جبل

٢٤

أقيمت بيوت الوقف في خطين متقابلين يصنعان حارتنا. ويبدأ الخطان من خط يقع أمام البيت الكبير، ويمتدان طولًا في اتجاه الجمالية. أما البيت الكبير فقد تُرك خاليًا من جميع الجهات على رأس الحارة من ناحية الصحراء. وحارتنا، حارة الجبلاوي، أطول حارة في المنطقة. أكثر بيوتها ربوع كما في حي آل حمدان، وتكثر الأكواخ من منتصفها حتى الجمالية. ولن تتم الصورة إلا بذكر بيت ناظر الوقف على رأس الصف الأيمن من المساكن، وبيت الفتوة على رأس الصف الأيسر قبالته.

كان البيت الكبير قد أغلق أبوابه على صاحبه وخدمه المقربين. ومات أبناء الجبلاوي مبكرين فلم يبقَ من سلالة الذين أقاموا وماتوا في البيت الكبير إلا الأفندي ناظر الوقف في ذلك الوقت. أما أهل الحارة عامة فمنهم البائع الجوال، ومنهم صاحب الدكان أو القهوة، وكثيرون يتسوَّلون، وثمة تجارةٌ مشتركة يعمل فيها كل قادر هي تجارة المُخَدِّرات وبخاصة الحشيش والأفيون والمنافع. وكان طابع حارتنا — كحالها اليوم — الزحام والضجيج. الأطفال الحفاة أشباه العرايا يلعبون في كل ركن، ويملئون الجو بصراخهم والأرض بقاذوراتهم. وتكتظ مداخل البيوت بالنساء، هذه تخرط الملوخية، وتلك تقشر البصل، وثالثة توقد النار، يتبادلن الأحاديث والنكات، وعند الضرورة الشتائم والسباب. والغناء والبكاء لا ينقطعان، ودقة الزار تستأثر باهتمامٍ خاص. وعربات اليد في نشاطٍ متواصل. ومعارك باللسان أو بالأيدي تنشب هنا وهناك، وقطط تموء وكلاب تهر، وربما تشاجر النوعان حول أكوام الزبالة. والفئران تنطلق في الأفنية وعلى الجدران، وليس بالنادر أن يتجمع قوم لقتل ثعبان أو عقرب. أما الذباب فلا يضاهيه في الكثرة إلا القمل، فهو يشارك الآكلين في الأطباق والشاربين في الأكواز، يلهو في الأعين ويغني في الأفواه كأنه صديق الجميع.

وما إن يجد شاب في نفسه جرأة أو في عضلاته قوة حتى يندفع إلى التحرش بالآمنين، والاعتداء على المسالمين، فيفرض نفسه فتوة على حي من أحياء الحارة، يأخذ الإتاوات من العاملين، ويعيش ولا عمل له إلا الفتونة. هكذا وجد فتوات الأحياء مثل: قِدْرَة والليثي وأبو سريع وبركات وحمودة. وكان زقلط أحد هؤلاء الفتوات، فخاض معارك كثيرة مع فتوة بعد فتوة حتى هزم الجميع وصار فتوة الحارة كلها. وفرض الإتاوات على الفتوات جميعًا. ورأى الأفندي ناظر الوقف أنه بحاجة إلى مثل هذا الرجل؛ لينفذ أوامره أو يدفع عنه ما قد يتهدده من شر فقرَّبه ورتب له راتبًا عظيمًا من ريع الوقف، فأقام زقلط في بيته المقابل لبيت الناظر واستحكم سلطانه. وعند ذلك ندر وقوع المعارك بين الفتوات؛ إذ إن الفتوة الأكبر لا يرتاح إلى هذا النوع من المعارك الذي قد ينتهي بتكبير فتوة، وبالتالي بتهديد مركزه هو؛ لذلك لم يجد الفتوات متنفسًا لقوة شرهم الحبيسة إلا في الأهالي المساكين المسالمين. كيف انتهى الأمر بحارتنا إلى هذه الحال؟

لقد وعد الجبلاوي أدهم بأن يكون الوقف لخير ذريته. وشيدت الربوع ووزعت الخيرات وحظي الناس بفترة من العمر السعيد. ولما أغلق الأب بابه واعتزل الدنيا احتذى الناظر مثاله الطيب حينًا، ثم لعب الطمع بقلبه فنزع إلى الاستئثار بالريع. بدأ بالمغالطة في الحساب والتقتير في الأرزاق، ثم قبض يده قبضًا مطمئنًا إلى حماية فتوة الحارة الذي اشتراه. ولم يجد الناس بدًّا من ممارسة أحقر الأعمال. وتكاثف عددهم؛ فزاد فقرهم وغرقوا في البؤس والقذارة. وعمد الأقوياء إلى الإرهاب، والضعفاء إلى التسول، والجميع إلى المُخَدِّرات. كان الواحد يكد ويكدح نظير لقمات يشاركه فيها فتوة، لا بالشكر، ولكن بالصفع والسب واللعن.

الفتوة وحده يعيش في بحبوحة ورفاهية، وفوق هذا الفتوة الأكبر، والناظر فوق الجميع، أما الأهالي فتحت الأقدام. وإذا عجز مسكين عن أداء الإتاوة انتقم منه فتوة حيِّه شر الانتقام، وإذا شكا أمره إلى الفتوة الأكبر ضربه الفتوة الأكبر وأسلمه إلى فتوة حيِّه ليعيد تأديبه، فإذا سولت له نفسه أن يشكو إلى الناظر ضربه الناظر والفتوة الأكبر وفتوات الأحياء جميعًا. وهذه الحال الكئيبة شهدتُها بنفسي في أيامنا الأخيرة، صورةٌ صادقة مما يروي الرواة عن الأزمان الماضية.

أما شعراء المقاهي المنتشرة في حارتنا فلا يروون إلا عهود البطولات متجنبين الجهر بما يحرج مراكز السادة، ويتغنون بمزايا الناظر والفتوات، بعدل لا نحظى به، ورحمة لا نجدها، وشهامة لا نلقاها، وزهد لا نراه، ونزاهة لا نسمع عنها.

وإني لأتساءل: عما أبقى آباءنا — أو عما يبقينا نحن — بهذه الحارة اللعينة؟ الجواب يسير. لن نلقى في الحواري الأخريات إلا حياةً أسوأ من الحياة التي نكابدها هنا، هذا إذا لم يهلكنا فتواتها انتقامًا مما لاقوا على أيدي فتواتنا. والأدهى الأمرُّ أننا محسودون! يقول أهالي الحواري حولنا: يا لها من حارةٍ سعيدة! تحظى بوقف لا مثيل له، وفتوات تقشعر عند ذكرهم الأبدان. ونحن لا ننال من الوقف إلا الحسرات، ومن قوة فتواتنا إلا الإهانات والأذى. على ذلك كله فنحن باقون، وعلى الهم صابرون. نتطلع إلى مستقبل لا ندري متى يجيء، ونشير إلى البيت الكبير ونقول: هنا أبونا العتيد، ونومئ إلى الفتوات ونقول هؤلاء رجالنا، ولله الأمر من قبلُ ومن بعدُ.

٢٥

ونفد صبر آل حمدان فاصطخبت في حيهم أمواج التمرد.

كان آل حمدان يقيمون في قمة الحارة فيما يلي بيتي الأفندي وزقلط، حول البقعة التي بنى أدهم فيها كوخه. وكان رئيسهم حمدان صاحب قهوة؛ قهوة حمدان، أجمل قهوة في الحارة كلها وتتوسط حي حمدان بين الربوع. جلس المعلم حمدان في الجهة اليمنى من مدخل القهوة، في عباءةٍ رمادية، وعلى الرأس لاسةٌ مزركشة، يتابع عبدون صبي القهوة في نشاطه المتواصل، ويتبادل مع بعض الزبائن الأحاديث. وكانت القهوة ضيقة العرض ولكنها تمتد طولًا حتى أريكة الشاعر في الصدر تحت صورةٍ خيالية ملونة لأدهم في رقاده الأخير، وهو يتطلع إلى الجبلاوي الواقف بباب الكوخ.

أشار حمدان إلى الشاعر فتناول الربابة واستعد للإنشاد. وبين أنغام الأوتار بدأ بتحية الناظر حبيب الجبلاوي، وزقلط زين الرجال، ثم روى فترة من حياة الجبلاوي قبيل مولد أدهم. وندت عن احتساء القهوة والقرفة والشاي أصوات، وانعقد الدخان المتصاعد من الجوز حول الفانوس سُحبًا شفافة. وتركزت الأعين في الشاعر، واهتزت الرءوس لجمال ذكرَى أو حُسْن موعظة. ومضى وقت الخيال في شغف وانسجام حتى وافاه الختام، وترامت على الشاعر تحيات الاستحسان. عند ذاك تحركت في الأعماق موجة التمرد التي اجتاحت آل حمدان، فقال عتريس الأعمش من مجلسه وسط القهوة، معلقًا على ما سمع من قصة الجبلاوي: كان في الدنيا خير، حتى أدهم لم يجُع يومًا واحدًا.

وإذا بتمر حنة العجوز تقف أمام الدكان وتنزل قفص البرتقال من فوق رأسها، ثم تقول موجهة الخطاب إلى عتريس الأعمش: يسلم فمك يا عتريس، كلامك كالبرتقال السكري!

فنهرها المعلم حمدان قائلًا: اذهبي يا ولية وأريحينا من كلامك الفارغ.

لكن تمر حنة جلست على الأرض لصق مدخل القهوة وهي تقول: ما أحلى القعدة جنبك يا معلم حمدان! (ثم وهي تشير إلى قفص البرتقال) يوم ونصف ليلة في المشي والنداء نظير ملاليم يا معلم!

وهمَّ المعلم بالرد عليها، ولكنه رأى ضلمة مقبلًا مقطبًا وقد تلوث جبينه بالتراب فنظر إليه حتى وقف أمامه في مدخل القهوة وهتف بصوتٍ مرتفع: ربنا على المفتري! قدرة .. قدرة يا هوه أكبر مفتري، قلت له: أمهلني إلى الغد حتى يفتح الله عليَّ؛ فرماني على الأرض وبرك فوق صدري حتى كتم أنفاسي.

فجاء صوت عم دعبس من أقصى القهوة وهو يقول: تعال يا ضلمة اقعد جنبي، تعال الله يلعن أولاد الحرام. نحن أسياد هذه الحارة ولكننا نُضرب فيها كالكلاب، ضلمة لا يجد إتاوة لقدرة، تمر حنة تسرح بالبرتقال وهي لا ترى أبعد من ذراع أمامها، وأنت يا حمدان أين شجاعتك يا ابن أدهم؟!

فاتجه ضلمة إلى الداخل، وتساءلت تمر حنة: أين شجاعتك يا ابن أدهم؟!

فهتف بها حمدان: غوري يا تمر حنة، أنتِ فُتِّ سن الزواج من خمسين سنة فلمَ تحبين مجالس الرجال؟!

فتساءلت المرأة: أين هم الرجال؟!

فقطب حمدان ولكن تمر حنة بادرته كالمعتذرة: دعني أسمع الشاعر يا معلم.

فقال دعبس للشاعر بمرارة: حدِّثها عن هوان آل حمدان في هذه الحارة.

فابتسم الشاعر قائلًا: حلمك يا عم دعبس، حلمك يا سيد الناس.

فقال دعبس محتدًّا: من سيد الناس؟ إن سيد الناس يضرب الناس ويظلم الناس ويغتال الناس، أنت تعرف من هو سيد الناس!

فقال الشاعر بقلق: قد نجد بيننا فجأة قدرة أو غيره من الشياطين!

فقال دعبس بحدة: كلهم ذرية إدريس!

فقال الشاعر بصوتٍ خافت: حلمك يا عم دعبس قبل أن تهدم القهوة فوق رءوسنا.

فنهض دعبس من مجلسه وقطع القهوة في خطواتٍ واسعة ثم جلس إلى يمين حمدان على أريكة وهمَّ بالكلام، ولكن ضجة غلمان علت بغتة حتى غطت على صوته، وانتشروا أمام القهوة كالجراد وهم يتبادلون السباب، فصرخ فيهم دعبس: يا أولاد الشياطين أليس لكم جحور تؤويكم في الليل؟

لكنهم لم يبالوا بصراخه فوثب كالملدوغ وانقضَّ عليهم، فجروا في الحارة وهم يصيحون: «هيه!» وترامى أكثر من صوت نسائي من نوافذ الربع المواجه للقهوة: «وحِّد الله يا عم دعبس»، «خوفت الأولاد يا رجل». فلوح بيده ساخطًا وعاد إلى مجلسه وهو يقول: الواحد حيران، لا عند الأولاد راحة ولا عند الفتوات راحة ولا عند الناظر راحة.

أمَّن كلٌّ على قوله. آل حمدان ضاع حقهم في الوقف، آل حمدان تمرغوا في تراب القذارة والبؤس. آل حمدان تسلط عليهم فتوة ليس منهم بل من أحط الأحياء. قدْرة يسير بينهم مختالًا يصفع من يشاء ويأخذ الإتاوة ممن يشاء؛ لذلك نفد صبر آل حمدان واصطخبت في حيهم أمواج التمرد.

والتفت دعبس إلى حمدان وقال: يا حمدان، الجميع على رأيٍ واحد، نحن آل حمدان، عددنا كبير، أصلنا معروف، وحقنا في الوقف كحق الناظر نفسه.

فغمغم الشاعر: اللهم فوِّت الليلة على خير.

حمدان حبك العباءة حوله ورفع حاجبَيه المثلثَين الغزيرَين وقال: قلنا في هذا وعدنا، سيحدث أمر، إني أشم الأحداث شمًّا.

وارتفع صوت علي فوانيس بالتحية وهو يدخل القهوة مشمِّرًا الجلباب وطاقيته الترابية مائلة حتى حاجبيه، وما لبث أن قال: الكل مستعدون، ولو احتاج الأمر إلى نقود سيعطون، حتى الشحاذون.

وانحشر بين دعبس وحمدان وهو يهتف بعبدون صبي القهوة: شاي من غير سكر!

فانتبه إليه الشاعر قائلًا: إحم!

فابتسم علي فوانيس ودسَّ يده في صدره فأخرج كيسًا ثم فتحه واستخرج منه لفافةً صغيرة رمى بها إلى الشاعر. وربت فخذ حمدان متسائلًا فقال هذا: أمامنا المحكمة.

فقالت تمر حنة: خير ما نفعل.

فقال الشاعر وهو يخرج الشيء من اللفافة: فكروا في العواقب.

فقال علي فوانيس بحدة: لا هوان أحطَّ مما نحن فيه، ولنا عددٌ وفير يجب حسابه، والأفندي لا يمكن أن يتجاهل أصلنا وقرابتنا إليه وإلى صاحب الوقف.

فقال الشاعر وهو ينظر إلى حمدان نظرةً ذات معنى: لم تضق بنا الحلول.

فقال حمدان كأنما يجيبه: عندي فكرة جريئة!

تطلعت إليه الأبصار، فقال: أن نلجأ إلى الناظر!

فقال عبدون وهو يقدم الشاي إلى فوانيس: خطوة عزيزة وبعدها تحفر قبور.

فضحكت تمر حنة قائلة: اسمعوا فالكم من عيالكم.

لكن حمدان قال بتصميم: ينبغي أن نذهب، ولنذهب جماعة.

٢٦

تجمهر أمام بيت الناظر جمعٌ كثير من آل حمدان نساءً ورجالًا، على رأسهم حمدان ودعبس وعتريس الأعمش وضلمة وعلي فوانيس ورضوان الشاعر. كان من رأي رضوان أن يذهب حمدان وحده نفيًا لشبهة العصيان واتقاءً لعواقبه، ولكن حمدان قال له بصراحة: «إن قتلي شيء يسير ولكن قتل آل حمدان لا يقدرون عليه.» واسترعى التجمهر أنظار أهل الحارة وبخاصة الجيران الأقربون، فبرزت رءوس النساء من النوافذ، وتطلعت أعين من تحت السلال والمقاطف ومن فوق عربات اليد، وأقبل كثيرون كبارًا وصغارًا وتساءلوا: ماذا يريد آل حمدان؟ وقبض حمدان على المطرقة النحاسية وطرق الباب، ففُتح بعد قليل عن البواب بوجهه الكئيب ونسائم محملة بشذا الفل والياسمين. نظر البواب إلى المتجمهرين بانزعاج وتساءل: ماذا تريدون؟

فقال حمدان بقوة استمدها ممن خلفه: نريد مقابلة حضرة الناظر.

– كلكم؟

– ليس فينا مَن هو أحق بالمقابلة من الآخرين.

– انتظروا حتى أستأذن لكم.

وهمَّ بِرد الباب لكن دعبس مرق إلى الداخل وهو يقول: الانتظار في الداخل أكرم.

واندفع وراءه الآخرون كالسرب وراء الحمامة، ودُفع حمدان بينهم على رغم سخطه على اندفاع دعبس فانتقلت المظاهرة إلى الممشى المفروش بين السلاملك والحديقة. وصاح البواب: يجب أن تخرجوا.

فقال حمدان: الضيف لا يطرد، اذهب وخبِّر سيدك.

وتحركت شفتا الرجل باحتجاج غير مسموع، وشت به قسماته المكفهرة ثم تحول مهرولًا نحو السلاملك. وتبعته الأعين حتى اختفى وراء الستار المسدل على باب البهو، وظلت أعين عالقة بالستار، وجالت أعين في أنحاء الحديقة، حول الفسقية المحاطة بالنخيل، وأعراش العنب لصق الجدران، وفروع الياسمين المتسلقة الأسوار، جالت بنظراتٍ حائرة وحواسَّ مغلقة بالهمِّ وما لبثت أن ردت إلى الستار المسدل على باب البهو.

وانزاح الستار فخرج الأفندي بنفسه متجهم الوجه، وتقدم في خطواتٍ حادةٍ غاضبة حتى وقف عند رأس السلم. لم يبدُ من شخصه المتلفع بالعباءة إلا وجهه الغاضب وشبشبه الوبري ومسبحةٌ طويلة في يمناه. ألقى نظرة ازدراء على المظاهرة ثم استقرت عيناه على حمدان فقال هذا بأدب جم: صبحك الله بالسعادة يا حضرة الناظر.

فاكتفى برد التحية بحركة من يده، وتساءل: مَن هؤلاء؟

– آل حمدان يا حضرة الناظر.

– مَن أذن لهم بالدخول في بيتي؟

فقال حمدان بدهاء: إنه بيت ناظرهم، فهو بيتهم، وهم في حماه.

فلم يلن وجه الأفندي وقال: تحاول الاعتذار عن سوء سلوككم؟!

وضاق دعبس بتأدب حمدان فقال: نحن أسرةٌ واحدة، جميعنا أبناء أدهم وأميمة.

فقال الأفندي بامتعاض: ذاك تاريخ مضى، ورحم الله امرأً عرف قدر نفسه.

فقال حمدان: نحن في كرب من الفقر وسوء المعاملة، فاجتمع الرأي بيننا على اللجوء إليك لتفرج كربنا.

وهنا قالت تمر حنة: وحياتك عيشتنا تقرف الصراصير.

فقال دعبس بصوت ارتفع درجات: أكثرنا متسولون، أطفالنا جياع، وجوهنا متورمة من صفع الفتوات، أيليق ذلك بأبناء الجبلاوي ومستحقي وقفه؟!

فتقبضت يد الأفندي على المسبحة وهتف: أي وقف يا هذا؟

حاول حمدان أن يمنع دعبس من الكلام، ولكنه اندفع قائلًا كمن لطشت الخمر رأسه: الوقف الكبير، لا تغضب يا حضرة الناظر، الوقف الكبير الذي يملك حارتنا من أولها إلى آخرها، ويتبعه كل حكر في الخلاء المحيط، وقْف الجبلاوي يا حضرة الناظر.

فاندلعت ألسنة الغضب من عيني الأفندي، وصاح: هذا وقف أبي وجدي ما لكم به صلة. إنكم تتناقلون الحكايات الخرافية وتصدقونها، وما لديكم دليل أو حجة.

فقال أكثر من صوت وضح بينها صوتا دعبس وتمر حنة: الجميع يعرفون ذلك.

– الجميع؟ ما قيمة ذلك؟ لو تناقلتم فيما بينكم أن بيتي هو بيت فلان أو علان منكم، فهل يكفي هذا لاغتصاب بيتي يا هؤلاء؟ حارة حشاشين حقيقة! خبروني متى أخذ أحدكم مليمًا من ريع الوقف؟

فساد الصمت مليًّا ثم قال حمدان: كان آباؤنا يأخذون.

– ألديكم دليل؟

فعاد حمدان يقول: قالوا لنا ونحن نصدقهم.

فهتف الأفندي: كذب في كذب، وتفضلوا غير مطرودين.

فقال دعبس بتصميم: أطلعنا على الشروط العشرة.

فصاح الأفندي: لماذا أطلعكم عليها؟ من أنتم؟ ما علاقتكم بها؟

– نحن المستحقون.

عند ذاك تعالى صوت هدى هانم حرم الناظر من وراء الباب وهي تقول: دعهم وادخل، لا تبحَّ صوتك بمناقشتهم.

فقالت تمر حنة: كوني محضر خير يا ست هانم.

فقالت هدى هانم بصوتٍ متهدج من الغضب: قطع الطرق لا يكون بالنهار والشمس طالعة!

فقالت تمر حنة بامتعاض: الله يسامحك يا ست هانم، الحق على جدنا الذي أغلق على نفسه الأبواب.

فرفع دعبس رأسه وصاح بصوت الرعد: يا جبلاوي! تعال شف حالنا، تركتنا تحت رحمة من لا رحمة لهم.

دوَّى الصوت قويًّا حتى خُيل إلى البعض أنه سيبلغ الجد في بيته. ولكن الأفندي صاح مرتعش النبرات من الحنق: اخرجوا، اخرجوا دون تردد.

وقال حمدان بضيق: هيا بنا.

وتحول عن موقفه ومضى نحو الباب. وأخذوا يتبعونه صامتين. حتى دعبس تبعه. لكنه رفع رأسه مرةً أخرى وصاح بالقوة نفسها: يا جبلاوي!

٢٧

دخل الأفندي البهو مصفرَّ الوجه من الغضب فوجد زوجه واقفةً مقطبة، فقالت: حركةٌ غريبة لها ما بعدها، ستكون حديث الحارة كلها، وإذا تهاونَّا في الأمر فقل علينا السلام.

فقال الأفندي بتقزز: رعاع أبناء رعاع ويطمعون في الوقف، من ذا الذي يستطيع أن يعرف أصله في حارة مثل خلية النحل؟

– احسم الأمر، ادعُ زقلط ودبِّر أمرك، زقلط يقاسمنا الريع دون أن يفعل شيئًا فدعه يحلل ما ينهب من أموالنا.

فحدجها الأفندي بنظرةٍ طويلة، ثم تساءل: وجبل؟!

فقالت بطمأنينة وثقة: جبل؟! إنه ربيبنا، بل هو ابني، لم يعرف من الدنيا إلا بيتنا، أما آل حمدان فلا يعرفهم ولا يعرفونه، ولو كانوا يعدُّونه منهم؛ لتشفعوا به إلينا، اطمئن من ناحيته، وسوف يعود من جولته بين المستأجرين فيحضر الاجتماع.

وجاء زقلط تلبية لدعوة الناظر. كان متوسط القامة، بدينًا، متين البنيان، وبقسماته سماجة وغلظة، وبرقبته وذقنه ندوب. جلسوا متقاربين وزقلط يقول: سمعت أخبارًا لا تسرُّ.

فقالت هدى بغيظ: ما أسرع ما تجري أخبار السوء!

وقال الأفندي وهو يلحظ زقلط بمكر: إنها تمس هيبتنا كما تمس هيبتك.

فقال زقلط بصوت كالخوار: مضى زمن غير قصير دون أن نحرك نبوتًا أو نسفك دمًا.

فابتسمت هدى قائلة: يا لهم من مغرورين آل حمدان! لم يظهر منهم فتوةٌ واحد، ومع ذلك فأحقرهم يزعم أنه سيد الحارة.

فقال زقلط باشمئزاز: باعة ومتسولون، ولن يظهر فتوة من قوم خرعين!

فتساءل الأفندي: والعمل يا زقلط؟

– سأدوسهم بقدمي كالصراصير.

سمع جبل قول زقلط وهو يدخل البهو. بدا مورد الوجه بعد جولته في الخلاء، وجرت حيوية الشباب في جسمه الفارع القوي، ووجهه ذي الملامح الصريحة وبخاصة أنفه المستقيم وعيناه الكبيرتان الذكيتان. حيَّا الموجودين بأدب وبدأ يتكلم عن الأحكار التي تم تأجيرها اليوم، ولكن هدى هانم قاطعته قائلة: اجلس يا جبل، نحن في انتظارك لأمرٍ عظيم.

فجلس جبل وعيناه تعكسان نظرة تحرُّج لم تغب عن عيني الهانم فقالت: أرى أنك تحدس ما نحن مهتمون له.

فقال بصوتٍ هادئ: الجميع يتحدثون في الخارج.

فنظرت الهانم صوب زوجها هاتفة: أسمعت؟ .. الجميع يتوقعون منا الجواب.

فقال زقلط وقسماته تزداد سماجة: شعلة تطفئها حفنة تراب، بودِّي أن أبدأ العمل!

فالتفتت هدى إلى جبل متسائلة: ألديك ما تقوله يا جبل؟

فقال وهو يداري ضيقه بالنظر في الأرض: الأمر منكم وإليكم يا سيدتي.

– يهمني أن أعرف رأيك!

تفكر مليًّا وهو يشعر بنظرات الأفندي الحادة، ونظرات زقلط الممتعضة ثم قال: سيدتي، إني ربيب نعمتك، ولكني لا أدري ماذا أقول، فلست إلا أحد أبناء حمدان!

قالت هدى بحدة: لماذا تذكر حمدان ولا أب ولا أم ولا أقارب لك فيهم؟

وندَّ عن الأفندي صوتٌ ساخرٌ مقتضب يشبه الضحك لكنه لم يتكلم. وبدا في وجه جبل أنه يعاني ألمًا صادقًا، لكنه أجاب: كان أبي وأمي منهم، لا يمكن إنكار ذلك.

وقالت هدى: ما أخيب أملي في ابني!

– معاذ الله، إن المقطم لا يستطيع أن يزحزحني عن الوفاء لك، لكن إنكار الحقائق لا يغيرها.

وقام الأفندي نافد الصبر وقال يخاطب زقلط: لا تضيِّع وقتك في سماع هذه المعاتبات.

فقام زقلط باسمًا، وإذا بالهانم تقول له وهي ترمي جبل بلحظٍ خفي: لا تجاوز المعقول يا معلم زقلط، نريد تأديبهم لا إبادتهم.

غادر زقلط البهو. وألقى الأفندي على جبل نظرة لوم وهو يتساءل ساخرًا: إذن أنت من آل حمدان يا جبل؟!

ولاذ جبل بالصمت حتى رحمته هدى فقالت: قلبه معنا ولكن شق عليه أن يتنكر لأصله أمام زقلط.

فقال جبل بحزنٍ واضح: إنهم بؤساء يا سيدتي على الرغم من أنهم أكرم أهل الحارة أصلًا.

فصاح الأفندي: حارة لا أصل لها.

فقال جبل جادًّا: إننا أبناء أدهم، وما زال جدنُّا حيًّا أطال الله بقاءه.

فتساءل الأفندي: من ذا يستطيع أن يثبت بُنوَّته لأبيه؟ .. إنه كلام لا بأس أن يقال أحيانًا، ولكنه لا ينبغي أن يتخذ وسيلة لنهب أموال الغير.

وقالت هدى: نحن لا نريد بهم شرًّا على شرط ألا يطمعوا في أموالنا.

وأراد الأفندي أن ينهي الحديث فقال لجبل: اذهب إلى عملك ولا تفكر في سواه.

غادر جبل البهو فذهب إلى إدارة الوقف في منظرة الحديقة. كان عليه أن يسجل في الدفاتر عددًا من عقود الإيجار، وأن يراجع الحساب الختامي للشهر ولكن الحزن شتَّت عقله. ومن عجب أن آل حمدان لا يحبونه، وهو يعلم ذلك ويذكر كيف كان يقابل بالبرود في قهوة حمدان في المرات القلائل التي غشيها. مع ذلك أحزنه ما يدبَّر لهم من شر. أحزنه أكثر مما أسخطه سلوكهم الجريء. وود أن يدفع عنهم الشر لولا إشفاقه من إغضاب البيت الذي آواه ورباه وتبناه. ماذا كان يكون لو لم يدركه عطف هدى هانم؟

منذ عشرين عامًا رأت الهانم طفلًا عاريًا يستحم في حفرةٍ مملوءة بمياه الأمطار. مضت تتسلى بمشاهدته فمال قلبها، الذي حرمه العقم من نعم الأمومة، إليه. أرسلت من حمله إليها وهو يبكي خائفًا. وتحرَّت عنه فعلمت أنه طفلٌ يتيم ترعاه بياعة دجاج. استدعت الهانم بياعة الدجاج وطلبت إليها أن تنزل لها عن الطفل فرحبت بذلك كل الترحيب. هكذا نشأ جبل في بيت الناظر وفي رعاية حضرته ينعم بأسعد أمومة في الحارة جميعًا. وأدخل الكُتَّاب فتعلم القراءة والكتابة، ولما بلغ رشده ولاه الأفندي إدارة الوقف.

في كل بقعة فيها للوقف أملاك يدعونه «حضرة الوكيل» وتتابعه نظرات الإكبار والإعجاب أينما حلَّ. وكانت الحياة تبدو ودودةً واعدة بكل جميل حتى كان تمرد آل حمدان. وجد جبل أنه ليس شخصًا واحدًا كما توهم طوال عمره ولكنه شخصان. أحدهما يؤمن بالوفاء لأمه، وثانيهما يتساءل في حيرة: وآل حمدان؟!

٢٨

انبعثت الرباب تحكي مصرع همام على يد قدري. اتجهت الأعين نحو رضوان الشاعر في انتباه يشوبه القلق. ليست الليلة كبقية الليالي، ليلة ختمت نهارًا ثائرًا، وظل كثيرون من آل حمدان يتساءلون: هل تمر بسلام؟ وشمل الحارة ظلام، حتى النجوم توارت وراء سحب الخريف فلم يبدُ من ضوء إلا ما نضحت به النوافذ المغلقة أو ما أرسلته مصابيح عربات اليد المتباعدة في أحياء الحارة. وضجَّت الأركان بغوغاء الغلمان المتجمعين كالفراشات حول مصابيح العربات، على حين افترشت تمر حنة خيشة أمام أحد ربوع آل حمدان وراحت تدندن:

على باب حارتنا حسن القهوجي.

وارتفع مواء قطط في نوباتٍ متقطعة واشيًا بمنافساتٍ جنسية أو منازعاتٍ تموينية. واحتدَّ صوت الشاعر وهو يروي قائلًا: وصرخ أدهم في وجه قدري: «ماذا فعلت بأخيك؟» في تلك اللحظة ظهر زقلط في دائرة الضوء التي يرسمها فانوس القهوة على الأرض. ظهر فجأة كأنما انشق عنه الظلام. بدا عابسًا متحديًا كارهًا مكروهًا يتفجر الشر في عينيه وتشد قبضته على نبُّوته المرعب. وزحفت من محجريه نظرةٌ ثقيلةٌ مخيفة على القهوة والجالسين كأنها حشرةٌ سامة، فتحجر الكلام في حلق الشاعر. وباخت نشوة ضلمة وعتريس، وانقطع عن التهامس دعبس وعلي فوانيس، وكفَّ عن الحركة عبدون. أما حمدان فشدَّت يده على خرطوم النارجيلة بعصبية، وساد صمت كالموت.

وتتابعت حركاتٌ خاطفة. غادر القهوة سراعًا الزبائن الذين لا ينتسبون لآل حمدان. جاء فتوات الأحياء قِدْرة والليثي وأبو سريع وبركات وحمودة فصنعوا جدارًا وراء زقلط، وسرى الخبر في الحارة بسرعة كأنه بيت تهدم ففتحت النوافذ، وأقبل الصغار يجرون والكبار يتنازع قلوبهم الإشفاق والشماتة. وكان حمدان أول من خرق الصمت فقام في هيئةٍ استقبالية وهو يقول: أهلًا بالمعلم زقلط فتوة حارتنا، تفضلوا.

لكن زقلط تجاهله. كأنه لا يسمعه ولا يراه. وظل يطلق الطعنات من عينيه القاسيتين. ثم تساءل بصوتٍ غليظ: مَن فتوة هذا الحي؟

فأجاب حمدان ولو أن السؤال لم يوجه إليه: فتوتنا قدرة.

التفت زقلط نحو قدرة متسائلًا في سخرية: أنت حامي آل حمدان؟

فتقدم قدرة خطوات بجسمه القصير المدمج ووجهه المتحرش بكل شيء وقال: أنا حاميهم من الجميع إلاك يا معلم.

فابتسم زقلط ابتسامة كالامتعاض وقال: ألم تجد حيًّا غير حي النسوان لتكون فتوة عليه؟

ثم صاح بالقهوة: يا نسوان، يا أولاد الزواني، ألا تعترفون بأن للحارة فتوة؟

فقال حمدان بوجهٍ شاحب: يا معلم زقلط ليس بيننا وبينك إلا الخير.

فصاح به: اخرس يا عجوز يا قارح، الآن تتمسكن بعد أن تهجمت على أسيادك وأسياد أهلك.

فقال حمدان بصوت المتألم: لم يكن في الأمر تهجم، لكنها شكوى سِرنا بها إلى حضرة الناظر.

فصاح زقلط: أسمعتم ما يقول ابن الزانية؟ حمدان يا نتن أنسيت ما كانت أمك تفعله؟ والله لن يسير أحدكم آمنًا في هذه الحارة حتى يقول بأعلى صوته: أنا مرة.

ورفع بسرعة نبوته وهوى به بشدة على الطاولة فتطايرت الفناجيل والأكواب والصواني والملاعق وعلب البن والشاي والسكر والقرفة والزنجبيل والكنكات. وثب عبدون إلى الوراء فارتطم بترابيزة وسقطا معًا. وبغتة وجه زقلط لطمة إلى وجه حمدان ففقد الرجل توازنه وسقط على جنبه فوق النارجيلة التي تحطمت. ورفع زقلط نبوته مرةً أخرى وهو يصيح: لا ذنب بلا عقاب يا أولاد الزواني.

وتناول دعبس كرسيًّا ورمى به الفانوس الكبير فتحطم وساد الظلام قبل أن يهوي النبوت على المرآة الكبيرة وراء الطاولة. وصوتت تمر حنة فرددت نساء آل حمدان الصوات في النوافذ والأبواب، كأنما انقلبت الحارة حنجرة كلب رُمي بحجر. وجن جنون زقلط فأطلق ضرباته في كل ناحية فأصابت أناسًا ومقاعد والجدار. وتلاطمت أمواج الصراخ والاستغاثات والتأوهات. وتطايرت الأشباح في كل ناحية. وارتطمت أشباح بأشباح. وصاح زقلط بصوت كالرعد: كل واحد يلزم بيته.

فبادر إلى تنفيذ الأمر كل شخص، من آل حمدان أو من غيرهم، وتتابع وقع الأقدام المتراجعة. وجاء الليثي بفانوس فظهر على ضوئه زقلط والفتوات من حوله، في حارةٍ خالية، لا يسمع بها إلا صوات النسوان. وقال بركات متوددًا: وفِّر نفسك يا معلم للشدائد، وعلينا نحن تأديب الصراصير.

وقال أبو سريع: لو شئتَ جعلنا من آل حمدان ترابًا تمشي عليه بحصانك.

وقال قِدْرَة فتوة حمدان: لو كَلفتني بتأديبهم لحققتَ لي أمنيةً كبيرة وهي أن أخدمك يا معلم.

وعلا صوت تمر حنة من وراء باب الربع: ربنا على الظالم.

فصاح بها زقلط: يا تمر حنة أتحدى أي رجل من آل حمدان أن يعدَّ الزانين بك!

فهتفت تمر حنة وإن دل آخر كلامها على أن يدًا وضعت على فيها؛ لتمنعها من الاستمرار: ربنا بيننا وبينك، آل حمدان أسياد اﻟ…

ووجه زقلط الخطاب إلى الفتوات بصوت أراد أن يسمعه آل حمدان، قال: لا يغادر رجل من آل حمدان داره إلا ضرب.

فصاح قدرة مهددًا: من يرَ نفسه رجلًا فليخرج.

وتساءل حمودة: والنسوان يا معلم؟

فقال زقلط بحدة: زقلط يعامل الرجال لا النسوان.

وطلع النهار فلم يغادر الربوعَ رجلٌ من آل حمدان. وجلس كل فتوة عند باب قهوة حيِّه يراقب الطريق. وجعل زقلط يمر بالحارة كل بضع ساعات فيستبق الناس إلى تحيته والتودد إليه والثناء عليه، «والله أسد بين الرجال يا فتوة حارتنا»، «عفارم عليك يا زين الرجال، يا ملبس آل حمدان الطرح»، «والحمد لله الذي أذلَّ آل حمدان المتعجرفين بيدك القوية يا زقلط». ولم يكن يعير أحدًا أدنى اهتمام.

٢٩

– هل يرضيك هذا الظلم يا جبلاوي؟!

تساءل جبل وهو يفترش الأرض أسفل الصخرة التي تقول الحكايات إن عندها كان قدري يخلو إلى هند، وإن عندها قتل همام. ونظر إلى الشفق بعين لم تعد ترى إلا ما يكدر الصفو. لم يكن ممن يركنون إلى الخلوات؛ لكثرة مشاغله لكنه شعر أخيرًا برغبةٍ قاهرة في الخلو بنفسه التي زلزلها ما حاق بآل حمدان. لعل في الخلاء أن تسكت الأصوات التي تعيِّره والتي تعذبه؛ أصوات تهتف به من النوافذ وهو مار: «يا خائن آل حمدان يا لئيم»، وأصوات تهتف به من أعماق نفسه: «لن تطيب الحياة على حساب الغير». وآل حمدان أهله، ففيهم ولدت أمه وأبوه، وفي مقابرهم دفنا. وهم مظلومون وما أقبح الظلم! اغتُصبت أموالهم، ولكن من الظالم؟ إنه ولي نعمته، الرجل الذي انتشلته زوجه من الطين فرفعته إلى مصاف آل البيت الكبير. وجميع الأمور تجري في الحارة على سنة الإرهاب، فليس عجيبًا أن يُسجن سادتها في بيوتهم. وحارتنا لم تعرف يومًا العدالة أو السلام. هذا ما قضي به عليها منذ طرد أدهم وأميمة من البيت الكبير، ألا تعلم بذلك يا جبلاوي؟ ويبدو أن الظلم ستشتد كثافة ظلماته كلما طال بك السكوت، فحتى متى تسكت يا جبلاوي؟ الرجال سجناء في البيوت والنساء يتعرضن في الحارة لكل سخرية، وأنا أمضغ المهانة في صمت.

ومن عجب أن أهل حارتنا يضحكون! علام يضحكون؟ إنهم يهتفون للمنتصر أيًّا كان المنتصر، ويهلِّلون للقوي أيًّا كان القوي، ويسجدون أمام النبابيت، يداوون بذلك كله الرعب الكامن في أعماقهم. غموس اللقمة في حارتنا الهوان. لا يدري أحد متى يجيء دوره ليهوي النبوت على هامته.

ورفع رأسه إلى السماء فوجدها صامتة هادئة ناعسة، يوشي أطرافَها الغمام، وتودعها آخر حدأة. وانقطع المارة وآن للحشرات أن تزحف.

وفجأة سمع جبل صوتًا غليظًا يصيح من قريب: «قف يا ابن الزانية!» استيقظ من أفكاره فنهض قائمًا وهو يحاول أن يتذكر أين سمع هذا الصوت، ثم اتجه حول صخرة هند إلى الجنوب فرأى رجلًا يركض في رعب وآخر وراءه يطارده ويوشك أن يلحق به. وأمعن النظر فعرف في الهارب دعبس وفي المطارد قِدْرَة فتوة حي حمدان، وفي الحال أدرك حقيقة الموقف. ومضى يراقب المطاردة التي تقترب منه بفؤادٍ قلق. وما لبث قِدْرَة أن أدرك دعبس؛ فقبض بيده على منكبه وتوقف الاثنان عن العدو وهما يلهثان من الجهد. وصاح قدرة بصوتٍ متقطع من البُهر: كيف تجرؤ على مغادرة جحرك يا ابن الأفعى؟ لن تعود سالمًا.

فهتف دعبس وهو يحمى رأسه بذراعه: دعني يا قدرة، أنت فتوة حيِّنا وعليك أن تدافع عنا.

فهزه قدرة هزة أطارت اللاسة عن رأسه وصاح به: أنت تعرف يا ابن اللئيمة أني أدافع عنكم ضد أي مخلوق إلا زقلط.

وحانت من دعبس نظرة نحو موقف جبل فرآه وعرفه فناداه قائلًا: أغثني يا جبل، أغثني فأنت منا قبل أن تكون منهم.

فقال قدرة بغلظة وتحدٍّ: لا مغيث لك مني يا ابن الدايخة.

ووجد جبل نفسه يتقدم منهما حتى وقف عندهما وهو يقول بهدوء: ترفق بالرجل يا معلم قدرة.

فحدجه قدرة بنظرةٍ باردة وهو يقول: إني أعرف ما ينبغي أن أفعله.

– لعل أمرًا ضروريًّا دفعه إلى مغادرة بيته.

– ما دفعه إلا قضاؤه المحتوم.

وشد على منكبه حتى أنَّ دعبس أنينًا مسموعًا، فقال جبل بحدة: ترفق به، ألا ترى أنه أكبر منك سنًّا وأضعف بنية؟

رفع قدرة يده عن منكبه وصفعه على قفاه بقوة تقوس لها ظهره، ثم ضرب بركبته دبره فانكفأ على وجهه، وسرعان ما برك فوقه وراح يكيل له الضربات، وهو يقول بصوت يزفر الغل والحنق: ألم تسمع ما قال زقلط؟!

واشتعل الغضب في دماء جبل فصاح به: اللعنة عليك وعلى زقلط، اتركه يا قليل الحياء!

فكفَّ قدرة عن ضرب دعبس ورفع إلى جبل وجهًا ذاهلًا، ثم قال: أنت تقول هذا يا جبل؟! ألم تشهد حضرة الناظر وهو يأمر زقلط بتأديب آل حمدان؟

فصاح جبل وغضبه آخذ في ازدياد: اتركه يا قليل الحياء.

فقال قدرة بصوت يرتعش من الحنق: لا تظن أن خدمتك في بيت الناظر تحميك مني إذا أردت محاسبتك!

فانقضَّ عليه جبل كمن فقد وعيه وركله فألقاه جانبًا وصاح به: عد إلى أمك قبل أن تثكلك.

وثب قدرة قائمًا وهو يتناول نبوته من على الأرض ثم رفعه بخفة، ولكن جبل بادره بضربة في بطنه من يد قوية فترنَّح متألمًا. وانتهز جبل هذه الفرصة فخطف النبوت من يده ووقف وهو ينظر نحوه بحذر. تراجع قدرة خطوتين، ثم انحنى بسرعة خاطفة فالتقط حجرًا، ولكنه قبل أن يقذف به أصاب النبوت رأسه فصرخ، ودار حول نفسه، ثم سقط على وجهه والدم يتفجر من جبينه بغزارة. كان الليل يهبط فنظر جبل فيما حوله فلم يرَ أحدًا إلا دعبس الذي وقف ينفض جلبابه ويتحسس المواضع التي تؤلمه من جسده، ثم اقترب من جبل وهو يقول ممتنًّا: عوفيت من أخٍ كريم يا جبل.

فلم يجبه جبل، وانحنى فوق قدرة فعدله على ظهره، ثم تمتم: أغمي عليه!

فانحنى دعبس فوقه كذلك ثم بصق على وجهه، فجذبه جبل بعيدًا عنه، وانحنى فوقه مرة أخرى، وراح يهزه برفق ولكنه لم يبدِ أملًا في الإفاقة، فتساءل: ما له؟

فانحنى دعبس فوقه وألصق أذنه بصدره، ثم قرب وجهه من وجهه، وأشعل عودًا من الثقاب، ثم وقف وهو يهمس: إنه ميت.

فاقشعر بدن جبل وقال: كذبت!

– ميت ابن ميت وحياتك.

– يا خبر أسود!

فقال دعبس مهونًا الأمر: كم ضرب وكم قتل! فليذهب إلى الزبانية!

فقال جبل بصوتٍ حزين وكأنه يخاطب نفسه: لكنني لم أضرب ولم أقتل.

– كنتَ تدافع عن نفسك.

– لكنني لم أقصد قتله ولا أردته.

فقال دعبس باهتمام: إن يدك لشديدة يا جبل، لا خوف عليك منهم، وبوسعك أن تكون فتوة لو أردت.

فضرب جبل جبينه بيده وهتف: يا ويلي، هل أنقلب قاتلًا من أول ضربة؟

– انتبه إلى نفسك وهلمَّ ندفنه وإلا قامت القيامة.

– ستقوم القيامة دفنَّاه أم لم ندفنه.

– لست آسفًا، عقبى للباقي، عاونِّي على إخفاء هذا الحيوان.

وتناول دعبس النبوت وراح يحفر في الأرض غير بعيد من الموضع الذي حفر فيه قدري من قبلُ. وما لبث جبل أن انضم إليه بقلبٍ كئيب. وتواصل العمل في صمت حتى قال دعبس ليخفف عن جبل ثقل مشاعره: لا تحزن فالقتل في حارتنا مثل أكل الدوم.

فقال جبل متنهدًا: ما وددت أن أكون قاتلًا قط، رباه ما كنت أحسب أن غضبي بهذه الفظاعة!

ولما فرغا من الحفر وقف دعبس يجفف جبينه بكم جلبابه ويتمخط ليطرد الرائحة الترابية التي تملأ خيشومه. قال بحقد: هذه الحفرة تسع ابن الزانية والفتوات الآخرين.

فقال جبل بضجر: احترم الميت، فجميعنا أموات.

فقال دعبس بحدة: عندما يحترموننا أحياء نحترمهم أمواتًا.

ورفعا الجثة فأودعاها الحفرة، ووضع جبل النبوت إلى جانبها، ثم أهالا عليها التراب.

ولما رفع جبل رأسه رأى الليل قد أخفى الدنيا وما عليها فتنهد من الأعماق وهو يكبت نزوعًا نحو البكاء.

٣٠

– أين قدرة؟

سأل زقلط نفسه كما سأل الفتوات الآخرين. لكن الفتوات كانوا يتساءلون أيضًا عن صاحبهم الذي اختفى من الوجود كما اختفى رجال آل حمدان من الحارة. كان قدرة يسكن في الحي التالي لحي آل حمدان وكان أعزب يسهر الليل في الخارج فلا يعود إلى مسكنه إلا مع الفجر أو بعد ذلك، ولم يكن من النادر أن يغيب عن مسكنه ليلة أو ليلتين، ولكن لم يحدث أبدًا أن غاب أسبوعًا كاملًا دون أن يعلم أحد بمكانه وبخاصة في أيام الحصار هذه التي أوجبت عليه أعباء لا يُستهان بها من اليقظة والمراقبة. وحامت الظنون حول آل حمدان فتقرر تفتيش بيوتهم. واقتحم الفتوات وعلى رأسهم زقلط ربوعهم ففتشوها تفتيشًا دقيقًا من البدروم إلى السطح، وحُفرت الأفنية بالطول والعرض، وتعرض رجال آل حمدان لإهاناتٍ شتى، ولم يسلم أحد منهم من لطمة أو ركلة أو بصقة، ولكنهم لم يعثروا على شيء يريب. وتفرقوا في أطراف الخلاء يسألون فلم يدلهم أحد على أمرٍ ذي بال.

وبات قدرة الموضوع الذي تدور به الجوزة في غرزة زقلط تحت تكعيبة العنب بحديقة بيته. كان الظلام يغشى الحديقة عدا نورٍ حيي ينبعث من مصباحٍ صغير قائم على الأرض على بعد شبرين من المجمرة؛ ليستضيء به بركات وهو يقطع الحشيش ويبططه، ويفتت الجمرات، ويرصُّ الحجر ويُخشِّنه ليعد الجوزة. وكان نور المصباح الراقص في مجرى النسيم ينعكس على وجوه زقلط وحمودة والليثي وأبو سريع الكالحة فيبدي عن أعينٍ متراخية الجفون، انعقدت في نظراتها الشاردة نوايا معتمة. وتعالى نقيق ضفادع كأنه استغاثات خرس في هدأة الليل. قال الليثي وهو يتناول الجوزة من بركات ويوجهها نحو زقلط: أين ذهب الرجل؟ كأن الأرض بلعته.

شد زقلط نفسًا عميقًا وهو ينقر الغابة بسبابته ثم زفره دخانًا كثيفًا وقال: قدرة بلعته الأرض وهو راقد في جوفها منذ أسبوع.

تطلعت إليه الأبصار باهتمام عدا بركات الذي بدا مسلوبًا بعمله، فعاد زقلط يقول: لا يختفي فتوة لغير ما سبب، وللموت رائحة أعرفها.

فتساءل أبو سريع بعد سعال تقوس له ظهره كأنه سنبلة في مهب ريحٍ عاتية: ومن قاتله يا معلم؟

– عجيبة! ومن يكون غير رجل من آل حمدان؟

– لكنهم لا يغادرون بيوتهم وقد فتشناها.

فضرب زقلط طرف الشلتة بقبضته وتساءل: ماذا يقول أهل الحارة الآخرون؟

فقال حمودة: يعتقد حيُّنا بأن لآل حمدان يدًا في اختفاء قدرة.

– افهموا يا مساطيل! ما دام الناس يعتقدون أن قاتل قدرة في آل حمدان فالواجب علينا أن نعتبره كذلك!

– ولو كان القاتل من العطوف؟

– ولو كان من كفر الزغاري، نحن لا يهمنا عقاب القاتل بقدر ما يهمنا إرهاب الآخرين.

فهتف أبو سريع بإعجاب: الله أكبر!

فقال الليثي وهو ينفض الحجر في الكوز ويعيد الجوزة إلى بركات: الله يرحمكم يا آل حمدان.

فندَّت عن أفواههم ضحكاتٌ جافة اختلطت بنقيق الضفادع وتحركت منهم الرءوس حركات الوعيد، على حين هبَّت نسمة بقوةٍ طارئة أعقبتها خشخشة في الأوراق الجافة. وصفق حمودة بيديه وهو يقول: لم تعد المسألة صراعًا بين آل حمدان والناظر، ولكنها كرامة الفتوات.

فعاد زقلط يضرب طرف الشلتة بقبضته ويقول: لم يقتل فتوة بيد حارته من قبلُ.

وتصلبت ملامحه من الغضب حتى خاف شره ندماؤه فحذروا أن تندَّ عنهم كلمة أو حركة تحول غضبه إليهم. وساد الصمت فلم يعد يسمع إلا قرقرة الجوزة وسعلة أو نحنحة. وإذا ببركات يسأل: وإذا عاد قدرة على غير ما نظن؟

فقال زقلط بحنق: أحلق شاربي يا ابن المسطولة.

كان بركات أول من ضحك ثم عادوا إلى الصمت. تخايلت للأعين المذبحة، والعصي تحطم الرءوس، والدماء تسيل حتى تصبغ الأرض، والصوات يعلو من النوافذ والأسطح، وعشرات الرجال يصعدون حشرجة الموت. اضطربت في النفوس رغبةٌ نمرية في الافتراس وتبادلوا نظراتٍ قاسية. لم يهمهم قدرة لذاته، بل لم يكن أحد منهم يحبه، ولم يكن أحد منهم يحب الآخر قط، ولكن جمعتهم رغبةٌ واحدة في الإرهاب والذود عن الفتونة. وتساءل الليثي: وبعد؟

فقال زقلط: ينبغي أن أرجع إلى الناظر كالعهد بيننا.

٣١

قال زقلط: يا حضرة الناظر، قتل آل حمدان فتوتهم قِدْرَة.

وركز بصره في الناظر ولكنه كان يرى في الوقت نفسه هدى هانم إلى يمينه وجبل إلى يمينها. وبدا أن الأفندي لم يفجأه الخبر؛ إذ قال: بلغتني أنباء عن اختفائه، ولكن هل يئستم حقًّا من العثور عليه؟

قال زقلط وكان نور الضحى الذي يقتحم باب البهو يؤكد سماجة ملامحه: لن يُعثر عليه وأنا خبير بهذه المكائد.

فقالت هدى بعصبية وهي تلحظ وجه جبل الذي راح ينظر إلى الجدار المواجه له: لو صح أنه قتل لكان ذاك حدثًا خطيرًا!

فقال زقلط وهو يشد على أصابعه المتشابكة: ويقتضي عقابًا شاملًا، أو قولوا علينا وعليكم السلام!

فلعبت أصابع الأفندي بحبات مسبحته وقال: إنه يمثل هيبتنا!

فقال زقلط بتركيزٍ مقصود: ويمثل الوقف كله!

وخرج جبل من صمته قائلًا: لعلها جريمةٌ مزعومة لم تقع.

واندلع الغضب في صدر زقلط لدى سماعه صوت جبل، فقال: لا ينبغي أن نضيع الوقت في الكلام.

– هات دليلًا على مقتله.

فقال الأفندي بلهجة اصطنع لها القوة؛ ليخفي ما وراءها من ارتياب: لا يختفي أحد من أبناء حارتنا على هذا النحو إلا إن كان قُتل!

ولم تفلح زفرات الخريف الرطيبة في تلطيف هذا الجو المشحون بالنوايا الدموية فهتف زقلط: الجريمة تنادينا بصوت سوف تسمعه الحواري المجاورة وما الكلام إلا مضيعة للوقت.

لكن جبل قال بإصرار: رجال حمدان في بيوتهم مسجونون!

فضحك زقلط بصوته دون وجهه وقال ساخرًا: فزورة حلوة!

ثم وهو يستريح في مجلسه ويتحداه بنظرةٍ نافذة: لا يهمك إلا تبرئة أهلك!

ومع أن جبل بذل جهدًا صادقًا لشكم غضبه إلا أن صوته احتدَّ وهو يقول: يهمني الحق. إنكم تعتدون لأوهى الأسباب، وأحيانًا بلا سبب، وما همك الآن إلا الحصول على إذن لإحداث مذبحة في قومٍ مسالمين.

وتبدى الحقد في عيني زقلط وهو يقول: أهلك مجرمون، قتلوا قدرة وهو يدافع عن الوقف!

فالتفت جبل نحو الأفندي وقال: يا سيدي الناظر لا تسمح لهذا الرجل بإشباع شراهته الدموية.

فقال الأفندي: إذا ضاعت هيبتنا ضاعت حياتنا!

وتساءلت هدى، وهي تنظر نحو جبل: أتريد أن نُدفن أحياء في حارتنا؟

فقال زقلط بحنق: إنك تنسى فضل أصحاب الفضل عليك وتذكر المجرمين.

وارتفعت موجة الغضب في صدر جبل حتى قلقلت جذور إرادته فقال بصوتٍ شديد: ليسوا مجرمين وإن غصَّت حارتنا بالمجرمين!

قبضت يد هدى بشدة على طرف شالها الأزرق، وتحركت فتحتا أنف الأفندي وقد عبرت وجهه صفرة، فتشجع زقلط بهذه المظاهر وقال بحقدٍ ساخر: لك عذر في دفاعك عن المجرمين ما دمت منهم!

– تهجمك على المجرمين شيء لا يصدق وأنت شيخ الإجرام في حارتنا.

قام زقلط قومةً عنيفة وقد اربدَّ وجهه، وقال: لولا مكانتك عند آل هذا البيت لأخرجتك من مجلسك على أجزاء!

فقال جبل بهدوءٍ مخيف يشفُّ عما تحته: أنت واهم يا زقلط!

وصاح الأفندي: أتجرآن على هذا أمامي؟

فقال زقلط بخبث: إني أناطحه دفاعًا عن هيبتك!

فأوشكت أصابع الأفندي أن تفتك بالمسبحة، وخاطب جبل بشدة قائلًا: لا أسمح لك بالدفاع عن آل حمدان.

– هذا الرجل يفتري الكذب عليهم لغاية سوء في نفسه.

– دع هذا لتقديري أنا!

وساد الصمت هنيهة. ترامت من الحديقة زقزقةٌ لاهية، وتعالت في الحارة موجة تهليل صاخبة يتخللها سبابٌ فاحش. وابتسم زقلط قائلًا: أيأذن لي حضرة الناظر في تأديب الجناة؟

أيقن جبل أن ساعة المنايا قد دنت فالتفت نحو الهانم وقال يائسًا: سيدتي، سأجد نفسي مضطرًّا إلى الانضمام إلى أهلي في سجنهم؛ لألقى معهم مصيرهم.

فهتفت هدى في عصبيةٍ ظاهرة: يا لخيبة رجائي!

فتأثر جبل حتى انحنى رأسه، ودفعه شعورٌ مرهف إلى أن ينظر نحو زقلط فرآه يبتسم ابتسامة شماتة كريهة فانطبقت شفتاه في حنق، ثم قال في أسًى: لا خيار لي، ولن أنسى صنيعك معي ما حييت.

فحدجه الأفندي بنظرةٍ قاسية وسأله: يجب أن أعرف إن كنت معنا أم علينا؟

فقال جبل بحزن وهو يشعر بأنه في النزع الأخير من حياته الراهنة: ما أنا إلا ربيب نعمتك فلا يمكن أن أكون عليك، ولكن من العار أن أترك أهلي يبادون وأنا أنعم بظلك.

وقالت هدى وهي تتلوى من انفعال الأزمة التي تهدد أمومتها: يا معلم زقلط فلنؤجل الحديث إلى وقتٍ آخر.

فقطب زقلط كأنما ركب على وجهه حافر بغل، ونقل عينَيه بين الأفندي وزوجه ثم تمتم: لا أدري ماذا يحدث غدًا في الحارة!

فتجنب الأفندي النظر إلى هدى وتساءل: أجبني يا جبل أأنت معنا أم علينا؟

وتمادت موجة الغضب به حتى بلغت قمة رأسه فهتف دون أن ينتظر الجواب: فإما أن تبقى معنا كواحد منَّا، وإما أن تذهب إلى أهلك؟

وثار جبل، وبخاصة وهو يلحظ أثر هذا القول في صفحة وجه زقلط فقال بعزم: يا سيدي إنك تطردني، وإني ذاهب.

وهتفت هدى بصوتٍ معذب: جبل!

وهتف زقلط ساخرًا: أمامكم الرجل كما ولدته أمه.

وضاق جبل بمجلسه، فقام، ثم سار بخطواتٍ ثابتة نحو باب البهو. ووقفت هدى ولكن ذراع الأفندي حالت دون تحركها. وسرعان ما اختفى جبل. وفي الخارج هبت ريح تحركت بها الستائر واصطفقت مصاريع نوافذ. وامتلأ جو البهو بتوتر وانقباض. وقال زقلط بهدوء: ينبغي أن نعمل.

ولكن هدى قالت بإصرار وعصبية ينذران بالعناد: كلا، حسبهم الآن الحصار، وحذار أن يُمسَّ جبل بشر.

لم يغضب زقلط؛ إذ إنه لم يهضم بعدُ ما أحرز من فوز، ورفع إلى الناظر عينًا متسائلة.

فقال الأفندي وهو يبدو كمن يتمصص ليمونة: سنعود إلى الحديث مرةً أخرى.

٣٢

ألقى جبل نظرة وداع على الحديقة والمنظرة فتذكر مأساة أدهم التي ترويها الرباب كل مساء. واتجه نحو الباب فوقف له البواب وهو يتساءل: ماذا يدعوك إلى الخروج ثانية يا سيدي؟

فقال جبل بامتعاض: إني ذاهب بلا عودة يا عم حسنين!

ففغر الرجل فاه وجعل ينظر إليه مليًّا في انزعاج ثم غمغم متسائلًا: بسبب آل حمدان؟

فأحنى جبل رأسه صامتًا، فعاد البواب يقول: مَن يُصدق هذا؟ كيف تسمح به الهانم؟ يا رب السماوات! وكيف تعيش يا بني؟

فعبر جبل عتبة الباب مرسلًا بصره إلى الحارة المكتظة بالناس والحيوان والقاذورات وهو يقول: كما يعيش أهل حارتنا.

– لم تخلق لهذا.

فابتسم جبل ابتسامةً ذاهلة وقال: إنها المصادفة وحدها التي انتشلتني منه.

ومضى يبتعد عن البيت وصوت البواب يحذره في حسرة من التعرض لغضب الفتوات.

وامتدت أمام عينيه الحارة بأتربتها ودوابها وقططها وغلمانها وجحورها. أدرك مدى الانقلاب الذي جرى على حياته، ما ينتظره من متاعب، وما خسره من نعيم. لكن غضبه غطى على آلامه فبدا وكأنه لا يبالي بالأزهار والعصافير والأمومة الحانية. ومرَّ في سبيله بالفتوة حمودة، فقال هذا بسخريةٍ ملساء: ليتك تعيرنا قوتك لنؤدب بها آل حمدان.

فلم يعره التفاتًا وقصد ربعًا كبيرًا من ربوع آل حمدان وطرقه. وإذا بحمودة يلحق به ويسأله في دهشة واستنكار: ماذا تريد؟

فأجابه في هدوء: إني أعود إلى أهلي.

وارتسمت الدهشة في عيني حمودة الضيقتَين وبدا أنه لا يصدق ما سمع. ورآهما زقلط وهو يغادر بيت الناظر متجهًا نحو مسكنه فصاح بحمودة: دعه يدخل، وإذا خرج بعد ذلك ادفنه حيًّا.

فزايلت حمودة دهشته وابتسم ابتسامةً بلهاء متشفية. ومضى جبل يطرق الباب حتى فتحت نوافذ الربع والربوع الملاصقة، وأطلت رءوسٌ كثيرة من بينها حمدان وعتريس وضلمة وعلي فوانيس وعبدون ورضوان الشاعر وتمر حنة، وتساءل ضلمة ساخرًا: ماذا تريد يا ابن الأكابر؟

وسأله حمدان: معنا أم علينا؟

فصاح حمودة: طردوه فعاد إلى أصله القذر!

فتساءل حمدان بلهفة: طردوك حقًّا؟!

فقال جبل بهدوء: افتح الباب يا عم حمدان.

وزغردت تمر حنة ثم صاحت: كان أبوك رجلًا طيبًا وأمك امرأةً شريفة.

فضحك حمودة قائلًا: مباركة عليك شهادة الزانية.

فصاحت تمر حنة غاضبة: اسم الله على أمك ولياليها الملاح عند حمام السلطان.

وأسرعت بإغلاق النافذة فصك الحجر المنطلق من يد حمودة الضلفة من الخارج محدثًا دويًّا هلل له الصبية في الأركان. وفتح باب الربع فدخل جبل مستقبلًا جوًّا رطبًا وهواءً غريب الرائحة. واستقبله أهله بالعناق واختلطت الكلمات الطيبات. ولكن قطع الترحيب عليهم جعجعة شجار آتية من أقصى الحوش، فنظر جبل فرأى دعبس مشتبكًا في شد وجذب مع رجل يُدعى كعبلها، فمضى نحوهما ودفع نفسه بينهما وهو يقول بحدة: تتشاجران وهم يحبسوننا في بيوتنا؟!

فقال دعبس خلال أنفاسه المضطربة: سرق البطاطة من حلة على نافذتي.

وصاح كعبلها: هل رأيتني وأنا أسرق؟ حرام عليك يا دعبس!

فصاح جبل غاضبًا: فلنرحم أنفسنا كي يرحمنا من في السماء!

لكن دعبس قال بإصرار: بطاطتي في بطنه وسأستخرجها بيدي.

فقال كعبلها وهو يعيد طاقيته إلى رأسه: والله ما ذقت البطاطة من أسبوع.

– أنت اللص الوحيد في هذا الربع.

فقال جبل: لا تقضِ بلا دليل كما يفعل زقلط معكم.

فصاح دعبس: لا بد من تأديب ابن الخطافة.

فصرخ كعبلها: يا دعبس يا ابن بياعة الفجل!

وثب دعبس على كعبلها فنطحه فترنح كعبلها وسال الدم من جبينه، وراح يكيل له الضربات غير مبالٍ بزجر الواقفين، حتى غضب جبل فانقض عليه وقبض على عنقه بشدة. وعبثًا حاول دعبس أن يتخلص من قبضة جبل فقال بصوت مبحوح: أتريد أن تقتلني كما قتلت قدرة؟!

فدفعه جبل بقوة فارتمى على الجدار وراح يحدق فيه بحنق وغيظ. وردد الرجال أبصارهم بين الرجلَين، وتساءلوا: أجبل حقًّا هو الذي قتل قدرة؟ وقبله ضلمة وصاح عتريس: «فلتحلَّ بك البركة يا خير آل حمدان!» وقال جبل لدعبس حانقًا: لم أقتله إلا دفاعًا عنك!

فقال دعبس بصوتٍ منخفض: لكنك استحليت القتل.

فصاح ضلمة: يا لك من جاحد يا دعبس، اخجل من نفسك يا رجل!

ثم وهو يجذب جبل من ذراعه: ستنزل ضيفًا عليَّ في شقتي .. تعال يا سيد آل حمدان!

طاوع جبل يد ضلمة لكنه شعر بأن الهاوية التي انفتحت اليوم تحت قدمَيه لا قرار لها.

وهمس متسائلًا في أذنه وهما يسيران معًا: ألا يوجد سبيل إلى الهرب؟

فقال ضلمة باستنكار: أتخاف يا جبل أن يشي بك أحد إلى أعدائنا؟!

– دعبس أحمق.

– نعم ولكنه ليس بالنذل!

– أخاف أن تثبت عليكم التهمة بسببي!

فقال ضلمة بثقة: سأدلك على طريق الهرب إذا أردته، ولكن أين تقصد؟

– الخلاء واسع لا يحيط به خاطر.

٣٣

لم يتيسر الفرار لجبل إلا في الهزيع الأخير من الليل. جعل ينتقل من سطح إلى سطح في هدأة الليل، وفي رعاية النوم المرفق بالأجفان حتى وجد نفسه في الجمالية. ومضى على رغم الظلام الحالك نحو الدرَّاسة ثم مال نحو الخلاء، متجهًا نحو صخرة هند وقدري، فلما بلغها على ضوء النجوم الخافت لم يعد بوسعه أن يغالب النوم، من فرط ما نال منه الإعياء والسهر، فاستلقى على الرمال متلفِّعًا بعباءته وغطَّ في النوم.

وفتح عينيه مع أول شعاع يضيء أعلى الصخرة، فقام من فوره كي يصل إلى الجبل قبل أن يعبر الخلاء عابر. لكن بصره انجذب نحو البقعة التي دفن فيها قدرة قبل أن يهم بالسير. ارتعدت فرائصه وهو ينظر إليها حتى جفَّ ريقه ثم فرَّ بنفسه وهو في ضيقٍ شديد. ما قتل إلا مجرمًا، لكنه بدا كالمطارَد وهو يبتعد عن قبره. وقال لنفسه: «لم نخلق لنقتل وإن فاق عدد قتلانا الحصر.» وعجب لنفسه كيف أنه لم يجد مكانًا ينام فيه إلا المكان الذي دفن فيه قتيله! وشعر برغبته في الابتعاد تتضاعف، وأن عليه أن يودع إلى الأبد من يحب ومن يكره على السواء، أمه وحمدان والفتوات إلى الأبد. وبلغ سفح المقطم ونفسه تفيض بالأسى والوحشة، فسار معه نحو الجنوب حتى بلغ سوق المقطم وسط الضحى. وألقى نظرةً طويلة إلى الخلاء وراءه وقال في شيء من الاطمئنان: «الآن بعد ما بيني وبينهم.»

وراح يتفحص سوق المقطم أمامه، ذلك الميدان الصغير الذي تصب فيه جملة حواري من جميع نواحيه، وتتصاعد من جنباته ضوضاءُ عالية تختلط فيها أصوات الآدميين بنهيق الحمير. وكان ثمة ما يدل على مولد يقام، لازدحام الميدان بالمارة والباعة والمجذوبين والدراويش والمهرجين على الرغم من أن حركة المولد الحقيقية لا تبدأ قبل الغروب، فتنقلت عيناه بين أمواج البشر المتلاطمة .. ورأى عند حافة الخلاء كوخًا من الصفائح صُفَّت حوله مقاعد خشبية فبدا على حقارته أصلح مقهًى في السوق وأحفله بالزبائن، فاتجه نحو مقعد خالٍ وجلس بجسم اشتد حنينه إلى الراحة. وأقبل نحوه صاحب الكوخ محتفلًا بمظهره المتميز بين الجلوس بعباءةٍ فاخرة وعمامةٍ عالية ومركوبٍ ثمين فطلب قدح شاي وراح يتسلى بمتابعة الناس.

وما لبث أن جذب سمعه ضوضاء اشتدَّت حول كشك حنفية مياه عمومية، رأى الناس يتزاحمون أمامها ليملئوا أوعيتهم بالماء، وكان التزاحم كالقتال عنفًا وضحايا، فارتفع الصخب وتهاوت اللعنات، ثم ندت صرخاتٌ رفيعةٌ حادة من الوسط عن فتاتين غرقتا في لجة الزحام وراحتا تتراجعان لتنجوا بنفسيهما حتى خرجتا من المعترك بصفيحتَين فارغتَين. بدتا في جلبابَين فاقعي الألوان ينسدلان على جسميهما من العنق حتى الكعبين، فلم يظهر منهما إلا وجهان يزهر فيهما الشباب. مرت عيناه بأقصرهما دون توقف، ثم ثبتتا على الأخرى ذات العينين السوداوين فلم تتحولا عنها.

أقبلتا نحو مكانٍ خالٍ قريب من مجلسه فتبين في ملامحهما شبهًا أخويًّا على تميز جاذبته بقسط أوفر من الحسن، فقال جبل لنفسه منتشيًا: «ما أبدع هذه الملاحة! لم تقع عيناي على مثلها في حارتنا.» وقفتا تسويان ما تشعث من شعريهما وتعيدان الخمار إلى رأسيهما، ثم وضعتا الصفيحتين مقلوبتين وجلستا عليهما والقصيرة تقول متشكِّية: كيف نملأ الصفيحة في هذا الزحام؟

فقالت جاذبته: المولد أجارك الله! وأبونا الآن ينتظر غاضبًا!

فدخل جبل في الحديث دون وعي منه متسائلًا: لماذا لم يحضر بنفسه ليملأ الصفيحتين؟

فالتفتتا نحوه باحتجاج، ولكن منظره المتميز لم يخلُ من أثر مسكِّن فاكتفت فتاته بأن قالت: ما شأنك أنت؟! هل شكونا إليك؟!

فسُرَّ جبل بخطابها وقال معتذرًا: أردت أن أقول إن الرجل أقدر على اقتحام زحام المولد!

– هذا عملنا، وله عملٌ أشق.

فتساءل مبتسمًا: ماذا يعمل أبوك؟

– هذا ليس من شأنك.

وقام جبل غير مبالٍ بالأعين المحدقة حوله، حتى وقف أمامهما وقال بأدب: سأملأ لكما الصفيحتَين.

فقالت جاذبته وهي تدير عنه وجهها: لسنا في حاجة إليك!

ولكن القصيرة قالت بجرأة: افعل ولك الشكر.

وقامت وهي تشد الأخرى لتقوم معها فتناول جبل الصفيحتَين من مقبضَيهما، وسار بجسمه القوي، يشق الزحام، ويرتطم بالرجال، ويلاقي الجهد، حتى بلغ الحنفية التي يجلس وراءها الساقي في كشكه الخشبي، فنقده مليمين، وملأ الصفيحتَين وعاد بهما نحو موقف الفتاتَين. وأزعجه أن يجد الفتاتين مشتبكتَين مع بعض الشبان في معركةٍ كلامية بسبب معاكستهم لهما، فوضع الصفيحتَين على الأرض، وتصدى للشبان مهددًا. وتحرش به أحدهم ولكنه صرعه بضربة في صدره فتجمع الشبان للهجوم عليه وهم يسبونه، غير أن صوتًا غريبًا صاح بهم: اذهبوا يا شين الرجال.

اتجهت الأبصار نحو رجلٍ كهل، قصير مدمج الجسم، براق العينين، يشد جلبابه على وسطه بحزام فهتفوا خجلين: «المعلم البلقيطي؟!» وسرعان ما تفرقوا وهم يرمقون جبل بحنق. ولاذت الفتاتان بالرجل والقصيرة تقول: اليوم عسير بسبب المولد وهؤلاء الأوغاد.

فقال البلقيطي يجيبها وهو يتفحص جبل: تذكرت المولد لتأخيركما فجئت، جئت في الوقت المناسب.

ثم خاطب جبل قائلًا: وأنت من أهل الشهامة، وما أندرهم في أيامنا!

فقال جبل في حياء: ما هي إلا مساعدةٌ تافهة لا تستحق شكرًا.

في أثناء ذلك حملت الفتاتان الصفيحتَين وغادرتا المكان صامتتَين. ودَّ جبل بأن يملأ من المليحة عينيه ولكنه لم يجرؤ على نزعهما من عيني البلقيطي الحادتين. خيل إليه أن هذا الرجل يستطيع أن يرى الأعماق فخشي أن يقرأ رغائبه، ولكن المعلم قال: دفعت عنهما الأشرار، أمثالك يستحقون الحب، وهؤلاء الشبان كيف تجرءوا على التحرش بابنتَي البلقيطي؟ إنها البوظة! ألم تلحظ أنهم سكارى؟!

فهزَّ جبل رأسه نفيًا، فقال الآخر: إني أشم كالجن الأحمر، ما علينا، ألا تعرفني؟

– كلا يا معلم، لم يحصل لي هذا الشرف.

فقال بثقة: إذن فأنت لست من هذه الناحية؟

– نعم.

– أنا البلقيطي الحاوي.

وأضاء وجه جبل بنور التذكر المباغت، فقال: حصل لنا الشرف، كثيرون يعرفونك في حارتنا.

– وما حارتكم؟

– حارة الجبلاوي.

فرفع البلقيطي حاجبَيه الخفيفَين الأبيضَين وقال بصوتٍ منغوم: أنعم وأكرم، من ذا الذي يجهل الجبلاوي صاحب الوقف؟ أو فتوتكم زقلط! وهل جئت للمولد يا معلم …؟

– جبل.

ثم قال بمكر: جئت أبحث عن مقامٍ جديد.

– هجرت حارتك؟

– نعم.

فاشتد تفحص البلقيطي له، ثم قال: ما دام يوجد فتوات فلا بد أن يوجد مهاجرون! ولكن خبِّرني أقتلت رجلًا أم امرأة؟

فانقبض قلب جبل وقال بثبات: مزاحك ليس لطيفًا مثلك!

فضحك البلقيطي عن فم خرب وقال: لستَ من الرعاع الذين يعبث بهم الفتوات، ولا أنت من أهل السرقة، فمثلك لا يهاجر من حارته إلا بسبب القتل!

فقال جبل بحدة وضيق: قلت لك …

فقاطعه قائلًا: يا سيدي أنا لا يهمني أن تكون قاتلًا وبخاصة بعد أن ثبتت لي شهامتك. ما من رجل هنا إلا وقد سرق أو نهب أو قتل. ولكي تطمئن إلى صدق قولي فإني أدعوك إلى فنجان قهوة ونفسين في داري!

فعاود الأمل جبل وقال: حبًّا وشرفًا.

سارا جنبًا إلى جنب يخترقان السوق نحو حارة قلة، وعندما خلفا الزحام وراءهما سأله البلقيطي: أكنت تقصد أحدًا في حيِّنا؟

– لا أعرف أحدًا.

– ولا مأوى؟

– ولا مأوى.

فقال البلقيطي في انبساط: كن ضيفي إذا شئت حتى تجد لنفسك مأوى.

فرقص قلب جبل فرحًا وقال: ما أنبلك يا معلم بلقيطي!

فقال الرجل ضاحكًا: لا تعجب لذلك، في داري تقيم الثعابين والحيات فكيف تضيق عن إنسان؟! هل أفزعك قولي؟ إني حاوٍ وستعرف عندي كيف تستأنس الثعابين!

عبرا الحارة فانتهيا إلى خلاء لا يحد. ورأى جبل في مطلع الخلاء دارًا صغيرة بعيدة عن الحارة، جدرانها أحجار غير مطلية، لكنها تعتبر جديدة بالقياس إلى بيوت حارة قلة المتداعية، فأشار البلقيطي إليها وقال بفخار: بيت البلقيطي الحاوي.

٣٤

ولما بلغا البيت قال البلقيطي: اخترت هذا المكان المنعزل لبيتي؛ لأن الناس لا يرون في الحاوي إلا ثعبانًا كبيرًا.

دخلا معًا إلى دهليزٍ غير قصير يفضي في نهايته إلى حجرةٍ مغلقة، على حين قامت على الجانبين حجرتان مغلقتان. وأردف البلقيطي وهو يشير إلى الحجرة المواجهة للداخل: في هذه الحجرة توجد أدوات العمل، الحي منها والجامد، لا تخشَ شيئًا فبابها محكم الإغلاق، أؤكد لك أن الثعابين أصلح للمعاشرة من أناسٍ كثيرين، كالذين فررتَ منهم مثلًا!

ثم ضحك كاشفًا عن فيه الخرب وقال: الناس تخاف الثعابين، حتى الفتوات تخافها، أما أنا فأدين لها برزقي، وبفضلها أقمت هذا البيت.

وأشار إلى الحجرة اليمنى وهو يقول: هنا تنام ابنتاي، ماتت أمهما من زمن تاركة إياي لشيخوخة لا تصلح للزواج من جديد. (ثم أشار إلى اليسرى) وهنا سننام معًا.

وترامى صوت الفتاة القصيرة من سلمٍ جانبي يصعد إلى السطح وهي تنادي: شفيقة ساعديني في الغسيل ولا تقفي هكذا كالحجر بلا عمل.

فصاح البلقيطي: يا سيدة! صوتك سيوقظ الثعابين، وأنت يا شفيقة لا تقفي كالحجر!

اسمها شفيقة؟! ما أبدع المليحة! وزجرها غير الجارح. والشكر الصامت في عينيها السوداوين. مَن يخبرها بأنه ما قبل هذه الضيافة الخطيرة إلا من أجل عينيها؟

ودفع البلقيطي باب الحجرة اليسرى وأوسع لجبل حتى دخل ثم تبعه وردَّ الباب. ومضى الرجل إلى كنبة تمتد بطول الحجرة الصغيرة في جانبها الأيمن، متأبطًا ذراع جبل حتى جلسا معًا. وأحاط جبل بالحجرة بنظرةٍ واحدة، فرأى فراشًا في الجانب الآخر مغطًّى ببطانية ترابية اللون، وفي أرض الحجرة فيما بين الفراش والكنبة حصيرةٌ مزركشة تتوسطها صينية نحاس حال لونها من كثرة البقع، ويرقد وسطها موقدٌ هرمي الرماد، مركونة إلى قائمه جوزة، وعلى مسطح حافته سيخ وكماشة وحفنة من معسلٍ جاف. ولم يكن يرى من النافذة الوحيدة المفتوحة إلا الخلاء والسماء الشاحبة وجدارًا شاهقًا داكنًا عن بُعد من جدران المقطم، على حين ورد منها خلال الصمت المخيم زعيق راعية ونسائم مشبعة بحرارة الشمس الساطعة. وكان البلقيطي يتفحصه لحد المضايقة ففكر في أن يشغله عن نفسه بالحديث ولكن السقف فوقهما اهتز لوقع أقدام تمشي فوق السطح فاهتز قلب جبل. تخيل أول ما تخيل قدميها ففاض قلبه برغبةٍ كريمة في أن تحل السعادة بالبيت ولو انطلقت ثعابينه، وقال لنفسه: «قد يغتالني هذا الرجل ويدفنني في الخلاء كما دفنت قدرة دون أن تدري فتاتي أني ضحيتها هي.»

وأيقظه صوت البلقيطي وهو يسأله: هل لك عمل؟

فأجابه وهو يتذكر آخر نقود يملكها في جيبه: سأجد عملًا، أي عمل.

– لعلك في غير حاجة عاجلة إلى عمل؟

فداخله شيء من القلق لهذا السؤال وقال: بل يحسن بي أن أبحث عن عمل اليوم قبل الغد؟

– لك جسم فتوات!

– لكني أكره العدوان!

فضحك البلقيطي وتساءل: ماذا كنت تعمل في الحارة؟

فتردد قليلًا ثم قال: كنت أعمل في إدارة الوقف.

– يا خبر أسود! وكيف تهجر هذا النعيم؟

– حظي!

– هل طمعت عيناك في إحدى الهوانم؟

– اتقِ الله يا شيخ.

– إنك شديد الحذر، ولكنك ستأنس إليَّ سريعًا وتفضي لي بكل أسرارك.

– إن شاء الله.

– معك نقود؟

فعاوده القلق ولكنه لم يكشف عنه وقال ببراءة: عندي قليل منها لن يغني عن السعي.

فقال البلقيطي وهو يرمش: أنت ذكي كالعفاريت، ألا تدرك أنك تصلح حاويًا؟ لعلنا نتعاون معًا، لا تدهش لقولي، فإني عجوز في حاجة إلى المعين.

لم يأخذ قوله مأخذ الجد ولكنه كان مدفوعًا برغبةٍ عميقة إلى توثيق صلته به، وهمَّ بأن يتكلم ولكن الآخر بادره قائلًا: سنفكر في ذلك على مهل، أما الآن …

ونهض الرجل، ومال فوق الموقد فرفعه، ومضى به خارجًا كأنما ليشعله.

•••

وقبيل العصر خرج الرجلان معًا، فمضى البلقيطي إلى تجواله، وقصد جبل السوق للفرجة والتسوق. وعاد مع المساء إلى الخلاء فاهتدى إلى البيت المنعزل على بصيص نور ينبعث من نافذة. ولما بلغ البيت ترامت إلى أذنيه أصواتٌ محتدمة في نقاش فلم يملك إلَّا أن يصغي. سمع سيدة تقول: إن صح ما تقول يا أبي فإن وراءه جريمة ونحن لا قِبل لنا بفتوات الحارة.

فقالت شفيقة: لا يبدو أنه مجرم!

فقال البلقيطي بسخريةٍ واضحة: وهل عرفتِه لهذا الحد يا بنت الأفاعي؟

فقالت سيدة: لماذا يهرب من النعيم؟

فقالت شفيقة: ليس عجيبًا أن يهرب الإنسان من حارة اشتهرت بكثرة فتواتها!

فتساءلت سيدة بسخرية: من أين أتتكِ هذه القدرة على معرفة الغيب؟

فقال البلقيطي متنهدًا: معاشرة الثعابين جعلتني أنجب حيتين!

– أتستضيفه يا أبي وأنت لا تدري عنه شيئًا؟

– عرفت عنه أشياء، وسأعرف كل شيء. لي عينان يُعتمد عليهما عند الحاجة، ثم استضفته متأثرًا بشهامته ولن أرجع عن رأيي.

ما كان يتردد عن الذهاب في غير هذا الظرف. ألم يهجر بيت النعيم بلا تردد؟ ولكنه يذعن للقوة التي تشده إلى هذا البيت. وطرب منه الفؤاد حتى سكر لسماع الصوت الذي دافع عنه. صوت الحنان الذي بدد وحشة الليل والخلاء وجعل الهلال السابح فوق الجبل يبتسم كمن يزف بشرى في الظلام. ولبث ينتظر في الظلام، ثم سعل، وأقبل نحو الباب فطرقه. فتح الباب عن وجه البلقيطي الذي انعكس عليه ضوء المصباح في يده. وذهب الرجلان إلى حجرتهما فجلس جبل بعد أن ترك فوق الصينية النحاس لفَّة جاء بها. ونظر البلقيطي إلى اللفة متسائلًا فقال جبل: تمر وجبن وحلاوة طحينية وطعمية ساخنة.

فابتسم البلقيطي، وجعل يشير إلى الجوزة تارة وإلى اللفة أخرى ويقول: خير الليل ما مضى بين هذا وذاك.

وربت كتفه متوددًا وهو يتساءل: أليس كذلك يا ابن الواقف؟

وانقبض قلبه على رغمه، وتوالت على مخيلته صور الهانم التي تبنَّته والحديقة الغَناء بأعراش الياسمين والعصافير والمياه الجارية، والطمأنينة والسلام والأحلام الناعمة، دنيا النعيم الزائلة، حتى أوشكت الحياة أن تفسد. وإذا بموجة تدفع ذكرياته الغارقة في الأسى إلى بر الأمان إلى هذه الصبية الودودة الطيبة، إلى القوة الساحرة التي تشده إلى بيت فيه وكر للثعابين، فقال بحماس غير متوقع كتوهج مصباح إثر هبة نسيم: ما أطيب الحياة في جوارك يا عم!

٣٥

لم يعطف عليه النوم إلا قبيل الفجر إذ عانى من الخوف كثيرًا. وزاره طيفها في هلوسة المخاوف كما تتساقط أوراق الياسمين على حشائشَ جافة تسعى بينها الحشرات. كابد الأوهام التي تلدها الظلماء في البيت الغريب. وقال لنفسه في الظلام: «ما أنت إلا غريب في بيت الثعابين، تطاردك جريمة ويهتز قلبك بالعشق.» ولو ترك وشأنه ما رغب في غير السلام والدعة. وما خاف الثعابين قدر خوفه الغدر من ناحية ذلك الرجل الذي يتعالى شخيره في فراشه، فمن أدراه أن شخيره صادق؟ وما عاد يطمئن إلى صدق شيء. حتى دعبس المدين له بحياته ستذيع حماقته السر فيثور زقلط وتبكي أمه وتندلع النيران في الحارة التعيسة. والحب الذي شده إلى هذا البيت، وإلى حجرة رفيقه مروض الثعابين، من أدراه أنه سيعيش حتى يصرح بمكنونه. هكذا لم يعطف عليه النوم إلا قبيل الفجر بعد أن عانى من الخوف كثيرًا.

وفتح عينَيه المثقلتَين عندما نضحت النافذة المغلقة بنور الصباح. رأى البلقيطي جالسًا في فراشه متقوس الظهر، يدلك بيديه المعروقتين ساقَيه تحت الغطاء. وابتسم في ارتياح على رغم الدوخة الملمة برأسه لقلة النوم. لعن الأوهام التي تعشش في الرأس في الظلام وتتبدد في النور كالخفافيش. أليست أوهامًا جديرة بسوء ظن قاتل؟ أجل، إن أسرتنا المجيدة تجري في دمائها الجريمة منذ القدم. وسمع البلقيطي يتثاءب بصوتٍ مرتفعٍ متماوج كالحية الراقصة فهاج صدره وراح يسعل طويلًا بشدة حتى خُيل إليه أن وجهه سيلفظ عينيه. ولما سكت السعال تأوه الرجل من الأعماق فقال جبل: صباح الخير.

وجلس على الكنبة فالتفت البلقيطي نحوه ووجهه ما زال محتقنًا من السعال وقال: صباح الخير يا معلم جبل، يا مَن لم ينم مِن الليل إلا أقله.

– لعل وجهي متغير؟

– بل أذكر تقلبك في الظلام والتفاتات رأسك نحوي كالخائف!

يا لك من ثعبان! ولكن كن ثعبانًا غير سامٍّ وحق العينين السوداوين!

– الحق إني أرقت لتغيير مكان النوم.

فضحك البلقيطي قائلًا: أرقتَ لسببٍ واحد وهو أنك كنت تخافني على نفسك، قلت سيقتلني ويسلبني نقودي ثم يدفنني في الخلاء كما فعلت أنا بالرجل الذي قتلته.

– أنت …

– اسمع يا جبل، الخوف شديد الإيذاء، والثعبان لا يلدغ إلا عند الخوف!

فقال جبل في انهزامٍ خفي: إنك تقرأ ما ليس في الصدور.

– إنك تعلم أنني ما جاوزت الحق يا موظف الوقف السابق!

وترامى صوت من الداخل ينادي بقوة: «يا سيدة تعالي». فشعشع رُوحه بانبساط غير متوقع. هذه الحمامة الزاجلة في وكر الثعابين، التي قضت له بالبراءة وجذبته إلى شجرة الآمال المورقة. وقال البلقيطي وكأنه يعلق على نداء شفيقة: النشاط يدب في بيتنا منذ الصباح الباكر، فتنطلق هاتان البنتان إلى الطريق لتعودا بالماء والمدمس لتطعما أباهما العجوز ثم ترسلاه بجراب الثعابين ليلتقط لنفسه ولهما الرزق.

وحلت السكينة بقلبه، وشعر بأنه عضو في هذه الأسرة، وفاضت نفسه بالمودة، فنزع إلى فتح صدره والتسليم إلى مقاديره في عفوية لا تقاوم فقال: يا معلم، بالحق سأقص عليك قصتي.

فابتسم البلقيطي وتشاغل بتدليك ساقَيه فعاد جبل يقول: إني قاتل كما قلت، ولكن لي قصة.

وقصَّ عليه قصته. ولما فرغ قال الرجل: يا لهم من قوم ظالمين! أما أنت فرجل شهم ولم يخب نظري فيك.

واعتدل في جلسته باعتزاز ثم قال: من حقك الآن أن أبادلك صراحة بصراحة، فاعلم أني أنتسب في الأصل إلى حارة الجبلاوي.

– أنت؟!

– نعم، وفررت منها في صدر الشباب ضيقًا بفتواتها!

فقال جبل والدهشة لم تزايله بعدُ: هم شقاء حارتنا.

– نعم، لكننا لا ننسى حارتنا على رغم فتواتها، ولذلك أحببتك عندما عرفت أصلك.

– من أي حيٍّ كنت؟

– من حي آل حمدان مثلك.

– يا للعجب!

– لا تعجب لشيء في هذه الدنيا، لكنه تاريخ مضى من بعيد، فلا أحد يعرفني الآن ولا تمر حنة نفسها التي تربطني بها صلة قربى.

– أعرف هذه السيدة الشجاعة، ولكن من كان غريمك من الفتوات؟ زقلط؟

– لم يكن في ذلك العهد إلا فتوة حيٍّ حقير.

– قلت هم شقاء حارتنا!

– ابصق على الماضي بكل ما فيه.

ثم قال بلهجة فيها إغراء: اشغل نفسك منذ الساعة بمستقبلك، وها أنا ذا أكرر لك القول بأنك تصلح حاويًا ماهرًا، ولنا مجالٌ مريح في الجنوب من هنا، بعيدًا عن حارتنا، وعلى أي حال ففتواتكم وأتباعهم لا يظهرون في هذا الحي.

لم يكن بطبيعة الحال يدري شيئًا عن فن الحواة ولكنه رحب به باعتباره الوسيلة التي ستلصقه بهذه الأسرة، فتساءل بنبرات فضحت رضاه: أتراني أصلح حقًّا لذلك؟

فوثب الرجل إلى الأرض في سرعةٍ بهلوانية ووقف أمامه بجسمه القصير وقد كشف طوق جلبابه عن شعر كث أبيض وقال: أنت موافق، لم يخب نظري في شيء قط.

ومدَّ له يده فتصافحا ثم قال الرجل: أصارحك بأني أحبك أكثر من أي ثعبان عندي.

فضحك جبل في نشوة طفل، وشد على يد الرجل ليمنعه من الذهاب حتى وقف متسائلًا ثم قال باندفاع لم تجدِ حيلة في منعه: يا معلم، جبل يطلب القرب منك.

فابتسمت عينا البلقيطي المحمرتان وتساءل: حقًّا؟!

– نعم ورب السموات!

فضحك البلقيطي ضحكةً قصيرة وقال: كنت أتساءل متى يا ترى يفاتحني في ذلك! نعم يا جبل فلست أحمق، ولكنك الرجل الذي أعهد إليه بابنتي مطمئنًا، ومن حسن الحظ أن سيدة فتاة ممتازة كما كانت المرحومة أمها!

واعترى ابتسامة الابتهاج في فم جبل ارتباك غير خافٍ كما يعتري أطراف الزهرة اليانعة الذبول، وخاف أن يتبدد حلمه بعد أن صار في قبضته وغمغم: لكن …

فقهقه البلقيطي قائلًا: لكنك تطلب شفيقة! أعلم هذا يا ابن والدي، أخبرتني به عيناك وحديث الصغيرة ومعاشرة الثعابين والحيَّات، فلا تؤاخذني فهذه هي طريقة الحواة فيما يعقدون من اتفاقات.

تنهد جبل من صميم القلب، وشعر ببرد الطمأنينة والسلام، ووثبت بصدره مشاعر قوة وحماسة وانطلاق، حتى بيت النعيم لم يعد يبالي به، ولا الجاه المولِّي، ولم يعد يخاف ما ينتظره من كد ومرمطة، فليسدل على الماضي ستارًا لا ينضح بضوء، وليبتلع النسيان المتاعب والآلام الماضية كافة، وليبتلع فيما يبتلع حنان القلب إلى الأمومة الضائعة.

في الضحى زغردت سيدة.

وسرى النبأ السعيد في الحواري المجاورة.

ثم شهد سوق المقطم وحيُّه زفة جبل.

٣٦

قال البلقيطي بلهجة انتقاد ساخرة: لا يجمل بالرجل أن يركن إلى حياة الأرنب والديك! وها أنت ذا لم تتعلم شيئًا وأوشكت نقودك أن تفرغ!

كانا يجلسان على فروة أمام باب الدار، وكان جبل يمد ساقَيه على الرمال المشمسة تلوح في عينيه الغبطة والدعة فالتفت إلى حميه وقال باسمًا: عاش أبونا أدهم ثم مات وهو يتمنى الحياة البريئة اللاهية في الحديقة الغنَّاء!

فضحك البلقيطي ضحكةً مرتفعة ونادى بأعلى صوته: يا شفيقة! أدركي زوجك قبل أن يقتله الكسل.

فظهرت شفيقة على عتبة الباب وهي تنقِّي عدسًا في طبق على يدها وقد لفَّت رأسها بخمارٍ أرجواني أكد صفاء وجهها. تساءلت دون أن ترفع عينيها عن الطبق: ما له يا أبي؟

– يتمنى شيئين؛ «رضاكِ وحياة بلا عمل.»

فضحكت متسائلة في إنكار: وكيف يجمع بين إرضائي وقتلي جوعًا؟

فقال جبل: هذا سر الحاوي!

فلكزه البلقيطي في جنبه قائلًا: لا تستهن بأشقِّ المهن. كيف تخفي بيضة في جيب متفرج وتستخرجها من جيب آخر في الصف الذي يقابله؟ كيف تحول البلي إلى كتاكيت؟ كيف ترقص الحية؟

فقالت شفيقة التي بدت منوَّرة بالسعادة: علِّمه يا أبي، إنه لم يعرف من الحياة إلا الجلوس على مقعدٍ وثير في إدارة الوقف.

فقام البلقيطي وهو يقول: «جاء وقت العمل.» ثم دخل البيت. وراح جبل يتأمل زوجه بإعجاب ويقول: زوجة زقلط دونك في الملاحة ألف درجة، لكنها تقطع النهار على أريكةٍ ناعمة، والأصيل في الحديقة تستنشق عبير الفُل وتلهو بالمياه الجارية.

فقالت بسخرية ومرارة معًا: هذا حال المتخمين بأرزاق الناس.

فهرش جانب رأسه متفكرًا وقال: ولكن هنالك سبيلًا إلى السعادة الشاملة.

– لا تحلم، لم تكن حالمًا عندما نهضت للأخذ بيدي في السوق، ولم تكن حالمًا عندما طردت عني ذباب البشر؛ ولذلك دخلت قلبي.

فاشتاق أن يقبلها. ولم يهون من قيمة كلامها اقتناعه بأنه يعرف أكثر منها، وقال: أما أنا فأحببتك دون ما سبب.

– في هذه الحواري من حولنا لا يحلم إلا المجانين.

– ماذا تريدين مني يا حلوة؟

– أن تكون مثل أبي.

فتساءل معابثًا: وهذه الحلاوة تقطر منك ما شأنها؟

فانفرجت شفتاها عن ابتسامة، وأسرعت أصابع يدها بين حبات العدس.

– عندما فررت من الحارة كنت أشقى الناس جميعًا، ولكن لولا ذلك ما تزوجتك!

فضحكت قائلة: نحن مدينان في سعادتنا لفتوات حارتك، كما يدين أبي في رزقه للحيَّات والثعابين.

فتنهد جبل قائلًا: ومع ذلك فقد آمن خير من عرفته حارتنا من أبنائها بأنه يوجد سبيل يكفل الرزق للناس وهم في الحدائق يغنون.

– رجعنا! ها هو ذا أبي قادم بجرابه، قم رعاك الله.

وجاء البلقيطي بجرابه وقام جبل ومضى الاثنان في طريقهما المعهود. وجعل البلقيطي يقول له: تعلم بعينيك كما تتعلم بعقلك، انظر ماذا أفعل ولا تسألني أمام أحد من الناس، واصبر حتى أوضح لك ما يغمض عليك فهمه.

ووجد جبل الحرفة شاقة حقًّا، ولكنه لم يستهن بها من أول الأمر ووطن نفسه على الحذق فيها مهما كلفه الجهد. والواقع أنه لم يكن أمامه من مهنةٍ أخرى إلا أن يرضى بمهنة بائعٍ جوال أو الفتونة أو اللصوصية وقطع الطريق. لم تكن الحواري في حيِّه الجديد لتختلف عن حارته في شيء عدا الوقف والقصص التي نشأت حوله. وقد رسبت في قرارة نفسه حسرةٌ متخلفة من أحلام الماضي وذكريات المجد الغابر والآمال التي يتعذب بسببها آل حمدان كما تعذب أدهم من قبلُ. وكان مصممًا على النسيان بإلقاء نفسه في خضم الحياة الجديدة وتقبلها وفتح الصدر لها، واللواذ بزوجه المُحِبة المحبوبة كلما خطر له خاطر حزن أو هوان في تجواله. وتفوق على أحزانه وذكرياته وبرع في تعليمه حتى أدهش البلقيطي نفسه.

كان يواصل التدريب في الخلاء ويعمل في النهار والليل، وتمضي الأيام والأسابيع والأشهر فلا تهن له عزيمة ولا يدركه الكلال. وقد عرف الحواري والأزقة، واستأنس الثعابين والحيَّات، ولعب أمام آلاف الصبية، وذاق حلاوة النجاح والربح، وتلقى بشرى الأبوة المقبلة. واستلقى على ظهره يرعى النجوم حين الراحة، وسهر الليالي يتجاذب مع البلقيطي الجوزة ويقص القصص التي كانت الرباب ترويها بقهوة حمدان. وتساءل: من حين إلى حين أين الجبلاوي؟ ونادى كثيرًا: يا جبلاوي. وإذ أشفقت شفيقة من أن يفسد عليه الماضي حياته هتف بها: إلى هؤلاء ينتسب الشيء الذي في بطنك، وآل حمدان آله، والأفندي رأس الاغتصاب كما أن زقلط رأس الإرهاب، فكيف تطيب الحياة وبها أمثال أولئك؟

•••

ويومًا كان يعرض ألاعيبه في زينهم وسط حلقةٍ محكمة من الصغار. ولاحت منه التفاتة فرأى أمامه دعبس وقد شق سبيله إلى الصف الأمامي وراح يحملق فيه بذهول. اضطرب جبل وتجنب النظر إلى وجهه ولم يعد بمستطاعه أن يواصل عمله فأنهاه على رغم احتجاج الصغار، ورفع جرابه ومضى. وما لبث أن لحق به دعبس وهو يصيح: جبل! أهذا أنت يا جبل؟!

فتوقف عن السير ملتفتًا إليه وقال: نعم، ماذا جاء بك يا دعبس؟

ولم يفق دعبس من دهشته وجعل يقول: جبل حاوٍ؟! متى تعلمت هذا؟ وأين؟

فقال جبل باستهانة: ليس هذا بأعجب ما يقع في هذه الدنيا.

وسار جبل والآخر يتبعه حتى بلغا سفح الجبل ثم جلسا في ظل نتوء، ولم يكن بالمكان إلا أغنام ترعى وراعٍ جلس عاريًا يفلِّي جلبابه. وتفرس دعبس في وجه صاحبه وقال: لماذا هربت يا جبل؟ كيف ساء ظنك بي حتى توقعتَ أن أخونك؟ والله ما أخون أحدًا من آل حمدان ولو يكون كعبلها! ولحساب من أخونك؟ الأفندي أم زقلط؟! فليحرقهم رب السموات جميعًا، كم سألوا عنك كثيرًا، وكنت أسمعهم يسألون فأغرق في عرقي.

فسأله جبل باهتمام: خبِّرني كيف تعرض نفسك للانتقام بالتسلل من ربعك؟

فلوح دعبس بيده في استهانة قائلًا: رُفع الحصار عنا من زمن، لم يعد أحد يسأل اليوم عن قدرة أو قاتله، ويقال إن هدى هانم هي التي أنقذتنا من الموت جوعًا، ولكن قُضي علينا بالذل إلى الأبد، ولا مقهى لنا ولا كرامة. نسعى في أعمالنا بعيدًا عن حارتنا وإذا عدنا توارينا وراء الجدران، وإذا عثر على أحدنا فتوة عبث به صفعًا أو بصقًا. إن تراب حارتنا اليوم أكرم عليهم منا يا جبل .. ما أسعدك في غربتك!

فقال جبل بامتعاض: دع سعادتي وشأنها وخبِّرني ألم يصب أحد بسوء؟

فقال دعبس وهو يتناول طوبة ويضرب بها الأرض: قتلوا منَّا عشرة في عهد الحصار!

– يا رب السموات؟

– ذهبوا فداء لقدرة الحقير ابن الحقيرة، ولكنهم ليسوا من أصحابنا!

فقال جبل بحنق: ألم يكونوا من آل حمدان يا دعبس؟

فرمش دعبس حياءً وتحركت شفتاه بعذر غير مسموع، فعاد جبل يقول: والآخرون ينعمون بالصفع والبصق!

وشعر الرجل بأنه مسئول عن الأرواح التي أزهقت، وعصر الألمُ قلبه. ووجد ندمًا داميًا على كل لحظة سلام مرت به منذ هجرته. ودهمه دعبس بقوله: لعلك الوحيد السعيد اليوم من آل حمدان.

فهتف: لم أكفَّ يومًا عن التفكير فيكم.

– لكنك بعيد عن الهم والغم.

فقال بحدة: لم أفلت من الماضي قط.

– لا تبدد راحة بالك بلا أمل، لم يعد لنا أمل.

فردد جبل قوله الأخير ولكن في نبراتٍ غامضة: لم يعد لنا أمل!

فرمقه دعبس باهتمام مستطلعًا ولكنه لم ينبس احترامًا للحزن المرسوم على وجهه. ونظر إلى الأرض فرأى خنفساء تدب مسرعة حتى اختفت تحت كومة أحجار. وكان الراعي ينفض جلبابه ليغطي جسده الذي ألهبته الشمس. وعاد جبل يقول: في الحق لم أكن سعيدًا إلا في الظاهر.

فقال مجاملًا: إنك تستحق السعادة عن جدارة.

– تزوجت واتخذت لنفسي عملًا جديدًا كما ترى وما برح نداءٌ خفي يلحُّ في إقلاق منامي.

– فليباركك الله، أين تقيم؟

لم يجبه. وبدا وكأنه يخاطب نفسه. ثم قال: لا تطيب الحياة وبها أمثال أولئك الأوغاد.

– صدقت، ولكن كيف التخلص منهم؟

ارتفع صوت الراعي وهو ينادي أغنامه، ويسير نحوها متأبطًا عصاه الطويلة، ثم ترامى عنه لحن غناء غير واضح. وتساءل دعبس: كيف أستطيع أن ألقاك؟

– سل عن بيت البلقيطي الحاوي عند سوق المقطم ولكن اكتم خبري إلى حين.

ونهض دعبس فشدَّ على يده ومضى والآخر يتابعه بعينَين محزونتَين.

٣٧

أوشك الليل أن ينتصف. وكادت حارة الجبلاوي تغرق في الظلمة لولا أضواء وانية تتسلل من أبواب المقاهي المواربة اتقاءً للبرد. ولم يلُحْ في سماء الشتاء نجمٌ واحد، وتوارى الغلمان في الحجرات وحتى الكلاب والقطط أوت إلى الأفنية. ومن خلال الصمت الشامل انبعثت أنغام الرباب الرتيبة تردد الحكايات، أما حي آل حمدان فقد تلفع بظلمةٍ خرساء. وجاء شبحان من ناحية الخلاء، فسارا تحت سور البيت الكبير، ثم مرَّا أمام بيت الأفندي، قاصدين حي آل حمدان، حتى وقفا أمام الربع الأوسط وطرق أحدهما الباب، فرنَّ الطرق في الصمت مثل قرع الطبول. وفتح الباب عن وجه حمدان نفسه الذي بدا شاحبًا على ضوء سراج بيده ورفع السراج ليتبيَّن وجه الطارق، وما عتم أن هتف في دهشة: جبل؟!

– وتنحى عن الباب فدخل جبل حاملًا بقجةً كبيرة وجرابًا، وتبعته زوجه حاملة بقجةً أخرى. وتعانق الرجلان. وألقى حمدان نظرةً سريعة على المرأة فلمح بطنها، وقال: زوجتك؟ أهلًا بكما، اتبعاني على مهل.

اخترقوا دهليزًا طويلًا مسقوفًا حتى بلغوا الحوش الواسع غير المسقوف، ثم مالوا إلى السلم الضيق ورقوا فيه حتى مسكن حمدان. وأدخلت شفيقة إلى الحريم، ومضى حمدان بجبل إلى حجرةٍ واسعةٍ متصلة بشرفةٍ مطلة على حوش الربع. وما لبث خبر عودة جبل أن ذاع فأقبل كثيرون من رجال آل حمدان على رأسهم دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس ورضوان الشاعر وعبدون، فصافحوا جبل بحرارة، وجلسوا في الحجرة على الشلَت يتطلعون إلى العائد باهتمام وحب استطلاع. وتتابعت الأسئلة على جبل فقصَّ عليهم طرفًا من حياته الأخيرة. وتبادلوا نظرات الأسى. ورأى جبل أن أرواحهم المضعضعة تنعكس على أجسادهم المهزولة وأن الفناء يدب في الأوصال. وقصوا عليه ما يلقون من هوان، فقال دعبس: إنه أخبره بكل شيء في لقاء اتفق لهما منذ شهر؛ وإنه لذلك يعجب لما جاء به، وسأله ساخرًا: أجئت لتدعونا للهجرة إلى مقامك الجديد؟

فقال جبل بحدة: لا مقام لنا إلا هنا!

وجذب الأسماع في صوته نبرة قوة حتى لاح الاستطلاع في عينَي حمدان وقال: لو كانوا ثعابين لما استعصى عليك ردعهم.

ودخلت تمر حنة بأقداح الشاي فحيَّت جبل تحيةً حارة، وأثنت على زوجه، وتنبأت له بأنه سينجب ذكرًا، ولكنها قالت مستدركة: لم يعد من فارق بين رجالنا ونسائنا!

ونهرها حمدان وهي تغادر الحجرة، ولكن أعين الرجال عكست اقتناعًا ذليلًا بقولها، وتكاثفت سحب الأحزان المخيمة على المجلس، فلم يذق أحد للشاي طعمًا. وتساءل رضوان الشاعر: لماذا عدت يا جبل وأنت لم تألف الإهانة؟

فقال حمدان بصوت ينمُّ عن الانتصار: قلت لكم مرارًا إن الصبر على ما نلقى خير من التسكع بين غرباء سيكرهوننا.

فقال جبل بقوة: ليس الأمر كما ترى.

وهزَّ حمدان رأسه دون أن ينبس، فساد صمت حتى قال دعبس: يا جماعة فلنتركه ليستريح.

ولكنه أشار لهم بالبقاء وقال: ما جئت لأستريح، ولكن لأحدثكم في شأنٍ خطير، أخطر مما تتصورون.

وتطلعت إليه الأعين بدهشة وغمغم رضوان متمنيًا الخير فيما سيسمع. أما جبل فراح يقلب في الوجوه عينيه القويتين، ثم قال: كان بوسعي أن أمضي العمر كله في أسرتي الجديدة دون تفكير في العودة إلى حارتنا.

وصمت مليًّا، ثم عاد يقول: لكنه حدث منذ أيامٍ معدودة أن شعرت برغبة في المشي وحدي على رغم البرد والظلام، فخرجت إلى الخلاء، وإذا بقدميَّ تقودانني إلى البقعة المشرفة على حارتنا، ولم أكن دنوت منها منذ هروبي.

تجلَّى الاهتمام في الأعين، فواصل الرجل حديثه قائلًا: مضيت في تجوالي في ظلامٍ دامس، فحتى النجوم توارت وراء السحب، وما أدري إلا وأنا أوشك أن أصطدم بشبحٍ هائل، توهمته أول الأمر أحد الفتوات، ولكنه بدا لي شخصًا ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعًا، طويلًا عريضًا كأنه جبل، فامتلأتُ رهبة وهممت بالتراجع، وإذا به يقول بصوتٍ عجيب: «قف يا جبل!»؛ فتسمرت في مكاني وسألته وجلدي ينضح بالخوف: «مَن؟ مَن أنت؟»

وتوقف جبل عن الحديث فمالت الرءوس إلى الأمام في اهتمام، وتساءل ضلمة: من حارتنا؟

ولكن عتريس قال بسرعة معترضًا: قال إنه ليس كمثله أحد في حارتنا ولا في الناس جميعًا.

ولكن جبل قال: بل إنه من حارتنا؟

وتساءلوا عن هويته جميعًا فقال جبل: قال لي بصوته العجيب: «لا تخف، أنا جدك الجبلاوي!»

وارتفعت صيحات الدهشة من الجميع ورمقوه بنظرات الارتياب، وقال حمدان: إنك تهزر دون شك.

– بل أقول الحق دون زيادة ولا نقصان!

فسأله فوانيس: ألم تكن مسطولًا؟

فصاح جبل بغضب: إن السطل لم يذهب بعقلي قط!

فقال عتريس: له لطشات لا تعرف عزيزًا وخصوصًا الأصناف الجيدة!

فتبدى الغضب في وجه جبل كالسحاب المظلم وصاح: سمعته بأذني وهو يقول لي: «لا تخف، أنا جدك الجبلاوي»!

فقال حمدان برقَّة ليسكن غضبه: لكنه لم يغادر بيته من زمن ولم يره أحد!

– لعله يخرج كل ليلة دون أن يدري أحد.

فعاد حمدان يتساءل في حذر: لكن أحدًا غيرك لم يصادفه!

– صادفته أنا!

– لا تغضب يا جبل فما قصدت التشكيك في صدقك، ولكن الوهم خداع. بالله خبِّرني إذا كان الرجل يستطيع الخروج من بيته، فلماذا نزل عن النظارة لغيره؟ ولماذا يتركهم يعبثون بحقوق أبنائه؟!

فقال جبل مقطبًا: هذا سره وهو به أعلم.

– إن ما قيل عن اعتزاله لكبره وعجزه أقرب إلى المعقول.

فقال دعبس: إننا نتخبط بين الأقاويل، دعونا نسمع القصة إن كان لها بقية.

فقال جبل: قلت له: «لم أحلم أن أقابلك في هذه الحياة!» فقال: «ها أنت ذا تقابلني.» وحددت بصري؛ لأتبين وجهه المرتفع في الظلام فقال لي: «لن تستطيع رؤيتي ما دام الظلام!» فقلت بذهول لرؤيته محاولة رؤيتي له: «لكنك تراني في الظلام!» فقال: «إني أرى في الظلام منذ اعتدت التجوال فيه قبل أن توجد الحارة.» فقلت بإعجاب: «الحمد لرب السماوات على أنك ما زلت تتمتع بصحتك.» فقال: «أنت يا جبل ممن يركن إليهم، وآي ذلك أنك هجرت النعيم غضبًا لأسرتك المظلومة. وما أسرتك إلا أسرتي، وهم لهم في وقفي حق يجب أن يأخذوه، ولهم كرامة يجب أن تُصان، وحياة يجب أن تكون جميلة.» فسألته في فورة حماس أضاءت الظلام: «وكيف السبيل إلى ذلك؟» فقال: «بالقوة تهزمون البغي، وتأخذون الحق، وتحيون الحياة الطيبة.» فهتفت من أعماق قلبي: «سنكون أقوياء.» فقال: «وسيكون النجاح حليفكم.»

وترك صوت جبل وراءه صمتًا كالحلم بدوا فيه جميعًا مسحورين.

كانوا يفكرون ويتبادلون النظرات، ثم يتجهون بأعينهم إلى حمدان حتى خرج عن صمته قائلًا: فلنتدبر هذه الحكاية بعقولنا وقلوبنا!

فقال دعبس بقوة: إنها لا تبدو وهمًا من أوهام السطل وكل ما تتضمنه حق.

فقال ضلمة بإيمان: لن تكون وهمًا إلا إذا كانت حقوقنا وهمًا!

فتساءل حمدان في شيء من التردد: ألم تسأله عما يمنعه من إجراء العدل بنفسه؟ أو عما جعله يعهد بالنظارة إلى قوم لا يحسنون القيام على حقوق الناس؟

فقال جبل بامتعاض: لم أسأله، ولم يكن بوسعي أن أسأله، أنت لم تلقه في الخلاء والظلمة ولم تستشعر الرهبة في حضرته. ولو وقع لك ذلك ما فكرت في مناقشته الحساب ولا داخلك الشك في أمره.

فهزَّ حمدان رأسه فيما يشبه التسليم وقال: هذا كلام خليق بالجبلاوي حقًّا، ولكن ما أخلقه بأن ينفذه بنفسه!

فصاح دعبس: انتظروا حتى تموتوا في هوانكم!

فتنحنح رضوان الشاعر وقال وهو ينظر بحذر في الوجوه: كلامٌ جميل ولكن فكروا فيما يجرنا إليه.

فقال حمدان بحزن: ذهبنا مرة نستجدى بعض حقنا فكان ما كان.

وإذا بعبدون الصغير يصيح: علَامَ نخاف وليس هناك أسوأ مما نحن فيه؟!

فقال حمدان كالمعتذر: لست أخاف على نفسي ولكني أخاف عليكم.

فقال جبل بازدراء: سأذهب إلى الناظر وحدي.

فقال دعبس وهو يتزحزح مقتربًا من مجلسه: ونحن معك، لا تنسوا أن الجبلاوي وعده بالنجاح!

فقال جبل: سأذهب وحدي عندما أقرر الذهاب، ولكنني أريد أن أطمئن إلى أنكم ستكونون ورائي وحدةً متماسكةً خليقة بمواجهة الشدة والصمود لها!

ووثب عبدون واقفًا في حماس وهتف: وراءك حتى الموت!

وانتقل حماس الغلام إلى دعبس وعتريس وضلمة وفوانيس. وتساءل رضوان الشاعر بشيء من المكر: إن كانت زوجة جبل تدري بما جاء زوجها من أجله، فقصَّ جبل عليهم كيف أنه أفضى بسره إلى البلقيطي، وكيف نصحه الرجل بتقدير العواقب، وكيف أصرَّ على العودة إلى حارته، وكيف اختارت زوجه أن تسير معه إلى النهاية.

وعند ذاك قال حمدان بصوت أنبأ بأنه مع الآخرين: ومتى تذهب إلى الناظر؟

فأجاب جبل: عندما تنضج خطتي.

فقام حمدان وهو يقول: سأدبر لك مقامًا في مسكني، إنك أعز الأبناء، وهذه ليلة لها ما وراءها، ولعل الرباب ترويها غدًا موصولة بقصة أدهم، هلموا نتعاهد على الخير والشر!

عند ذاك تصاعد صوت حمودة الفتوة، العائد مع الفجر، وهو يغني بلسان مخمور مترنح:

يا واد يا سكري تشرب تنجلي،
وتخش الحارة تتطوح تترمي،
وعاملي فنجري،
وتمِز بجنبري.

فلم يؤخذوا بصوته إلا لحظة، ثم مدُّوا أيديهم للتعاهد في حماس، وفي رجاء.

٣٨

وعلمت الحارة بعودة جبل؛ رأته يسير بجرابه، ورأت زوجته وهي تسعى إلى الجمالية لابتياع حوائجها، وتحدثوا عن مهنته الجديدة التي لم يسبقه إليها أحد من أبناء الحارة. على أنه كان يعرض ألاعيبه السحرية في الأحياء المجاورة دون حارته، وتجنب استعمال الثعابين في ألاعيبه فلم يفطن أحد إلى أنه بها خبير. ومر ببيت الناظر مرات وكأنما لم يطرقه في حياته وهو يكابد في أعماقه حنينًا أليمًا إلى أمه. ورآه الفتوات مثل: حمودة والليثي وبركات وأبو سريع فلم يصفعوه كما يفعلون مع غيره من آل حمدان، ولكنهم عرَّضوا به وهزئوا بجرابه. وصادفه مرة زقلط فحدجه بنظرةٍ قاسية، ثم اعترض سبيله متسائلًا: أين كانت غيبتك؟

فقال في حلم: في الأرض الواسعة …

فقال الرجل متحرشًا: إني فتوتك ومن حقي أن أسألك عما أريد وعليك أن تجيب!

– أجبتك بما عندي.

– وماذا عاد بك؟

فقال في هدوء: ما يعود بالإنسان إلى حارته.

فقال له بصوت نمَّ عن وعيد: لو كنت في مكانك ما عدت!

وسار فجأة بقوة، فكاد يرتطم به لولا أن تنحَّى جبل عن سبيله بسرعة، كاظمًا غيظه. وإذا بصوت بواب بيت الناظر يناديه، فالتفت جبل نحوه دهشًا، ثم مشى إليه، فالتقيا أمام البيت وتصافحا بحرارة. وجعل الرجل يسأله عن أحواله، ثم أخبره بأن الهانم تودُّ رؤيته. وكان جبل يتوقع هذه الدعوة منذ ظهوره في الحارة، كان قلبه يحدثه بأنها آتية لا ريب فيها. ومن ناحيته لم يكن بوسعه أن يزور البيت للحال التي غادره عليها، وفضلًا عن ذلك، فقد قرَّر ألا يطلب المقابلة حتى لا يثير الشكوك حولها قبل أن تقع، سواء في نفس الناظر أم في نفوس الفتوات، ولكنه ما كاد يدخل البيت حتى جرى الخبر في الحارة جميعًا. وألقى نظرةً سريعة — عند مسيره إلى السلاملك — على الحديقة، على أشجار الجميز والتوت العالية، وشجيرات الأزهار والورود التي تغطي الأركان، وقد اختفى العبير التقليدي تحت قبضة الشتاء، وغشي الجو نورٌ هادئٌ وديع كالأصيل كأنه يقطر من السحاب الأبيض المنتشر، وصعد السلم وهو يطرد عن قلبه بقوة أسراب الذكريات، ودخل البهو فرأى في صدره الهانم وزوجها جالسين، منتظرين.

نظر إلى أمه فتلاقت نظرتاهما، وقامت المرأة لاستقباله في تأثرٍ شديد، فهوى على يديها يقبلهما، ولثمت جبينه في حنان، فاجتاحه في موقفه شعور بالحب والسعادة، والتفت رأسه إلى الناظر فرآه جالسًا في عباءته يطالعهما بعينَين باردتَين، فمدَّ له يده فقام نصف قومة ليصافحه وسرعان ما جلس. وجرت عينا هدى على جبل في دهشةٍ ممزوجة بانزعاج، وهو يبدو بجسمه الفارع في جلبابٍ خشن مشمر وسطه بحزام غليظ، وفي قدميه مركوب شبه بال، وعلى شعره الغزير طاقية عتماء، فتجلَّى في عينيها الرثاء، وتحدثت عيناها — من دون اللسان — فأبدت حزنها على مظهره وعلى ما ارتضاه لنفسه من حياة، وكأنما كانت تطالع أملًا باهرًا تهاوى إلى حطام. وأشارت له بالجلوس فجلس على مقعدٍ قريب منها، وجلست هي فيما يشبه الإعياء.

وأدرك ما يدور في نفسها فحدثها بصوتٍ قوي عن حياته في سوق المقطم، وعن مهنته، وزواجه. حدثها حديث الراضي عن تلك الحياة على رغم خشونتها، والقانع بها؛ فامتعضت لقوله وقالت: لتكن حياتك ما تكون، ولكن كيف لم تجعل من بيتي أول بيت تقصده لدى عودتك إلى الحارة؟

كاد يقول لها إنه ليس لعودته إلى الحارة من هدف إلا بيتها، ولكنه أجَّل ذلك؛ لأن اللحظة لم تكن مناسبة، ولأنه لم يفق بعدُ من تأثر اللقيا. وأجاب قائلًا: كان بيتك أمنيتي، ولكني لم أجد الشجاعة لاقتحامه بعد ما كان.

وإذا بالأفندي يسأله بصوتٍ بارد: ولماذا عدت ما دام العيش قد طاب لك في الخارج؟

فندَّت عن الهانم نظرة عتاب نحو زوجها الذي تجاهلها. أما جبل فقال باسمًا: لعلِّي عدت يا سيدي طامعًا في لقياك!

فقالت هدى في عتاب: ولم تزرنا حتى دعوناك يا جاحد!

فقال جبل وهو يخفض رأسه: ثقي يا سيدتي بأنني كلما ذكرت الظروف التي اضطرتني إلى مغادرة هذا البيت لعنتها من صميم قلبي.

فحدجه الأفندي بنظرةٍ مريبة وهمَّ بسؤاله عما يعني، ولكن هدى سبقته قائلة: علمت بلا شك بعفونا عن آل حمدان إكرامًا لك.

وأدرك جبل أنه آن لهذا الموقف العائلي الطيب أن ينتهي كما قدر له من أول الأمر، وأنه آن للكفاح أن يبدأ، فقال: الحق يا سيدتي أنهم يعانون ذلًّا ألعن من الموت، وقد قُتل منهم من قُتل.

فقبض الأفندي بشدة على مسبحته وهتف بحدة: إنهم مجرمون، وقد نالوا ما يستحقون.

فلوحت هدى بيدها في رجاء وقالت: فلننسَ الماضي كله.

فقال الأفندي بإصرار: ما كان يجوز أن يضيع دم قِدْرَة هدرًا.

فقال له جبل بثبات: المجرمون حقًّا هم الفتوات.

فوقف الأفندي في عصبية ووجَّه الخطاب إلى زوجته قائلًا في لوم: أرأيت نتيجة إذعاني لكِ في دعوته إلى بيتنا؟

فقال جبل بصوت أفصحت نبراته عما وراءه من عزم: سيدي، كان في نيتي أن أجيء إليك على أي حال، ولعل الاعتراف بالجميل الذي أكنُّه نحو البيت هو الذي جعلني أنتظر حتى أُدعى إليه.

فرمقه الناظر بنظرة توجس وارتياب ثم سأله: ماذا تريد من مجيئك؟

فوقف جبل مواجهًا الناظر في شجاعة، وهو يدرك تمامًا أنه يفتح بابًا ستهب منه العواصف جامحة، ولكنه كان يستمد من مقابلة الخلاء شجاعة لا تتزعزع. قال: جئت مطالبًا بحقوق آل حمدان في الوقف وفي الحياة الآمنة!

اسودَّ وجه الأفندي من الغضب على حين فغرت الهانم فاها من اليأس، وقال الرجل وهو يحدجه بنظرةٍ محرقة: أتجرؤ حقًّا على معاودة هذا الحديث؟ أنسيت أن المصائب تتابعت عليكم مذ جرؤ شيخكم المخرف على التقدم بهذه المطالب الخرافية؟! أقسم على أنك جننت، ولستُ مطالبًا بتضييع وقتي مع المجانين.

وقالت هدى بصوتٍ باكٍ: جبل، كان في نيتي أن أدعوك أنت وزوجك للإقامة معنا.

لكن جبل قال بصوتٍ قوي: إنما ردَّدت على مسامعكَ رغبة من لا تُردُّ له رغبة، وهو جدك وجدنا الجبلاوي!

نظر الأفندي إلى جبل بإمعان وتفرس وذهول. نهضت هدى جَزعة ووضعت كفها على منكب جبل وهي تتساءل: جبل، ماذا دهاك؟!

فقال جبل باسمًا: بخير يا سيدتي.

فقال الأفندي في ذهول: بخير؟! أنت بخير؟ ماذا حصل لعقلك؟

فقال جبل بهدوء وسكينة: اسمع قصتي واحكم بنفسك.

وقصَّ عليهما ما سبق أن قصَّهُ على آل حمدان. ولما فرغ من قصته قال الأفندي وكان يتفرس في وجهه طوال الوقت بريبة: الواقف لم يغادر بيته قط منذ اعتزل!

فقال جبل: لكني قابلته في الخلاء.

فسأله متهكمًا: ولماذا لم يطلعني أنا على رغباته؟

فقال جبل: هذا سرُّه وهو به أعلم.

فضحك الأفندي ضحكةً حانقة وقال: إنك حاوٍ بحق وجدارة، ولكنك لا تقنع بألاعيب الحواة، وإنما تطمع في اللعب بالوقف كله!

فقال جبل دون أن يزايله هدوءه: علم الله أني ما جاوزت الحق، فلنحتكم إلى الجبلاوي نفسه إن استطعت، أو إلى شروطه العشرة!

فانفجر غضب الأفندي؛ اربدَّ وجهه وارتعشت أطرافه وصاح: أيها اللص المحتال! لن تنجو من مصيرك الأسود ولو اعتصمت بقمة الجبل!

وهتفت هدى: يا للشقاء! ما كنت أتوقع أن تجيئني بهذه التعاسة كلها يا جبل!

فتساءل جبل في عجب: أيحدث هذا كله لا لشيء إلا لأنني طالبت بحق آلي المشروع؟!

فصرخ الأفندي بأعلى صوته: اخرس يا محتال، يا حشاش، يا حارة حشاشين يا أولاد الكلب، اخرج من بيتي، وإن عدت إلى هذيانك قضيت على نفسك وعلى أهلك بالذبح كالنعاج.

فقطب جبل غاضبًا وصاح: احذر أن يحيق بك غضب الجبلاوي.

فهجم الأفندي على جبل ولكمه في صدره العريض بأقصى قوته.

ولكن جبل تلقاها بثبات وصبر، والتفت إلى الهانم قائلًا: إنما أكرمه إكرامًا لكِ.

ثم ولَّى لهما ظهره وذهب.

٣٩

توقع آل حمدان شرًّا داهمًا. وخالفت تمر حنة الإجماع، فظنت أنه ما دام جبل على رأس آل حمدان هذه المرة فلن تسمح الهانم بالقضاء عليه. لكن جبل نفسه لم يؤمن بظنِّ تمر حنة وأكد أنه إذا هدَّد الوقف طامع فلن يقام وزن لجبل ولا لأحد من الناس ولو كان أقربهم إلى الأفندي نفسه. وذكَّرهم جبل بوصية جدهم بأن يكونوا أقوياء وأن يصمدوا للملمات. ومضى دعبس يقول: إن جبل كان يرفل في النعيم وإنه نبذه مختارًا إكرامًا لهم، فلا يصح أن يخذله أحد، وإن التذرع بالقوة إذا لم ينفع، فلن يدفع بهم إلى أسوأ مما هم فيه بحال. والحق أن آل حمدان استشعروا الخوف وتوترت منهم الأعصاب ولكنهم وجدوا في اليأس قوة وعزيمة فكانوا يرددون المثل القائل «لطابت لاتنين عور».

رضوان الشاعر وحده راح يقول متحسرًا: «لو شاء الواقف لأعلن كلمة العدل وقضى لنا بالحق ونجانا من هلاك مبين.» وقد غضب جبل لما بلغه قوله، فقصده عابسًا هائجًا ثم هزه من منكبيه حتى كاد يقتلعه من مجلسه وصاح به: «أهذا هو حال الشعراء يا رضوان؟! تروون حكايات الأبطال وتغنون على الرباب، فإذا جَد الجد تقهقرتم إلى الجحور وأشعتم التردد والهزيمة؟! ألا لعنة الله على الجبناء!» والتفت إلى الجالسين قائلًا: «لم يكرم الجبلاوي حيًّا من أحياء هذه الحارة كما أكرمكم، ولو لم يكن يعتبركم أسرته الخاصة ما لاقاني ولا كلمني، ولكنه نوَّر السبيل ووعد بالتأييد، ووالله لأكافحنَّ ولو كنت وحدي!» لكن بدا أنه لم يكن وحده. أيده كل رجل، وأيدته كل امرأة، وانتظروا جميعًا المحنة وكأنهم لا يبالون بالعواقب.

واحتل جبل مكان الزعامة في حيِّه بطريقةٍ عفوية أملتها الأحداث دون قصد منه أو تدبير، ودون ممانعة من حمدان الذي ارتاح إلى تخلِّيه عن موضع سيصير هدفًا لهجوم لن يعرف مداه. ولم يقبع جبل في الربع فخرج — مخالفًا نصيحة حمدان — ليتجول كعادته. كان يتوقع شرًّا عند كل خطوة ولكن أحدًا من الفتوات لم يتعرض له بسوء، فعجب لذلك غاية العجب، ولم يجد له من تفسير إلا أن يكون الأفندي قد كتم أنباء المقابلة على أمل أن يسكت هو أيضًا عن مطالبه فينتهى الأمر وكأنه ما كان. وأشفق من أن ينتهي الأمر وكأنه ما كان. ورأى وراء هذه السياسة وجه الهانم المحزون وأمومتها الصادقة. وخاف أن يثبت حنانها أنه أقسى عليه من غلظة زوجها، ففكر طويلًا فيما ينبغي أن يفعل لينفض الرماد عن الجمر.

وجرت في الحارة أحداثٌ غريبة. فذات يوم ترامت استغاثة امرأة من بدروم، وتبين أن ثعبانًا زحف بين قدميها فخرجت تجري إلى الطريق. وتطوع رجال للتفتيش عن الثعبان فدخلوا مسكنها بعصيِّهم، وفتشوا عن الثعبان حتى عثروا عليه، فانهالوا عليه ضربًا حتى قتلوه، وطرحوه على أرض الحارة فتلقفه الغلمان وراحوا يلعبون به مهللين. ولم يكن الحادث بالغريب في الحارة ولكن لم تكد تمضي ساعة حتى ارتفعت صرخة استغاثةٍ ثانية من بيت في مطلع الحارة فيما يلي الجمالية. وما جثم الليل حتى تعالت ضجة في ربع من ربوع حمدان، إذ رأى البعض ثعبانًا ولكنه اختفى قبل أن يلحق به أحد، وضاعت جهود القوم للعثور عليه، وعند ذاك تطوع جبل نفسه لاستخراجه مستعينًا بالخبرة التي اكتسبها عند البلقيطي. وتحدث آل حمدان عن وقفة جبل عاريًا في الحوش، وعن لغته السرية التي خاطب بها الثعبان حتى جاء طائعًا. وكادت تلك الأحداث تُنسى مع صباح اليوم التالي لولا أن تكرر وقوعها في بيوت أناس من ذوي الشأن. فقد ذاع وملأ الأسماع أن ثعبانًا لدغ حمودة الفتوة وهو يقطع دهليز الربع الذي يقيم فيه، فصرخ الرجل على رغمه حتى أدركه أصحابه وأسعفوه. هنا انقلب الحادث أحدوثة. وقال الناس في الثعابين وأعادوا.

غير أن نشاط الثعابين العجيب لم يتوقف. فقد رأى بعض الصحاب في غرزة الفتوة بركات ثعبانًا بين عمد السقف، لاح نصف دقيقة ثم اختفى، فهبوا مذعورين وتقوض المجلس. وغطت أخبار الثعابين على حكايات الشعراء في المقاهي. وبدا أن نشاطها قد جاوز حدود الأدب، إذ ظهر ثعبان ضخم في بيت حضرة الناظر. ومع أن خدم البيت الكثيرين انتشروا في أركانه للتفتيش عن الثعبان المختفي إلا أنهم لم يقفوا له على أثر. وركب الخوف الناظر والهانم حتى فكرت جديًّا في مغادرة البيت إلى أن تطمئن إلى خلوِّه من الثعابين. وبينما البيت مقلوب رأسًا على عقب ترامى من بيت زقلط فتوة الحارة صراخ وضجة، وذهب البواب ليستطلع الخبر ثم عاد ليخبر سيده بأن ثعبانًا لدغ أحد أبناء زقلط ثم اختفى؛ وتملك الخوف النفوس. وتتابعت الاستغاثات من الثعابين من كل ربع فصممت الهانم على مغادرة الحارة.

وقال عم حسنين البواب: إن جبل حاوٍ وللحواة خبرة باصطياد الثعابين، وأكد أنه استخرج ثعبانًا من أحد ربوع آل حمدان. وامتقع لون الأفندي ولم ينبس، أما الهانم فأمرت البواب بأن يستدعي جبل. ونظر البواب إلى سيده مستأذنًا، فغمغم الأفندي بكلمات حانقة دون أن يبين. وخيرته الهانم بين دعوة جبل وبين مغادرة البيت، فأذن للرجل بالذهاب وهو ينتفض حنقًا وغضبًا وتجمع كثيرون فيما بين بيتي الناظر والفتوة، وتوافد ذوو الشأن على بيت الناظر وفي مقدمتهم الفتوات: زقلط وحمودة وبركات والليثي وأبو سريع. ولم يكن للمجتمعين من حديث إلا الثعابين، فقال أبو سريع: لا بد أن شيئًا في الجبل دفع بالثعابين إلى بيوتنا!

فصاح زقلط وقد بدا وكأنه يقاتل نفسه؛ لأنه لا يجد من يقاتله: طول عمرنا جيران للجبل وما حصل منه شيء.

كان زقلط ثائرًا لما أصاب ابنه، وكان حمودة لا يزال يعرج من إصابة ساقه، على حين تملك الخوف الجميع، فقالوا: إن بيوتهم لم تعد صالحة للمبيت، وإن السكان تجمهروا في الحارة.

وجاء جبل حاملًّا جرابه الخالي، فحيا الجميع، ووقف أمام الناظر والهانم في أدب وثقة.

ولم يستطع الناظر أن ينظر إليه، أما الهانم فقالت له: قيل لنا يا جبل إنك تستطيع استخراج الثعابين من بيوتنا؟

فقال جبل بهدوء: تعلمت ذلك فيما تعلمت يا صاحبة الفضل.

– دعوتك؛ لتطهر البيت من الثعابين.

فنظر جبل إلى الأفندي متسائلًا: هل يأذن لي حضرة الناظر؟

فغمغم الناظر وهو يداري حنقه وقهره: نعم.

وهنا تقدم الليثي بإيحاءٍ خفي من زقلط وسأله: وبيوتنا وبيوت الآخرين؟

فقال جبل: إن خبرتي تحت أمر الجميع.

وارتفعت أصوات بالشكر، فأجال جبل عينيه الكبيرتين في الوجوه مليًّا ثم قال: ولعلي في غير حاجة إلى تذكيركم بأن لكل شيء ثمنه كما تجري المعاملات في حارتنا!

فتطلع إليه الفتوات في دهشة فقال: علام تدهشون؟ إنكم تحمون الأحياء نظير الإتاوات، وحضرة الناظر يدير الوقف نظير التصرف في ريعه!

والظاهر أن حرج الموقف لم يسمح للأعين بالإفصاح عما في الصدور، غير أن زقلط سأله: ماذا تطلب نظير عملك؟

فقال بهدوء: لن أطلب نقودًا، ولكني أطلب كلمة شرف باحترام آل حمدان في كرامتهم وحقهم في الوقف.

وساد الصمت، فبدا أن الجو يتنفس بالحقد المكتوم. وتضاعف قلق الهانم على حين أخفى الناظر عينيه في الأرض. وعاد جبل يقول: لا تظنوا أنني أتحداكم، الحق أنني أذكركم بما يمليه عليكم الحق والعدل نحو إخوانكم المغلوبين على أمرهم. إن الخوف الذي أخرجكم من دياركم ما هو إلا جرعة مما يتجرع إخوانكم كل يوم من أيام حياتهم التعيسة.

الْتمعت في الأعين نظرات غضب سريعة كالبرق في السحاب، وسرعان ما اختفت تحت غيم الكظم. غير أن أبو سريع صاح: أستطيع أن آتيكم بأحد الرفاعية ولو نبيت خارج بيوتنا يومين أو ثلاثة أيام حتى يحضر من قريته.

فتساءلت الهانم: كيف لحارة بأكملها أن تبيت خارج بيوتها يومين أو ثلاثة؟

وكان الأفندي يفكر بكل قواه مغالبًا ما استطاع عواطف الغضب والحقد التي تستعر في صدره، وإذا به يقول مخاطبًا جبل: إني معطيك كلمة الشرف التي تطلب، فابدأ عملك.

وذهل الفتوات، غير أن الموقف لم يسمح لهم بإعلان ما في نفوسهم، وران على صدورهم همَّ قاتل. أما جبل فأمر الجميع بالابتعاد إلى أقصى الحديقة فخلا له المكان والبيت. وتجرد من ثيابه فانقلب كيوم التقطته الهانم من الحفرة المترعة بمياه الأمطار. ومضى ينتقل من مكان إلى مكان، ومن حجرة إلى حجرة، وهو يصفر صفيرًا خافتًا تارة أو يغمغم بكلام غير مبين. واقترب زقلط من الناظر وقال له: إنه هو الذي بعث بالثعابين إلى بيوتنا.

فأشار الناظر إليه بالسكوت وتمتم: دعه يخرج ثعابينه.

وأذعن لجبل ثعبان كان مختفيًا في المنور، وأخرج آخر من حجرة إدارة الوقف، فلف الثعبانين على ذراعه، وظهر بهما أمام السلاملك حيث أودعهما جرابه. وارتدى ملابسه ووقف ينتظر حتى جاء الجميع، فقال موجهًا خطابه لهم: هلموا إلى بيوتكم؛ لأطهرها.

والتفت نحو الهانم وقال بصوتٍ خافت: لولا تعاسة أهلي ما اشترطت في خدمتك شرطًا قط.

واقترب من الناظر فرفع يده تحية وقال بشجاعة: وعد الحر دين عليه.

ومضى خارجًا والجمع يسير وراءه صامتًا.

٤٠

وفق جبل في تطهير الحارة من الثعابين على مرأى من جميع أهلها. وكان كلما أذعن له ثعبان تعالى الهتاف والزغاريد حتى باتت مهارته حديث الحارة من البيت الكبير إلى الجمالية. ولما فرغ من عمله ومضى إلى ربعه تجمع حوله الغلمان والشبان وراحوا يتغنون مصفقين:

جبل .. يا نصير المساكين
جبل .. يا قاهر الثعابين.

وتواصل الغناء والتصفيق حتى بعد ذهابه. غير أنه كان لذلك رد فعل شديد في أنفس الفتوات، فما لبث أن خرج للمتظاهرين حمودة والليثي وأبو سريع وبركات، فانهالوا عليهم لعنًا وسبًّا وصفعًا وركلًا حتى تفرقوا لائذين بالبيوت، فلم يبقَ في الطريق إلا الكلاب والقطط والذباب. وتساءل الناس عن سر هذه الحملة: كيف يجزي الفتوات صنيع جبل بالاعتداء على المتظاهرين من أجله؟ وهل يحافظ الأفندي على وعده لجبل أو تكون حملة الفتوات بداية لحملة انتقام عاتية؟ ودارت هذه الأسئلة برأس جبل، فدعا رجال حمدان إلى الربع الذي يقيم فيه ليتدبروا الأمر معًا. وكان زقلط مجتمعًا في الوقت ذاته بالناظر وحرمه، وكان يقول بإصرار والحنق يلتهمه: لن نبقي منهم على أحد.

وبدا الارتياح في وجه الأفندي، غير أن الهانم تساءلت: وكلمة الشرف التي أعطاها الناظر؟

فعبس زقلط حتى انقلب وجهه أقبح من أي وجه آدمي وقال: الناس يخضعون للقوة لا للشرف.

فقالت بامتعاض: سيقولون فينا ويعيدون.

– فليقولوا ما حلا لهم، متي سكتوا عنكم أو عنا؟ إن الغرز تضج كل ليلة بالقفش والتنكيت علينا، ولكن إذا خرجنا إلى الطريق وقفوا خاشعين، وهم يخشعون خوفًا من النبوت لا إعجابًا بالشرف.

وحدجها الأفندي بنظرةٍ ممتعضة وقال: جبل هو الذي دبَّر مؤامرة الثعابين ليملي علينا شروطه، كل أحد يعرف ذلك. فمن ذا الذي يطالب باحترام كلمة أعطيت لمحتالٍ نصابٍ مخاتل؟!

وقال زقلط محذرًا ووجهه ما زال متشبثًا بقبحه: تذكري يا هانم أنه إذا نجح جبل في استخلاص حق آل حمدان في الوقف فلن يهدأ بال أحد في الحارة حتى ينال حقه أيضًا، وبذلك يضيع الوقف ونضيع جميعًا.

وقبض الأفندي على المسبحة في يده بشدة حتى طقطقت حباتها وهتف بزقلط: لا تُبقِ على أحد منهم.

ودُعي الفتوات إلى بيت زقلط ثم لحق بهم أعوانهم المقربون. وذاع في الحارة أن أمرًا خطيرًا يُدبَّر لآل حمدان، فامتلأت النوافذ بالنساء وازدحم الطريق بالرجال. وكان جبل قد أعدَّ خطته، فاحتشد رجال حمدان في حوش الربع الأوسط مدججين بالنبابيت ومقاطف الطوب على حين توزعت النساء في الحجرات وفوق السطح. وكان لكل أحد منهم عمله المرسوم، غير أن أي خطأ في التنفيذ أو انقلاب في التدبير لم يكن يعني إلا هلاكهم إلى الأبد. لذلك اتخذوا أماكنهم حول جبل وهم في غاية من التوتر والجزع. ولم تغب حالهم عن فطنة جبل فمضى يذكرهم بتأييد الواقف له ووعده للأقوياء بالنجاح، فوجد منهم قلوبًا مصدقة، بعضها عن إيمان، والبعض عن يأس. ومال الشاعر رضوان على أذن المعلم حمدان وقال له: أخاف ألَّا تنجح خطتنا، والأوفق عندي أن نحكم إغلاق البوابة ونضرب من السطح والنوافذ!

فهز حمدان منكبيه امتعاضًا وقال: إذن نقضي على أنفسنا بالحصار حتى نهلك جوعًا!

وقصد حمدان جبل وسأله: أليس الأفضل أن نترك البوابة مفتوحة؟

فقال جبل: دعها كما هي وإلا شكُّوا في الأمر.

وكانت ريحٌ باردة تهب بشدة باعثة عواء، وركضت السحب في السماء كأنها مطاردة، فتساءلوا هل ينهال المطر؟ وترامت ضجة المتجمهرين في الخارج حتى ابتلعت مواء القطط ونباح الكلاب. وهتفت تمر حنة محذرة: «جاء الشياطين!»

وحقًّا غادر زقلط بيته وسط هالة من الفتوات، يتبعهم الأعوان، ومقابضهم على نبابيتهم. ساروا على مهل حتى مدخل البيت الكبير، ثم عرجوا نحو حيِّ حمدان فقابلهم المتجمهرون بالتهليل والهتاف. وكان المهللون الهاتفون أحزابًا، منهم قلة تبتهج للعراك وتتسلى بمشاهدة الدم المسفوك، ومنهم من يحقد على آل حمدان لإدلالهم بمكانة لم يعترف لهم بها أحد. وأكثرهم حانق على الفتونة والبغي فهو يبطن الكراهية ويظهر التأييد خوفًا ونفاقًا. ولم يُلقِ زقلط إلى أحد منهم بالًا، ومضى في مسيره حتى وقف أمام ربع حمدان، وصاح: إن كان فيكم رجل فليخرج إليَّ!

فجاءه صوت تمر حنة من وراء النافذة: أعطنا كلمة شرف جديدة حتى لا يغدر بالخارج غادر!

فغضب زقلط لتعريضها بكلمة الشرف، وصاح: أليس عندكم من مجيب غير هذه الزانية؟

فصاحت تمر حنة: الله يرحم أمك يا زقلط!

وصرخ زقلط آمرًا رجاله بالهجوم على البوابة. هجم على البوابة رجال، ورمى آخرون النوافذ بالطوب حتى لا يجرؤ أحد على فتحها واستعمالها في الدفاع. وتكتل الهاجمون على البوابة وراحوا يدفعونها بمناكبهم بقوة وعزيمة. وواصلوا الدفع بشدة حتى أخذ الباب في الاهتزاز. واشتدت عزيمتهم حتى ارتج الباب وتخلخل. وتراجعوا متحفزين ثم اندفعوا نحوه بقوة وصكُّوه صكَّةً واحدة فانفتح على مصراعيه. وتراءى من خلال الدهليز الطويل الممتد وراء باب الحوش جبل ورجال حمدان وقد رفع الجميع نبابيتهم. ولوَّح زقلط بيده في حركةٍ فاضحة وأطلق ضحكةً هازئة، ثم اندفع إلى الدهليز ورجاله خلفه.

وما كادوا يتوسطون الدهليز حتى مادت أرضه بهم بغتة وهوت بمن عليها إلى قاع حفرةٍ عميقة. وفي سرعةٍ مذهلة فُتحت نوافذ الدُّور على جانبي الدهليز وانصبَّت المياه من الأكواز والحلل والطشوت والقِرَب. وتقدم رجال حمدان دون تردد ورموا الحفرة بمقاطف الطوب، ولأول مرة سمعت الحارة الصراخ يصدر عن فتواتها، ورأت الدم يتفجر من رأس زقلط والنبابيت تتخطف رءوس حمودة وبركات والليثي وأبو سريع وهم يتخبطون في المياه المطيَّنة. ورأى الأعوان ما حلَّ بفتواتهم فلاذوا بالفرار، وتُرك الفتوات لمصيرهم دون مُعين. واشتدَّ انصباب الماء، والأحجار، وتهاوت النبابيت بلا رحمة. وترامت إلى الناس استغاثات ندَّت عن حناجر لم تألف طوال حياتها إلا السب والقذف. وكان رضوان الشاعر يهتف بأعلى صوته: لا تُبقوا منهم على أحد.

واختلطت المياه المطينة بالدم، وكان حمودة أول الهالكين، وعلا صراخ الليثي وأبو سريع، وتشبثت يدا زقلط بجدار الحفرة يريد أن يثب وقد تجلى الحقد في عينيه، وراح يغالب الإعياء والخور، ويزفر أنات كالخوار، فانهالت عليه النبابيت حتى تهاوى إلى الوراء وتراخت يداه عن الجدار فسقط في الماء وفي كل راحة من راحتيه قبضة من طين! وساد الصمت الحفرة. لم تَنِدَّ عنها حركة ولا صوت واصطبغ سطحها بالطين والدم. ووقف رجال حمدان ينظرون وهم يلهثون. وتزاحم عند مدخل الدهليز المتجمهرون وهم يرددون في الحفرة نظراتٍ ذاهلة. وصاح رضوان الشاعر: هذه عاقبة الظالمين.

وجرى الخبر في الحارة كالنار. وقال المتجمهرون إن جبل قد أهلك الفتوات كما أهلك الثعابين! وهتف له الجميع بأصوات كالرعد. ولفحهم الحماس فلم يبالوا بالريح الباردة. ونادوا به فتوة لحارة الجبلاوي. وطالبوا بجثث الفتوات ليمثلوا بها. وصفقت الأيدي وراح قوم يرقصون. ولم يَنِ جبل عن التفكير لحظة. وكان كل شيء مدبرًا في رأسه. فصاح بأهله: هلموا الساعة إلى بيت الناظر.

٤١

في الدقائق التي سبقت خروج جبل وأهله من الربع تفجرت الأنفس عن براكينَ حامية.

غادرت النسوة البيوت منضمات إلى الرجال. وهاجم الجميع بيوت الفتوات فاعتدت الأيدي والأرجل على أهاليهم حتى فروا بأرواحهم وهم يتحسسون أقفيتهم وخدودهم مصعدين التأوهات سافحين الدموع. أما البيوت فقد نُهب كل ما فيها من أثاث وطعام ولباس، وحُطم كل قابل للتحطيم من أخشابها وزجاجها حتى انقلبت خرابًا يبابًا. وانطلقت الجموع الغاضبة نحو بيت الناظر؛ فتكتلت أمام بوابته المغلقة وراحت تهتف وراء منادٍ منها بأصوات كالرعود: هاتوا الناظر …

– وإن ما جاش …

ثم يختمون الهتاف بالتهليل الساخر الهازئ. واتجه البعض إلى البيت الكبير منادين جدهم الجبلاوي أن يخرج من عزلته؛ ليعالج ما فسد من أمورهم وأمور حارتهم. وراح آخرون يدقون بوابة الناظر بأكفِّهم ويدفعونها بمناكبهم محرضين المترددين المهيبين على اقتحامها.

وفي تلك اللحظة الحرجة جاء جبل على رأس أهله نساءً ورجالًا، يسيرون في قوة وعزم بما أحرزوا من فوزٍ مبين. وأوسعت الجموع لهم، وتعالى الهتاف والزغاريد حتى أشار جبل لهم بالسكوت فأخذت أصواتهم تخفُّ رويدًا رويدًا حتى ساد الصمت وعاد عواء الريح يصك الآذان مرةً أخرى. ونظر جبل في الوجوه المتطلعة إليه وقال: يا أهل حارتنا، أحييكم وأشكركم.

فارتفعت الأصوات بالهتاف ثانية حتى رفع يده مطالبًا بالسكوت، ثم قال: لن يتم عملنا حتى تتفرقوا في هدوء.

فترامى إليه من حناجرَ شتى: نريد العدل يا سيد حارتنا.

فقال بصوت سمعه الجميع: اذهبوا في هدوء، ولسوف تتحقق إرادة الواقف.

وتعالى الهتاف للواقف ولابنه جبل. ووقف جبل يحث بنظراته الجموع على الذهاب. وكانوا يودون لو يبقون في أماكنهم ولكنهم لم يجدوا بدًّا أمام نظراته من التفرق فأخذوا يذهبون واحدًّا في أثر واحد حتى خلا المكان منهم. عند ذاك مضى جبل إلى باب الناظر وطرقه صائحًا: افتح يا عم حسنين.

فجاءه صوت الرجل المرتعد وهو يقول: الناس .. الناس.

– لا أحد هنا غيرنا.

وفتح الباب فدخل جبل، ودخل وراءه أهله. واخترقوا الممر المعروش إلى السلاملك فرأوا الهانم واقفة أمام باب البهو في استسلام، على حين بدا الأفندي على عتبة الباب، خافض الرأس شاحب الوجه كأنه ملثم بكفنٍ أبيض. وندَّت عن الأفواه لدى رؤيته دمدمة، فقالت هدى هانم متأوِّهة: إني بحالٍ سيئة يا جبل.

فأشار جبل نحو الأفندي بازدراء وقال: لو نجحت مكيدة هذا الرجل الفاقد الشرف، لكنَّا الآن جميعًا جثثًا ممزَّقة.

فأجابت الهانم بتنهدةٍ مسموعة دون كلام. فحدج جبل الناظر الخائر بنظرةٍ قاسية وقال: ها أنت ذا ترى نفسك ذليلًا بلا حول ولا قوة، لا فتوة يحميك، ولا شجاعة تؤيدك، ولا مروءة تشفع لك. ولو شئتُ أن أخلي بينك وبين أهل حارتنا لمزقوك إربًا ولداسوك بالأقدام.

ارتعدت فرائص الرجل وبدا وكأنه تقوَّض وضؤل، غير أن الهانم تقدمت من جبل خطوة وقالت برجاء: لا أحب أن أسمع منك غير ما عهدتُ من طيب الكلام، ونحن في حالٍ عصيبة تستحق من مروءتك الرحمة في المعاملة.

فقطب جبل ليداري تأثره وقال: لولا منزلتك عندي لجرت الأمور بغير ما جرت به.

– لا أشك في ذلك يا جبل، إنك رجل لا يخيب عنده الرجاء.

فقال جبل متأسفًا: ما كان أيسر أن يقوم العدل دون إراقة نقطة من الدم!

فندَّت عن الأفندي حركةٌ غامضة فضحت تخاذله وازداد انكماشًا، فقالت الهانم: قد كان ما كان، ولن تلقى منا إلا آذانًا مصغية!

وبدا أن الناظر يريد أن يخرج من صمته بأي ثمن، فقال بصوتٍ ضعيف: ثمة فرصة لإصلاح ما سلف من أخطاء.

أرهفت الآذان لسماع كلامه رغبة في الاطلاع على حال الجبار إذا تخلَّى عنه جبروته، وكانوا يرمقونه بتشفٍّ قليل وإنكار وحب استطلاع لا حد لهما. وتشجع الأفندي بتغلبه على الصمت فقال: تستطيع اليوم أن تحتل مكانة زقلط عن جدارة.

فتجهَّم وجه جبل وقال بازدراء: ليست الفتونة مطلبي، فابحث لحمايتك عن غيري، وما أريد إلا حقوق آل حمدان كاملة.

– هي لكم دون نقصان، ولك إدارة الوقف إن شئت.

فقالت هدى برجاء: كما كنتَ يا جبل من قبلُ.

وهنا صاح دعبس من بين آل حمدان: ولم لا يكون الوقف كله لنا؟

وسرت همهمة في آل حمدان حتى اصفرَّ وجه الناظر وزوجه حتى الموت. غير أن جبل قال بقوةٍ غاضبة: أمرني الواقف باسترداد حقكم لا باغتصاب حقوق الآخرين.

فتساءل دعبس: ومن أدراك أن الآخرين سيأخذون حقوقهم؟

فصاح به جبل: لا شأن لي بذلك، وإنك لا تكره الظلم إلا إن وقع عليك؟!

فقالت الهانم بتأثر: نعم الرجل الأمين أنت يا جبل! ولشد ما أرجو أن تعود إلى بيتي.

فقال جبل بتصميم: سأقيم في ربوع آل حمدان.

– إنها لا تليق بمقامك.

– عندما يجري الخير بين أيدينا سنرفعها إلى مقام البيت الكبير، وتلك رغبة جدنا الجبلاوي!

ورفع الناظر عينَيه في شيء من التردد إلى وجه جبل وقال: إن ما بدر اليوم من أهل الحارة يهدد أمننا؟

فقال جبل باحتقار: لا شأن لي بما بينك وبينهم.

وإذا بدعبس يقول: إذا احترمتَ عهدنا فلن يجرؤ أحد منهم على تحدِّيك!

فقال الناظر بحماس: سيسجل حقكم على رءوس الأشهاد!

وهنا قالت هدى برجاء: ستتناول يا جبل عشاءك معي الليلة، هذه رغبة أم!

وفطن جبل إلى ما ترمي إليه من إعلان المودة بينه وبين بيت الناظر، ولم يكن في وسعه أن ينبذ رغبتها، فقال: لك ما تشائين يا سيدتي.

٤٢

وابيضَّت الأيام التالية بأفراح آل حمدان أو آل جبل كما باتوا يُدعون؛ فتحت قهوتهم أبوابها، وتربع رضوان الشاعر على الأريكة يلعب بأوتار الرباب، وجرت البوظة أنهارًا، وانعقدت في سماء الحجرات سحب الحشيش، ورقصت تمر حنة حتى انحلَّ وسطها. ولم يبالوا بأن يكشفوا عن قاتل قدرة، وصُوِّر لقاء الجبلاوي بجبل في هالات من نور الخيال. وكانت تلك الأيام بالنسبة لجبل وشفيقة أطيب الأيام. وقد قال لها: ما أجمل أن ندعو البلقيطي للإقامة معنا!

فقالت وهي تعاني متاعب المخاض الوشيك: نعم كي يستقبل حفيده ببركته.

فقال الرجل ممتنًّا: أنتِ قدم السعد يا شفيقة، وستجد سيدة زوجًا كفؤًا من آل حمدان.

– قل آل جبل كما يقولون، فإنك خير من عرف هذا الحي.

فقال باسمًا: بل أدهم خيرنا جميعًا، كم تمنى حياة النعيم حيث لا عمل للإنسان إلا الغناء، وسوف يتحقق لنا حلمه الكبير!

وتراءى دعبس وهو سكران يرقص في جمع من آل جبل، فلما رأى جبل مقبلًا لوح بنبوته جذلًا وقال له: إنك لا تبغي الفتونة، سأكون أنا الفتوة.

فصاح به ليسمع الجميع: لا فتونة في آل حمدان، ولكن ينبغي أن يكونوا جميعًا فتوات على من يطمع فيهم.

ومضى الرجل إلى القهوة فتبعه الجميع وهم يترنحون من السكر. وكان جبل سعيدًا فقال لهم: إنكم أحب أهل الحارة إلى جدكم، فأنتم سادة الحارة دون منازع، ولذلك ينبغي أن يسود بينكم الحب والعدل والاحترام، ولن تُرتَكب جريمة في حيكم أبدًا.

وترامى الطبل والغناء من بيوت آل حمدان، وأشرقت أنوار الأفراح في حيهم، على حين غرقت الحارة في ظلمتها المألوفة، وتجمع صغارها عند مشارف حي آل حمدان يتفرجون من بعيد. وإذا برجال من أهل الحارة يفِدون على القهوة بوجوههم الكالحة. استُقبلوا بالمجاملة ودعوا إلى الجلوس وقُدِّم لهم الشاي. وحدس جبل أنهم لم يجيئوا لخالص التهنئة. وصدق حدسه إذ قال له زناتي وكان أكبرهم سنًّا: يا جبل، إننا أبناء حارةٍ واحدة، وجَدٍّ واحد، وأنت اليوم سيد الحارة ورجلها الأقوى، وأنْ يسود العدل الأحياء جميعًا خير من أن يسود حيَّ حمدان وحده.

لم يتكلم جبل، وبدا الفتور في وجه آل جبل. ولكن الرجل قال بعزم: بيدك أن تجري العدل في الحارة كلها.

لم يهتم جبل بأهل الحارة من أول الأمر، ولم يكن أحد من آله يهتم بهم. بل إنهم شعروا بالاستعلاء عليهم حتى في أيام محنتهم. وقال جبل برقِّة: وصاني جدِّي بأهلي.

– ولكنه جد الجميع يا جبل.

فقال حمدان: في هذا الكلام موضع للنظر.

وتفرس في الوجوه ليتابع أثر قوله، فرأى انقباضها يشتد فاستطرد: أما علاقتنا به فقد أكدها بنفسه في لقاء الخلاء!

وبدا زناتي لحظة وكأنه يود أن يقول: «في هذا الكلام موضع للنظر» ولكن غلبه الانكسار فقال مسائلًا جبل: أيرضيك ما نحن فيه من فقر وذل؟

فقال جبل دون حماس: كلا، ولكن لا شأن لنا بذلك.

فتساءل الرجل في إصرار: وكيف لا يكون لكم شأن بذلك؟

وساءل جبل نفسه بأي حق يكلمه ذلك الرجل على هذا النحو؟ لكنه لم يغضب، وجد بنفسه جانبًا يكاد أن يعطف على الرجل، غير أن جانبًا آخر منه استنكر أن يخوض متاعب جديدة من أجل الآخرين. ومَن هم هؤلاء الآخرون؟ وجاء الجواب على لسان دعبس حين صاح بالرجل: أنسيتم ما كنتم تعاملوننا به يوم محنتنا؟

فغضَّ الرجل من بصره مليًّا ثم قال: من ذا الذي كان يستطيع أن يجهر برأي أو يعلن عاطفة في أيام الفتوات؟ وهل كان الفتوات يعفون عن أحد يعامل الناس بغير ما يرتضون؟

فزم دعبس شفتيه في استعلاء واستنكار وقال: كنتم وما زلتم تحسدوننا على مكانتنا في الحارة، ولعلكم سبقتم الفتوات إلى ذلك!

فأحنى زناتي رأسه في قنوط وقال: سامحك الله يا دعبس!

فصاح دعبس دون رحمة: اشكروا رجلنا؛ لأنه لم يقبل أن يوجه لكم يد الانتقام!

وتوزعت الأفكارُ المتضاربة جبلَ فلاذ بالصمت. أشفق من أن يمد يد العون. ولم يرتح إلى الجهر بالرفض. ووجد الرجال أنفسهم حيال تأنيبٍ قارع من دعبس، ونظراتٍ باردة تعكسها أعين الآخرين، وصمت لا أمل فيه عند جبل، فنهضوا خائبين، وذهبوا من حيث أتوا. وصبر دعبس حتى اختفوا ثم حرك قبضة يمناه في بذاءة وهتف: إلى حيث ألقت يا أولاد الخنازير.

فصاح جبل: الشماتة ليست من شيم السادة!

٤٣

كان يومًا مشهودًا يوم تسلم جبل حصة آله من الوقف. واتخذ في حوش الربع — ربع النصر — مجلسه ودعا إليه آل حمدان. وأحصى ما في كل أسرة من أنفس ووزع الأموال بالتساوي فيما بينهم، وحتى شخصه لم يخصه بامتياز. ولعل حمدان لم يرتح إلى هذه العدالة كل الارتياح، ولكنه عَبَّر عن مشاعره بطريقةٍ غير مباشرة فخاطب جبل قائلًا: ليس العدل أن تظلم نفسك يا جبل!

فقطب جبل قائلًا: أخذت نصيب اثنين، أنا وشفيقة.

– ولكنك رئيس هذا الحي.

فقال جبل بصوت سمعه الجميع: ما ينبغي لرئيس القوم أن يسرقهم.

وبدا دعبس وهو ينتظر نتيجة المحاورة في قلق، ثم قال: جبل غير حمدان، وحمدان غير دعبس، ودعبس غير كعبلها!

فقال جبل معارضًا في غضب: تريد أن تجعل من الأسرة الواحدة سادة وخدمًا!

ولكن دعبس تشبث برأيه وقال: فينا صاحب القهوة والبائع الجوال والمتسول، فكيف تسوي بين هؤلاء؟! وأنا كنت أول من خرج على الحصار حتى تعرضت لمطاردة قدرة، وأول من لاقاك في غربتك، وأول من تحمس لرأيك بعد ذلك والقوم مترددون!

اشتد الغضب بجبل فصاح به: مادح نفسه كذاب، والله إن أمثالك ليستحقون الظلم الذي حاق بهم.

وأراد دعبس مواصلة الجدل، ولكنه تبين في عيني جبل غضبًا من نار فتراجع، وغادر المجلس دون أن ينبس. وقصد عند المساء غرزة عتريس الأعمش، وجلس في حلقة الجالسين يدخن مجترًّا همومه. وأراد أن يتسلى فدعا كعبلها إلى المقامرة، فلعبا السيجة، ولم تكد تمضي نصف ساعة حتى خسر نصيبه من ريع الوقف! وضحك عتريس وهو يغير ماء الجوزة وقال: يا سوء بختك يا دعبس! الفقر مكتوب عليك ولو على رغم إرادة الواقف!

فغمغم دعبس بحقد وقد طير الخسران السُّطَل من مخه: ليس بهذه السهولة تضيع الثروات!

فأخذ عتريس نفسًا من الجوزة؛ ليضبط كمية المياه بها ثم قال: لكنها ضاعت يا ابن والدي!

كان كعبلها يسوِّي الأوراق المالية بعناية، ثم رفع يده بها؛ ليدسها في صدره، لكن دعبس منعه بيد وأشار بالأخرى إشارة خاصة أن يرد النقود! وقطب كعبلها وقال: لم تعد نقودك ولا حق لك فيها!

فصاح دعبس: دع النقود يا ابن الزبالة!

ونظر عتريس نحوهما بقلق وقال: لا تتشاجرا في بيتي.

فصاح دعبس وهو يشد على يد كعبلها: لن يسرقني ابن الزانية!

– اترك يدي يا دعبس، أنا لم أسرقك.

– يعني ربحتها في تجارة؟

– لماذا قامرت؟

فلطمه بشدة وهو يقول: نقودي، قبل أن أكسر عظامك.

ونتش كعبلها يده فجأة؛ فثار غضب دعبس لحد الجنون وضربه بسبابته في عينه اليمنى.

صرخ كعبلها صرخةً عالية، وانتفض واقفًا، ثم غطى عينيه بكفيه تاركًا الأوراق تتهاوى إلى حجر دعبس، وترنح من الألم، ثم سقط وراح يتلوى ويئن أنينًا موجعًا. والتفَّ حوله الجالسون، على حين جمع دعبس النقود وأعادها إلى صدره. وإذا بعتريس يقترب منه قائلًا في هلع: صفَّيت عينه!

فارتاع دعبس مليًّا، ثم وقف فجأة وغادر المكان.

وقف جبل في حوش النصر في جمع من رجال آل حمدان، والغضب يتفجر من عينَيه وشدقَيه، وجلس كعبلها القرفصاء وقد شد على عينه رباطًا محكمًا، على حين وقف دعبس يتلقى ثورة جبل في صمت وخذلان. وأراد حمدان أن يهدئ من ثورة جبل، فقال بلين: سيرد دعبس النقود إلى كعبلها.

فصاح جبل بأعلى صوته: فليرد إليه بصره أولًا.

فبكى كعبلها وقال الشاعر رضوان متأوهًا: ليت في الإمكان رد البصر.

فقال جبل وقد أظلم وجهه كالسماء الراعدة البارقة: ولكن في الإمكان أن تؤخذ عين بعين!

وحملق دعبس في وجه جبل متوجسًا، وأعطى حمدان النقود وهو يقول: كنت فاقد العقل من الغضب، وما قصدت إيذاءه.

فتفرس جبل في وجهه بحنق طويلًا، ثم قال بصوتٍ رهيب: عين بعين والبادئ أظلم.

تبودلت نظرات الحيرة. لم يُرَ جبل أغضب منه اليوم. وقد برهنت الأحداث على قوة غضبه، كغضبته يوم ركل بيت النعيم، وكغضبته يوم قتل قدرة. حقًّا إنه لشديد الغضب، وإذا غضب لم يردعه عن هدفه رادع. وهمَّ حمدان بالكلام ولكنه بادره قائلًا: إن الواقف لم يؤثركم بحبه ليعتدي بعضكم على بعض، فإما حياة تقوم على النظام، وإما فوضى لن تبقي منكم على أحد؛ لذلك أصر على تصفية عينك يا دعبس.

وركب الرعب دعبس فصاح: لن تمسني يد ولو قاتلتكم جميعًا.

فانقضَّ عليه جبل كالثور الهائج وضربه بجماع يده في وجهه ضربة هائلة سقط على أثرها دون حراك. وأقامه وهو فاقد الوعي، واحتضنه من الخلف شادًّا ذراعيه حول جسمه، والتفت نحو كعبلها قائلًا بلهجةٍ آمرة: قم فخذ حقك.

وقام كعبلها ولكنه وقف مترددًا، على حين تعالى الصراخ من مسكن دعبس. وحدج جبل كعبلها بنظرةٍ قاسية وصاح به: تقدم قبل أن أدفنك حيًّا.

واتجه كعبلها نحو دعبس، وبسبابته ضرب عينه اليمنى حتى انفقأت عينه على مرأى من الجميع. واشتد الصراخ من بيت دعبس، وبكى بعض أصدقاء دعبس، مثل: عتريس وعلي فوانيس، فصاح بهم جبل: يا لكم من جبناء وأشرار! والله ما كرهتم الفتونة إلا لأنها كانت عليكم، وما إن يأنس أحدكم في نفسه قوة حتى يبادر إلى الظلم والعدوان، وما للشياطين المستترة في أعماقكم إلا الضرب بلا رحمة ولا هوادة، فإما النظام وإما الهلاك.

وترك دعبس بين أيدي أصحابه وذهب. وكان لذلك الحادث في النفوس أثر وأي أثر. كان جبل من قبلُ رئيسًا محبوبًا، وكان آله يظنونه فتوة لا يريد أن يتخذ لنفسه اسم الفتونة أو شعارها، فأصبح من بعده مخوفًا مرهوبًا، وتهامس أناس بقسوته وظلمه ولكن هؤلاء وجدوا دائمًا مَن يرد عليهم قولهم ويذكِّر بالوجه الآخر لقسوته، وهو الرحمة بالمعتدى عليهم، والرغبة الصادقة في إقامة نظام يضمن العدل والنظام والإخاء في آل حمدان. ووجد هذا الرأي الأخير كل يوم ما يسنده في فعال الرجل وأقواله حتى آنس إليه من استوحش، وآمن من خاف، ومال من جفا، وحرص الجميع على النظام فلم يجاوز حدوده أحد. وسادت الاستقامة والأمانة في أيامه، فلبث بينهم رمزًا للعدالة والنظام، حتى غادر الدنيا دون أن يحيد عن مسلكه قيد أنملة.

•••

هذه قصة جبل.

كان أول من ثار على الظلم في حارتنا. وأول من حظي بلقيا الواقف بعد اعتزاله. وقد بلغ من القوة درجة لم ينازعه فيها منازع. ومع ذلك تعفف عن الفتونة والبلطجة والإثراء عن سبيل الإتاوة وتجارة المُخَدِّرات، ولبث بين آله مثالًا للعدل والقوة والنظام. أجل لم يهتم بالآخرين من أبناء حارتنا. ولعله كان يضمر لهم احتقارًا وازدراء كسائر أهله. لكنه لم يعتدِ على أحد منهم ولا تعرض له بسوء، وضرب للجميع مثالًا جديرًا بالاحتذاء.

ولولا أن آفة حارتنا النسيان ما انتكس بها مثال طيب.

لكن آفة حارتنا النسيان.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤