُّلُ غيرَ أنَّ ركابَنا
لما تزَل برحالنا وكأنْ قدِ
١٨٤  نضوتُ من نضا الثوبَ، إذا أبْلاه.
١٨٥  المسوَّد الجريءُ الشُّجاع، والتسويد الجراءَةُ.
١٨٦  الخطِّيُّ: الرمحُ. يقول: دعوتُك في حال تكسير رُمحي، وأخذِ العدا لي بالأَسر وتفلل حدَّ سَيفي.
١٨٧  الأغلَف الذي لم يختن، جمعُه غُلفٌ.
١٨٨  تشبَّثْ: تعلق. فُتَّ فوتها: ذهبتَ ذهابَها. يعرض سيف الدولة أنه لم يعامِله بمقتضى الكرَم.
١٨٩  يعني أن الزرازيين أعيَوا لكونهم لم يفتدوا معبدًا، فتخلَّفوا عنه حتى مات في الأَسْرِ ثم شرعوا يرثُونه بالقصائد ويَنشرونها بالبلاد.
١٩٠  يقصد بكَلب الروم سيدَهم؛ فإنه يفتدي أسراه.
١٩١  الاستفهام في أضحوا للشَّجب المتولد عن التوبيخ، يقول: إنهم يرجعون إليَّ في أسراهم، وأنت لا ترجع إليهم في خلاصي.
١٩٢  غير ملهَّدٍ: لا ذليل ولا ضعيف.
١٩٣  طولُ النجاد كنايةٌ عن طول القامة، ورحب المقلد: كنايةٌ عن سعة ما بين المنكبَين وهو دليلُ الشجاعة.
١٩٤  المقصد: اسم فاعل من أقصَد السهم، إذا أصاب فقتل.
١٩٥  يقول: لولا ولاؤُك ما كنت ألاقي ألفًا من النصارى بسبعين رجلٍ فيهم كل أشأم على الأعداء أنكد.
١٩٦  يقصِدُ أن شأنَ الدهر تغييرُ الأحوال، فإذا فتق من جانب رقع من آخر.
١٩٧  أخلقَتْ: بلِيتْ، يخاطبُ سيف الدولة أنك ألبَسْتَني ثوبَ نِعَمٍ جليلة القدر، لكنها قدمت وبَلِيَتْ، فجدِّدْها بنِعمة الخَلاص من الأَسر.
١٩٨  غير مصرَّد؛ أي: غير مفعول، من صرَّده أي سقَاهُ دون الرِّي.
١٩٩  جانبْ بمعنى: قارب.
٢٠٠  التَّحامي: التجنُّب. والأُساة جمع آسٍ، وهو الطبيبُ، والدخيل: الداخلُ من البدَن.
٢٠١  أراد عُصبية سيف الدولة، مصغَّر عُصبة بالتحريك، وهي قَرابة الرجل لأبيه، والتصغير هنا للتحبُّب.
٢٠٢  يعني لما لم أجدْ صاحبًا وفيًّا؛ صرت أعد الذي يترك محسنًا، والخليل الذي لا يضرُّ هو الذي يعد خليلًا.
٢٠٣  يعني: هذا شأنُ الدنيا وأهلِها من عدَم البقاءِ على الصحبة، كما في قصةِ عمرو بن الزبير مع خليله، وتخلية أمير المؤمنين سيف الدولة قبيلةَ عقيل الذين قادهم ندَى بن جعفر، كما ذكر سابقًا.
٢٠٤  يقول لأمه: لا تجزَعي فيفوتَك الأجر؛ لأن الثواب بقدرِ الصبر على المُصيبة.
٢٠٥  ذاتُ النِّطاقين: أسماءُ بنت أبي بكر، وقصتُها في مقتل ابنها عبد الله بنِ الزبير مَشهورة.
٢٠٦  غالَ: أهلك، والغُول بالضمِّ: الهلَكة والدَّاهية.
٢٠٧  يعني أن صفيةَ مع أنها بكَتْ على مقتل أخيها حمزة فقد نالتِ الأجر بصَبرها.
٢٠٨  الرنَّةُ: الصياحُ ورفع الصوت، ومثله العَويلُ.
٢٠٩  أي: باتت أكفُّ الخدَم والأطباءِ تقلِّبه طولَ الليل.
٢١٠  يدلُّ أنه كان محسنًا للضيوف والمارَّة عليه.
٢١١  أي: بعد أن مَرِض لم يعدْ مَن يعطي الرماح والنصولَ حقَّها في الحَرب.
٢١٢  يتوسَّلُ إلى الله تعالى أن يقوِّي ضعفَه، ويقرِّبه من سيفِ الدولة؛ لأنه لم يشبَع من صُحبته وخِدمته.
٢١٣  يعني أن الله يبعثُ بالصَّبرِ لكل ذي مصيبة على قدرِ تلك المصيبةِ.
٢١٤  الرفيقُ الأوَّل من الرَّفاقة، بمعنى الصحبة، والرفيقُ الثاني بمعنى الرَّحمة.
٢١٥  أي أليس للجميل السابق عندكَ جزاءً، وليس عندكَ للمسيء إذا تاب قبولُ توبتِه.
٢١٦  الخريدةُ: البكر التي لم تُمسَّ، والكَعاب: البنت التي بدأ ثَدْياها.
٢١٧  الروقة: حسنُ المنظر.
٢١٨  الرِّكاب: الإبلُ التي يُسار عليها.
٢١٩  أي يَنبغي أن لا يفارقَ الإنسانُ أحبابَه، ما دامَ قادرًا لكن إذا اقتضى أمر الفراق من جانبِهم فلْيفارقهم مؤبدًا.
٢٢٠  تنوشني: تتَناولني.
٢٢١  أي كيف يثقُ بالناس وقد صاروا ذئابًا في صُورة البشر.
٢٢٢  يقول: تغابيتُ عن قومي فظنُّوني غبيًّا، جعل اللهُ في رأسِ مَن كانَ كذلك حصًى وترابًا أي أماتَه.
٢٢٣  الهجير: شدةُ الحرِّ.
٢٢٤  المعتفون: هم الذين يطلبون الدنيا.
٢٢٥  السابِحُ: الجواد، والقِباب: الخِيام.
٢٢٦  أي أنَّ هذه القبائلَ ستذكره على ألطافهِ بها.
٢٢٧  العورة هنا ما يُستحيا به.
٢٢٨  يقول: أيُّ فائدةٍ للسيف إذا كان به فُلول وفي حدِّه انثِلامٌ.
٢٢٩  الرِّحابُ الأول: جمع رحبة وهي السَّاحة، والثاني: بمعنى الواسِعة.
٢٣٠  النِّهاب: جمع نُهب بالضم، وهو الغنيمة.
٢٣١  جعل للموت ظُفرًا ونابًا على طريق الاستعارةِ.
٢٣٢  يقول لسيفِ الدولة: إذا لم يكن بيننا وُدٌّ ولا نسب ولا قرابة؛ فعلى الإسلام أن لا يخسَرني، والحالُ أن في القرابة الإسلامية لي عنك حراسةً ونيابةً.
٢٣٣  أراد بالخلتين: الإضاعةُ وعدَمُها.
٢٣٤  الزخرة من زخَر البحرُ، إذا طمى. وحَباب الماء: معظمه وما يعلُوه من الفَقاقيع.
٢٣٥  أي: أجازَى بالعِتابِ المُرِّ وأنا في حالةٍ تقتضي الرَّحمةَ.
٢٣٦  بالس: اسم مكان.
٢٣٧  أي تركت الناس جميعَهم للدَّهر وأخذتُك وحدَك منه، فلا أنا مغبونٌ في هذا العَقد ولا الدهر غابنٌ لي؛ لأنك تساوي جميعَ الناس.
٢٣٨  يعني كثيرًا ما يسودُ الأماجدَ ماجدٌ منهم، ويزين الفوارسَ فارسٌ منهم.
٢٣٩  القِمة: بالكسر أعلى الرَّأسِ.
٢٤٠  المعاطس: الأُنوف.
٢٤١  الكَبْلُ: القَيدُ، والصِّيد بكسر الصاد: جمع أصيَد وهو المَلِك.
٢٤٢  أي: إنه مكرَّمٌ في أسرِه عند الرُّوم.
٢٤٣  الغَرب: الفرسُ الشديدُ الجريءُ، والتَّضوُّع: الانتشار.
٢٤٤  المضياعة: المبالغةُ في تضييعِ الشيء. والغِر: الذي لم يجرِّبِ الأمور.
٢٤٥  الأجرَع: كثيبٌ في جانبٍ منه رَملٌ، وفي جانبٍ حجارةٌ.
٢٤٦  يقول: وهبتُ شَبابي — الذي حقُّه أن يُبخَل به — لواضحِ الوجه طلقِهِ من أبناء عمي.
٢٤٧  يعني أراعي رِضاه في جميعِ أَوقاتي.
٢٤٨  أي يدومُ لي وفاؤُه، فيعاملُني كما أعامِلُه.
٢٤٩  الخُطة: الطَّريقةُ والخصلة.
٢٥٠  القُنوع بالضم: السؤالُ والتضرع، والرضى بالقسم ضدٌّ. والمراد هنا الرِّضا بالقَسْم. يقول: لقد قنَع قومي بعدي من المطر بالنَّدى.
٢٥١  يقول: إن سيفَ الدولة عرَّض بي ضمنَ كلامِه، وقرَّعني: وبَّخني.
٢٥٢  يقول: لو أخفيتُ الودَّ في جَوانحي؛ لأورقَ وفرَّعَ.
٢٥٣  أوضعَه: أطلَعه على رأيِه.
٢٥٤  يقول: وإن جفاني سيفُ الدولة في بعض الأمور؛ فإن له عندي نُعمى سالفة يستحق أن أشكره عليها، وإن جدَّد صحبةَ أحدٍ بعدي واستَبْدَله بي؛ فإنه لا يجِد مثلي، وإن وجدَ فإنه لا يزال ممتَّعًا به.
٢٥٥  يخاطِب الحمامة بقوله لها: كيف تكونين محزونةَ القلب، وأنتِ على غُصن طويل عال.
٢٥٦  يقول للحَمامة: إذا أردت أن تعرفي حالَتي فتعالَيْ لتري روحًا ضعيفةً تردَّدُ في جسم معذَّب بالٍ من العشقِ.
٢٥٧  أراد بأحمد النَّبيَّ وعليُّ ابنُ عمه ابنُ أبي طالب (رضه).
٢٥٨  وفاطمةُ الزهراء بنتُ النبي، وسبطيه: أي الحسنُ والحسينُ، والإمام علي.
٢٥٩  هو عليُّ بنُ الحسين زين العابدين، والباقرُ هو محمد بن عليٍّ. وسمي بالباقر؛ لأنه بقَر العلمَ، وفيه قالَ القُرطبي:
يا باقرَ العلمِ لأهلِ التُّقَى
وخيرَ مَن لبَّى على الجبَلِ
٢٦٠  هو أبو جعفرٍ محمدُ الصادق، وابنُه كان يلقَّب بالذَّكيِّ.
٢٦١  أي: إذا أرَدْنا إبعادَ قبيلةٍ أبعَدْناها بسُرعة؛ حتى تكونَ نجدٌ أقربَ منها ومِن أهلها.
٢٦٢  أي: إلى مَتى نصبرُ مع مقدِرتنا على الانتقام، وسيوفُنا متعطشة إلى شرب الدِّماء وامتَلأت خيولُنا حقدًا عليهم.
٢٦٣  يقول: أخافُ أن لا أملك نفسي وفيها للحربِ بوادرُ بطشٍ لا يُمكن ردُّها.
٢٦٤  الغلَس: قبيل الصبح.
٢٦٥  كنايةٌ عن خَمرةٍ مشعشعة.
٢٦٦  ذُدت أي: منعت، والفرائسُ: التي تفترس، والضباعُ هنا نجومُ شبه بها حبائبه.
٢٦٧  العينُ الأولى بمعنى الذَّاتِ، عبارة عن المحبوبة. والعينُ الثانية بمعنى الباصرة والأرَقُ سَهلُ الليل.
٢٦٨  يقول: لولاك يا محبوبتي لما أوقعتْني الحدَق فيما أكرهه، فالحدَق جمع حدَقة العينِ.
٢٦٩  الخليطُ: الشريكُ والطريق والزوج وابنُ العم، والذين أمرهم واحد.
٢٧٠  صبٌّ أي: مصبوب.
٢٧١  القريعُ: المختار والسيِّد.
٢٧٢  تنكبني: تُبعدني وتُلحيني.
٢٧٣  الحَرِب: الشجاع.
٢٧٤  المشمخرُّ: المتكبر.
٢٧٥  العافي: الفقير.
٢٧٦  غَضَّ: نقَص.
٢٧٧  العتيد: الحاضرُ المهيَّأ.
٢٧٨  الأشبُ: الاختلاط والالتفات وفي حديث، أي: مكتوم بيني وبينك، أشب؛ أي: حبل ملتفَّة.
٢٧٩  الكثَب: القُرب.
٢٨٠  يقال: أغبَّه إذا زارَه في كل أسبوع مرة، أو كل يومينِ مرَّة.
٢٨١  الإِلبُ بالكسر: الفتن والبلايا.
٢٨٢  يعني مع أنك تدفعُ البلايا عن الناس، فأنت عليَّ بليةٌ.
٢٨٣  أي: إلى كم تُعاتبني على غيرِ جُرمٍ مني، وأنا أعتذرُ إليك ولا ذنبَ لي لأعتذر منه.
٢٨٤  النَّدبُ: أثرُ الجُرح الباقي بعد اندمالِه.
٢٨٥  عضب نعتُ لسان؛ أي: لي لسانٌ كالسَّيفِ يقدُّ الدرع ومَن فيه.
٢٨٦  ليس تخبو أي لا انطفاءَ لها.
٢٨٧  الصِّيدُ: السادة، والغلب: ج أغلَب وهو الغليظُ الرقبةِ.
٢٨٨  التِّربُ بالكسر المساوي لك في العُمر.
٢٨٩  يقول: لما حالتِ الأعداءُ بيني وبين سيف الدولة، وطالتْ بيننا مسافةُ البحر والدَّرب اتخذت بدلًا بعدي، وليبلغني عنك اعتيابٌ لي لا ينقطع، وفي قوله: ظلِلت التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطابِ.
٢٩٠  غَربُ الجيش: حدَّته ونشاطُه.
٢٩١  أراد بالحارثِ أبا فراسٍ.
٢٩٢  النِّزاع: الاشتياقُ، والنُّزوعُ الانتهاء.
٢٩٣  يخاطِبُ القرح الموجود في قلبِه؛ أنه لم يندمل الجرحُ الأوَّلُ، حتى أصابه جرحٌ آخر، فكيفَ يحملُ هذين الجرحين وكلُّ واحد منهما يُقتل.
٢٩٤  أراد بالجدِّ بالفَتح البختَ.
٢٩٥  يقول: كيفَ السبيلُ إلى طيفٍ ترجُو زيارتَه، وأنت لا تنام والطيفُ لا يكون إلا في المَنام.
٢٩٦  أي: إن الحبَّ يأمرُه بالوِصال والصيانة تزجُره عنه، والصبر لازم في أول الحبِّ وآخره.
٢٩٧  أي إن أحبَّ أو أضناهُ شوقُه إلى محادثة الأحبة، فمآزرُه العفاف والتقوى.
٢٩٨  الشَّحط: البُعد.
٢٩٩  زمت: تقدَّمت للسَّير يخاطِبُ رفاقَه من العشاق؛ ليخبروه عن حال الفريق الذين تقدَّمت جِمالهم.
٣٠٠  الجؤذر: ولَدُ البقرة.
٣٠١  يُزجي: يسوقُ، ويستطرقُ: ينزل عندهم ليلًا أو بكرة.
٣٠٢  المشاعر: الحواس.
٣٠٣  أي: يخاف من طُروق الحي بَغتة، فيحتال بكيفية الوصول إلى الحيِّ بعد نوم الساهر فيه.
٣٠٤  الجُمان: جمع جُمانة، وهي حبَّة تعمل من الفضة والدر اللؤلؤ، وأراد بالجمان الثاني والدُّرِّ الثاني صفحاتِ خدَّيه.
٣٠٥  الخرائد: جمع خريدة، وهي البكرُ التي لم تُمسَّ؛ فإنهنَّ لا يقتنين إلا أنفس الدر عادة.
٣٠٦  يقول: فقدتُ أبي وأنا صغير، فكان سيف الدولة لي أبًا كريم الأصل.
٣٠٧  أي لا زال لي ملجًا ومُنجيًا مما أخافُه، ولا زال في ملجأٍ ومنجًى مما يخافُه.
٣٠٨  يقول: لا فرق بيني وبينك فكل ما وجد عندي فهو لك وكل ما حضر عندك فهو لي كأنهما شيء واحد.
٣٠٩  هذا البيت تكرَّر في هذه القصيدة، وربما كان من الكُتَّاب.
٣١٠  النَّبْوَةُ من نبا السيفُ إذا لم يعُدْ يقطَع. والذائدُ بمعنى الحامِي.
٣١١  المرائر: جمع مِرة وهي القوة والعقل، وإثباته للمجد.
٣١٢  الوَسْمي من أوصافِ المطر، كأنَّه يسمُ الأرض بوقوعه، وهو أول ما يقع، والوَلْيُ من المطَر الذي يَليه.
٣١٣  اليَدُ بمعنى النِّعمةِ.
٣١٤  أي علِقت يدي بعِلقٍ نفيسٍ، يحِقُّ أن يُضنَّ ويُبخلَ به.
٣١٥  ذرَّ بالذال المعجمة، من ذرَّ الذَّرورَ في العينِ؛ أي وضعَه.
٣١٦  يقول: مازلنا نشاعرُ؛ حتى غلبتْني فضائلُه، وسبقني فحازَ الفضلَ وحده.
٣١٧  الإِياب: الرجوع.
٣١٨  نمير وبني سبيعة والضباب: أسماء قبائل من العرب.
٣١٩  لا أرَى وجهًا لجزم يمنُنْ.
٣٢٠  يقصد بالعلج فارس الروم.
٣٢١  يعني كانوا أكثرَ منا عددًا، فقتَلْنا منهم كثيرًا حتى صِرنا نحن الأكثرَ وهم الأقلَّ.
٣٢٢  أي ضربٌ مرةً بعد أُخرى.
٣٢٣  يقول لبني نمير: اذهَبي وراءَك فلا إمامَ لك، وقد حرمنا عليك سكنى الجزيرة والشام.
٣٢٤  أي لهم زحامٌ، والأرضُ واسعةٌ جملةٌ معترضةٌ.
٣٢٥  يقول: قلت لمُطعم: أتهربُ من السيفِ وتجعلُ بيني وبينك الرمح الذي كُعوبه عشرون، فيا فضيحتَك يا غُلام.
٣٢٦  أي تلعَبُ في خَيالها.
٣٢٧  العبان السِّمان من الجِمال.
٣٢٨  يقول: تركت الذين أصَبْتهم من الفرسان عاثرين إليَّ؛ إذ لم يبق لشجعانها فائدة في الخلاص فضلًا عن تخليص غيرهم، ولم يبق إلا النساء تطاردني وتمنعني عن نفسها وعن أبياتها؛ حال كوني راغبًا وراحمًا لأطفالهنَّ.
٣٢٩  أي تعثر في أثوابها، وقد رأتِ الموتَ من مكان قريب.
٣٣٠  أي كنت لنساء بني كلاب بمنزلة الأخ والأب إذ لا أخ ولا أب لهنَّ.
٣٣١  يعني يُعظِّمونها برَفعِ الذَّيل المنسحِب، وهذا شأنُ الأعزَّة تُرفع ذُيولهم.
٣٣٢  وذلك لِما عاملَهم به سيفُ الدولة من مكارمِ الأخلاق من إطلاق بنتِ مماغث بعد الاستيلاء عليهم، وردِّه ما سُلب من سلاح قومها بشفاعتها.
٣٣٣  الجوشَن: الدِّرع، والاشتجار الاختلاط.
٣٣٤  العذَبات: جمع عَذبة، وهي ما يُرخى من طرَف العِمامة على الظهر.
٣٣٥  أي قليل الصَّفح بين صفاح السيوف؛ أي: وقت المعركة.
٣٣٦  قَلبُ العسكر: وسطه، وجناحاه: ميمنَتُه وميسرته.
٣٣٧  أراد بالاسم الملغَز به: قرفف، من أسماء الخمر؛ يقصِد في كلما ناديتُه كرَّرت معناه: أن كلما دعوت بالإتيان به كرَّرت شربَه، وقوله: ستةُ أشخاص أي: ستة أحرف إذا تضعف (قرَّ وقفَّ)، والخمسة يعني: أن هذه الحروف كل واحد منها له شبَه مثله. ويعني أنها أربعة في الصورة، وستة في التهجي بملاحظَة التضعيف. والإثم من أسمائه أيضًا كما قال الفارض:
وقالوا شربتَ الإثمَ كلا وإنما
شربت التي في تَركِها عنديَ الإثمُ
٣٣٨  تجافي أي: وتسامح عن الذنوب.
٣٣٩  يقول: إذا شكوت منك؛ كيف يمكن أن أشكوَ مَن به غيظ أعدائي وقهر حسادي.
٣٤٠  يشرق: أي يغص.
٣٤١  استدارك للمعنى السابق؛ أي إن ظهور خلاف المأمول، وإن كان إساءة لكن يمحوها ما تكنَّفها من المسرَّات.
٣٤٢  يقول: إن الفتى من بني أبيه؛ أي أخوته يُعرف بسيماه، ويُميَّز بحسن شمائله، فيفديه الناس بأنفسهم، وعليه رداء الحشمة وحوله الحشَم والخدَم، وهو طويل القامة سبط الأنامل.
٣٤٣  أي: لنا بيتٌ رفيعٌ جهاتُ أطنابه، بعيدةٌ سامية فوق عنق الثريا، وظلالته الرماح من الفوارس، وفراشه الطعام الذي تأتي به الخدَم والإماء.
٣٤٤  يقول: يا مَن عُنيت بالعذل ووَلِعت به، ارفقي بقلبي فهو يحمل الفراق ولو كان صخرًا.
٣٤٥  يعني: أن النحول والرقةَ تُحمد في السيف وفي جياد الخيل، فكيف يُعاب على العاشق نحولُه وسقامه.
٣٤٦  أجابَ المحبوبةَ لما سألتْه متعجِّبةً عما دهَاه: أن الجالب لمصائبه هي والدهر.
٣٤٧  يقول: يا صاحبي سري: إنَّ المحبوبة تذكرني نجدًا وسكانَها، فهل ينفع الذكر للعاشق الذي فارقه أحبابَه (هيهات).
٣٤٨  الكُثبان: جمع كثب، وهو التلُّ المتجمع من الرمل. والقَفر: الخالي من الكلأ والماء.
٣٤٩  أراد بالغزيرية الصبر: السَّحائب.
٣٥٠  يقول: إن بين المكان المعروف بفيدَ والمكانِ المعروف بحاجر شبهَ السفينة، وما أحاط به من سَراب القِيعان يُشبهُ البحرَ، والقِيعان جمع قاعٍ.
٣٥١  يقول: منعني عن نجدٍ اشتغالي بطَرد أعداء مَنهلٍ، وقد كثر النَّظرُ الشزر من وُرَّاده.
٣٥٢  يقول: إذا أشعل المرء نارَ الإغارة على الأعداء، فكلُّ بلدٍ نزله كان له ثغرًا يصونُه منهم.
٣٥٣  الملاء جمع ملاءَة بالمدِّ، وهي نوعٌ من الأثوابِ، فشبَّه ما يقع على تلك من دماءِ الأعداء بالطراز الأحمر لذلك الثوب.
٣٥٤  العبيطُ: الهودَجُ، يقول: رجعتُ من تشييعِ المحبوب، وقلبي عند الهودج وأنا كثيرُ الالتفات إليه.
٣٥٥  يقول: إن في ذاك الحجيج بكرًا، لها غير سترها سترٌ من الصيانة.
٣٥٦  هذا من المبالغة في العفَّة والديانةِ والصِّيانة.
٣٥٧  ذوَى: بمعنى يبَس.
٣٥٨  القل والنَّزرُ: بمعنى القليل، والجدَى: النفع.
٣٥٩  يعني لحَماقته يريدُ ينفع فيضر، ويريد يضر فينفَع.
٣٦٠  يقول: وربَّ أخٍ أطعتُه فما عرَف قدرَ طاعتي له، فكان جهلُه بالأمر بمنزلة الأمر بالخروج عن طاعَته.
٣٦١  أي: إن المرء لا ينال المجد والشرف في وطنه، وإنما يناله في الغربة كالصَّقر الذي لا يصيدُ إلا خارجَ وكرِه.
٣٦٢  يقول: إن كثيرًا من الحقَدة لقيتُهم بطلاقةِ وجهٍ أنبأني ما في ضمائرهم، وهذا شأنُ الرجلِ العاقل المجرِّب.
٣٦٣  يقول: رُبَّ شخص جعل في رأسه طرة مسدولة الجوانب على خديه، كأنها من زرد ركب بعضه فوق بعض.
٣٦٤  شبَّه الثنايا بالغزالة وهي الشمس، وعنقَه بعُنق الغزال.
٣٦٥  الشادن: الغزالُ، والعين: الرقيب.
٣٦٦  إن خبر «أنَّا» محذوفٌ تقديره: «راجعون».
٣٦٧  الضنين الأول بمعنى المتهم، والثاني: البخيل. أراد بالأول نفسه وبالثاني المحبوب.
٣٦٨  الغريرُ: الحسنُ الخلقِ، والكناسة: مأوى الظباء، والعون: بقر الوحش وصور الأشكال.
٣٦٩  يخاطِبُ المحبوبَ، ويقسم عليه بعَيشه أن يردَّ اللئام؛ لئلا تجرحَه العيون بنظَرِها، ومن اللائق أن لا يرى وجهك ولا يُجتلى حسنك لكل أحد، ثم دعا له بأن يأمن من صروف الزمان كما أمِن هو على عاشقِه السآمة والملل.
٣٧٠  يقال: ساءَه إذا فعَل به ما يُكره، وأساءه: إذا أضرَّه.
٣٧١  يخاطب سيفَ الدولة، ويقول بأنه أفاضَ عليه الجود والإحسان من قبل هذه الصنيعة، وأفضل من هذ ما يؤمله منه في المستقبل.
٣٧٢  وحمرَ سيوفٍ (بالنصب): عطفٌ على الجود في البيت الذي قبله، وقوله «لا تجف لها ظبى»: أي ملطخة بدمِ الأعداء. والظُّبى: جمع ظبية، وهي: حد السيف. واللِّبدُ: ما تلبَّد في ظَهر الأسَد.
٣٧٣  السَّرد: نسج الدرع، والزُّرق: الرماح.
٣٧٤  يعني بالمصطحبات الخيل.
٣٧٥  المَجد: المَوروث.
٣٧٦  الاصطلام: الاستئصال.
٣٧٧  القضم: الكسر، يقول قد رأيتك بين العسكرين تجول بلا اكتراث، كأنك ترى السلامة من طَعن الرماح هي الهَلاك.
٣٧٨  رقاق البيض: السيوف، والعجاج: الغبار.
٣٧٩  الأَمَم: القصدُ والوسط.
٣٨٠  يقول: بخلت علينا فلمْ تدعُنا نقاتل معك، مع أنك موصولٌ بالكرم دائمًا.
٣٨١  الجفن: الغِمد. والصَّمصامة الخذم: السيف القاطع.
٣٨٢  يقولُ: احضر يا عاذِري من الشعرات البِيض التي طَلَعن في عذاري، واعذرني من طلوعها ومن رد الشباب المستعار.
٣٨٣  يقول للشباب جاورت بدلًا من شرِّ جار، وهو الشيب الذي يشكو من ظلمه.
٣٨٤  أراد بالفَجر أولَ الشَّيب، وبمنبلج النهار: اشتعاله به حتى عمَّ كل شعره.
٣٨٥  الطلائح: الإبل وقد أضعَفها السير في القِفار.
٣٨٦  الرَّوايا: جمعُ رواية وهي القِربة، والمثار: ما أُثير وقت الاصطياد. يقول: انخنا وما عندنا ماءٌ سوى ما في القِرب، ولا زاد إلا الصيد الذي نصطادُه.
٣٨٧  الأين: الإِعياءُ والتعب، وسلع: اسم موضع.
٣٨٨  البزل: الجِمال التي طعَنت في السنة التاسعة، والمَطايا: جمعُ مطية وهي الراحلة، والخلائق: وصف للإبل التي من جنبها، والصفار: دويبة تكون في مناسمها.
٣٨٩  يقول: وربَّ معتكفٍ على حلب باك يفوت آماله العطاش المحرورين بنارِ فَقْدِ المأمول، وأراد بالمعتكفِ نفسَه.
٣٩٠  العنس: الناقة القوية، وأمون الرحل: محل الرحل، وهو الظهر وموجدة الفقار أي مستوية عظمات الظهر لسِمَنها.
٣٩١  الغمَرات: جمع غمرة، وهي: الشدة، والخِرقُ بالكسر: الغَضوب، والشبل: ولَد الأسد، والذمار ما يلزمُك حمايتُه.
٣٩٢  أراد بمأمون الفرار نفسَه؛ أي: يستحيلُ أن يفرَّ ويتركَهم.
٣٩٣  المغير الذي يغير، والمغير: السديد المحكم. يَقول في معنى البَيتين لا خافَتْني الملوكُ إن لم أصبحْها بعسكرٍ غبارُه كثير متراكم، لا ينزلُ عليهم نزولَ المسافر، وإنما يغير عليهم وينهبِّهم، وأصبحهم برأي محكم لا يخطئ الإصابة.
٣٩٤  أراد بالحمامة الناقةَ البيضاء، واليسار ماءٌ تنزله بنو كلاب.
٣٩٥  المهاري جمع مُهرة، والمهار جمع مُهر.
٣٩٦  المَغار بالفتح: الغارة.
٣٩٧  الخَضارم جمعُ خضرم، وهو السيد الحَمول، يعني تخفق حوله الراياتُ، وتتبعُه سادات نِزار وأشرافُهم.
٣٩٨  الحُمس بالضم: أماكن القتال الصلبة، والمعنى: كم من رجلٍ تركتُه منهزمًا، وإن كان متعودًا الكرَّ على الفرسان في ساحاتِ القِتال، فهو معتادٌ أن يفرَّ من أمام وجهي.
٣٩٩  أي: إن قوتَ الهوانِ أذلُّ من الذي يَقتاتُه.
٤٠٠  يقال ندَّاه: إذا أحضره، والنوادي: جمع نادي وهي مُجتَمعُ الناس.
٤٠١  أي: لا حرج عليَّ ولا إثم إذا جازيت السُّفهاء بسُوءٍ على تحمُّلِهم.
٤٠٢  يقول: قتلت الذي تعوَّد أن يعل ويشرَب مرَّةً أخرى من لبن اللقاح، واللقاح: جمع لقوح وهي الناقة الحَلوب.
٤٠٣  أي: إن كنتَ تزعم أنك ذو وفاء وقد مات من يعزُّ عليك، فمُتْ معه قبل أوان موتك إن كنت صادقًا.
٤٠٤  العقيلة: السيدة المخدرة وهو يخاطِبُها.
٤٠٥  يقول لو ردَّ تلك المصيبة ما تستحقه تلك العَقيلة، لفدينا رُزءها بالأرواح كارهين الحياة.
٤٠٦  يقول: في معنى البيتين إن تطيُّري بالصداع نالَ مني ما لم ينَلْه الصداع مني، ولقيت منه اتفاقَ سوء؛ لأنَّ التطير بصدِّ المحبوب عنه كالصُّداع.
٤٠٧  يقول: أخرج كاتب سلطان المحبة؛ فما حقي أن ديوانه الذي كتب فيه أسماء العشاق مفتتحٌ باسم هذا الفتى الذي هو أبو فراس.
٤٠٨  أي هل تقبلُ العلة النفس مني عمَّن هو أعز من نفسي، والله يعلم أنه غير غال إذا فديته بها.
٤٠٩  أي يضَعُ الرِّفقَ في موضعه، والشدة في موضعِها.
٤١٠  الرَّيط: جمعُ رَيطةٍ وهو الثَّوبُ الرَّقيق.
٤١١  المعنى في «فاحت» راجعٌ إلى الخمر، وإن لم تُذكَر فقد عُلمَت من السَّياقِ.
٤١٢  الهادي: المتقدِّمُ في السَّير، والحادي: المتأخِّر.
٤١٣  العاتق: المنكِب، والهادي: العُنُق.
٤١٤  البادي هنا من الابتداء.
٤١٥  العَوادِي من العُدوان، وعدتني منعتني.
٤١٦  أي يهونُ عليَّ ملاقاةُ سُمر الرماح، لو علمتُ أني أفوزُ بالوَصل.
٤١٧  رسيسُ شوقي: أي تَأتِّيه.
٤١٨  أنا وإيَّاه كالكفِّ المتَّصلة بالزَّند، أي: كاليَد الواحِدة.
٤١٩  الأزمة: الشدة، والحلَّال: جمعُ حال، خبرُ نحن.
٤٢٠  غطاريف وائل: ساداتُها، ويقصِد بخِفاف اللِّحى: رزانة العقل؛ فإنه إذا طالتِ اللحية تكوسَج العَقل، وقوله: شُم الأُنوف؛ إشارة إلى كِبَر نفوسهم.
٤٢١  اشتَوَرتْ: تشاوَرَتْ.
٤٢٢  أي: يَمنعني من التَّطبُّع بطَبعِ الحريص أني أبيُّ النفسِ ذو مروءةٍ وقناعة وعفاف.
٤٢٣  أي: لا كثرةُ الخيل ولا كثرةُ المواشي تزيدُ لي شرفي.
٤٢٤  الثَّرى بالقَصر: حُسن العطاء، وبالمد: الخَير.
٤٢٥  الغِنى بالقَصر: الثروة. وبالمدِّ التَّغني.
٤٢٦  الآمَبِيس: اسم مكان، والعيرانة من الإبل: وصف لها بأنها تغار من سير رِفاقها، والعَيطموس: الطيب الخلق من الإبل.
٤٢٧  الخَندريس: المُدام.
٤٢٨  يقصِد بأمِّ ضروس: الشدائد.
٤٢٩  يقول في هذه الأَبياتِ: بعثت إليك بوثيقةٍ ملَّكتُك فيها نفسي هديةً؛ إذ يُهدى إلى الجليل أجلُّ ما يكون، وجعلت جميع ما أملك بشرى لمَن بشَّرني بقَبولك نفسي، وذلك لأني رأيتك عديمَ المثال.
٤٣٠  الحِبر: نوعٌ من الثياب.
٤٣١  التَّرفُ: التنعُّم.
٤٣٢  يقول: سُروري كلَمعة البرق يلوح ويروح، أما أسَفي فممتدٌّ امتدادَ الدهر.
٤٣٣  الأَمم: القَصدُ والإِصابة.
٤٣٤  يقول لأمه: إنها عليلةٌ بالشام، وإن معلِّلَها؛ أي: هو بات في قبضة الأعداء بعيدًا عنها.
٤٣٥  يقول: إذا سكن وجعُها، ومن أين له السكونُ، عرضتْ لها ذكرى تُزعِجُها وتُقَلْقِلُها.
٤٣٦  أي: إن تلك العليلةَ تَسألُ قائلةً من رأى بحِصن حرشنةٍ أسدًا مقيدًا بالحديد، أو من رأى الطُّرقات حائلةً بيني وبين الحبيب، وهي مرتفعة وطويلة، أو من رأى القُيود موثَّقة بأرجُل ابني وحبيبي مثقلٌ بها.
٤٣٧  يقول للراكبين السائرين إلى أمه: هل بكما مرحمةٌ في حَمل سرٍّ خفيف محملُه.
٤٣٨  يقولُ لأمه: إن هذه المواردَ تارةً نشرب منها وتارة نَسقي غيرَنا.
٤٣٩  أي: إن الرجال الذين اتخذَهم قومُنا بعدَنا للحرب، أشرفُهم لا يصل إلى أدنى علاي.
٤٤٠  يخاطبُ سيفَ الدولة.
٤٤١  يقول: يجوزُ التيممُ لمُدرك الماء، أما أنا فلستُ كغيري يرضى بالدُّون عن العالي.
٤٤٢  أي: كيف أمكنَ أن ترجع إلى الموجعة لأسري، مع أنَّ اعتمادَها عليك وحدَك.
٤٤٣  جاءت تسألُ منك خَلاصي، والناس ينتظرون على أي حالةٍ ترجع من عندك إبقاء مرامِها أم بحِرْمَانها.
٤٤٤  يعني: كيف توسع داركَ، ونحن في الأسر نقلعُ الحجارة.
٤٤٥  رأيت: جوابُ «لو» في البيت الذي قبله.
٤٤٦  انبرَى: اعترضَ، والقمقام: السيد، والمعقل: الملجأ.
٤٤٧  أي: المحتالُ البصيرُ في تغلُّبِ الأُمورِ.
٤٤٨  العارفةُ: الإِحسان.
٤٤٩  قوله: «قد علمت» جُملة معترضة والفُضُل بضمَّتَينِ المتفضِّل.
٤٥٠  المشار إليه بذا: فداءُ أبي فراس.
٤٥١  يفرِي: يقطَع.
٤٥٢  أي خذا لي من سَيفِ الدَّولةِ مالًا أفتدي به نَفسي.
٤٥٣  المسابير: جمعُ مسبار وهو آلةٌ يسبُر بها الأطباءُ عمقَ الجراحِ، والإهاب: الجلد.
٤٥٤  يقول: إن جئت خرشنة الآن أسيرًا، فلا غرو فقد احتطت بها قبلَ الآن في أثناء إغارتي عليها، وأوقعت بها ما يأتي.
٤٥٥  الحو: الضاربة إلى السُّمرة، والحوراء: البيضاء إلى الصفرة.
٤٥٦  الغرير: الحسَن الخلق.
٤٥٧  يخاطِبُ نفسَه فيقولُ لها: اصبري لعلَّ الله يأتي بالفرج.
٤٥٨  أراد بربِّ الدار نفسَه أصبح في أَسره، يلبس لباس مربوب؛ أي: الخدم.
٤٥٩  وتحلُّ: معطوف على «وجدت» في البيت السابق.
٤٦٠  يقول: تكشف عرائس ذاك الحصن لنا عن صوتِ الذباب لمتجلي فيها، كأن القينات لكثرتهنَّ لهنَّ هرج وأصوات كهرج الذباب.
٤٦١  هَزلًا سقمًا.
٤٦٢  المملَّى الممنَّع في الدنيا عَيشًا طويلًا.
٤٦٣  الخطابُ لنفسِه على طريقة التجريد، كأنه جرَّد من نفسه شخصًا آخر، وقال له أراك … إلخ.
٤٦٤  الضَّاوي: الطارِق.
٤٦٥  يقول: أنا غريب بين أهلي؛ لأنك لستِ عندي، وكل دار لست فيها فهي قَفر.
٤٦٦  أي ممتزجون امتزاجَ الماء بالخَمر.
٤٦٧  رَيعانُ الصبا: أولُه، وتأرن: تنشط وتمرح.
٤٦٨  أي: إذا أذنبت فلا تؤخذ بذَنبها ولي أن أعتذِر عن ذَنبها.
٤٦٩  الميثاءُ: الأرضُ السَّهلة، والشرف: المكان المُرتفع.
٤٧٠  الطلا: ولد الغزالة.
٤٧١  الكَتيبة: العسكرُ المجتمع.
٤٧٢  أصدَى: أي أُظمي نفسِي، وأُسغب أي: أُجيعها.
٤٧٣  يقول: وربَّ أهل دارٍ ذوي مَنعة، أغَرْت عليهم وقت الفجر.
٤٧٤  أي: وربَّ مخدرة تجرُّ أذيالها جاءَتْني تشفَع في عشيرتها، فلقيتُها بالبشاشة ولم أجْفُها.
٤٧٥  الغمر: الغافل الذي لم يجرِّب الأمورَ. وقوله: «ولا فرسي مهر» أي: إن المُهر لا يطاوعُ في الكرِّ والفرِّ.
٤٧٦  وذلك أن عمروًا لمَّا أدركه الإمام عليُّ وأرادَ قتلَه، كشفَ سوءَته لعِلمه أنه لم يرَ سوءةً قط، فكفَّ؛ ولهذا قيل فيه: كرَّمَ اللهُ وجهَه.
٤٧٧  الصُّفر: النُّحاس.
٤٧٨  يقسم أنه لا يحسب نفسَه عاشقًا، ما لم يذهبْ صبره بالكليَّةِ.
٤٧٩  الذلان: الأذِلَّاءُ، يقول: ألا يعلم الأذلاءُ اللائمون أنَّ رجال الحَرب يأسِرون ويُؤسَرون.
٤٨٠  أي: إن الموتَ أمامي أخصُّ به الأعداء، والنادبات خلفي يندُبن من أُميته منهم.
٤٨١  يقول: رمتني عيونُ الناس بالحسَد، حتى ظننت تلك العيون الحاسدة تحسدني معها الكواكب، فيكونُ المعنى: حتى أظن الشأن والقصة أن الكواكبَ تحسُدني في جُملة الحاسِدين.
٤٨٢  يقول: وعندي أن العدوَّ الذي يُظهر عداوتَه ويحاربني خيرٌ من ذاك العنود.
٤٨٣  جمعُ ربيبةٍ، وهي: المِلك، وهو: القطيعُ من بقر الوحش.
٤٨٤  المُوارب: العادلُ عن الحقِّ المُخاتل.
٤٨٥  يقول: لا تخفْ يا سيفَ الدولةِ؛ إنني راغب إلى خلقٍ من الناس سواك، بل رغبتي فيك وإليك.
٤٨٦  إن جُملة «نعم يعلمونه» مُعترضةٌ بين الفِعل وفاعله، والمعنى أيعلَم أحبابُنا ما ألقَى من ألم البُعد، نعم يعلَمون.
٤٨٧  يخاطب أخاه بالمودَّة. وآبَ: رجع.
٤٨٨  يقولُ ذلك الراكب السائل تقرَّحت عيناه من البكاء، وهو مَسلوب النوم والناصبُ هو السائل.
٤٨٩  المناسب: النَّسيب وذو النسب أيضًا، وجمع نسبٍ على غير قياسٍ.
٤٩٠  الماذِقُ: الذي لم يُخلص في حبِّه.
٤٩١  يقول: ومما يمنعني من الجزَع مُراقبتي للحسَّاد، صبرت اتقاءَ الشماتة؛ فتارةً أراقبُ الحُسَّاد فلا أجزع، وتارة يغلِب عليَّ الحزن فأحزَن.
٤٩٢  لولا تذكُّر ساكن الدَّار الذي أَهواهُ، لما بكيت المكان الذي توقد له فيه النيران وتسمَّى مواقدَ النيران الأثامن والنَّوَى، وهي حجارةٌ تُوضع وموقد عليها النار وهو مما يبقى من آثارِ الدِّيار.
٤٩٣  كأنه يقول: أنا والدَّمعُ لأجلِ ذلك الطارقِ الذي دَهاني عاصيانِ، كما رسوم الأحبة من الوقوف بها والوُقوف عليها.
٤٩٤  يقول: أُسرت في المكان التي كانت خيولي تجري فيه، حال كوني غازيًا، وحبست في مَكان كانت نيراني تشتعلُ فيه.
٤٩٥  المشيَّع: هو سيفُ الدولة.
٤٩٦  شبه دُخانَه المرتفعَ من نيرانه الموقدة لقِرَى الأضياف بالخَيمة ذات الأطناب.
٤٩٧  استدرك بأن أخرجَ سيفَ الدولة من بين الخائنين؛ فإن كلًّا منهما لا ينسى الآخر.
٤٩٨  الواني المقصِّر في الأمور، لا يقدِر على النهوض للمَجد في أموره غيرِ المقصر فيها.
٤٩٩  يقول: إن كنتَ لا تغضبُ لنَفسك، فاغضَبْ لدين الله حيث لم تشتهرِ السيوف لإعلاءِ كلمة الله.
٥٠٠  أي كأنَّ آيات القرآنِ المنزلة بالجهاد، منزَّلةٌ بحقِّكم.
٥٠١  القِنان على وزن كِتاب، جمع قنة، وهي أعلى الجبل.
٥٠٢  اسم جبل.
٥٠٣  هذه الأبيات، من قوله «فبنوا كلاب» إلى هنا، إشارةٌ إلى وقائع حروب بين القبائل، وأيام لهم معروفة مذكورة في التواريخ، ومقصود الشاعر بذكرِها هنا انتهاضُ همة سيف الدولة، وحثُّه على قتال تلك الجيوش المتجمعة، اقتداء بأصحاب تلك الوقائع والاجتهاد في الانتقامِ من الأعداءِ.
٥٠٤  أي: مضمرة البطون، طويلة الأعناق إلى العِدا.
٥٠٥  ذوادها من الذَّودِ، وهو: الطَّرد والمنع، وشلَّال: صفةٌ ثانية لساهِر في البيت الذي قبله.
٥٠٦  الجسرةُ: الناقةُ الماضية، وموَّارة من المَورِ، وهو الحركَة كأنَّها تذهب في الأكتاف والأطراف، وشدنية: قويَّةٌ، ومذعان: منقادةٌ إلى جهة الشام.
٥٠٧  يجوز أن يرادَ الجواب على كلامي، ويجوز أن يُرادَ بالكلامَين الجراحات وهو الأصح.
٥٠٨  أراد بالذَّلولِ فرسَه وقوسَه غيرَ متَّصل النِّظام، أي: منحلُّ العُرى مُوهَن القُوى.
٥٠٩  يقول: بعد أن أقنعَتْك بالحجَّة بت أرِقًا من غير علة، وقد منع جفنَيك لذة النوم ظُهوري عليك بالحقِّ والبرهان الساطع.
٥١٠  العثا: كثر الشعر، والطغام: أوغادُ الناس.
٥١١  يُريغون أي: يطلبون، يقول: إن تلك البطارقة تطلب أن تطلعَ على عيبي، وإني كالسيف القاطع فكما لا عيبَ فيه فلا عيبَ فيَّ.
٥١٢  ليسَ ذامَ مخفَّفًا التَّشديد، وإنما هو بمعنى العَيبِ.
٥١٣  أي: من أبقى ذكرًا طيبًا كما أبقيتُ، هان عليه الموتُ الكَريه.
٥١٤  أي: إن آثاري كآثارِ الغَمام من أحياءِ الأرض وإظهار ما فيها من الزِّينةِ.
٥١٥  بُجير وكعب: رجلانِ قُتلا حبًّا بالثَّناءِ والمروءة، ولكل منهما حديثٌ.
٥١٦  يقول: إن أجرَ المجاهد لحسادِه، مثلُ أجر المجاهدِ في سبيل الله، ومن المعجزات إرضاءُ الحسود؛ فإنه لا يرضَى إلا بزوال النعمة عن المحسود.
٥١٧  المازي: نوعٌ من العسَل، والأساود: الأَفاعي.
٥١٨  يقول: ماذا يَنفعُني في مصائبِ الدَّهرِ، إذا كانت قلوب الأصدقاء بمنزلة قلوب الأعداء غير المقرَّبين مني.
٥١٩  أي: ليس المستقيم يُوصِل إلى المقصود، بل يكونُ السير جائلًا عدلًا عن الاستِقامة.
٥٢٠  يقول: ليس من شأني أن أخفي عن عدوي ما أضمرتُه عنه خوفًا منه، ولا من شأني أن أفكر بالمكائد.
٥٢١  البكيريات: النُّوق، والمَراود: جمعُ مرود، وهو: الحلقة التي تربط بها الدابة.
٥٢٢  كانت زوجةُ مالك قد حضرَت إلى خالد، تسألُه إطلاقَه من الأسر، وقد قبض عليه أمير المؤمنين، فلمَّا رآها خالدُ بن الوليد مالَ إليها، فقتل زوجَها طمعًا بها.
٥٢٣  يقول: قد فَني بَدَني، ولم يبقَ مني إلا قلبٌ في مَعرض الزَّوال، وعود وهو: العظيم الصلب على عضِّ الزمان ومَضضِه.
٥٢٤  القضيب: الرُّمح.
٥٢٥  أراد برب غسان جبلةَ بن الأَيهم الغسَّاني، لما لطم ذلك الأعرابي في الطَّوافِ، فأراد عُمر الاقتصاصَ منه، فهرَب وتنصَّر ثم ندِم فيما بعد.
٥٢٦  في القاموس: المصعبان مصعبُ بنُ الزبير، وابنُه عيسى أو أخوه عبد الله بن الزبير واللاحِب الطَّريق.
٥٢٧  أي رضيتُ برأي فيه الهلاكُ، ولم أرضَ أن يقول عني أنه كان غيرَ نجيب.
٥٢٨  اللقاديد: جمعُ لقديد، وهو لحمٌ في الحَلق.
٥٢٩  العَضب: السيف، والتحنيك: جعلُ اللِّجام في فمِ الفرس.
٥٣٠  يقولُ: مَن أوثقَ ابنَ أختك في وقعة المكانِ المعروف باللقَّان، وتركك هاربًا تقصدُ شِعبَ الجبل.
٥٣١  بردس: اسمٌ لأبي الدمستق، وبرداليس: اسم موضع.
٥٣٢  قرقاش: اسم رجل، وكذا الشمقمق.
٥٣٣  الصِّيدُ: جمعُ أصيَد، وهو رئيس القوم، وملابين: جمعُ مَلبون وهو السَّكران.
٥٣٤  الحناجرة: الغلاظ، والغُلب صفةٌ كاشفة له.
٥٣٥  اليربوع: دابة معلومةٌ، يقول: تركناك تائهًا في الفلاة، كاليربوع الذي خرج من النفَق ليأكُلَ التراب.
٥٣٦  الوجَى: الثعب، وحُبُك: جمع حبكة، والتريك: جمعُ تريكةٍ وهي بيضةُ الحديد.
٥٣٧  الكميتُ: الفرَس.
٥٣٨  المرة: الشديدة، وضمير قصرن: يرجِع إلى النَّفس والعزائم.
٥٣٩  العير: الجبل، والعراعر: الإبل.
٥٤٠  وفي بعض النسخ: الهِيبالا، والغيلة: الغَفلة.
٥٤١  المصاقب: القَريب.
٥٤٢  هكذا وجدتُه في عدَّة نسخ، وهو تكرار لعجز بيت سابقٍ في القصيدة.
٥٤٣  قمير كزُبير: حيٌّ من أحياء العرب. يقول: نزلنا بخرشنة ضيوفًا وأتينا آلسًا في وقت القيظ، وأهل البوادي في حمير حالِّين فيها.
٥٤٤  ونَت: تأخَّرت؛ أي: قصرت في البكاء.
٥٤٥  يقول: إن حُكمي في هذا المصاب أن أبكي طول عمري، ولست كلبيد الذي يقول إلى الحَول؛ فإن حكمَ لبيد محرَّم عليَّ.
٥٤٦  يقول: نحن وإيَّاكم واحد في المصافاة، كما كانت العشائر التي ذكرها.
٥٤٧  الأرقَمُ نوع من الحيَّات.
٥٤٨  متجهِّمٌ أي كالِح.
٥٤٩  الخَلوف: الذي لا يفي بالوَعد.
٥٥٠  يخاطب نفسه تجريدًا، ويقول: ما لك تخافينَ الموتِ، وأنتَ من قومٍ عرفوا بما عرفوا.
٥٥١  يغذ بمعنى يفرق، ويُتئم بمعنى: يجري جريًا بعد جري.
٥٥٢  اللاحق: اسم فرس، والجديل: الزمام، والشدقم: الأسد وفحل للنعمان بن المنذر.
٥٥٣  معلمين: من أَعلم الفُرس، إذا وضعَ عليه صوفًا ملونًا وسَمها بسِمَة الحرب كما هو عادتهم.
٥٥٤  أي: أتاني بالسلامِ من محبوبتي أسماءَ خيالٌ متأَدِّب ورفقائي من الرَّكب نائمون لا يعلمونَ به.
٥٥٥  العَباديد: الفِرَق من الناس والخيل الذاهبة في كل وجه. وجوَّال الوشاح كنايةٌ عن الخَصر.
٥٥٦  الخطابُ إلى شخصِ المحبوبة ولذا ذكَره.
٥٥٧  العُلالة: التعلُّل من قوله ما أنسيت الحر إلا تعللًا واشتغالًا بغيره.
٥٥٨  الألوكة: الرسالة.
٥٥٩  هذا البيتُ هو مطلع القصيدة السابقة، وقد بعثَ بها إلى نفسِ أبي العشائر ضمنه هنا وأشارَ إلى ذلك في بيتٍ سابق.
٥٦٠  يقال: أغرَبَ فلانٌ أي: أتى بشيء عجيبٍ.
٥٦١  تُكاشرنا: تُظهر لنا ويختلنا يلذَعُنا.
٥٦٢  يقال: جشمه أي كلَّفَه.
٥٦٣  كأنه يقولُ إذا ابتلي المرءُ بالمُصيبة، وصبر عليها كانت المصيبة محمودة، وإذا ابتلي بالنعمة وكفَر وطغَى كانت المصيبة مذمومةً.
٥٦٤  تكرر ذكر هذَين البيتين لفظًا ومعنًى في القصيدة السَّابقة.
٥٦٥  لعًا: كلمةٌ يُدعى بها عند العِثار بمعنى: أنهضَك الله.
٥٦٦  أراد بأبيض وجه الرأي: سيف الدولة؛ أي: نخف به عند الضيق، فنسير برأيه.
٥٦٧  القَرمُ من الأصل: شهوة اللحم، ثم اشتهر، حتى قيل في شَهوة الشوقِ.
٥٦٨  يعجم: يُلاك على صِيغة المفعولِ.
٥٦٩  يقال: سوَّمه الأمر أي: كلفه، والمعاطِس: الأُنوف.
٥٧٠  الجَد بمعنى البخت، والأغلبين بني أغلَب، يقول: أترضَى أن نعطي الغير سهمنا من البخت الذي قسم بين بني أغلب.
٥٧١  قد سبق ذكرُ هذا البيت في قصيدة ثانيةٍ والمعنى أن إعادة سيفِ الدولة التخليص قهرًا، لا الفداء كما خلص أبا وائل.
٥٧٢  العلوق: الناقةُ يذبح ولدها ويحشى جلدها تبنًا تشمه فتدرُّ حليبُها والرأْم: الشمُّ.
٥٧٣  اللهذَمُ: النَّصلةُ في رَأس الرمحِ.
٥٧٤  الماذي: السِّلاحُ من الحَديد.
٥٧٥  تقدم هذا البيت مع شرحه في قصيدة سابقة.
٥٧٦  يقولُ: قد ضرب وجهُك وثكلتْك زوجتُك وأسرت أشبالك، وأهل بيتك من الأيام التي لا زواجَ لها.
٥٧٧  يقول: لبست لباسَ التَّقوى وخُصصت دون غيرك بالعلا، وأصبحتَ أهلًا لعظائم الأمور وحُلِّيت بالمَفاخر.
٥٧٨  أراد بالكَريمة القصيدةَ التي قال فيها: يا ابن الكرام … إلخ.
٥٧٩  يقول: إن أنكرتْ حبَّك أقرَّتْ مني علامة الحبِّ من النُّحول والاصفرار، ونظري إليك خائفًا.
٥٨٠  الحصيف: الكاملُ العاقل، وفي هذا البيتِ حُسن التخلص من النسيبِ إلى المدح.
٥٨١  هذا العَجُز صدرُ مطلعِ القصيدة التي أرسلها إليه أبو زهير، كما تقدم.
٥٨٢  شدَّ ما: كلمة تعجُّب بمعنى ما أشد.
٥٨٣  الموَّارة المتلوِّن، والعَيسجور: الساحرُ من الجن.
٥٨٤  يقول: لقد شغل قلبي حسنُك عن حبِّ غيرك قاصراتُ الطرف التي في القُصور.
٥٨٥  يدعو الله تعالى أن لا يجازِي محبوبته، فيبليها بالحب.
٥٨٦  طلت: من الطول، والطَّلَى: جمع طلية وهي صفحةُ العنق.
٥٨٧  الطَبُّ بالفتح: الحاذقُ في عمله.
٥٨٨  يقول: إذا امتحتَ أي: تنزلتَ وطلبتَ مني الجواب؛ فحق عليك أن تقنَع مني بما تيسر.
٥٨٩  يقول: ثار شَوقي إليك حين أتَتْني منك القصيدةُ التي أولها: هاج شوقي … إلخ.
٥٩٠  يقول: إن هذا الربع محلُّ الهَوى ومعالمه، وعليه فلا عذرَ للعاشِق إن لم ينفد دمعه فيه بكاءً عليه وتحسرًا.
٥٩١  أي: إن الرياح التي هبَّتْ بالرَّبعِ هي أنفاسُ العاشق، والوَبل الذي يمطر فيه هو دمعٌ أسكَبته الجُفون التي هي في صُورة الغَمام.
٥٩٢  يقول: وربِّ ليلٍ قطعتُه، سوادُه عظيمٌ كفَرعي تلك المهاة، ورفيقي سيفٌ رقيقُ الحدِّ.
٥٩٣  الشَّكائمُ: جمع شكيمة، وهي حديدةٌ تُوضع في فمِ الدابة كاللجام للفرس، شبَّه الدَّهرَ بالفَرس الجَموح، وشبَّه نفسه بالشكيمة.
٥٩٤  أي: إنَّ حظي من الزمان وأهله أنه يَقطعني من أصلِه الخل الذي لا أقطُعه.
٥٩٥  يقول: إنَّ وُدي لك لا يُبيده الزمان، ولا يُفنيه البعد، ولا يُنقصه الهَجْر.
٥٩٦  يقول: من عادتي أن أُصافي الخلَّ وأُقابِل هجرَه بالوصل، وغدرَه بالوَفا.
٥٩٧  أي: إن كنت مذنبًا أقررت بذنبي وإن لم أكُن مذنبًا، فلا أعاتب تأنفًا لك وإبقاءً على محبتك.
٥٩٨  يقول: ألست أعلى من كلِّ من تعدُّونهم من ذَوِي الهمم، وإن كنت دونهم في المولِد أي في السن.
٥٩٩  يقولُ: إن ذلك الرشأَ إذا نظر إلى رجُلٍ عفيف نظرة واحدة، حملتْه على ترك العفة وحركتْه إلى ارتكابِ الفحشاء.
٦٠٠  اللألاء: النورُ الساطع.
٦٠١  الجآذر: جمع جوذر وهو ولَدُ بقر الوَحش، وظُبى الصَّوارم حدُّ السيوف.
٦٠٢  المعنى: الدعاءُ بالغيبِ لجوانب الشَّامِ أن تُسقى بعوارِض المطر الصادق؛ لتخضر وتزهر.
٦٠٣  يعني أنَّ تلك الخرائدَ إذا أدَرْن علينا كأسَ الصهباء، غنَّين لنا من شعرِ أبي تمامٍ، البيت الآتي الذي أولُه: راح … إلخ.
٦٠٤  مَنبج: من مُلحَقات الشامِ، والرَّقة بالجَزيرة.
٦٠٥  يقول: الغبي الذي لا يَفهم ما يقول دام مفحومًا، وإني أقولُ صريحًا غير متلعثمٍ: إني مشتاقٌ إلى المَعالي.
٦٠٦  الضميرُ في أعقابِه يرجِعُ إلى الليلِ كأنَّ الصبحَ يسوقه ويعدو خلفه، كأنه يطلبُ ثأرًا منه.
٦٠٧  السُّرادِق ما نُشر من ظَلامِ الليلِ المُتراكِم المُشابهُ للسُّرادق، أي الخيام. وانكشَف عن ثوب الظلام الغسقُ وهو الفَجرُ.
٦٠٨  الخرائق: الجماعة، يقول: كان الذي حصَل لك من الخيال الذي زارك أمْ من الخليط الذي ترحلت جماعتُه عنك.
٦٠٩  المعنى: أنه أبقى عليه الخليط رسيسَ الحب، أي ثابتُه. ورسيس الحب لم يفارقْه حُرَق العشق.
٦١٠  أجأٌ: عين ماءٍ لبدر بن عقال، فيه بيوتٌ ومَنازل.
٦١١  الخِدراف بالكسر: نباتٌ ربيعي، وأبارقُه جمعٌ، وهو ما فيه حجارة ورمل وطين مختلف، والأيانق الجمال.
٦١٢  الفنائق: جمع فنيقة وهي الغزارة، وعاذل: اسم ماء، ومِلحان بكَسر الميم جبلُ بني سليم.
٦١٣  اطَّباه أي: دعاه، وضارج: اسمُ مكانٍ وبارق كذلك، والمُلثُّ: المطر.
٦١٤  الوسمي: من أوصافِ المطر، والمنبجس والمنفجر والمرتجس: المُضطرب.
٦١٥  ادْلهمَّ: اسودَّ، والشقاشِقُ الأصواتُ المرتفعةُ.
٦١٦  الوسائق: جمع وَسيقة، وهي من الإبل كالرُّفْقة من الناسِ.
٦١٧  الودائق: الأمطارُ، والقشيب: الجديدُ، ودبِّجتْ نمارقُه أي: نُقشت نمارقُهْ؛ أي البُسط والمساند.
٦١٨  السموط: الحُلي، والتفصيل: يجعل فيه ما يفصل بين حبَّاتِه.
٦١٩  يقول: ربَّ زائرٍ حبَّبهُ إلى المَزور انقطاعُه، وكان قد طال اجتنابُه.
٦٢٠  الشَّرير: جانبُ البَحر.
٦٢١  الأسبابُ: جمع سبب، وهو الحبل.
٦٢٢  النَّور: الزهر، والرحاب: جمع رحبة، وهو المكان المتسع.
٦٢٣  المنجابُ: محلُّ انكشافِ الماء وهو وجهُ الأَرضِ، ولم يوسه؛ أي: لم يقطعه.
٦٢٤  الرائد: هو الذي سبق القومَ؛ لطلب الماء والكلأ.
٦٢٥  الوَسَاع: ما يتفرَّقُ في الجبل من النبات.
٦٢٦  ذو الكِلاع الأكبر، يريد به النُّعمان، تجمعت عليه أزواد اليمن، وكان الرُّوم يهادونه بالأثواب المَنقوشة.
٦٢٧  شبه انحطاط الماء من التِّلاع، وهي الأماكن العالية بانحطاط السيوف للمُقارعة.
٦٢٨  الضنين: البخيلُ، يقولُ: لا ألومك على ظنِّك بي الهجر، فالبخيلُ موصوف بالظن. ومثل ذلك قول الشاعر:
إن الحريصَ بسوءٍ ظنٍّ مُولَعُ
٦٢٩  شبه زهر الرُّمَّان، وهو أصفر وأحمر، بقُراضة من ذهبٍ، في خِرَق صُفر.
٦٣٠  يقول: يغتابني مَن لو لم يغتَبْني؛ لكنت له بمنزلة العين والأذن؛ أي: معينًا له في جميع أموره، والحال أنَّ عندي من الأخبارِ بحقِّه ما يسوءُه، فلو ذكرتها لقرَع سنَّه ندمًا على ما اغتابَني به.
٦٣١  أقضَّ المضجعُ؛ أي: خشُن، أي: ذهبت عني لذة النوم والراحة.
٦٣٢  المعنى في قوله: لمجتهد في الجحود، يكتم حبَّه صَونًا له أن يُذَاع.
٦٣٣  الوصَبْ: المُلازم على الأَمر، أو أمر يضر وكلاهما جائزٌ هنا.
٦٣٤  أي إنَّ عبدًا ملكته، وهو أن عبيده أعظمُ من مَولاك، ومولاك يشهد بذلك.
٦٣٥  العبر: القوم الكثير عددُهم، يعني أنَّ القومَ الذين اجتَمعوا على عقده، يشبهون أسباطَ موسى عند ازدحام وقتٍ شقَّ لهم البحر.
٦٣٦  يقول: وربَّ بِكرٍ لم تُمسس كرمت على أهلها وإنما على خَيلِنا لم تكن كريمةً؛ لأخذها إياها بالإهانة والمذلَّة، وقد زُوِّجت قهرًا بغانِمها الذي خطبَها بسيفه وهو يُرضي الإله إذ يأتيها حلالًا، وأهلها في حزن عليها.
٦٣٧  أي: كلٌّ منا بخيلٌ بالشكوى إلى مَن لا ثقةَ به.
٦٣٨  الرِّشاءُ: الحبل، ومعناه: أنه بالغ في الإساءة؛ لأنه إذا وقَع الدلو في البئر وبقيَ الحبل يُمكن إخراجُه به، وأما إذا أتبع الحبلَ بالدَّلو فبأي شيءٍ يخرج.
٦٣٩  الضميرُ في منه إلى الله، يقول: إني أحمَدُ اللهَ على السرَّاء والضرَّاء.
٦٤٠  يقول: أشدُّ الأعداءِ الذي لا تحاربه، وخيرُ الأخلَّاء الذي لا تَعرفُه ولا يعرفُك؛ فإن الإخوان جواسيسُ العيون.
٦٤١  الحَوباء: النفس.
٦٤٢  يقول: لما رأى الناسُ نُهوضي إلى المكرُمات، أرادوا بتَقليدي بها تطبُّعًا وتكلُّفًا كما يتكلف الذي لا سليقةَ له نظمَ الشعر بعلمِ العروض الذي قيل فيه:
قد كان شِعر الورَى صَحيحًا
من قبلِ أن يُخلَقَ العَروضُ
٦٤٣  المعتاق: على وزن مِرصاد بمعنى المتقدِّم، ويقصدُ أنَّ القلوبَ تشهد فراسةً، أي: أنَّ المجفوَّ يَشعر من نفسه بالجَفاء قبل أن يقَع، وعلى غير ما يأمل المشتاق.
٦٤٤  الأخلاقُ: جمعُ خُلق بالضمِّ، وهو السجيةُ والطبعُ والمروءَة والدين.
٦٤٥  يقول: إني نظَرتُ إليه بعين السُّوءِ؛ لتأدِيبه، والحالُ أن قلبي مُطرقٌ محبَّة له.
٦٤٦  يقولُ: هوِّنْ عليك الأمرَ، فلا تضطربْ لما عسَى يقعُ في المستقبل؛ فالدهر والعمر أقصرُ مدَّةً مما تضطرب له، وتخشَى وُقوعه؛ فلربما كُفيتَ شرَّ ما تخشاه بعناية الله.
٦٤٧  أي: صادقُ الحُجَّةِ.
٦٤٨  فكأنه يقول: شأنُ الهوى والدَّهرِ الجَور؛ فقد شاركهما المحبوبُ بالجور عليه.
٦٤٩  المفاضَة: الدِّرع.
٦٥٠  لحَى: أي قبَّح ولعَن مَن لا يكونُ في حِفظ عهدِك في القُرب، كما يكون في البعد.
٦٥١  يمتار من المِيرة، وهو: جلبُ الطعامِ، والمراد التمتُّع؛ أي: يتمتع فمي من رُضابه الذي كالخَمر، وناظري من خدِّه الذي كالورد.
٦٥٢  العَضبُ الصَّقيل: السيفُ المَصقولُ.
٦٥٣  أي طاوَعه في المَعاصي؛ لأن جهنمَ تطيبُ لي إن كنتُ أحبُّه.
٦٥٤  العيار: الكَثيرُ المجيءِ والذَّهابِ.
٦٥٥  منصور: غلامُه.
٦٥٦  كأنَّه قال هذه الأبيات في مملوك روميٍّ، يقول: سل عليَّ سيفَ الفتن ونادِ يا لثاراتِ أعمامه وأخواله الذي أوقَع بهم، وكيف أرتجِي التعطفَ والوصلَ ممن يعتقد أنَّ له ثأرًا عليَّ.
٦٥٧  يقول: يا مَن ألزمتَني بجرائمِ قَومي، إني لستُ أنا الجاني؛ ولكني قد صَلِيت بنارِها، ومثلُ ذلك قولُ الشاعر:
غيري جنَى وأنا المسبب فيكمُ
فكأنني سبَّابةُ المتندِّمُ
٦٥٨  أي فكُنْ أنتَ ذلك الميت؛ لتستريحَ مما تُلاقيه.
٦٥٩  أراد بالحُقَّينِ: ثدييها.
٦٦٠  الساجي: الأسود.
٦٦١  لات اللثام أي: أرخاهُ على وجهه، كأنه القمرُ أو نورُ المصباح.
٦٦٢  نزولُ الشمسِ في القَوسِ يكون في اليوم التي ليلتُه أقصرُ الليالي، ونزولُه في الجَوزاء وهي أطول الليالي، فزيارتُه تقصِّرُ الليل وليلُ هجرِه طويلٌ، ومن ذلك قول الشاعر:
يجودُ بالطُّولِ ليلِي كلما بخِلتْ
بالطُّولِ ليلَى وإن جادتْ به بخلًا
٦٦٣  الاختِرامُ: الضياعُ، والمقتسم النَّامُّ المُرتابُ.
٦٦٤  اللزَم محركة: فضلُ الشَّيء.
٦٦٥  يقول: أصون فرَسي ودِرعي ورُمحي وسَيفي القاطع لأمر لا أظهرُه إلا في محلِّه.
٦٦٦  الوشل ما يُتناول بالكفِّ، واللحَمُ الشيءُ القليلُ التَّافهُ، والمراد: أنهم يرضَونَ بالقَليلِ.
٦٦٧  يقول: إنَّ الأرضَ واسعةٌ على غير الذين يستحقُّون أن يملكوها، والمالُ كثيرٌ كالديم على غَير من يجِبُ أن يكونوا أربابَه.
٦٦٨  أي: لا يغترَّ بنو العباسِ بمُلكهم؛ فأولادُ عليٍّ رضي الله عنهم مواليهم بالرغم عنهم.
٦٦٩  كأنَّ رسولَ الله جدُّكُم لا جدُّهم، مع أنه جدُّهم فلَهُم الحقُّ في الفَخر.
٦٧٠  الأمم القرب واليسير والبين. ونُفيلتكم هي نُفيلة بنتُ كليب بن حسان بن ملك بن النمر بن قاسط جد العباس، يعني لا تقاربون الطَّالبيِّين لا من جهة الآباء، ولا من جهة الأمهات.
٦٧١  يقول: ليس هارونُ الرشيد كموسى الكاظِم ولا ابنه المأمون، كالرضي بن موسى الكاظم رضي الله عنهم.
٦٧٢  الضميرُ في «أصبحت» عائدٌ إلى الخِلافة، وإن لم يسبِقْ لها ذكرٌ، والذُّوبانُ بالضَّمِّ: بقيةُ الوبَر، والرَّخَمُ جمع رخم: طائر.
٦٧٣  أي: إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما، لم يريا بني العباس أهلًا لما طلبوا منهما.
٦٧٤  أي: إن الإمامَ عليًّا رضي الله عنه قرَّبكم منه وأكرمكم في زمن ولايته، فحقُّكم أن تشكُروه إن لم يكن هناك كفرانٌ بالنِّعمة.
٦٧٥  قُثَم بالثاء بن العباس بن عبد المطلب، وهو أخو عبيد الله.
٦٧٦  أي: هلَّا كفَفْتم ألسِنتَكُم عن وجوه أجدادِهم الآلِ الكرام، وعن بنات رسول الله السبَّ والشَّتيمة.
٦٧٧  يقول: ما فعلَ بنو أمية من الجرائمِ هو دونَ ما فعلتم أنتم معَهم، فقد زِدْتُم الإساءةَ إلى أهلِ البيتِ.
٦٧٨  يُشير إلى غَدرِ الرَّشيدِ بيَحيى البَرمكي.
٦٧٩  إشارةً إلى ما ورَد في الحديثِ الشريف: «سلمانُ منَّا آلَ البيت»، وإلى قولِه تعالى في حق كنعان بن نوح … إلخ.
٦٨٠  يقولُ: قتلوا الرِّضَي بنَ موسى الكاظم رضي الله عنهما من بعد أن بايَعهم، واشتدَّ عليهُم الأمرُ بعدَ قتلِه.
٦٨١  يقول: لم يصفحوا عن أبي مسلم الخرساني مع نصحه لهم، ولا عن الهبيري مما بينهم من الإيمان.
٦٨٢  أيُّ فخرٍ لكُم في المنابر التي بنيتموها، وغيرُكم من الأعجام يأمُر ويحتكم فيها.
٦٨٣  عَليَّةُ كـ «مَيَّة» اسمُ أمِّ إمامٍ من كبار المحدثين. يقول: إنَّ هذا الإمامَ منهم أمْ مِنكم وإبراهيم الموصلي شيخ المُغنين منكم أم منهم؟ على أنَّ المقصودَ أن علية المحدِّث منهم، وشيخ المغنين إبراهيم منكم.
٦٨٤  اليلَب محركةً: الدِّرعُ والتُّرس من الجلود، أو جلود يُخرز بعضها إلى بعض، تلبس على الروس خاصةً والفولاذ والحديد والعَظم من كل شيءٍ.
٦٨٥  أي خلَفْتَ أبي في الإنعامِ عليَّ والميلِ إليَّ.
٦٨٦  الاجتناب: البعد، والاتئاب: الاستحياء.
٦٨٧  أراد بالمُفرد نفسَه؛ لأنه وحيدٌ في الأَسر.
٦٨٨  يقول: كلُّ ما يُصاب به سيف الدولة من الحوادث؛ فهو عظيمٌ فأين الاغتِباطُ.
٦٨٩  يقول: لم يجهَلِ الرجالُ الذين بكَوا فضلَ الذي عرَفوا فضلَه فبُكاؤُهم في محلِّه، لكن عرفت أنت فضل التسليم لله الذي جهلوه.
٦٩٠  يقول: لو كان بالفضائل يخلد فاضلٌ في الدنيا؛ لوصلتُ لك الأعمارَ بعُمرك فخلدت لأنَّ بقاءَك لازمٌ.
٦٩١  أي: أقبلتْ سَراتُنا إقبالَ المصرُوعين، شرع الرِّماح لدَفعِ الموت عنك.
٦٩٢  أي لبس ثوبَ العُلا، ونَعِم بالإقبالِ.
٦٩٣  المعنى: أنَّ حُزني عليك لايندرسُ، وقلبي لا يَسلُوك.
٦٩٤  مغدو الثرى ومطروقه: أي لا تزالُ السُّحبُ تَسقِي ثراكَ بالغُدوِّ والعَشَايا.
٦٩٥  يقول: معاتبةُ الكريمِ على النوالِ ضلالٌ ما رأيتُ مثلَه. فضلالٌ: خبرٌ مقدم ومعاتبةُ الكريم: مبتدأٌ مؤخَّرٌ.
٦٩٦  الشقيُّ بالمالِ: هو البَخيلُ الذي يجمَعُ المالَ المبشر بحادثٍ، أو وارث.
٦٩٧  جواب على سؤالٍ تقديرُه: إذا أفنيتَه فما تُبقي للوارث؟ أجابَ: إنما أُبقي لهم ما تركه أبي وأجدادي، وهو الخيلُ الحِسانُ والرماحُ الطِّوال.
٦٩٨  النطَّار: الخيالُ المنصوب بين الزَّرع. يقول سكنَّا في الخيامِ التي نصَبْناها بين خيامِ الأعادي في بلَدٍ خاليةٍ من الزَّرعِ لا نطَّار فيها.
٦٩٩  الأراقم: جمعُ أرقَم، وهي: الحيةُ التي عليها نَقشٌ كالرَّقْم، والصِّلالُ: جمع صِلٍّ وهو ولدُ الأفعى، والضمير في «به» راجعٌ إلى البلد.
٧٠٠  أي نكرهُ السُّكنى بذلكَ البلد الخالي ونسأَمُ منه، لكن يمنَعُنا عن التحوُّل عن سُكنى الخيام في البلد القَفْر الخوفُ من أن يُقال: إننا ترَكنا الحربَ فإذا سكنَّا نكون مهيَّئِين لها.
٧٠١  أي: أموت بيد أهل الضلال في نُصرة الهدى والدين.
٧٠٢  يقول: قلتَ: صَبرًا. والموتُ محيطٌ بك كالظلِّ وإنَّ الصبرَ في ذاك المقام عزيزٌ على سِواك.
٧٠٣  رباتُ الحِجال: المُخدَّرات.
٧٠٤  أي: كأنَّ الأرضَ يَدورُ عليها قطبٌ من النِّبال.
٧٠٥  الجَفنةُ: أعظمُ القِصاعِ؛ أي: الصِّحاف.
٧٠٦  اللُّهنة بضمِّ اللام: المَلحَمة.
٧٠٧  لعنَّ لغة في لعلَّ. يقول وكَم عاذلةٍ رجَعتْ إليَّ، وهي تقولُ في نفسها سرًّا: عودوا إلى نصيحَتِه علَّه يسمع ويَرعوي.
٧٠٨  أي سوفَ أفعلُ من المَناقب والمكارمِ ما يَصفنَني به.
٧٠٩  يقول: متى دَنا يومُ مَوتي يكونُ بينَ الخيول والرماح.
٧١٠  المِضَنَّة بكسر الضاد: النَّفيسَة.
٧١١  أي فلا تتَمنَّهْ.
٧١٢  هذا البيتُ إشارةٌ إلى ذِكرِه في آخر القصيدةِ التي قبل هذه.
٧١٣  أي الأجلُ المسمَّى لا بدَّ أن يأتيني، ولو كنتُ بينَكُنَّ على فِراش الحرير، وما هنا زائدة.
٧١٤  يقول نهيًا للعاذلات: لا يأمُرْنني بأنْ أكونَ ذليلًا من دون كيدِ الأعداء؛ لأنَّهن إذا أمَرْنني فبخلاف ذلك، فالموتُ بالعزِّ أشهَى من العيشة بالمِهنة.
٧١٥  الكوماء هي: العظيمةُ السنامِ من النُّوق، واللَّقاحُ هي التي قبِلتْ أن تلقَح بالفَحلِ.
٧١٦  فنائِيَه أي: دارِي.
٧١٧  السرادق: الذي يُمد في صَحن البيت، كالظُّلَّة. والجارية: الشَّمس.
٧١٨  جاشَ: أقبل وارتفَع، والغاربُ: أعالي موجِ المياه، والقلوصُ: الناقة.
٧١٩  الهَجْمةُ من الإبِل: ما زاد عددُها عن الأَربعين، أو ما بين السَّبعين والمائة.
٧٢٠  الشول: جمع شائِل وهي التي تشُول بذَنَبها للِّقاح، وبعد الخمس أي: بعد منعِها من الماءِ خمسةَ أيَّام.
٧٢١  أي: يصبح الضيفُ صاحبَ المنزل، يتحكَّمُ فينا ونحن أتباعٌ له، وقد قيل:
يا ضيفَنا لو زُرتَنا لوَجَدْتَنا
نحنُ الضيوفَ وأنتَ ربُّ المنزلِ
٧٢٢  قولُ «يا أقلَّ اللهُ خيرَكُم» على حذفِ المنادى، والتقدير: يا قومًا أقلَّ الله خيركُم.
٧٢٣  أي قالوا له: انزل عندنا فهو كنايةٌ عن أنَّهم لا يَهابونَ الموتَ.
٧٢٤  الخميسُ: الجيش.
٧٢٥  الفتَّاك: الذي يَقتل أو يجرُح مُجاهرةً، والفاتكُ: مِن فتَكَ في الأمر لجَّ، فيحمل على الأول وعلى الثاني؛ تفاديًا من تكرار لَفظَتينِ بمعنى واحد.
٧٢٦  عزوفٌ أي: زهود فيما لا يَعنيه، أنوف: يأنَفُ الرذائلَ لا يذل نفسَه.
٧٢٧  المحلَّاة: اللابسة الحلي، والمُعلَّاة: المرفوعةُ، والضيغم: الأسَد.
٧٢٨  شبه رأس قلعةِ كفر طاب بالمنارة، وظهرها بهيكل النصارى، والسَّنامُ: الظَّهرُ.
٧٢٩  أي طليقة قبيلتي عازم والمخيل.
٧٣٠  أجفلت كلَّ مجفل أي: ذهبت كل مذهب.
٧٣١  أي لا يخيبُ شفيعُهن ولا يُخذَل داعِيهن.
٧٣٢  يقول: رددت رَغمًا عن الجيش كلَّ ما كان حازَه، وضمِنت ما ضلَّ من مالهن بمالي.
٧٣٣  الضِّبابُ: اسم موضعٍ، والمرادُ أهلُه.
٧٣٤  عرفة: اسم موضع، وشئزر بلد معروف.
٧٣٥  الجباه: جمع جبية، وهو الذي يرِدُ الماءَ ولا سقي له.
٧٣٦  البقيعة: اسمُ موضع، والأَديم: الجلد، وقدَدت: قَطعْتُ. يقول: قطعتُ البُقيعة، والغربُ كلونِ الشيء الأشقَر بعد غيابِ الشمس.
٧٣٧  قرني حماه وشئزر: جانباهما.
٧٣٨  الدارعين: جمع دارعٍ، وهو اللابسُ الدرعَ، والمِسعرُ الذي يُوقدُ نارَ الحربِ.
٧٣٩  المجفر من الخيل: الواسعُ الوسَط.
٧٤٠  العِثْير: الغبار.
٧٤١  أي: نبدأُ بالخِيار قبلَ غيرها.
٧٤٢  حارِ مرخَّمُ حارث، وأراد نفسه؛ لأن اسمَه الحارثُ؛ أي: لما سمِعتُ ولولةَ النساء تحركتْ فيَّ المروءة، فقلت لنفسي: أقصِري عن الفَتْكِ بهم.
٧٤٣  أراد بالخلف: المخالفة الواقعة بينهم.
٧٤٤  يقول: عودوا إلى أحسنَ ما كان بينكُم من الألفة والمودة، تستحسنون أيُّها الغر المرابيع. والغرُّ: الواضحُ، والمرابيع: جمع مربوع.
٧٤٥  أي: رجوعٌ إلى الحقِّ، وهو الصَّواب.
٧٤٦  يقول: لا يثبتُ العزُّ إذا تفرقتِ الكلمةُ، وانشقَّتِ العصا؛ فإن ذلك باطلٌ، وغيرك مخدوعٌ به.
٧٤٧  يقول: إن فارقك في الجِسم كانتِ الفرقة واقعة، لكن ما فارقَك بقلبه كما لم تُخرجه أنت من قلبِك.
٧٤٨  يعني: لو فُرض أن البرغوثَ نجَّاه منا في ذلك الوَقت؛ لأخذَه بعقائل نسائه وأحبِّ أمواله.
٧٤٩  الحِمام بكَسر الحَاء: الموتُ.
٧٥٠  أي: تفرح بشيٍ قرب أن يذهبَ عنك، وتأمُن الموت وقد دنَا منك.
٧٥١  أصل «حاضر»: «حاضرون لي». يقول: أنا غريبٌ بين أهلي، وإن كان عندي وحيدٌ من الخلان، وأهلي عَصائبُ من الرجال، فلماذا لا يُعاملونني معاملةَ الأهلِ إن كان وجودهم وعدمه سواء.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠