بين الهِرْ «فاف» والسيد راجح!

لا أذكر أني استعملت المفتاح أبدًا لفتح صندوق البوستة؛ ربما لأنه ضاع، وربما لأني نادرًا ما أحمله، كلما وجدت الخطابات بدأت تتراكم وتُطل من الفتحة استعنت بعُمَر لإخراجها، وعمر هو نجم البيت بلا نزاع، كل شيء تعال يا عمر، روح يا عمر، السجاير يا عمر، حتى الدعوات إذا انهالت لا تنهال إلا على عمر. وعمر صبي أسمر في الرابعة عشرة من عمره قصيرٌ تخين له محفظة بكتينة وساعة يد مشوَّهة الميناء، ومنصبه الرسمي عامل أسانسير، ولكن مناصبه غير الرسمية أكثر من أن تُعَدَّ أو تُحْصَى، واستخراج الخطابات من صناديق البوستة التي ضاعت مفاتيحها، أو بالأحرى «اصطيادها» من الصناديق أحد مهامِّه الرئيسية؛ فلديه سلك رفيع ينتهي بعقفة، أو — إن شئتم الفصاحة — التواء؛ سلك يمدُّه في الفتحة التي تُلْقَى منها الخطابات، ويظل يحاورها وتحاوره حتى يستخرج السلك بهدوء وبمهارة خبير وقد ظفر بخطاب أو بخطابين، وأحيانًا يقضي الساعات دون أن يظفر بشيء، هو وبخته. واليوم ناولني عمر مجموعة لا بأس بها من خطاباتي المتراكمة وأسنانه الناصعة البياض تبرق وعيونه تلهث. والواقع فرحت لكثرتها؛ فأي خطاب لنا فرحة مغلقة نستمتع بتأمُّله وتأمُّل أسمائنا المكتوبة عليه والخط الذي كُتِبَ به ونُخمِّن، وننتشي كأننا في انتظار الأخبار حين يظل الراديو يردد: بعد قليل نذيع عليكم أخبارًا هامة.

ومتعة أخرى أن تتمدد أو تجلس، وتضع الخطابات أمامك وتفضُّها مرة واحدة لتطمئن على محتوياتها، ثم تبدأ تقرأ كلًّا منها بتمعُّن وعلى حدة.

الخطاب الأحمر

واحدٌ منها لم أكن في حاجة لفضِّه لأعرف محتوياته؛ وخطابات إدارة الكهرباء والغاز الحمراء معروفة وأشهر من فأر السبتية. وحتى قبل أن أعرف المبلغ الذي ينذرونني بدفعه تضايقت؛ فنحن في أواخر الشهر، ومن أين تنتظر الإدارة مني أو من غيري أن يدفع لها؟ وأي ذكاء خارق أملى على المسئولين فيها ألا يطالبوا بثمن النور إلا في آخر كل شهر، وكأنهم لا يحلو لهم المطالبة بحقهم إلا والمشتركون في أزمة وفي حالة إفلاس. والغريب أن أحدًا من هؤلاء السادة المسئولين لم يفطن إلى هذا الوضع الشاذ ولا حاول تغييره، وكأنهم مجرد آلات صمَّاء تطبِّق النظام الذي ورثوه عن الشركة السابقة تطبيقًا أعمى، بل من المؤكد أن أحدًا منهم لم يلاحظ تكرار قطع التيار وازدحام الإدارة بآلاف المشتركين طوال النصف الأول من كل شهر، وتحمُّل الشد والجذب وضياع الوقت في الطوابير الطويلة وشخط الموظفين؛ لم يلاحظ شيئًا من هذا، ولم يدرسه كظاهرة، ولا شغل باله بالمشكلة إطلاقًا، ولو كان فعَل لأدرك أن النقود والجهد والوقت التي تضيع هباءً ممكن توفيرها بإجراء بسيط جدًّا يجعل التحصيل يتمُّ في أول كل شهر، أم أن إجراءً كهذا سيريح المواطنين، وهذا أمر فيه إهانة للروتين!

أصحاب الملابس القاتمة

الخطاب الثاني أزال قليلًا من مرارة الإنذار الأمرِّ، كان من دار بول فاف النمساوية للنشر وكانت قد عهدت إلى المستشرق الدكتور جورج يروتكوف بمجموعة من القصص العربية، وطلبت منه أن يقرأها ويختار منها قصة لتنشرها في مجموعة تحوي أحسن قصص كتبها مؤلفون معاصرون في عدة مواضيع حددتها الدار. واختار الرجل «أبو الهول»، وقرر أن يترجمها بنفسه إلى الألمانية. وللآن لا أعرف كيف وصلني هذا الخطاب؛ فقد كان مُرْسَلًا لي باعتباري أعمل في المجلس الأعلى للفنون والآداب. والظاهر أنهم في النمسا يعتقدون أن مجلسًا كهذا لا بد أن يعمل فيه الكُتَّاب. حُسن نية لا شك! وبمناسبة المجلس فقد سألت زميلي نعمان عاشور إن كان ينوي أن يتقدَّم بمسرحياته للمسابقات التي أعلنت عنها لجنة المسرح. وأخبرني نعمان والأسى — الذي يبعث على الضحك — يكسو ملامحه، أنه غير مصرَّح لمسرحياته بدخول المسابقة؛ لأنها مكتوبة باللغة العامية. وأن الشرط الأساسي هو أن تكون المسرحيات المقدمة مكتوبة باللغة العربية الفصحى. بذمتكم ودينكم أيها السادة أعضاء اللجنة، كم مسرحية كُتِبَت في الخمسة أعوام الماضية باللغة العربية الفصحى؟ وكم منها مُثِّل على المسرح؟ وكم منها صمد للتجربة؟ وماذا تبغون بهذا الشرط الشكلي السخيف؟ وهل الهدف خدمة اللغة الفصحى؟ أم خدمة المسرح؟ أم استبعاد مؤلِّفين معيَّنين من المسابقة؟ وكيف يوافق الأستاذ يوسف السباعي على هذا ومسرحياته — على ما أظن — كلها بالعامية؟ لا تحزن أيها الصديق نعمان فلا بد أن يأتيك الإنصاف يومًا، ولندع المجلس بلجانه الموقَّرة يجتمع وينفضُّ ويقرِّر أن الحركة الأدبية في ركودٍ ومَوَات، وأن الجيل الحاضر جيل فاسد، وأن لا خير إلا فيمن جاوز السبعين، ليظلوا واقفين عن العامية والفصحى ونوع الوزن والقافية، ليظلوا هم وحدهم أصحاب الأدب والناطقين باسمه، ليظلوا يرتدُون ملابسهم القاتمة ويضعون على وجوههم التعبيرات الحادة الموقرة والاحتفالات والجوائز؛ وحتى اللغة، ليظلوا منصِّبين أنفسهم أوصياء عليها؛ ليظلوا كذلك، ولتظل أنت تُنتِج وتكتب وتؤلف؛ فالبقاء لعملك.

الأخ الأصغر

ونحن نقرأ كل يوم ونسمع أخبار البترول الذي يُكْتَشف في صحرائنا الشرقية وسيناء وتصريحات المسئولين عن كمياته وأنواعه، وقد قُدِّر لي أن أحيا مشكلة البترول هذه عن قرب، لا بحكم اتصالي بمصادر الأخبار، ولكن بحكم أخي الأصغر — أحمد — ولا أعرف إن كنتم قد جرَّبتم شعور الأخ الأكبر هذا، ولكني ظللت أُعامِل أحمد وكأنه لا يزال ذلك الطفل الصغير الذي كان يبكي كلما رفضت أن آخذه معي حين أذهب للعب مع الأولاد الكبار. والأخ الأكبر يُشفِق بطبيعة سنِّه على إخوته الصغار ولا يعتقد أبدًا أن بوسع أحدهم أن يُنجز عملًا دون مساعدة منه أو على الأقل دون إشراف. وهكذا حتى بعد أن تخرَّج أحمد وأصبح مهندسًا وأصبحت أناديه كما يناديه الناس: يا باشمهندس! كنت لا أزال — بيني وبين نفسي — لا أرى فيه سوى أخي الأصغر الذي نما بطريقة لا أعلمها وأصبح ضخمًا طويلًا يكاد يصبح أطول مني. ومنذ شهر وأحمد يعمل في رأس غارب حيث حقول الشركة العامة للبترول. ومنذ أشهر ونحن لا نلقاه إلا في إجازات قصيرة جدًّا لا نكاد نراه فيها حتى يختفي. وإذا تحدَّث معنا لا يتكلم إلا عن البترول والتانكات واللحام بالكهرباء وبالأكسجين وخط الأنابيب الذي لا بد من إقامته بين الآبار والميناء لكي يتدفق البترول؛ بترول اكتشفه مهندسون عرب واستخرجته أيدٍ عربية، ومستودعات أقامها العرب أيضًا؛ وحتى الصُّلب المقامة منه جاء من مصانع الحديد والصُّلب العربية.

الخطاب الثالث كان منه، وظللت أقرؤه إلى أن وصلت إلى الفقرة التي يقول فيها:

أخي، أعتقد أني قريبًا سأصاب بالوَشِّ، لماذا تبتسم؟ صحيح أصبح عندي وَش، مخي مشتت يفكر في ألف فكرة وفكرة وفي ألف شغلانة في اليوم الواحد. أنام وأنا أفكر، وآكُل وأنا أفكر، وأفكر وأنا أفكر؛ وسبب ذلك أني أصبحت بؤرةً تجمَّعت فيها جميع أنظار موظَّفي الشركة؛ كلهم يقولون: عاوزين نطلع زيت — أقصد بترول — يا أبو حميد في يناير، والشركة أخذت على نفسها عهدًا أمام الوزارة والمؤسسة أنها ستُنتج الزيت في يناير سنة ١٩٦٠. وحتى يتحقق هذا الوعد الضخم لا بد ﻟ «أبو حميد» أن يعمل ليلًا ونهارًا في محطة التجميع وخط المواسير المرعب لكي تفي الشركة بوعدها؛ وحتى يحس أنه لأول مرة قام بعمل جديد له علاقة بالسياسة العامة للدولة وللشعب، أخي، قل إني مغرور، قل أي شيء، ولكن أرجو أن تقول لي أيضًا أن أشد حيلي، فأنا تعبان جدًّا ومتحمل مسئولية أكبر من أحمد الذي لم يبلغ من العمر ٢٤ سنة، ولكني سأكون دائمًا عند حسن ظنك بي، سأنتهي من هذا العمل الضخم في بحر أيام، ويومها سأقف مرفوع الرأس وأنظر إلى الصهاريج الضخمة وهي مملوءة بالذهب الأسود، ثم يدق قلبي وأنا أفتح البلف ليندفع الدم القاني ويتدفق في خط الأنابيب، عندئذٍ سأميل على جاري وأقول له في تواضع: «يا أخي الواحد برضه تعب في الشغلانة دي.» الظاهر أني سأضطر لنبذ فكرة الأخ الأكبر هذه عما قريب.

وخطابات أخرى خاصة بما كتبته عن المظاهرة النسائية، بعضها يحبِّذ وبعضها يهاجم، وكلها — بلا استثناء — قد حمَّلت الموضوع أكثر مما يحتمل، كل ما أردت قوله: إن الرجال ليسوا هم الذين اغتصبوا حقوق النساء ولكنها الأوضاع الاجتماعية التي اغتصبت حقوق الاثنين.

•••

بعدما انتهيت من قراءة الخطابات ووضعتها جانبًا وجدت ثمة فكرة قد بدأت تأخذ طريقها إلى عقلي؛ أية علاقة يا ترى بين الهِر بول فاف والسيد محمد راجح الذي وقَّع إنذار إدارة الكهرباء؟ وهل يعلم السيد محمد محمود هاشم مهندس محطة فايد الذي يطالبني بإنصاف الرجال من النساء مثلًا بهذا الخطاب القادم من رأس غارب؟ أوَليس الإنسان منا مجرد نقطة تلتقي عندها خطوط قادمة من أشخاص وجهات لا يمكن أن تتقاطع إلا عنده؟ أليست نقطة التقاطع هذه وعدد الخطوط المشتركة في تكوينها هي التي تحدد كيان الشخص وذاته؟

بل أكثر من هذا ألا نرتكب خطأً جسيمًا حين يدَّعي أيٌّ منا أنه يعرف الآخر تمام المعرفة مع أن كلًّا منا لا يرى إلا جزءًا واحدًا أو أجزاء معدودة من الآخر ويعامله على أساسها؟ ألا نكون حينئذٍ كمن ينظر إلى البقعة التي يقف عليها من الكرة الأرضية ويعتقد أنها مسطحة وأنها تنتهي عند الأفق؟ بل حتى الكرة الأرضية أمكن اكتشافها والإحاطة بكل حجمها الهائل، أما الإنسان — أي إنسان — دلوني على إنسان واحد نستطيع أن نحيط به وبكل أجزائه ووجوهه وندرك ملايين الخطوط الملتقية عنده والداخلة في تكوينه!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠