المظلومات الضعيفات المغلوبات

كنت أركب الأتوبيس في طريقي إلى «الجمهورية» وإذا به يتوقف في شارع ٢٦ يوليو بلا محطة أو إشارة مرور. وسألنا ما الحكاية، قالوا: مظاهرة.

استغربت، فلم يكن في الجوِّ هتافات ولا هدير جماهير محتشدة. كان الشارع يموج فقط بعشرات من العربات الملاكي الفاخرة. ونزلنا من الأتوبيس لنتفرج، وإذا بالمظاهرة تستحق الفرجة والتأمل فعلًا؛ فقد كانت مظاهرة نسائية، لا زلت للآن لم أعرف كل أسبابها، ولكني وقفت مع غيري من الواقفين نحدِّق في العربات الفارهة وهي تقف، وتهبط منها السيدات، أنيقات أبدع ما تكون الأناقة، ونظل نتتبعهن بشغف وهم يخطرن برشاقة إلى أن ينضممن إلى غيرهن من «المتظاهرات».

والحقيقة أن المشهد أعجبني لدرجة أني فوَّتُّ الأتوبيس وتركته يحاول سائقه أن يخرج به من هذا المأزق النسائي الذي وضعته فيه السيدات المتظاهرات وعرباتهن التي تتبادل الكلاكسات والنعوت. ومن الكلمات التي تناثرت على أفواه المارة والمتفرجين من أمثالي عرفت أن «المتظاهرات» قد اتفقنَ على اللقاء أمام «شيكوريل!» في الساعة العاشرة أو الحادية عشرة — لا أعرف — للتوجه إلى القصر الجمهوري لعرض مطالبهن، واعتقدت كغيري أن مطالبهن تلك لا بد أن تكون رفع الحظر عن استيراد الفراء مثلًا أو مستحضرات ماكس فاكتور، ولكني لم أشأ أن أعتمد على ظني وتخميني وسألت جاري عنها، وحاول جاري أن يسأل جاره، ولكن الجيران جميعًا كانوا مشغولين بالتفرج على المظاهرة والبحلقة في المشتركات فيها.

وبعد فترة بدا أن المظاهرة تكاملت، وتوقعت — كما توقع غيري — أن تبدأ في التحرك، ولكن لم يحدث شيء من هذا، ظلت المظاهرة واقفةً لسببٍ لم نستطع تخمينه أو معرفته، ولكنه ما لبث أن اتضح بعد دقائق؛ فقد وجدنا بعض العربات الخاصة بدور الصحف تقف ويهبط منها مندوبات ومندوبو صاحبة الجلالة — متأخرين كالعادة، وفي الحال سَرَتْ في المظاهرة نوبات حركة وحماس، ومضت حقائب اليد تُفْتَح خُفيةً وتختلس النظرات إلى المرايا الصغيرة التي بداخلها.

وحين انتهى التصوير، واطمأنت كل «متظاهرة» إلى «ظهورها» في صورة أو أكثر، حينئذٍ فقط تحرك الموكب.

ولم أعرف أسباب المظاهرة إلا من مندوبة إحدى الصحف؛ فقد قالت لي بحماس المدافعة عن جنسها إنها خاصة بتقييد الطلاق، وعلى ما أظن تعديل قوانين الميراث بما يضمن للمرأة حقًّا مساويًا لحق الرجل، ولا أعرف ماذا قالت أيضًا، ربما لأنه لم يكن هناك غير هذين السببين، وربما لأن الحماس أنسى المندوبة بعضها ونسيت أنا الباقي.

وأنا شخصيًّا شديد الحماس لهذه المطالب ولأي مطالب أخرى تتفتق عنها أذهان زعيماتنا النسائيات ويكون هدفها مساواة تامة؛ ولكن حماسي هذا يهبط إلى الصفر حين أرى الطرق والوسائل التي تتبعها سيداتنا الزعيمات لتحقيق هذه المطالب، خاصة تلك الطريقة المبتكرة في التظاهر والتلاقي أمام شيكوريل. ومن يدري ربما المرة القادمة تكون أمام هانو أو «آنو كما تنطقها سيداتنا»، أو أمام داود عدس «بمناسبة أوكازيون البياضات»؛ فالمهم أني لم ألمح في هذه المظاهرة كلها واحدة يبدو عليها أنها مطلَّقة أو حتى في طريقها للطلاق؛ فقد كُنَّ جميعًا — ولله الحمد — يَبْدُون متزوجات مستقرات صاحبات باعٍ ونفوذ؛ بدليل أن كلًّا منهنَّ لا بد أرغمت زوجها على قضاء مشاويره في تاكسي أو على الأقدام وأخذت هي العربة؛ «لأن عندنا مظاهرة النهارده يا شيري».

وأنا أفهم مثلًا أن سيداتنا الزعيمات هؤلاء لو أردْنَ عمل مظاهرة حقيقية للمطالبة بالحد من الطلاق لجعلنها في ميدان السيدة زينب مثلًا أو في باب الخلق، حيث النساء اللائي يعانين فعلًا من مشكلة الطلاق أو الميراث، وحيث الحماس الذاتي متوفر. أما تلك الطريقة للحصول على الحقوق، مظاهرات شيكوريل وشملا والصالون الأخضر هذه، فأنا لست ضدها أبدًا، ولا أنصحهن إطلاقًا بالكفِّ عنها، فهو كفاحٌ مسلٍّ حقًّا؛ ألم يجعلني أقف أنا ومئات الرجال من أمثالي نتفرج لأكثر من ساعة ونحن في قمة السعادة والانبساط؟

قضية ملفقة

وتُذكرني هذه المظاهرة «الشيك أوي» بالصيحات التي ترتفع بين كل حين وحين، الصيحات التي تُطْلِقها سيداتنا من «رائدات الحرية» وأصحاب نظرية طغيان الرجال الشرقيين الوحوش على النساء الشرقيات المظلومات المهيضات الجناح، والتي لا نملك إزاءها بالطبع إلا كل حماس وتصفيق وتعضيد؛ تلك الصيحات التي بدأت تدفعني للتساؤل: أهي صيحات حق؟ أم هي صيحات الهدف منها التظاهر والقيام بدور الزعامة لحزب النساء الشرقيات المظلومات الذي لا وجود له بالمرة في واقع حياتنا؟ ومَنْ هي المرأة الشرقية التي تنطق باسمها رائدات الحرية هؤلاء؟ هل هي المرأة في الأرياف والمرأة العاملة في المصانع؟ ولكننا في الأرياف أبدًا لا نجد مشكلة حرية ورجل ظالم وامرأة مظلومة. إن الفلاحة التي تعمل مع زوجها وتقوم بدور لا يقل عن دوره لا تحس أبدًا أن الرجل يظلمها ويجور على حقوقها، إنها تحس بالمساواة الكاملة المطلقة، مشكلة حقوق المرأة التي اغتصبها الرجل لا نسمعها إلا هنا في مدننا ونسمعها مقلوبة؛ فحتى في ظل هذه الأوضاع السائدة في مدننا أو بين طبقتنا المتوسطة حيث الرجال يعملون والنساء لا يعملن، حتى في ظل أوضاع كهذه، هل بقيت دولة النساء ساكتة مستسلمة تنتظر كفاح زعيماتنا النسائيات، ورائدات الحرية لتظفر بحقوقها المساوية للرجل؟ إننا نخدع أنفسنا إذ نعتقد هذا؛ فالحقيقة أن الحادث هو أن الرجال لهم كل الحقوق في الظاهر، أما في حقيقة الأمر فكل الحقوق للنساء.

عمارتنا

وأنا أقطن مثلًا في عمارة مكونة من مائة شقة، في كل شقة عائلة صغيرة أو كبيرة ولكن فيها على الأقل زوج وزوجة. وإذا أخذنا ما يجري مثلًا للحادث في كل البيوت والأزقة والعمارات ونقول: إن باستطاعتنا أن نعتبر أن فيها مائة ممثل لدولة الرجال «الأقوياء الخشنين الظالمين المتسلطين … إلخ إلخ» ومائة ممثل لدولة النساء «الضعيفات المسلوبات الحقوق المهيضات الجناح»، فلنرَ إلى أي حدٍّ تنطبق هذه الأوصاف على الحقيقة والواقع.

دولتنا — دولة الرجال — ما أتعسها وأفرغ عقلها! دولة مفككة لا رابط بينها ولا ضابط. لا يعرف الجار منهم جاره ولا كُنْهَ عمله، حتى لو جاوره لأعوام وأعوام. وإذا تصادف والتقى منهم اثنان في الأسانسير أو على السلم شَمَخَ كلٌّ منهما بأنفه وتقوقع داخل نفسه ومثَّل دور الرومي خير تمثيل.

وفي مقابل هذا لا نجد أروع من دولة النساء تماسكًا ووحدة. في ظرف أسبوع واحد من سكني عمارتنا كانت سيداتها قد تعارفن جميعًا وبعضهن كن قد تصادقن وتحاببن وأزلن كل ما بينهن من حواجز وأستار، وعرفن عن بعضهن كل شيء تقريبًا ابتداءً من أنواع الملابس وألوانها إلى أخلاق أزواجهن وعاداتهم، بل ما كاد يمضي شهر على سكني العمارة حتى كانت دولة النساء قد بدأت تنظم نفسها وتكوِّن الأحزاب؛ حزب متوسطات العمر المتشبثات بالشباب، بزعامة السيدة القاطنة في الدور الثالث، وحزب الضيقات بالزواج الكارهات لعيشتهن اللائي لا عمل لهن إلا تعداد مساوئ الأزواج والجري وراء متعهن الشخصية من خروج وكوافير وأفلام ومواعيد وتشنيعات، بزعامة السيدة القاطنة في الدور الأول، وأحزاب أخرى كثيرة لا يعلم عددها إلا الله. حتى الفتيات، والتلميذات ما أسرع ما يتعلمن سياسة الأحزاب السرية والائتلافية، حيث يخرجن معًا ويكذبن معًا. ولكل منهن ثلاث صديقات على الأقل مستعدات دائمًا لشهادة الزور، وتلك الدولة أيضًا جريدتها الخاصة ومحطة إذاعتها الرسمية وشبه الرسمية هي السيدة «…» (وأعفوني من التحديد فليس أبشع من إذاعتها الموجهة) هي التي تتولى مهمة إشاعة الأخبار أولًا بأول.

الرجال (الخشنون الأقوياء الظالمون … إلخ إلخ) يخرجون إلى عملهم من هنا، وتبدأ دولة النساء عملها بنشرة الأخبار والتعليقات التي تذيعها على موجات متوسطة وطويلة، التي تطول حتى الأرملة الساكنة في الدور الثالث عشر. وإذا بما حدث بين كل جدران أربعة وما تعتبره دولة الرجال المغفَّلة من الأسرار الحربية المنيعة، إذا به مجرد خبر عادي في نشرة الأخبار.

لمن اليد العليا

وهكذا بنظرةٍ واقعية محضة نجد أن رجال عمارتنا مثل الرجال في كل مكان ليسوا إلا فَعَلة تستخدمهم نساؤهم في جلب النقود ليتولَّين هنَّ إنفاق معظمها على أنفسهن ومتعهن الخاصة. وفي الوقت الذي يحرق الرجال دماءهم ويُفنون أعمارهم لكسب القروش والملاليم، تكون سيداتنا الضعيفات المظلومات المهيضات الجناح … إلخ إلخ. يقضين الساعات يتسكعن في الشوارع بحجة التفرج على المعروضات وانتقاء أروع الطرق لإنفاق ما سوف يجلبه الزوج في آخر النهار. وويل للزوج لو قال «بم»، وويله لو سلَّمها الماهية ناقصة أو بها خلل، عليه حينئذٍ أن يجهِّز نفسه، هو القوي الخنشور المسيطر … إلخ إلخ، لما سوف يصيبه من مندوبة دولة النساء الضعيفة المظلومة … إلخ إلخ.

وإذا كان الرجل لا يزاول حريته إلا في العلن وفي أضيق حدود؛ فالمرأة تزاول في السر حرية أكبر وأوسع، بل ليس هناك مدًى لما يمكن أن تزاوله من حريات، وحتى الميزة الوحيدة الباقية للرجل «أي القوة والخشونة» لا يستمتع هو بها ولا يزاولها أبدًا من تلقاء نفسه. إن المرأة تحتكرها أيضًا لاستعمالها الخاص، فإذا ضايقها البواب أو الجزار لجأت إلى فتوَّتها الخاص ومثَّلت أمامه دور المُهانة حتى تتأكد أن الدماء غلت في عروقه، وتتركه حينئذٍ ليواجه مصيره، وغير مهم أن يعود مُعْتدًى عليه أو مهانًا أو مربوط الجبهة، فأن يُعْتَدَى على كرامته هو مسألة بسيطة، أما أن تُخْدَشَ كرامتها فمسألة لا يجب أن تمر بغير أن تسيل لها الدماء.

أي حقوق مزعومة اغتصبها الرجال في مجتمعنا من النساء، والرجل هو الذي يُنتج ويعرق ويكدح، والمرأة مع هذا هي التي تتحكم فيه وفي نتيجة عرقه وكدحه؛ ملابسها دائمًا أحسن من ملابسه وأغلى، وتكاليفها أكثر، ومطالبها هي الأولى، والرجل دائمًا هو الذي يدفع؛ إذا خطبها دفع، وإذا تزوجها دفع، وإذا عاش معها قضى عمره يدفع، وإذا طلقها قضى أكثر عمره في نفقة ومؤخر وهباب أزرق، وكأن مكتوبًا عليه أن يحمل فوق كاهله إلى الأبد تلك التي تدَّعي أنها أسيرته وأنه ظالمها.

دعوة

أليس من المعقول أكثر أن ندعو أنفسنا نحن الرجال للثورة على تلك الأوضاع الغريبة الظالمة؟ ألا يحق لنا أن نتواجد نحن أمام قهوة النشاط الكبرى أو حتى أمام قسم عابدين لنقوم بمظاهرة نطالب فيها بإعادة توزيع الحقوق والواجبات بيننا وبين النساء توزيعًا عادلًا؟ نطالب بخلط حقوقنا العلنية الجوفاء الزائفة بحقوقهن الخفيَّة الواقعية، ونُعيد توزيع الخليط حسب المبدأ القائل: من كلٍّ حسب ما يكسبه، إلى كلٍّ حسب ما يكسبه برضه.

إني فقط أتساءل، فلا يمكن أن يبلغ بنا الضعف نحن الرجال الخشنين الأقوياء … إلخ إلخ درجة نتظاهر معها لنطلب إنصافنا من نسائنا الضعيفات المغلوبات المهيضات … إلخ إلخ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠