نجيب محفوظ والاتحاد القومي

أنا لا أقابل نجيب محفوظ إلا كل صدفة وصدفة، وفي كل مرة أحس إذا ما رأيته وكأن بلادنا لا تزال بخير، وكأن لا تزال تحفل بالطيبة والصدق والنبل. واليوم قابلت نجيب على قهوة بالعباسية، يذهب إليها كل خميس من الساعة السادسة تمامًا إلى الثامنة، ويقابل فيها أصدقاء العمر والطفولة. ولم نتحدث في الأدب هذه المرة؛ انصبَّ معظم حديثنا على التجربة الجديدة المثيرة التي يزاولها نجيب محفوظ لأول مرة، تجربة اختياره عضوًا بالمؤتمر العام للاتحاد القومي، واشتغاله بالسياسة واللجان والمناقشات وصياغة القرارات.

كان حماس نجيب كبيرًا وهو يتحدث عن لجنة الفنون والآداب التي انضم لعضويتها عدد كبير من أبناء الاتحاد القومي بالأقاليم، وكيف مضى أصحاب الجلاليب يُثبتون لأصحاب النظارات والبِدَل أنهم لا يقلُّون عنهم حماسًا للفنون والآداب، بل بعضهم كان قد جاء وفي جعبته قرارات حملها من لجان بلاده تطالب بمسارح وفرق تمثيلية محلية، ومكتبات وأفلام ثقافية. وقد حدثني نجيب عن هذا الشيخ الذي وقف يسائل السيد ثروت عكاشة عن باليه «آخر الزمن» ويطالب بإلغاء رقصه المزعوم، وكيف رد عليه الوزير، وكيف اشترك في إقناعه بفائدة الباليه شيوخ مثله وأبناء أرياف. تجربة كان نجيب منفعلًا بها إلى درجة دفعتني لأن آسَفَ لأني لم يُتَحْ لي أن أحضرها أو أراها.

وفي المساء كنت مع الصديقَين: موسى صبري وفتحي غانم، وكانا يتحدثان بانبهار وكأنما طول المؤتمر يشهدان مولد كائن حي عملاق اسمه إرادة الشعب. تكلم فتحي غانم عما دار في لجنة التوجيه القومي حين وقف أستاذ في الجامعة واستنكر أن يشترك المواطنون العاديون في مناقشة قضايا ضخمة كالقومية العربية ومفهومنا للاشتراكية؛ إذ مناقشة أمور كتلك مفروض أن تدور في حرم جامعات وبين متخصصين، وكيف انبرى له الدكتور سليمان حزين قائلًا: إن هذا عين الخطأ، وإن الجامعة كانت تحيا في برج عاجي، وإن الاشتراكية والقومية إذا أردنا فهمهما وتحديدهما لا بد أن نبحث عنهما بين الناس، ونلتقطهما من خلال خبرتهم واحتكاكهم الحقيقي بالحياة وكدحهم في طلب العيش، وإنه سعيد لأنه أحس في اجتماعات اللجنة أنه يتعلم من مواطنيه الذين جاءوا من أقاصي القرى والبقاع، وحبذا لو أنصت لزميله الأستاذ، وسكت، وحاول أن يتعلم.

وقال موسى صبري: لقد راعني أن أرى جموع المواطنين المنتخبين والمختارين آتية ظامئة لأن تناقش وتسأل وتطلب وتلح في الطلب، وراعني أن أرى الفلاح يناقش الوزير مناقشة ندٍّ لند، وحين لا يقتنع يبدي رأيه بصراحة في الجواب، ويعود يلح على الوزير ويناقش؛ راعني أن أرى الوزراء وقد فهموا مهمَّتهم وفهموا أنهم أمام ممثلي الشعب، وأنهم مندوبوه للتنفيذ. لم يكن مؤتمرًا، كان احتفال أمة بمولد قادة، واحتفال ثورة بمولد إرادة.

وفي آخر الليل كنت أعود وأنا شديد الإعجاب بشعبنا، الشعب الذي طالما افترَوا عليه والذي كان دائمًا يتطور ويتقدم ويزداد إدراكًا ووعيًا، الشعب الذي أثبت في كل مرة أن الشكليات لا تهمُّه بأي حال، الشعب الذي أحال الاتحاد القومي من نظرية إلى أمرٍ واقع رائع ونقطة بدء وانطلاق، الشعب الحي المتفاعل الذي لا يغلبه غلاب. لقد كنت في العام الماضي أجول في أوروبا، وأحاول أن أراها من جديد، ولم أتحمَّل أن أراها أكثر من ثلاثة أسابيع. لقد أحسست أني في مقبرة وأن أناسها أحياء بقدر ما هم غير أحياء؛ أحياء جسدًا وأموات أرواحًا وتطلُّعًا إلى المستقبل وطموحًا، أحسست أني غادرت قاهرةً ثائرةً تغلي وتصنع الأحداث وتكتب التاريخ إلى أوروبا راكدة مستسلمة لا تحب السياسة ولا تناقشها، بينما السياسة تحدد مصيرها وتهدد كيانها. أحسست أنهم في أوروبا يروننا من الخارج ويحكمون علينا بالشكل، مثلما لا يزال بعضٌ منا يحكم على أحداثنا هنا من ظاهرها وشكلها، بينما المضمون — مضمون حركتنا وخطواتنا — هو المهم، وهو ما دفعني للفخر بشعبنا، الشعب الذي يعرف دائمًا كيف يجد نفسه ويحقق وجوده، ويتقدم.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠