توضيح

كنت — ولا زلت — أعتقد أن من واجب الكاتب أن يلزم الصمت إزاء المناقشات التي تدور حول عمله؛ باعتبار أنه لا يملك أن يضيف من عنده ما ينقص أو يزيد من مفهوم العمل نفسه. ولكن المناقشات حول مسرحية «الفرافير» بدأ بعضها يأخذ اتجاهًا غريبًا لا أعرف كيف أسميه وإنما أعرف تمامًا أنه خارج نطاق الفن والثقافة عامةً. والكاتب ليس مسئولًا — في رأيي — عن أي مفهوم خاطئ يخرج به الناقد أو المشاهد أو القارئ، وهو أيضًا ليس مسئولًا عن الآراء التي يتبرع بها بعضهم. ولقد تبرع هذا البعض بآراء كثيرة يهمني — بصفة خاصة — أن أدحضها هنا:
  • أولًا: نسب لي البعض أنني كتبت هذه المسرحية لأثبت أن العلاقة بين الفرفور والسيد علاقة أبدية لا سبيل إلى الفكاك منها، وهو رأي لا أدري من أين استقاه أصحابه. إن المسرحية كلها صرخة احتجاج غاضب على هذا الوضع، واستغاثة عاجلة لتغييره، وإصرار على أن كل الحلول التي جربتها البشرية لم تحلَّ بصفة قاطعة هذا الوضع المعين لكرامة الإنسان، فهل يُعَد نقد هذه الحلول والمطالبة بحلٍّ جديد تشاؤمًا بمستقبل البشرية؟
  • ثانيًا: وزعم آخرون أني ربطت قضية السيد والفرفور بقضية نواة الذرة والإلكترونات التي تدور حولها، ومعنى هذا أني أقول: إن العلاقات بين السيد والفرفور يجب أن يكون لها خلود هذا القانون الطبيعي.

    والذين زعموا هذا لم يفهموا النكتة الدرامية في الموضوع؛ أحالوا «الدراما» إلى تشريع سياسي. ولست أدري ماذا أستطيع أن أضع إزاء هذا الفهم إلا أن يتصدى ناقد مسرحي ليتولى إفهامهم الفرق بين الرؤية المسرحية التي تُبْتَكَر لتجسيد حيوية مشكلة ما وأهمية وجود حل لها، وبين أخذ هذه الرؤية على محمل التشريع والتقنين؟

    مثلهم في هذا مثل من يكتب في قصة تعبيرًا يقول فيه: إن فلانًا هذا كان أطول من النخلة، فيتصدى له من يقول: كيف تزعم أن الإنسان ممكن أن يكون أطول من النخلة، في حين أن النخلة طولها عشرة أمتار أو عشرون، وأطول إنسان لا يتجاوز المترين؟! إن الذي أوجد هذا الفهم الخاطئ — في رأيي — هو أني لجات إلى هذا «التشبيه» «الذري» كتعبير «فني» فأخذه البعض على أنه «قانون» «علمي» يعبِّر عن «حقيقة». وفارق المفهومين هنا كالفارق بين الأرض والسماء، بين طول النخلة وطول الإنسان، بين العلم والفن، بين الحقيقة والدراما.

  • ثالثًا: ووصل الأمر ببعض الزملاء إلى أن اتهموا المسرحية بأنها تتعارض مع الاشتراكية باعتبار أنها لم تجد حلًّا لمشكلة السيد والفرفور في الاشتراكية، ومعنى هذا أن ميثاقنا الوطني يتعارض مع الاشتراكية؛ لأنه رفض الحلول الجاهزة وراح يبحث لنا عن طريق ثالث. ومعناه أيضًا أن على الاشتراكيين أن يغلقوا عقولهم عن ابتكار حلول للمشاكل التي تتمخض عن التطبيق، بل عن الاشتراكية نفسها للوصول بها إلى مرحلة الكمال. لقد كتبت هذه المسرحية كاشتراكي ثوري يؤمن أن الاشتراكية هي عملية تطوير مستمر للفكر الاشتراكي وللمفاهيم الاشتراكية. وأي محاولة لغلق باب الاجتهاد في الاشتراكية هي محاولة ضد الاشتراكية نفسها؛ لأنها محاولة لإلغاء قدرة الكائن البشري على الخلق والتطور والارتقاء.
  • رابعًا: ذكر الأستاذ إحسان عبد القدوس أنني أقصد أن المؤلف هو الله، وردَّ عليه الأستاذ سامي داود ذاكرًا أن المؤلف الذي في المسرحية لا يمكن أن يكون الله وإن كان يمكن أن يُفْهَم على أنه الإله الذي خلقه المشعوذون وتجار الدين. والمؤلف في المسرحية في رأيي ليس هو الله الذي قصده إحسان، وليس هو الله الذي قصده سامي داود، وليس إلهًا أبدًا.

    ولكنه مؤلف المسرحية الذي يحاول السيد والفرفور الاتفاق أو الاختلاف على تمثيلها وتوزيع الأدوار بينهما فيها. إنه مؤلف يكتب حلقات في الإذاعة ويرتدي بنطلونًا قصيرًا ويصفر كلما عنَّ لأبطاله أن يناقشوه في توزيع الأدوار؛ لأنهم حينئذٍ إنما يبدءون يفكرون ويتساءلون: لماذا وكيف؟ ونحن بدأنا نتساءل تجاه أي مؤلف أو عمل فني، إذا بدأنا نتساءل: لماذا لم يجعل شكسبير روميو وجولييت يعيشان ويسعدان بالحياة معًا، ولماذا آثر أن ينتحرا؟ إذا نحن بدأنا نتساءل عن هذا فمعناه أننا بدأنا نرفض التسليم بتأليف شكسبير، معناه أنه بدأ يصغر في أذهاننا ويتضاءل؛ لأننا نحن بدأنا نؤلف له ونكبر ونناقشه ونقترح عليه الحلول؛ معناه أنه أصبح مثلنا أو أقل، أصبح قزمًا، وهذا هو ما يشير إليه.

تضاؤل حجم المؤلف في المسرحية

  • خامسًا: ذكر بعض السادة النقاد أنني أخذت شكل المسرحية من بريخت وبيرانديللو ويونسكو والمسرح الإغريقي الروماني والسامر الشعبي المصري. وفي رأيي أنه إذا استطاع كاتبٌ مسرحيٌّ ما أن يأخذ من هذه المصادر جميعها ويتأثر بها ويقدِّم عملًا فيها لا يمكن نسبته إلى أيٍّ منها فهو عبقريٌّ من الدرجة الأولى؛ ولكني لست هذا العبقري؛ لسببٍ بسيط هو أن مصدر تأثري الوحيد في هذه المسرحية كان بالسامر الشعبي المصري الذي طالما أحببته وأنا طفل وطالما فكرت في تطويره إلى مستوى علمي معاصر. حقيقةٌ أذكرها لا لسبب إلا لأنها الحقيقة، فإذا ما آثرَ البعض أن يتجاهلها فالذنب في هذا ليس ذنبي.
  • سادسًا: المشهد الأخير في المسرحية فهِمه البعض على أنه انتقال إلى العالم الآخر، ولكنه ببساطة ليس سوى تجربة من التجارب التي أقام بها الفرفور والسيد لإيجاد حل للمشكلة. فكما حاولا أن يصنعا الدولة كحلٍّ، يحاولان تجربة حل الموت وليس الموت نفسه، ووضع نهاية لحياتهما ككائنين حيَّين.
  • سابعًا: أخطأ بعض الذين كتبوا عن المسرحية ونسبوا — بحسن نية — فكرة إدماج المتفرجين في الممثلين والجمهور بخشبة المسرح ودخول بعض الممثلين من أبواب الصالة إلى أنه من عمل المُخرِج، والحقيقة أن هذا كله وارد بالنص في المسرحية.

    فالمسرحية كتبتها على أساس نظرة جديدة مستمَدة من فكرة السامر، وكان مفروضًا أن تقدَّم على مسرحٍ دائري يحيط به الجمهور من كل جانب، ولكني ذكرت أنه بالنظر إلى صعوبة تحقيق هذا في مسارحنا الحالية فلا بد من اتخاذ وسائل ميكانيكية في الديكور تصل خشبة المسرح بالصالة وتسمح بامتزاج الممثلين بالجمهور.

    كذلك ذكر الدكتور مندور أن النص المُقدَّم على خشبة المسرح غير النص الذي كنت قد قدمته للجنة القراءة. والحقيقة أني بعد تقديم النص المذكور إلى لجنة القراءة قررت من تلقاء نفسي أنه من المستحسَن أن يُدْمَج الفصلان الثاني والثالث معًا بحيث ترِد المحاكمة على ألسنة زوجة فرفور وزوجة السيد والميت وفرفور والسيد نفسه. وإذا كان المشهد الأخير في المسرحية قد شابَهُ بعض الكآبة بفضل الإضاءة؛ فالسبب في هذا أن رأي الصديق كرم مطاوع والمُخرِج أنه بعملية الموت لا بد أن توضع نهاية للتجارب التي يقوم بها فرفور وسيد، في حين أن عملية الموت في النص المسرحي ليست إلا، كما ذكرت، واحدة من سلسلة التجارب التي يقومان بها والتي لا يمكن أبدًا أن تنمَّ عن التشاؤم أو اليأس.

    وعلى العموم فنص المسرحية سيكون بعد أيام في متناول القراء وباستطاعة من فاته استيعاب أجزاء المسرحية أن يرجع إليها في النص. وإني متأكد أنه لو حدث هذا لزال الكثير من اللبس. وما أسرعنا أحيانًا في إزجاء التهم دون تمحيص أو محاولة من جانبنا لفهم أعمال ربما بذل أصحابها أعمارًا لإنجازها، ونستكثر نحن بضع ساعات نقف فيها أمامها وقفة المتأمل المحايد، وليس وقوفَ الباحث عن احتمال الخطأ، المسارع إلى إطلاق الأحكام وكلها أحكام متشائمة نزعم بها أننا ندين التشاؤم ونندد به! يجب أن نتعلم جميعًا كيف نثق أكثر في أنفسنا وفي بعضنا البعض، وكيف ننبذ سوء النية والترصد. إني كاتب ملتزم، وأَهْوَن عندي ألف مرة ألا أكتب بالمرة، من أن أكتب عملًا أشعر من بعيدٍ أو قريبٍ أن الرؤية المسرحية التي تُبْتَكَر لتجسيد هذا العمل، هي ضد ما أومن به وأعتقد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤