الفصل الخامس

الجزء الأول

هرميون
هرميون : أين رشدي … ماذا جرى … ما احتيالي؟
كيف أنجو من البلا والوبال؟
فغرامٌ غريم قلب كليمٍ
وظلومٌ بنكبتي لا يبالي
جار ظلمًا فحار قلبي وراح الـ
ـسهم يشقيه وهو ناعم بال
لا لعمري فسوف يلقى جزاه
يا إلهي، رفقًا به وبحالي
كيف يقضي وحبه في ضميري
وبه لوعتي ومنه انتحالي؟
ربما عاد عدلًا بعد ظلمٍ
أنت ترجو يا قلب عين المحال
فليمت فليمت ولكن فؤادي
عنده قد ثوى بدون ارتحال
كيف أقضي بقتله وهو روحي
أين رشدي، ماذا جرى، ما احتيالي؟

الجزء الثاني

هرميون – كليون
هرميون : ما وراءك يا كليون، ماذا فعل بيروس؟
كليون : رأيته ذاهبًا إلى الهيكل، وقد لعب الطرب بعطفيه، وأندروماك بين يديه، وهو ينظر إليها نظر من لم يصدق بالحصول عليها، أما هي فقد رأيتها تسير وهي حزينة، كأن هكتور نصب عينيها.
هرميون : يا للخيانة، وهل تأملت فيه وهو على تلك الحال، ألم يخجل عندما رآك؟
كليون : إنه لم يسأل عن هذا الأمر، السرور أنساه القصر، وهرميون وجميع البشر. وقد أقام الحرس لحفظ ابن هكتور زاعمًا أن الغلام وحده في خطر.
هرميون : وماذا قال لك أورست؟
كليون : دخل هو وأصحابه اليونان إلى الهيكل.
هرميون : وهل هو مستعد لتتميم الأمر؟
كليون : لا أعلم.
هرميون : ماذا تقولين … أورست أيضًا يخدعني ويقابلني بالغدر.
أورست عبد غرامك ولا يروم إلا تتميم مرامك.
لكنه بين المخافة والرجا
يسري ولا يدري فأصبح فاكرًا
أضحى يطالبه الغرام بقتله
والرشد يثنيه فأضحى حائرًا
لا لا إنه جبان لا يخاف إلا الموت، ألا يتذكر الساقط الهمة أن أمي أثارت من أجله حربًا دامت عشر سنين وقُتل بها عشرون ملكًا، وأنا أسأله وهو يدعي حبي قتل خائن غادر فلا يجيب.
يا مهجتي زاد البلا فتزلزلي
مما جرى غمًّا ولا تتعللي
بئس الحياة فلست أوثر حفظها
يا مهجتي سيموت من لم يقتل
فلأشفين النفس ثم أميتها
فإذا اشتفت فكأنني لم أفعل

الجزء الثالث

هرميون – كليون – أورست

(أورست يدخل وثوبه ملطخٌ بالدم، وبيده خنجر يقطر دمًا.)

أورست : قد تم الأمر، وبيروس لاقى في الهيكل جزاء الغدر.
هرميون : مات؟ (تقول ذلك سائلة بلهفةٍ وارتعاد.)
أورست : أجل لقد تم أمرك، فإني سرت إلى الهيكل بأصحابي اليونان فنظر إليَّ الخائن غير مبالٍ بي، وأدنى منه أندروماك وتوجها قائلًا: ملكتك نفسي وأبيرة وإني لأحفظ ابنك ولو طلبه الثقلان، فلما سمع أصحابي هذا الكلام هاجوا وماجوا، وطاب لهم شرب كأس الحمام، فاخترقت بهم الجمع وبات بيروس محاطًا بهم لا يعلم من أين يأتيه البلاء.
رأى أُسدًا ما راعها الموت في الوغى
يروع قلوب العاشقين زئيرها
تدك الجبال الراسيات بعزمها
وإن سُل سيفٌ تلتقيه صدورها
وأسيافها والموت رهن مضائها
حدادٌ مواض ليس يطفى سعيرها
أحاطت به كالعاصفات فلم يكن
ليدفعها ردًّا وعزمي يثيرها
أنا ابن الذي لا يرهب الموت قلبه
وتحمده الأحياء وهو نصيرها
هرميون : ما الذي فعلوا؟ (تقول ذلك بيأسٍ شديد.)
أورست : أرجوك المعذرة، فإن غيظهم أفضى بهم إلى العجلة، وإني أعلم أنك تؤثرين أن أكون أنا قاتله دون غيري؛ ليعلم وهو يلاقي الموت أنه يموت عنك وبك ومنك.
هرميون :
لا كنت يا قاتل الشهم الكريم ولا
لقيت أنسًا ولا ذقت السرور ولا
لبست يا فظ عارًا لست تنزعه
مدى الزمان فرح يا ابن الطغاة إلى
أورست : يا للعجب! مولاتي، كيف تأمرين ثم تغضبين إذا نفذ أمرك؟
هرميون : وهل كان من الحزم أن تجاري عاشقةً ذهبت الغيرة بعقلها حتى هونت عليها ما لا يهون؟ أما كان عليك أن تراجعني مائة مرة قبل العمل … فأنت المذنب، أنت الظالم، أنت القاتل، أنت المطالب بدم ذاك البطل.
قتلتك السماء قتل اللئام
وسقتك الصروف كأس الحمام
رح ودعني فلم يعد من مرامي
ترك هذي الديار فهي مقامي

(تقول هذا وتخرج.)

الجزء الرابع

أورست
أورست :
أما والنهى لم يبق دهري على رشدي
فمن منجدٌ قلبًا أصيب على عمد
جنود الأسى قد نازلت ربع مهجتي
فما حال فردٍ بين ذالكم الهند
كأني والأهوال زندٌ ودملجٌ
يضيق ولا ينفك عن ذلك الزند
كأن البلا جاري وقد ألف الوفا
وعاهدني قربًا فدام على العهد
كأن بنات النائبات شغفن بي
فواصلنني وصل المقيم على الوجد
يقرب مني الدهر من لا أرومه
ويدنيني ممن قد يطيب له بعدي
تقلص ظل الأنس عني وأقفرت
ربوع سروري وانقضى أجل السعد
مصابٌ وذنب وارتياع وحسرة
تعددت البلوى على واحدٍ فرد
أثبط عزمًا ضعضعته نوائبٌ
وأمنع رشدًا بالضلالة يستهدي
أطعت الهوى وهو الهوان معللًا
بآماله نفسي فخاب به قصدي
قتلت مليكًا أيدته يد العلى
وقاومت شخص العزم والحزم والمجد
وخالفت شرع الملك والوطن الذي
وجدت لأحمي مجده في الورى جهدي
وذلك طوعًا للغرام وإنه
غريم على رغمي عدوٌّ على عمد
لك الله يا من زدت عنها فأعرضت
وقد قابلتني بالتجنب والصد
رويدك ما هذا الصدود وإنني
تقمصت عارًا كي أقابل بالضد
قحمت المنايا والظبى تقرع الظبى
ويحمل وخز الشوك مقتطف الورد
فيا زمن الأهوال حسبك ما جرى
وقدك اجتراء يا زمان بما تبدي
ويا موت ما أشقى بعادك عن فتى
تضيق عليه فسحة الغور والنجد
حنانيك جد لي باللقاء وإنني
أليف عنًا لم يبق دهري على رشدي

(يقول ذلك كمن سلب عقله.)

الجزء الخامس

أورست – بيلاد

(بيلاد يدخل مسرعًا مرتعد الفرائص، ومعه بضعة رجال من أتباع أورست.)

بيلاد : سيدي يجب إما أن نخرج من هذا المقام، أو نستعد لملاقاة الحمام، فإن أصحابنا اليونان يمنعون الباب الآن، وقد اجتمع الشعب وسارت فيه أندروماك طالبةً للانتقام، فإنها أصبحت بعد مقتل بيروس أرملته الحقيقية ونائبته في الأحكام، وربما كانت ترغب في الجميع إدراك ثأره وثأر بعلها؛ فلنخرج ما دام القوم منشغلين عنا بأمر هرميون، فنبلغ السفن قبل فوات الفرصة.
أورست :
لا لا فقد ألف البلابل خاطري
يا نفس، لا تخشى البلابل خاطري
إني لأتبع هرميون فسر ولا
تنقذ أخا جرح أليف جرائر
بيلاد :
دع ذكرها مولاي واعلم أنها
قتلت فصارت مثل أمس الغابر
أورست :
ماتت … … …
بيلاد :
… أجل مذ عاينت محبوبها
صاحت رويدًا بالمليك السائر
ماذا دهاه فدته نفسي هل قضى
ويعيش قلبي ليس عنه بصابر
وتسنمت صخرًا ونادت قد دنا
يوم اللقاء بذي صدودٍ نافر
وبخنجر طعنت حشاها طعنةً
فجرت دماها كالغدير لناظر
وتنهدت والموت أرعش جسمها
فغدت جوارحها كجنح الطائر
أورست (بذاته) : أمطري أيتها السموات سحب غضبك … ولا تبقي … ولا تذري … وارميني بسهام النوائب عن قوس الانتقام … واجعلي لي في وهدة اليأس مقامًا … أليس أنا … من أوجدت لنظري به مثال غضبك … ليكون أنموذجًا للتعاسة … نعم وقد استحكمت علاقات المصائب … وباتت نفسي في دائرة اليأس … فلا يخرجني منها غير الموت … نعم الموت … نعم الموت.
أرشدوني أين جسم العاشقين
لست أطوي بيننا شقة بين
واجمعوا أفئدةً لم تأتلف
بودادٍ واقتلوا عينًا بعين
يا لقومي قد سجا ليل البلا
بين بلبالٍ وأهوالٍ وبين
ما احتيالي خانني الصبر وقد
بات عزمي أثرًا من بعد عين
لا أرى غير دم حولي جرى
أين رشدي يا أخا الإرشاد أين؟
بيلاد : سيدي …
أورست :
ماذا أرى … بيروس عدت فكيف قد
أنقذت نفسك كي تراني حيثما …
هذا هو الجرح الأخير … أجل وذا
دمك الذي يجري … فيالله ما …
ذي هرميون لديَّ ضمت جسمه
لتذود عنه … وهي تصرخ كلما
ترنو إليَّ بلحظ منتقم كما
هاج المقاتل عندما نظر الدما
وتقود من جنس الأبالس عسكرًا
وأراقمًا تسعى وتنفث عندما

(هنا يذهب بيلاد.)

مهلًا بنيات الجحيم فإنني
رجل إلى هذا العذاب تقدما
لمن الأراقم … فهي فوق رءوسكـ
ـنَّ فهل سعت سعيًا لتلسعني كما …
بادرن نحوي لا تخفن مدافعًا
أتلفن جسمًا للعذاب مسلما
وافتحن لي باب الجحيم كفى كفى
عاينته سجنًا مخيفًا مظلما

(يقول كفى كفى … كمن رأى شيئًا مخيفًا بقوله افتحن لي باب الجحيم.)

(ثم يصرخ قائلًا):

سرحن لي هذي الأراقم علها
تقضي بقتلي فهي فاغرةٌ فما
لا لا … فهذي هرميون تقدمت
ترمي فؤادي من لظاها أسهما
لا تجفلي … ها مهجتي لا ترجعي
فلقد وفت قبل الفراق وبعدما

(بقوله «لا تجفلي» يخاطب هرميون ويقول البيت الأخير بصوتٍ متقطعٍ من اليأس ويسقط، وإذ ذاك يحضر بيلاد، ومعه أصحاب أورست اليونان … فبوصولهم إلى المرسح ومشاهدة أورست بتلك الحالة ترتعد فرائصهم، ويصفقون صفقة اليأس، ثم يتقدم بيلاد نحو أورست فيراه قد قضى نحبه.)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤