أغرب زفاف جماعي طائر!

الأحد

خبر كنت قد قرأته من عدة أسابيع عن زفاف جماعي يتم في إحدى القرى المجاورة للهرم، حيث يتم زواج أكثر من مائة شاب في ليلة واحدة من ليالي العام توافق الليلة الكبيرة لمولد وليٍّ من أولياء الله الصالحين. تذكرت اليوم هذا الخبر ووجدتني أتذكَّر للتوِّ زفافًا جماعيًّا آخر يحدث في عالم غير عالمنا.

والحقيقة، ما أحوجنا إلى أحاديث الحب والزفاف في عالم يحيا على قمة صاروخ ذي رأس ذري قد ينفجر في أي لحظة ويُفنيه ويُفنينا معه. العالم الذي يحدث فيه هذا الزفاف الآخر هو عالم النمل، ولا بأس أيضًا من الحديث عن النمل. بل لا أرى أبدًا بأسًا في أن نتعلم من النمل كيف نحيا وكيف نسلك؛ فالنمل مجتمع مُجِد مجتهد، يقضي معظم حياته في عمل لا يكل. ومع هذا فله هو الآخر أيامه التي يفرح فيها ويحتفل، وأسعد أيامه تلك وأَرْوَعها هو يوم الزفاف الجماعي حيث تُزَفُّ فيه ملكات كل جحر إلى الذكور تمهيدًا لإنشاء مستعمرات نمل جديدة وإكثار النوع، والنمل ليس نوعًا واحدًا؛ فله ما يزيد على الخمسة عشر ألف نوع، وكل نوع يحيا على هيئة جماعة مكونة من عدة ملكات وعدة ذكور، وغالبيتها العظمى مكونة من أفراد لا أنوثة فيها ولا ذكور اسمها الفعلة أو الشغيلة، ووظيفتها الوحيدة هي القيام بكل ما تتطلبه حياة الجماعة من عمل. وكل نوع من أنواع النمل له يوم زفاف جماعي خاص به، يختار للاحتفال به عصر أحد أيام الصيف أو الربيع الدافئة، ولكنك لا بد أن تلمح علامات الاستعداد لهذا الحدث العظيم قائمةً قبل يومها بأيام أو بعدة ساعات. وأُولى هذه العلامات ازدياد الحركة بين أفراد الفَعَلة واندفاع جماعات كثيرة منها داخلة إلى الجُحر وخارجة منه تجوب كل بقعة من المنطقة المحيطة به وتفتشها وتحرسها حراسة منتظمة لتتأكد من خلوِّها من الأعداء قبل خروج موكب الزفاف الملكي.

كيف يبدأ يوم الفرح؟

في هذا اليوم بالذات لا يؤدي الفَعَلة للجماعة أي عمل يُذْكَر، والعمل الوحيد الذي تقوم به هو توسيع مدخل الجُحْر والممرات المؤدية إليه لتسمح بمرور الملكات وأجنحتها الجديدة دون أن يلحقها أذى، وملكات النمل لا يغادرن الجحر أبدًا إلا في يوم الزفاف هذا، ولأن حجمهن أكبر من حجم النمل العادي ويبلغ في حالات نادرة — كما في النوع المسمى «الميرمسينيا» — سبعة آلاف ضِعْف حجم النملة العادية، فلا بد من توسيع الممرات خاصة، والملكات قد نبتت لها أجنحة، فزفاف النمل لا يتم على الأرض ولكنه يتم في طبقات الجو العليا؛ ولهذا تنبت للملكات والذكور أجنحة تُستخدَم في رحلة شهر العسل هذه فقط وتسقط بعدها. وتوسيع الممرات هذا هو المسئول عن أكوام الأتربة التي نلاحظها قريبة من جحور النمل مع بدايات الربيع، وهي تدل على اقتراب يوم الزفاف.

وحين تتم الاستعدادات النهائية تبدأ حركة هرج ومرج غير عادية تحدث بين الفَعَلة خارج الجحر، ثم لا يلبث أن يتضح السبب إذ يكون الموكب قد بدأ يتحرك. وتبدأ الملكات والذكور في الظهور، وفي أعقاب كل ملكة وذَكَر ثلاثة أو أربعة أفراد من الفَعَلة عملها تثبيت كلٍّ منها في الأرض حتى لا تنطلق بأجنحتها الجديدة، وأيضًا سحبها بعيدًا عن المدخل لتُفسح الطريق لغيرها، وأهم من هذا وذاك إبقاء الذكور بعيدة بُعدًا كافيًا عن الملكات حتى لا يحدث أي اتصال بينهما وهما على الأرض.

وحين يخرج الموكب كله تبدأ كل ملكة وكل ذكر في تجربة الأجنحة «تمامًا مثلما تفعل الطائرات عند نهاية ممرات الطيران»، وتتولى الفَعَلة إمساك الملكات والذكور من الخلف في أثناء التجربة، أما بقية الفَعَلة فتجدها متجمعة خارج الجُحر على هيئة جماعات كبيرة كثيرة الحركة بادية الغبطة حتى ليحاول بعضها أن يطير هو الآخر مع أنه لا يملك أجنحة وليس باستطاعته الطيران.

ظاهرة غريبة

والعجيب أنه في نفس الوقت تكون استعدادات مماثلة قائمة على قدم وساق في جحور كل مستعمرات النمل المنتمية لنفس النوع في جميع أنحاء المنطقة المجاورة. ولا يُعْرَف على وجه الدقة كيف يقع اختيار هذه الجماعات المتباعدة التي لا اتصال بينها على نفس اليوم والساعة والدقيقة لتنفيذ الزفاف. بعضهم يقول: إنها الحساسية المتساوية الزائدة لدرجات الحرارة والرطوبة التي تدفع مستعمرات نفس النوع لكي تختار نفس اليوم والساعة؛ ولكن هذا التفسير وحده لا يكفي. ولكن بوجود يوم زفاف مشترك واحد عامل هامٌّ جدًّا في إتاحة الفرصة للتزاوج المتبادل الذي يؤدي لجيل جديد أقوى، بدلًا من التزاوج الداخلي بين أفراد الجُحر الواحد الذي يؤدي — كزواج العائلة الواحدة — إلى ضعف النسل.

الزفاف

بعد دقائق قليلة من ظهور الموكب تبدأ أول ملكة عذراء في الطيران. قد تلاقي بعض الصعوبة أول الأمر وتعود للهبوط ولكنها لا تلبث أن تُعاود الصعود قُدُمًا تتبعها بقية الملكات والذكور. وبالضبط وفي نفس اللحظة تكون ملكات المستعمرات الأخرى وذكورها قد بدأت تطير، وبهذا تتكوَّن من ملكات المستعمرات الكثيرة المنتشرة في المنطقة وذكورها سحابة ملكية نملية تأخذ طريقها إلى طبقات الجو العليا في حركات حلزونية صاعدة، إلى أن تصل إلى الطبقات التي يُسْمَح فيها باتصال الذكور بالملكات، أما موكب الزفاف وهو لا يزال على الأرض ففعلة النمل تحُول بضراوة بين الذكور وبين أي اتصال بالملكات، فإذا فقد أحد الذكور أعصابه وتخلَّص من مرافقيه وانقضَّ على ملكة عذراء مجاورة ونالها؛ فالملكة المعتدى عليها تطير أيضًا وتشترك في موكب الزفاف، أما الذكر الشقي فغالبًا ما يَلْقَى حتفه في أثناء عملية شدِّه وجذبه بعيدًا عن الملكة. ولنعُد إلى الساحة الملكية: تظل كل ملكة صاعدة حتى تصل إلى طبقة جوية حافلة بأشعة الشمس والهواء النقي الخالي من الشوائب والأتربة، وهنا فقط تسمح للذكر الذي يصادف وجوده بجوارها أن ينالها، ولكنها لا تلبث أن تُدرك خطأها؛ إذ هي تضطر لحمله فوق ظهرها مما يُعيق قدرتها على الطيران، فهنا حين تبدأ تهوي تجاه الأرض تبدأ تناضل الذكر حتى تنفضه عن كاهلها وتعود إلى الصعود من جديد؛ لكي يظفر بها ذكر آخر وهكذا.

نهاية ساعة العسل

وتظل عملية الصعود والهبوط قائمة حتى يحلَّ التعب بالملكات فتأخذ طريقها إلى الأرض حيث تجدن الذكور قد سبقوهن إليها، راقدين لا يُبْدُون حراكًا.

تعود الملكة من رحلتها لتجد نفسها تواجه مشكلة؛ فمعظم الملكات لا يُسْمَح لهن بالعودة إلى مستعمراتهن القديمة؛ إذ الهدف من يوم الزفاف الطائر كله إقامة مستعمرات جديدة. حينئذٍ تبدأ الملكة تبحث عن ملجأ مؤقَّت يحميها، وحين تجده تقوم بآخر مراسم الزفاف فتقف ساكنة للحظة، ثم فجأة تنتفض انتفاضة قوية تُسقط بها أجنحتها إلى الأبد، بينما العضلات التي كانت تُحركها تتحول إلى مواد دهنية تتغذى عليها الملكة خلال الأسابيع الكثيرة التي عليها فيها أن تبقى قابعة في الجحر الذي تصنعه لنفسها حتى تضع البيض، وحتى يفقس بعد عدة أسابيع أخرى وتخرج منه العذارى وتتكون منها مستعمرة جديدة بملكاتها وذكورها وفعَلتِها.

وفي أحيان أخرى قليلة يُسْمَح للملكة بأن تعود إلى الجحر الذي خرجت منه إذا كانت المستعمرة ضعيفة وفي حاجة إلى تقوية. وفي أحيان أقل تتطفل الملكة بعد رحلة شهر العسل على مستعمرة أخرى، وتتبع من أجل هذا طريقة خبيثة؛ فهي تظل تحوم حول جحر المستعمرة التي قررت أن تتطفل عليها حتى تكتسب رائحة نمل هذه المستعمرة، «فجماعات النمل تتميز عن بعضها بوجود رائحة خاصة لكل مستعمرة بحيث يتعرف أفراد المستعمرة على بعضهم البعض بواسطة هذه الرائحة. وقدرة النمل على التمييز بين الروائح المتقاربة أكثر مائة مرة من قدرة الإنسان.» وبعد يوم أو يومين تقتحم الملكة الجحر بين دهشة الفعَلة وعجبهم؛ فهي نملة غريبة ولكن لها رائحتهم، وتنتهز الملكة فرصة الذهول المسيطر الذي يتخلله أحيانًا بعض المقاومة وتأخذ طريقها مباشرةً إلى حجرة الحضانة حيث توجد الملكة الأصلية ترعى صغارها، وبحركة مفاجئة تمتطي ظهرها، وقد تبقى على هذا الوضع أيامًا. ولكنها لكي تستريح من جماعة الفعلة التي كثيرًا ما تحيطها وتراقبها تقطع رقبة غريمتها بأطرافها المنشارية وتأخذ مكانها وتضع بيضها حينئذٍ في أمان، وتنشأ أجيال مشتركة من أبناء الملكة الجديدة والقديمة. ولكن شيئًا فشيئًا وبعد بضع سنوات لا يلبث أبناء القديمة أن يندثروا وتُصبح المستعمرة كلها من أبناء الملكة الغازية المتطفلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠